«اتفاق الدوحة».. هل اقترب تجميد إنتاج النفط أم لا يزال بعيدًا؟

الرئيس النيجيري يتوجه إلى السعودية وقطر لبحث استقرار الأسعار

«اتفاق الدوحة».. هل اقترب تجميد إنتاج النفط أم لا يزال بعيدًا؟
TT

«اتفاق الدوحة».. هل اقترب تجميد إنتاج النفط أم لا يزال بعيدًا؟

«اتفاق الدوحة».. هل اقترب تجميد إنتاج النفط أم لا يزال بعيدًا؟

باقي من الزمن أيام قليلة حتى تنتهي المفاوضات والمشاورات المتعلقة باتفاق الدوحة بين السعودية وروسيا؛ إذ يقول وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إن المشاورات من المفترض أن تنتهي بحلول 1 مارس (آذار) المقبل، فهل اقترب الاتفاق من حيث التنفيذ أم لا؟
لا تزال الأمور في بدايتها، ولا يزال هناك عدم وضوح في مواقف بعض الدول الداعمة للاتفاق، مثل نيجيريا وإيران والعراق، التي أعلنت دعمها حتى الآن، ولكنها لم تعلن عن التزامها بتجميد إنتاجها. ودون التزام باقي المنتجين الكبار، فلن يكون هناك أي تنفيذ لاتفاق الدوحة، كما أوضحت السعودية وقطر الأسبوع الماضي في الدوحة عقب الاتفاق. واتفقت السعودية وروسيا، أكبر منتجين ومصدرين للخام في العالم الأسبوع الماضي، على تجميد الإنتاج عند مستويات يناير (كانون الثاني) الماضي؛ إذا وافق كبار المنتجين الآخرين على المشاركة في هذه الخطوة.
ولا تزال الرياض والدوحة هذه الأيام هما أبرز محطتين لأي مسؤول أو رئيس دولة في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك).. فالكل يسعى لإقناع السعودية، أكبر منتج في المنظمة، بالتحرك من أجل دعم السوق والأسعار التي هبطت إلى أدنى مستوياتها ملغية تسع سنوات من المكاسب، تليها قطر التي تترأس هذا العام مؤتمر «أوبك» الوزاري، مما يجعلها في قلب أي اتفاق وجهود ومباحثات ومبادرات.
وآخر القادمين إلى الرياض والدوحة هو الرئيس النيجيري محمد بخاري، الذي سيتوجه إلى السعودية خلال هذه الأيام لمناقشة سبل جلب الاستقرار إلى أسعار الخام مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز. وسيتوجه بخاري إلى قطر أيضا لمناقشة استقرار سعر النفط مع أمير البلاد، حسبما ذكر بيان للرئاسة النيجيرية.
وقالت الرئاسة النيجيرية أمس في بيان قبل الجولة الخارجية التي تبدأ في وقت لاحق هذا الأسبوع، إن «الجهود الحالية من قبل نيجيريا وسائر أعضاء منظمة البلدان المصدرة للبترول من أجل الوصول إلى مزيد من الاستقرار في سعر صادرات النفط الخام، من المتوقع أن تحتل مرتبة عالية على جدول أعمال المباحثات». وأمس التقى وزير النفط النيجيري إيمانويل كاشيكو في الدوحة بنظيره القطري الدكتور محمد السادة لبحث اتفاق تجميد الإنتاج.
وعقب الاتفاق، كانت تصريحات الوزير النيجيري غير مشجعة نوعًا ما، حيث لم يؤيد فكرة أن يتم تجميد إنتاج إيران والعراق، موضحًا أن هاتين الدولتين عانتا كثيرًا في السابق من الحظر المفروض على قطاعهما النفطي، ولهذا يجب أن يستعيدا بعضًا من حصتيهما المفقودتين في السوق على أن يتم تجميد إنتاجهما عند مستويات أعلى من المستويات الحالية.
