تدني أسعار النفط يجبر الشركات الأميركية الصغيرة على التقشف

مسؤولة عن 10 % من الإنتاج الأميركي.. وبعضها يستدين لسداد الرواتب

عامل يملئ أحد الخزانات بالولاية الأميركية أوكلاهما (نيويورك تايمز)
عامل يملئ أحد الخزانات بالولاية الأميركية أوكلاهما (نيويورك تايمز)
TT

تدني أسعار النفط يجبر الشركات الأميركية الصغيرة على التقشف

عامل يملئ أحد الخزانات بالولاية الأميركية أوكلاهما (نيويورك تايمز)
عامل يملئ أحد الخزانات بالولاية الأميركية أوكلاهما (نيويورك تايمز)

تضرر قطاع النفط في ولاية أوكلاهوما الأميركية بدرجة كبيرة نتيجة للانخفاض الحاد في الأسعار عالميا، وباتت الأزمة تهدد الشركات الصغيرة التي استمرت في العمل على مدى عقود شهدت فيها فترات ازدهار كما اجتازت فترات عصيبة.
وتتكبد شركة «موران أويل» خمسة دولارات عن كل برميل من إنتاجها البالغ 205 براميل يوميا، مما دفع الشركة لاستدانة 30.000 دولار الشهر الحالي لسداد رواتب 24 موظفا ومقاولا يعملون لديها.
عبر أحد الشركاء بشركة «بي كي أر اكسبلوريشن» عن استيائه الشديد من مسألة سداد الديون المتراكمة، الأمر الذي اضطرره إلى أخذ نفايات بيته للمكتب كي يوفر 25 دولارا شهريا، يتحتم عليه سدادها لجامع القمامة الذي يحضر للبيت.
واضطرت شركة كولومبوس للنفط، التي تتكبد خسائر تتعدى 10.000 دولار شهريا، إلى التخلي عن ماكينة مستأجرة لوضع طوابع البريد آليا. وتساءلت دارلين والاس، رئيسة شركة كولومبوس أويل التي تفكر في بيع منزلها بولاية أوكلاهوما لتقيم في الشقة الكائنة فوق مكتبها: «إلى أي مدى يتحتم علي تحمل نزيف المال؟».
تعتبر شركة والاس واحدة من 7500 شركة صغيرة، أغلبها شركات خاصة، تدير أكثر من 400.000 حقل نفطي قديمة منتشرة في مختلف أرجاء الولايات المتحدة، وتعرف تلك الشركات الصغيرة باسم «ستريبرز» (أو المجردين) لأن مجال عملها هو الحصول على ما تبقى من نفط حتى آخر برميل في الحقول بعد انتهاء جدواها بالنسبة للشركات العملاقة.
وتخضع تلك الشركات لملكية العائلات وتنتقل ملكيتها من جيل لآخر، وينتج البئر الواحد في المتوسط نحو 15 برميلا يوميا، بيد أن إجمالي إنتاج كل تلك الآبار مجتمعة يعتبر كبيرا حيث يتعدى المليون برميل يوميا، أي أكثر من 10 في المائة من إجمالي إنتاج الولايات المتحدة.
تعاني الشركات التي تدير تلك الآبار الصغيرة معاناة مريرة كي تبقى في السوق وإلا فالخيار المتاح أمامها جميعا هو الإغلاق، وهو ما يشكل ضغطا على البنوك المحلية وشركات الشحن وغيرها من الشركات الخدمية التي تدير تلك الحقول، إذ يتحتم على الشركات التي تستمر في العمل سداد رواتب كبيرة وتأمين صحي لعامليها.
فأصحاب الشركات المتوسطة الذين اعتادوا على السفر لقضاء العطلة بالخارج بشكل منتظم، والذين اعتادوا توفير بعض المال لسداد المصروفات الجامعية لأبنائهم، الآن تحتم عليهم توفير رسوم اشتراك القنوات التلفزيونية والامتناع عن الذهاب لتناول العشاء في المطاعم.
