حين خطّأ هيوم التصور السائد حول السببية التي تقوم على الضرورة

الاستدلال الشائع عن طريقها ومحاججة الغزالي وبرتراند راسل

حين خطّأ هيوم التصور السائد حول السببية التي تقوم على الضرورة
TT

حين خطّأ هيوم التصور السائد حول السببية التي تقوم على الضرورة

حين خطّأ هيوم التصور السائد حول السببية التي تقوم على الضرورة

تعد لفظة «السببية»، من الألفاظ الشائعة جدا، ليست فقط في إطار العلم، بل حتى في لغتنا الدارجة. فنسمع كلاما وكأنه قول مأثور من قبيل «لكل شيء سبب»، أو إذا «عرف السبب بطل العجب»، أو «تعددت الأسباب والموت واحد». وهذا يدل على توغل الاستدلال بطريق السببية، لتفسير الأشياء، إلى عمق التفكير البشري. فالحرارة سبب تمدد الحديد. وكسر الأنف، في ملاكمة، هو نتيجة اللكمة. وارتفاع منسوب الزئبق في الترمومتر، هو نتيجة ارتفاع الحرارة. ووجود أثر قدم في مكان، يدل على أن شخصا قد مر من هناك. ووجود الغيوم يدل على تساقط المطر. وهكذا، فحياتنا مغمورة بالأحداث التي تفسر وفق السبب الذي تتبعه النتيجة. فالعقل البشري، يرى الطبيعة تتصرف وفق هيئة مطردة ونظام ثابت. فهي ليست فوضى ولا خبط عشواء. إذ لا تحصل الأحداث من دون أسباب. لهذا يعد مبدأ «إن لكل شيء سببا»، مبدأ أساسيا في كل معرفة بشرية عامة أو علمية.
إن مبدأ السببية، يبدو واضحا حتى في مملكة الحيوان. فالحيوانات، تتجنب مثلا، مكانا تعرضت فيه للأذى في الماضي، ظنا منها أن ما آذاها مرة يمكن أن يؤذيها مرة أخرى. كما أنها تعود إلى المكان الذي وجدت فيه غذاءها يوما. فالحيوانات تتحرك، بدورها، وفق مبدأ التكرار والتتابع، وكأن في ذهنها، يترابط السبب والنتيجة، أو ما يسميه العقل البشري، «اطراد الطبيعة»، أي أن ما حدث مرة سوف يحدث ثانية في الظروف المتشابهة. فالأمور تسير وفق نمط واحد ومحدد.
إن التفسير بالسببية، أمر صاحب الإنسان على الدوام. فمثلا، في العصور القديمة والعصور الوسطى، اعتبرت السببية العنصر الأساسي والحاسم، سواء في الفيزياء لتفسير الظواهر الطبيعية أو ما وراء الطبيعية، لإثبات وجود كائن أسمى، هو علة أولى، أو صانع، أو محرك أول، أو منظم ومتحكم في سير الظواهر. وإذا ما أخذنا نموذج أرسطو باعتباره المعلم الأول، فنحن نعرف أنه قد وضع للظواهر أربعة أسباب، وهي: السبب الصوري، والسبب المادي، والسبب الفاعل، والسبب الغائي. فإذا أخذنا الكرسي، فسببه الصوري هو شكله، وسبب المادي هو الخشب، وسببه الفاعل هو النجار، وسببه الغائي هو الجلوس.
أما في الزمن الحديث، فسيجري الاقتصار فقط على سبب واحد هو السبب الفاعل، وسيعتبر الركيزة الأساس للعلم الحديث. فالعلوم الطبيعية، منذ غاليليو حتى الآن، تتم بفضل العبارة الشرطية» إذا.. فإن..» وتعبر عن مبدأ السببية، باعتباره يقوم على خاصية الضرورة، التي هي روح قوانين العلم. هذا المبدأ، سيقود إلى نزعة ميكانيكية، ستجر إلى القول بنظرة تسودها الحتمية. أي أن أحداث العالم الحالية، مرتبطة بأحداث العالم السابقة، وهي بدورها أساس للاحق من الأحداث. وهذا ما روج له العالم بيير سيمون دو لابلاس «1749 / 1827»، باعتباره أحد أقطاب الفيزياء الكلاسيكية، وأقوى دعاة الحتمية.
لقد اعتقد معظم الفلاسفة والعلماء، أن مبدأ السببية يحمل سمة الضرورة، وأن عدم افتراض هذه الضرورة سيجعل صياغة قوانين الطبيعة أمرا غير ممكن، ومن ثم ستهتز أركان العلم. فمن المستحيل مثلا، تصور قطعة من الحديد جرى تسخينها من دون أن تتمدد، وأن جسما ترك في الهواء ولم يسقط، أو أن وجود النار لا يؤدي إلى الحرق. فبين السبب الفاعل والنتيجة المترتبة عليه، هناك ضرورة لازمة.
لكن مع مجيء الفيلسوف ديفيد هيوم، في القرن الثامن عشر، سيتغير الأمر إذ سيعمل هذا الرجل على إزعاج العلم بإثبات خطأ التصور السائد حول مبدأ السببية، وأنه يقوم على الضرورة. لقد بث هيوم الشك والريبة في فكرة الحتمية الصارمة، وهو ما أدى إلى نشوب صراع حاد بين الفلاسفة والعلماء، بين القائلين بالحتمية لضمان التنبؤ، ومن ثم إعطاء الأساس الصلب للعلم، والقائلين بالاحتمالية، وأن لا أحد سيضمن أن الشمس ستشرق غدا. كل هذا أدى إلى ظهور ما اصطلح عليه بـ«مشكلة هيوم» أو مشكلة الاستقراء، والتي ستتناسل عنه مشكلات أخرى، من قبيل مشكلة القانون العلمي، ومشكلة مدى عقلانية العلم؟ فما هي مشكلة هيوم؟ وبأي معنى نفهم أن العلاقة بين السبب والنتيجة ليست ضرورية؟ وما تأثيرات ذلك على صلابة العلم؟