وفي ما يتعلق بإنتاج نيجيريا، أوضح كاشيكو أن بلاده لا تستطيع تجميد الإنتاج نظرًا لأنها في حاجة لتلبية الطلب الداخلي، ولكنه أوضح أنهم لن يبيعوا مزيدًا من النفط في السوق، بل سيستخدمونه محليًا. وقال إن إنتاج نيجيريا حاليًا عند 2.2 مليون برميل يوميًا، وهو إنتاج مشابه للشهر الماضي. كما شدد على ضرورة عدم تجميد إنتاج النفط بمستويات عالية، حتى لا يفتح ذلك الباب أمام تأثير الدول النفطية من خارج «أوبك» على الحصص النفطية بالسوق لأعضاء «أوبك».
وبخصوص عقد اجتماع طارئ لـ«أوبك»، أشار إلى الحاجة لإجراء مزيد من المحادثات بين الدول النفطية الأعضاء في «أوبك» وخارجها، وأخذ كثير من الموافقات بشأن تجميد الإنتاج، خصوصا أنه عند عقد اجتماع ولم يتم التوصل لاتفاق موسع بين الدول الأعضاء بالمنظمة وخارجها، فلن تكون النتائج إيجابية، ولذا يجب أن تكون المحادثات إيجابية، وأن يتم التوصل لنتائج قبل اجتماع «أوبك» المقبل.
وفيما يلي بعض الأسئلة والأجوبة التي توضح اتفاقية الدوحة والأمور المتعلقة بها:
> ما اتفاقية الدوحة؟
- اتفاقية بين السعودية وروسيا برعاية ومشاركة قطر وفنزويلا، تهدف إلى تجميد إنتاج المنتجين الكبار في السوق لتخفيض الفائض ودعم ميزان العرض والطلب، وهو ما سيؤدي إلى تحسن ودعم الأسعار بالأخير. وينص الاتفاق على أن ينضم كبار المنتجين إليه حتى يدخل حيز التنفيذ.
> هل يتضمن الاتفاق أي بنود حول خفض الإنتاج؟
- لم يعلن الوزراء صراحة عن نيتهم خفض الإنتاج عقب التجميد، لكن الاتفاق بحسب ما علمته «الشرق الأوسط» من مصادر في «أوبك» يتضمن ثلاث مراحل: أولا: تجميد الإنتاج. ثانيا: مراقبة تأثير التجميد على السوق ومراقبة مدى التزام الدول به لمدة أربعة أشهر. وثالثا: أخذ خطوات إضافية إذا لزم الأمر.
وترك وزير البترول السعودي علي النعيمي للصحافيين الباب مفتوحًا لمزيد من الاحتمالات، من بينها احتمالية أن تقوم الدول بخفض إنتاجها عندما قال: «السبب في اتفاقنا على تجميد محتمل للإنتاج بسيط.. وهو أنها بداية لعملية سنقيمها في الأشهر القليلة الماضية، ونقرر ما إذا كنا في حاجة لاتخاذ خطوات أخرى لتحسين السوق وإعادة الاستقرار إليها».
وتؤكد المصادر في المنظمة لـ«الشرق الأوسط» أن الدول الأربع ناقشت في الدوحة احتمالية خفض الإنتاج كذلك ضمن الاتفاقية.
> من المسؤول عن المفاوضات ومتابعة تنفيذ الاتفاق؟
- حتى الآن تتولى قطر وفنزويلا التفاوض مع كل المنتجين لإقناعهم بتجميد الإنتاج. وسيتم تشكيل لجنة لمتابعة إنتاج الدولة الملتزمة بالاتفاق، وستترأس قطر هذه اللجنة.
والتقى وزيرا الطاقة والنفط في قطر وفنزويلا الأسبوع الماضي بالعراق وإيران في طهران لبحث اتفاق التجميد.
> هل هناك مدة محددة للاتفاق؟
- قال وزير النفط الفنزويلي إيولوخيو ديل بينو بعد ظهر يوم الجمعة إن السعودية وقطر وفنزويلا ستراقب سوق النفط حتى شهر يونيو (حزيران) المقبل، في أعقاب الاتفاق الأسبوع الماضي على تجميد الإنتاج، مع احتمال اتخاذ تدابير إضافية لإنقاذ الأسعار بعد ذلك.
وقال وزير الطاقة الروسي إن المشاورات حول الاتفاق مع باقي المنتجين من المفترض أن تنتهي مطلع شهر مارس المقبل.