«الكساد هو الوصف الأمثل للوضع الحالي»، وفق مايك كانتريل، اختصاصي النفط ورئيس اتحاد شركات النفط الصغيرة.
وتراجعت الضرائب التي تسددها نحو 7500 شركة نفط صغيرة بواقع 15 في المائة في العام المالي الحالي. كذلك تعاني الطرق الزراعية التي تربط تلك الآبار بمنطقة سيمينول كاونتي من توقف العمل بعد أن تكبدت الشركات الكثير في تعبيدها لتسهيل سير الشاحنات ومنعها من التلف.
في ذات السياق، عبر ستيف ساكسون، رئيس قرية سيمينول، عن شعوره قائلا: «ينتابنا قلق شديد»، حيث تمثل شركات النفط الصغيرة العمود الفقري لغالبية السكان الريفيين الذين يعيشون في مساحة تغطي ثلثي الولايات المتحدة تقريبا، منها ولايات تكساس، وكاليفورنيا، وايلونويز، ولويزيانا، وأوهايو، وكنساس، وكنيتاكي، ويعمل بها نحو 150.000 عامل.
وبعيدا عن فقدان الوظائف، أفاد القائمون على صناعة النفط ومحللو الطاقة بأن الإقدام على إغلاق آلاف الآبار قد يتسبب في تراجع إنتاج النفط بواقع 400.000 برميل يوميا على الأقل. وحتى الآن، جرى إغلاق ربع عدد الآبار ذات الإنتاج المتواضع، وفق بعض التقديرات، والتي لا يتعدى إنتاج الواحد منها نصف برميل يوميا.
ووفق المسؤولين عن قطاع شركات النفط الصغيرة، تمر تلك الشركات بوضع مالي حرج في الوقت الحالي للدرجة التي أصبح معها استمرار تدني الأسعار لشهور معدودة يعني إغلاق نصف عدد الآبار بحلول الصيف القادم أو بنهاية العام على أكثر تقدير، فالأمر لا يتطلب سوى ضغطة زر بسيطة لإغلاق مضخات النفط.
«بدأت عملي في قطاع النفط بالشركات الصغيرة (ستريبرز) منذ حقبة السبعينات من القرن الماضي، ولم نمر بتلك الظروف من قبل»، حسب باتريك مونتابلان، المدير التنفيذي بشركة «مونتين فيو إنيرجي» التي تدير أكثر من 80 بئرا نفطيا صغيرا بمنطقة مونتانا.
وبحسب مونتابلان، فقد نصف العاملين الذين يديرون نحو 2000 بئر نفطي بمنطقة مونتانا وظائفهم بالفعل، مشيرا إلى أنه اضطر إلى تقليص عدد العاملين لديه إلى 8 فقط من إجمالي 25 عاملا وقلص أجورهم أكثر من 20 في المائة منهم أجره الشخصي.
وتراجع إنتاج النفط الأميركي، الذي قارب 9.7 مليون برميل يوميا بداية العام الماضي، بواقع نصف مليون برميل.. على الرغم من زيادة الإنتاج من الحقول البحرية بخليج المكسيك وحقول النفط الصخري.
ويأتي أغلب الإنتاج من الحقول الصغيرة التي أغلقت بالفعل، بيد أن تقديرات الإنتاج تتفاوت نظرا لتباعد المسافات بينها، ولا تحظى باهتمام الحكومة والمحللين الذين يركزون اهتمامهم على الشركات الحكومية الكبرى.
وأفاد ديفيد برسيل، محلل بشركة تيودور بيكرنغ هولت، بأن «إمكانية تحقيق التوازن في السوق تعتبر كبيرة جدا»، وقدر أن التراجع في أعداد آبار الإنتاج الصغيرة قد يفوق نصف الإنتاج الإيراني الجديد الذي تعتزم الحكومة الإيرانية بيعه بعد رفع العقوبات الاقتصادية عنها في ضوء الاتفاق النووي الذي أبرم مؤخرا.