مشكلة هيوم
تكمن أصالة هيوم، في تحليله المشهور للسببية، الذي حاول من خلاله، أن ينزع عنها طابع الضرورة، وأن يبرز أن علاقة السبب بالنتيجة علاقة قائمة على العادة فقط. بمعنى أنه سيخرج السببية من عالم المنطق إلى عالم السيكولوجية. فكيف ذلك؟
في كتابه «تحقيق في الذهن البشري»، وهو من ترجمة الدكتور محمد محجوب، وصدر عن المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى 2008، يبرز هيوم شكوكه في عمليات الذهن، وبالضبط قضية السببية. فيدعونا مثلا، إلى تخيل كيف ستكون نظرة الإنسان الأول، التي يسميها الحالة الآدمية، للشمس وهو يراها لأول مرة تشرق؟ فهل هذا ضمانة بأنها ستشرق مرة ثانية؟ فليس هناك دليل عقلي. بل كل ما هنالك هو أن العملية ستتكرر مرات كثيرة، وجراء الألفة والعادة، سيستنتج أنها ستطلع يوميا. وبالمثل، كيف سأعرف أن النار ستحرق، وأن الماء يمكن أن يخنقني؟ فالأمر بالنسبة لهيوم لا يعود أبدا للضرورة العقلية، بل الأمر يعود للتجربة والعادة. فإذا ما تأملنا جيدا أي سبب، فلن نجد أي مؤشرات تضمن أنه ستتبعه نتيجة معينة. فالرابط بين السبب والنتيجة ليس مضمونا. وظهور سبب معين لا يلزم عنه ضرورة حدوث نتيجة معينة. وحدوث نتيجة معينة لا يعني مباشرة، أن لها علاقة لازمة مع سببها. بعبارة أخرى، يريد هيوم إثبات أن السببية لا تكشف بالعقل وإنما بالتجربة. فهل من دليل أن الشمس ستشرق غدا؟ لا دليل عقليا إلا انتظار التجربة غدا.
إذن، إذا كانت السببية بالنسبة للإنسان الأول مجرد رابط بين حدثين، أي «أ» يتبعها «ب»، ستصبح مع مر التاريخ، بالنسبة للإنسانية، رابطا ضروريا، أي «أ» تعني «ب». فالإنسان سيحول مجرد تتابع الأحداث، إلى علاقة ضرورية على الرغم من أنها ليست أبدا كذلك.
إن تحليل هيوم للسببية يجرنا إلى ريبة أكيدة. فكأن هيوم يقول لنا إننا ملزمون بالقيام بعدد لا محدود من الاستدلالات، لكن من دون سند عقلي. بعبارة أخرى، وكأن هيوم كان يمرح بأن يعري السببية من شرط الضرورة، للقول بأنها مجرد عادة وتكرار، ومن ثم كان يحاول إظهار أن العلم القائم على السببية، هو مجرد معتقد وبأساسات هشة.
إن ما طرحه هيوم كان زلزالا بالنسبة للفيلسوف كانط، فهو يقول عنه أنه أيقظه من سباته الدغمائي، لأن كلام هيوم خطير، ليس لأنه فقط يزعزع أركان العلم ويظهره بمظهر المعتقد، بل لأن كلامه له تبعات دينية على مستوى العلاقة بين الإله والعالم بما هي علاقة سببية، وتبعات أخلاقية. أي على مستوى العلاقة بين المجرم والجريمة مثلا، بما هي، أيضا علاقة سببية. فنزع الضرورة عن السببية يضعنا في ريبة طاحنة.
إن مسألة التعود التي نبه إليها هيوم، تجرنا أيضا إلى موقف برتراند راسل من مشكلة هيوم. فهو يقول: إن الارتباط بين السبب والنتيجة ليس حكرا على الإنسان، بل هو قوي حتى عند الحيوان. فالحصان الذي ظل يساق على طريق معين، يقاوم أي محاولة لقيادته في اتجاه مختلف. بل حتى الدواجن، تتوقع الطعام من يد من تعودت أن يطعمها. لكن راسل يرى أن كل هذه التوقعات الغشيمة للاطراد، معرضة لأن تكون مضللة. وأن الرجل الذي ظل يطعم الدواجن كل يوم على مدى حياتها، هو الذي يذبحها بدلا من إطعامها مستقبلا. إن مثال الدواجن هذا، يريد راسل أن يبرز من خلاله هشاشة الاستقراء والتنبؤ، لكن على الرغم من ذلك، يؤكد أننا يجب أن نؤمن، وإن يكن على مضض، بصدق مبدأ الاستقراء، ولو كفعل أعمى من أفعال الإيمان، حتى يتسنى لنا المضي قدما في طريق العلم.
إن مشكلة هيوم تذكرنا مباشرة بموقف «حجة الإسلام» ، وإن كان في سياق مختلف وبآفاق أخرى مرتبطة بأسئلة كلامية تخص زمانه. فهو أيضا طرح القضية نفسها، حيث كان الغزالي من دعاة الاقتران والتلازم، منكرا أن السببية تتسم بالضرورة، بل هي عادة وتكرار. فهو أيضا، وضع العالم في مجال الاحتمال بدل الحتمية. ومن ثم يمكن تبرير المعجزات، الأمر الذي دفع ابن رشد للرد وبقوة دفاعا عن الضرورة.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.