> هل سيؤدي الاتفاق إلى إعادة توازن السوق ودعم الأسعار؟
- حتى الآن لا يوجد من يؤكد أن السوق ستستعيد توازنها بسرعة متى ما تم تجميد إنتاج المنتجين الكبار، خصوصا أن التجميد سيتم عند مستويات إنتاج عالية لكل من السعودية وروسيا، هي الأعلى منذ سنوات طويلة. ولكن بلا شك، فإن التجميد سيخفف من كمية النفط التي يتم ضخها إلى الأسواق.
ويقول وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إن التجميد سيقلل الفائض في المعروض في السوق بنحو 1.3 مليون برميل يوميًا. ويرى مصرف «باركليز» أن التجميد سيقلل الفائض بنحو مليون برميل يوميًا فقط.
واختلفت التقديرات حول حجم الفائض الحالي في السوق، ولكن التقديرات تتراوح بين 700 ألف برميل يوميًا و2.5 مليون برميل يوميًا.
وقال أليكسي تكسلر، النائب الأول لوزير الطاقة الروسي يوم الجمعة الماضي، إن سوق النفط العالمية متخمة بفائض في المعروض قدره 1.8 مليون برميل يوميا، لكنه أشار إلى أن هذا الفائض قد ينخفض إلى النصف إذا نجح اتفاق تجميد مستويات الإنتاج.
ويرى تكسلر أنه حتى إذا رفضت إيران الاتفاق الذي اقترحته السعودية وروسيا وقطر وفنزويلا، فسيكون هناك أثر له على السوق.
> ما الدول التي ستجمد إنتاجها وما الدول التي لن تجمد إنتاجها؟
- حتى الآن، وبشكل مؤكد، ستجمد الدول الأربع التي حضرت إلى الدوحة إنتاجها، وهي: السعودية وروسيا وفنزويلا إضافة إلى قطر.
وفي الوقت ذاته، أعلنت دول أخرى في «أوبك»، من بينها الإمارات العربية المتحدة والكويت، عن استعدادها للانضمام إلى هذا الاتفاق متى ما التزم جميع المنتجين الكبار في «أوبك»، إضافة إلى روسيا، بهذا الاتفاق. فيما عبرت ليبيا عن دعمها للاتفاق، لكنها لم تعلن عما إذا كانت ستجمد إنتاجها كذلك أم لا.
وأعلنت إيران والعراق أنهما تدعمان اتفاق الدوحة بين السعودية وروسيا وفنزويلا وقطر، الذي يدعو لتجميد إنتاج هذه الدول عند مستوى يناير الماضي، على الرغم من أن إيران والعراق لم تعلنا عن التزامها بتجميد إنتاجهما. وأعربت نيجيريا عن دعهما للاتفاق، ولكنها لا تنوي تجميد إنتاجها لأنها بحاجة إلى النفط لتشغيل المصافي وتلبية الطلب المحلي.
ومن خارج «أوبك»، أعلنت أذربيجان أنها لن تكون ضمن هذه الاتفاقية، وأنها لن تجمد إنتاجها، نظرًا لأن إنتاجها صغير ولن يؤثر في السوق العالمية.
> هل تأثرت أسعار النفط إيجابا مع التوصل إلى اتفاق التجميد؟
- حتى الآن، انعكس خبر الاتفاقية سلبًا على أسعار النفط، حيث هبط سعر النفط الخام 4 في المائة يوم الجمعة الماضي، وتراجع «برنت» للأسبوع الثالث على التوالي مع استمرار المخاوف من استمرارية تخمة الإمدادات في السوق، بعد زيادة قياسية للمخزونات الأميركية، حتى إن كانت هناك خطة للتنسيق بين المنتجين لتجميد مستويات الإنتاج.
وهبط خام القياس العالمي «مزيج برنت» في العقود الآجلة 1.27 دولار أو بنسبة 3.7 في المائة عند التسوية إلى 33.01 دولار للبرميل. ونزل سعر الخام الأميركي 1.13 دولار أو بنسبة 3.7 في المائة أيضا عند التسوية إلى 29.64 دولار للبرميل.



