شكوك في نجاح هدنة كيري - لافروف الجزئية في سوريا

محللون: الاتفاق محاولة ضعيفة لوقف القتال وإيصال المساعدات إلى المناطق المنكوبة

شكوك في نجاح هدنة كيري - لافروف الجزئية في سوريا
TT

شكوك في نجاح هدنة كيري - لافروف الجزئية في سوريا

شكوك في نجاح هدنة كيري - لافروف الجزئية في سوريا

أعلنت الولايات المتحدة وروسيا عن اتفاق، أول من أمس (الاثنين)، لهدنة جزئية في سوريا، على الرغم من المحاذير والعبارات الحذرة لدى جميع الأطراف التي تؤكد على العقبات التي تعترض طريق آخر الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب الأهلية المستمرة هناك منذ خمس سنوات.
ويُطلب من الحكومة السورية والمعارضة المسلحة هناك، بموجب شروط الاتفاق، الموافقة على «وقف الأعمال العدائية»، والتي يبدأ العمل به اعتبارا من ليلة الجمعة - السبت المقبل. ولكن الاتفاق لا ينطبق على اثنتين من أكثر الجماعات المتطرفة العاملة في سوريا، وهي تنظيم داعش الإرهابي وجبهة النصرة، مما يثير الكثير من التساؤلات حول ما إذا كان الاتفاق الحالي سوف يكون أكثر استدامة من قرار وقف إطلاق النار السابق.
ويطالب الاتفاق الجديد الحكومة السورية والمعارضة بالإشارة قبل ظهر يوم الجمعة، ما إذا كان كل طرف منهما سوف يمتثل لوقف الأعمال العدائية، وهو الشرط الذي تم اختياره بعناية فائقة إذ إنه لا يتطلب ذلك النوع من الاتفاقات في الوقف الرسمي لإطلاق النار بين الجانبين. وتلتزم الولايات المتحدة باتساق وتوافق آراء مختلف جماعات المعارضة السورية حيال الاتفاق، في حين أن المفترض من الجانب الروسي ممارسة الضغط على الحكومة السورية في هذا الصدد. كما وافقت كل من واشنطن وموسكو أيضًا على وجود خط ساخن لمراقبة امتثال والتزام كلا الجانبين.
واختتم الرئيس أوباما الشروط النهائية للاتفاق المذكور في مكالمة هاتفية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي أصبح أكثر اللاعبين المؤثرين في الحرب الأهلية السورية منذ إقحام روسيا نفسها في الصراع خلال شهر سبتمبر (أيلول) بالنيابة عن عميلها، الرئيس بشار الأسد. وأعلن بوتين: «أنا واثق من أن الإجراءات المشتركة، والمتفق عليها مع الجانب الأميركي، قادرة على إحداث التغيير الجذري في الوضع المتأزم في سوريا. وأخيرًا، سنحت الفرصة الحقيقية لإيقاف حمام الدم والعنف الدائر هناك منذ فترة طويلة».
والتزم البيت الأبيض حالة من التحفظ والصمت حيال الاتفاق، حيث لم يصدر عنه سوى ملخص من فقرتين لمحادثة الرئيس الأميركي مع الرئيس الروسي، رحب فيه بالاتفاق المعلن، غير أنه لم يحتف به. والأولويات التي أشار إليها أوباما في حديثه الهاتفي مع بوتين، تتمثل في «تخفيف معاناة الشعب السوري»، وتسريع التسوية السياسية للأزمة، والتركيز الشديد على معركة قوات التحالف الدولي ضد تنظيم داعش.
وصرح جوش إرنست السكرتير الصحافي في البيت الأبيض بقوله: «سوف يكون من الصعب تنفيذ ذلك. وتكمن الحقيقة في أن الوضع في سوريا أصبح شديد الصعوبة عما كان عليه الأمر في بدايته».
وعلى أرض الواقع في سوريا، باتت احتمالات التوصل إلى نهاية لسفك الدماء بعيدة المنال عن ذي قبل. ففي الأسبوع الأخير وحده، تعرض أكثر من 100 شخص للقتل في حمص ودمشق بواسطة التفجيرات الانتحارية التي ينفذها تنظيم داعش. وأسفرت الغارات الجوية التي تشنها طائرات النظام الحاكم والمقاتلات الروسية المساندة عن مقتل العشرات في مدينة حلب وحدها، بما في ذلك 5 مستشفيات، إحداها تخضع لإدارة منظمة أطباء بلا حدود الخيرية الدولية. وإلى شرق البلاد، يقول السكان المدنيون إن عشرات المواطنين لقوا حتفهم بسبب الغارات الجوية لقوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة التي تقاتل تنظيم داعش.