وتعتمد توقعات برسيل بشأن تراجع إنتاج الشركات الصغيرة على تقديراته بارتفاع متوسط عائدات البئر الواحد لتبلغ 1800 دولار شهريا بناء على السعر الحالي، في حين أن كلفة تشغيل البئر تبلغ 2000 دولار بسبب النفقات التي تشمل الكهرباء، والمواصلات، والتأمين، والتخلص من المياه المستخرجة، وهي النفقات التي لم يعد يطيقها أحد في ضوء الأسعار الجديدة.
كانت المرة الأخيرة التي حدث فيها مثل هذا الانهيار الحاد في أسعار النفط في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، عندما أقدم نحو نصف المنتجين الصغار على امتداد الولايات المتحدة على إغلاق مكاتبهم، وإن لم يكن الإغلاق نهائيا حيث عاد غالبيتهم للعمل بعد ارتفاع الأسعار مجددا. وفي نهاية حقبة التسعينات، حدث أن هبطت الأسعار مجددا، مما جعل إنتاج الحقول الصغيرة أشبه بإدارة الاحتياطي النفطي الذي يستطيع مشغلوه إدارته أو إيقافه حسب السعر.
في الظروف الاعتيادية، يحرص المشغلون على الاستمرار في الإنتاج من الحقول الكبيرة لضمان التدفق النقدي، على اعتبار أن توقف الإنتاج يتسبب في تعطل للإيجارات التي يتعين عليهم سدادها ويتسبب في إضرار للآبار نفسها. لكن عندما يحتاج البئر إلى صيانة، يفكر أصحاب تلك الآبار في الخسائر المتوقعة، إذ أن كلفة صيانة بئر عميق واحد تتكلف 20.000 دولار على الأقل. وفي فترة الثمانينات، وقبل أن تتولى والاس إدارة شركة كولومبوس أويل عام 2004 بعد وفاة زوجها، قلصت الشركة رواتب موظفيها، واقترضت المال، ورهنت العقارات، وأغلقت نصف عدد الآبار لديها التي تبلغ 36 بئرا، غير أن الأسعار ارتفعت مجددا ونجت الشركة. ومرة أخرى في التسعينات، اقترضت الشركة المال وأغلقت بعض الآبار مجددا. «لم نكسب أي مال لفترة طويلة»، وفق والاس التي قضت فترة طويلة ترعى أطفالها في البيت.
غير أن وضع والاس المالي أصبح أفضل من ذي قبل لأنها، هي وتسعة من شركائها، كانوا على قدر من الفطنة جعلتهم يبيعون 11 بئرا تنتج النفط والغاز في فبراير (شباط) 2014 عندما بلغت أسعار النفط الذروة، وتمت الصفقة مقابل 900.000 دولار. والآن تقوم والاس بمراجعة 26 بئرا تبقت لديها لتحدد الأنسب للتشغيل.
وفى يونيو (حزيران) الماضي، كانت شركة والاس تنتج 50 برميلا يوميا، وبعد إغلاق بعض الآبار تراجع الإنتاج إلى 40 برميلا، وبحلول الصيف القادم، تتوقع والاس تراجع الإنتاج الآن إلى 25 برميلا بعد إغلاق المزيد من الآبار.
قبل أيام، وعند زيارتها لأحد الآبار التي جرى حفرها في الأربعينات، شاهدت والاس زوج ابنتها، كلينت ريتز، الذي يعمل بشركتها كعامل ضخ، أثناء فحصه لمستوى التسرب والضغط، وعندما هم بفتح الحاوية لعمل القياس، فاحت رائحة البترول المميزة في الهواء.
«في السابق كنا نقول: إن هذه رائحة المال، لكن الآن أصبحنا نقول إنها رائحة الدين»، وفق والاس.
* خدمة «نيويورك تايمز»



تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.