خريف الائتمان الخاص... هل تكرر «بنوك الظل» مأساة 2007؟

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

خريف الائتمان الخاص... هل تكرر «بنوك الظل» مأساة 2007؟

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تشهد الأسواق المالية العالمية حالة من الاستنفار مع ظهور تصدُّعات واضحة في قطاع الائتمان الخاص، وهي السوق التي طالما اعتُبرت «نظام ظل» بعيداً عن الرقابة الصارمة.

بدأت ملامح الأزمة تتبلور مع لجوء كبار مديري الأصول في العالم إلى تقييد عمليات السحب، مما أعاد إلى الأذهان ذكريات عام 2007 عندما بدأت صناديق الرهن العقاري في الولايات المتحدة بفرض قيود مماثلة قبل الانفجار الكبير للأزمة المالية العالمية. ورغم أن حجم سوق الائتمان الخاص حالياً يبلغ نحو تريليونَي دولار، وهو أقل بكثير من حجم سوق الرهن العقاري في 2007 الذي تجاوز 7 تريليونات دولار، غير أن الضبابية التي تلف هذا القطاع وتشابكه مع النظام المصرفي التقليدي ترفع من وتيرة القلق.

أزمة السيولة وتخبط الكبار

بدأت ملامح الضغط تظهر بوضوح عندما أعلنت شركة «بلاك روك»، أكبر مدير للأصول في العالم، وضع قيود على عمليات الاسترداد من أحد صناديق الديون الرئيسية لديها البالغ قيمته 26 مليار دولار، إثر قفزة مفاجئة في طلبات السحب.

شعار شركة «بلاك روك» ومعلومات التداول الخاصة بها معروضة على شاشة في بورصة نيويورك (رويترز)

ومع تسارع وتيرة الذعر، شهدت كواليس كبار مديري الأصول حالة من التخبط بين محاولات التهدئة والواقع المرير لنقص السيولة؛ ففي البداية، حاولت شركة «بلاكستون» احتواء الموقف عبر رفع سقف الاسترداد في صندوقها الضخم «BCRED» إلى 7 في المائة لتلبية طلبات السحب القياسية، بل وذهب كبار شركائها إلى ضخ 150 مليون دولار من أموالهم الخاصة لسد فجوة السيولة وتجنب فرض قيود قسرية. غير أن هذه الخطوة «الإسعافية» سرعان ما فقدت أثرها وتحولت إلى مصدر قلق إضافي عندما قامت «بلاك روك» باتخاذ إجراء صادم، حيث شطبت قيمة ديون ثانوية من قيمتها الكاملة إلى «صفر» في غضون ثلاثة أشهر فقط، معلنةً في الوقت ذاته فرض قيود صارمة على عمليات السحب بنسبة 5 في المائة رغم وصول طلبات الاسترداد إلى 9.3 في المائة.

شعار شركة «بلاكستون» في مانهاتن (رويترز)

هذا التضارب الصارخ بين محاولات «بلاكستون لشراء الوقت» بضخ السيولة، واعتراف «بلاك روك» بانهيار قيمة الأصول وشطبها تماماً، كان بمثابة «رصاصة الرحمة» التي كشفت للأسواق هشاشة التقييمات الورقية، وأكدت أن الأزمة لم تعد مجرد نقص في النقد، بل هي تآكل عميق في صلب الأصول الائتمانية، وهو ما أجبر شركات أخرى مثل «بلو أول» (Blue Owl) و«كليف ووتر» على تقييد السحب تباعاً.

نظرية «الصراصير»

لم تقتصر التحذيرات على خبراء الاستثمار، بل دخل الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان»، جيمي ديمون، على خط الأزمة ليطلق تحذيراً مدوياً وصفه المحللون بـ«توصيف اللحظة»، حيث استند إلى حكمة قديمة في الأسواق المالية قائلاً: «عندما ترى صرصاراً واحداً، فمن المرجح أن هناك الكثير غيره»؛ في إشارة واضحة إلى أن حالات الإفلاس والتعثر التي ظهرت في شركات مثل «تريكولور» لبيع السيارات و«فيرست براندز» ليست حوادث فردية، بل هي نذير بوجود عيوب هيكلية عميقة في قطاع الائتمان الخاص برمته.

الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان» جيمي ديمون خلال مشاركته في منتدى دافوس (رويترز)

ولم يتوقف «جي بي مورغان» عند حدود التحذير اللفظي، بل اتخذ خطوات عملية تعكس حجم التوجس، حيث بادر البنك إلى تخفيض القيمة التقديرية للقروض التي منحتها بعض صناديق الائتمان الخاص لشركات البرمجيات، وقام بتقليص خطوط الائتمان الممنوحة لتلك الصناديق.