وأسفرت الجهود الدبلوماسية عن انتصار صغير: وصول المساعدات الإغاثية لأول مرة منذ شهور إلى الكثير من البلدات بعد تصريح المقاتلين بدخولها تحت ضغط دولي شديد. ولكن مئات الآلاف من المواطنين السوريين لا يزالون محاصرين في المناطق المصنفة بأنها تحت الحصار أو يصعب الوصول إليها، والتي تفتقر إلى الإمدادات المنتظمة للغذاء والدواء.
وجاء الاتفاق المعلن بعد بداية خاطئة، حيث أعلن جون كيري وزير الخارجية الأميركي في ميونيخ في 12 فبراير (شباط) أن الهدنة سوف تكون سارية المفعول خلال أسبوع، ولكن الموعد المستهدف مر حيث كان الطرفان يتصارعان حول كيفية تنفيذه. وفي عمان بالأردن، يوم السبت، تحدث كيري عبر الهاتف ثلاث مرات مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لتسوية تفاصيل الاتفاق.
وفي يوم الاثنين الماضي، وأثناء عودته بالطائرة إلى واشنطن، أخبر كيري الوزراء في كل من بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، والمملكة العربية السعودية، وقطر، وتركيا، عن الاتفاق، وفقا لأحد المسؤولين الكبار في وزارة الخارجية الأميركية.
كان كيري يميل لأن يكون أكثر تفاؤلا من البيت الأبيض حول آفاق التسوية الدبلوماسية في سوريا. ولكن بيانه الصادر أول من أمس، كان متحفظا بعض الشيء. حيث لم يأتِ على ذكر تاريخ 27 فبراير، وقال في حين إن الاتفاق يمثل «لحظة واعدة»، فإن «تحقيق ذلك الوعد يتوقف بالأساس على الإجراءات».
يقول المسؤول الكبير في الخارجية الأميركية، الذي فضل عدم ذكر هويته، لمناقشة أفكار كيري إنه «مسرور بكل تأكيد لأننا توصلنا إلى اتفاق بشأن الطرائق وتاريخ بدء السريان. ولكنه غير مستعد في الوقت الحاضر إلى التسليم بأي شيء. وفي تصوره، لم يحن الوقت للاحتفال بعد».
وأعرب المحللون عن قلقهم وتشككهم في الاتفاق، مشيرين إلى أنه في الخمسة أيام السابقة على سريان الهدنة، يمكن للقوات السورية وحلفائها من الروس، التسبب في أضرار بالغة بمدينة حلب من خلال الغارات الجوية والقصف بالقنابل. وتكهن البعض بأن روسيا قد توسع من نطاق عملياتها العسكرية حتى مدينة إدلب، إلى الجنوب الغربي من حلب، حيث ينشط فيها مقاتلو جبهة النصرة.
يقول فريدريك سي هوف، الزميل البارز لدى مركز الأطلسي، الذي يعمل على شؤون السياسة السورية منذ الولاية الأولى لإدارة الرئيس أوباما «يتوقف الأمر برمته على حسن نيات الجانب الروسي، وإيران، ونظام الأسد، ولم يُظهر أي منهم أي بادرة لحسن النيات خلال السنوات الخمس الماضية».
وأضاف هوف: «يمتلك الروس المقدرة على إيقاف ذلك في خمسة أيام. وحقيقة أنهم يستغرقون خمسة أيام أخرى، تشير إلى أنهم سوف يستخدمون جبهة النصرة كذريعة للذهاب إلى أبعد مما هم عليه الآن».
وفي الرياض، يوم الاثنين، قال ائتلاف من المعارضة السورية والمعارضين السياسيين إنهم سوف يوافقون على شروط الهدنة. ولكن رياض حجاب، الذي يعمل على تنسيق جهود الائتلاف، لا يتوقع من الحكومة السورية، أو إيران، أو روسيا، الالتزام بشروط الهدنة، إذ إن نجاة الأسد، كما يقول، تتوقف على «استمرار حملته من القمع والقتل والتهجير القسري».
بالنسبة لإدارة الرئيس أوباما، قد تكون الهدنة الجزئية في سوريا مجرد وسيلة للتغطية على العنف الدائر هناك، في حين يتحول الانتباه إلى تخطيط وتنفيذ العمليات العسكرية ضد مقاتلي تنظيم داعش في ليبيا. وقال بعض المحللين إن الاتفاق ليس إلا محاولة ضعيفة لوقف القتال في سوريا من أجل تخفيف حدة إراقة الدماء، بما يكفي للسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المدن والبلدات المنكوبة مثل حلب.
يقول إندرو جيه تابلر، الخبير في الشؤون السورية لدى معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى: «إن سياسة واشنطن المعلنة ليست إنهاء الحرب السورية. إنهم يريدون فقط تسوية الأوضاع حتى يغلي أوارها بوتيرة أبطأ قليلا. وهي محاولة أخرى لاحتواء الصراع الذي لا يمكن احتواؤه».

* خدمة «نيويورك تايمز»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.