هذه الخطوة من أكبر بنك في الولايات المتحدة كانت بمثابة اعتراف رسمي بأن المخاطر قد انتقلت بالفعل من «نظام الظل» لتطرق أبواب النظام المصرفي التقليدي، مما وضع ضغوطاً هائلة على مديري الأصول الذين يعتمدون على هذه الخطوط الائتمانية لتمويل عملياتهم اليومية.

فخ قطاع البرمجيات

أحد أكثر التفاصيل إثارة للقلق هو الانكشاف الهائل للصناديق على قطاع التكنولوجيا والبرمجيات. تشير البيانات إلى أن قروض البرمجيات تشكل ما يصل إلى 55 في المائة من بعض المحافظ الائتمانية.

ومع الثورة المفاجئة في الذكاء الاصطناعي، تغيرت قواعد اللعبة؛ حيث بدأت الأسواق تتساءل عن الجدوى الاقتصادية للعديد من شركات البرمجيات التقليدية التي اقترضت بمليارات الدولارات.

هذا الشك أدى إلى انهيار أسعار أسهم عمالقة الائتمان مثل «كي كي آر» و«أبولو» بنسبة تتراوح بين 30 في المائة إلى 45 في المائة.

المثير للدهشة أن معدلات التخلف عن السداد قفزت إلى مستوى قياسي بلغ 9.2 في المائة في عام 2025، ومع ذلك، لم تشمل هذه النسبة بعدُ قطاع البرمجيات بشكل كامل، مما يعني أن «موجة التعثر الكبرى» لم تأتِ بعد.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

تسلل الأزمة للشرايين المصرفية

لم تعد الأزمة حبيسة صناديق الاستثمار، بل بدأت تظهر في الميزانيات العمومية للبنوك الكبرى. «دويتشه بنك» أصبح المثال الحي لهذا التداخل، حيث بلغت محفظته من الائتمان الخاص نحو 30 مليار دولار، وهو رقم ضخم يمثل 5 في المائة من إجمالي قروض البنك.

وتكمن الخطورة في أن هذه القروض مسجلة بـ«التكلفة المطفأة»، أي أنها لا تعكس القيمة السوقية الحقيقية المتدهورة.

الفساد وسوء الاكتتاب

تؤكد شركة «بيمكو» أن الأزمة الحالية ليست مجرد تقلبات سوق، بل هي نتيجة «اكتتاب سيئ للغاية» مبني على افتراضات واهمة بأن «الاحتياطي الفيدرالي» لن يرفع الفائدة أبداً.

والأخطر من ذلك هو ظهور تقارير عن حالات احتيال وتراخٍ تقني في فحص الضمانات والتدقيق في بيانات المقترضين. هذا الغموض جعل المستثمرين يفترضون أن «الفساد موجود في كل مكان»، مما أدى إلى انهيار الثقة تماماً، وهو ما يفسر تراجع سندات الائتمان عالي العائد (CLO) بنسبة 4.1 في المائة في شهر واحد فقط، بعد أن كانت تحقق مكاسب مستقرة.

تداعيات اجتماعية واقتصادية

ما يجعل هذه الأزمة «اجتماعية» بامتياز هو تورط المستثمرين الأفراد. لقد تم تسويق الائتمان الخاص لهؤلاء كبديل آمن ومدر للدخل، لترتفع حصتهم إلى 16.6 في المائة من السوق. اليوم، هؤلاء المستثمرون محاصرون داخل صناديق «مغلقة البوابات». وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، فإن هذا التدهور سيؤدي حتماً إلى «تضيق ائتماني»؛ حيث ستتوقف الصناديق عن الإقراض، وسترفع البنوك معاييرها، مما سيحرم آلاف الشركات المتوسطة من التمويل، في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي تقلبات حادة في أسعار الطاقة وشبح «الركود التضخمي».


«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

أكَّدت وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيف الائتماني، التصنيف الائتماني السيادي للسعودية عند مستوى «إي +/إيه-1» (A+/A-1) مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، مشيرة إلى أن المملكة في وضع جيد ومتميز يسمح لها بتجاوز الصراع الدائر في الشرق الأوسط بفاعلية.

وأوضحت الوكالة في تقرير لها أن تأكيدها تصنيف المملكة الائتماني مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، «يعكس ثقتنا بقدرة المملكة العربية السعودية على تجاوز تداعيات النزاع الإقليمي الراهن. ويستند هذا التوقع إلى قدرتها على تحويل صادرات النفط إلى البحر الأحمر، والاستفادة من سعتها التخزينية النفطية الكبيرة، وزيادة إنتاج النفط بعد انتهاء النزاع. كما يعكس هذا التوقع ثقتنا بأن زخم النمو غير النفطي والإيرادات غير النفطية المرتبطة به، بالإضافة إلى قدرة الحكومة على ضبط الإنفاق الاستثماري بما يتماشى مع (رؤية 2030)، من شأنه أن يدعم الاقتصاد والمسار المالي».

حصانة لوجيستية

وفي ظل تأكيدها على عدم وضوح الرؤية تجاه مسار حرب إيران، قالت الوكالة إن «السيناريو الأساسي الحالي يتلخص في أن التهديدات الرئيسية التي تواجه السعودية ستبدأ بالتلاشي بحلول نهاية مارس (آذار) مع بدء تراجع التوترات في المنطقة».

وتستند هذه الرؤية إلى الحصانة اللوجيستية التي تتمتع بها المملكة، والتي تمكنها من تحييد الآثار المترتبة على إغلاق الممرات البحرية؛ إذ يبرز خط أنابيب «شرق-غرب» بطول 1200 كيلومتر كبديل استراتيجي فائق الكفاءة، بقدرته على نقل نحو 5 ملايين برميل من الخام يومياً من منطقة بقيق في الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، مع احتمالية رفع هذه القدرة إلى 7 ملايين برميل يومياً، مما يضمن تدفق الصادرات نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية بعيداً عن تقلبات المضيق.

أضافت أن القدرة الاستيعابية الإجمالية لخط «شرق-غرب» توفر للمملكة «صمام أمان» لوجيستياً قادراً على امتصاص الصدمات وتخفيف حدة أي اضطرابات في الصادرات، حتى في حال امتدت فترة الإغلاق الفعلي للمضيق، مما يعزز من مرونة سلسلة الإمداد السعودية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الدولية رغم الظروف الاستثنائية.

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (موانئ)

الإنتاج والتخزين

ولا تتوقف عناصر القوة السعودية عند البدائل اللوجيستية، بل تمتد لتشمل استراتيجية إدارة الإنتاج والتخزين، وفق «ستاندرد آند بورز»؛ حيث تمتلك المملكة فائضاً إنتاجياً يتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين برميل يومياً، بالإضافة إلى سعات تخزينية ضخمة تقارب 30 مليون برميل.

وأشارت إلى احتفاظ السعودية بقدرات تخزين وتكرير في الخارج، في آسيا والولايات المتحدة، بما في ذلك في الشركات التابعة لشركة «أرامكو» (إس-أويل) في كوريا الجنوبية و«موتيفا» في الولايات المتحدة- وهو ما اعتبرته أمراً يمنح المملكة طبقة حماية إضافية تتيح لها تعويض أي نقص في الإمدادات فور انحسار الأعمال العدائية.

وعلى الصعيد المالي والاقتصادي، تتبنى الحكومة السعودية نهجاً يتسم بالبراغماتية والحرص على استدامة المالية العامة؛ إذ تعمل السلطات على مراجعة شاملة للأولويات الاقتصادية ومشاريع «رؤية 2030» لضمان مواءمتها مع المعطيات الراهنة.

ولفتت الوكالة إلى أن إن هذا التوجُّه، الذي يهدف إلى ضبط الإنفاق المالي دون التفريط في الأهداف الاستراتيجية طويلة الأمد، يعكس التزاماً راسخاً بحماية الموازنة العامة من الضغوط التضخمية التي قد يفرزها استمرار الصراع. وشدَّدت على أن تركيز المملكة على الإصلاحات الهيكلية يجعلها في وضع مالي واقتصادي قوي يتيح لها امتصاص الصدمات وتجاوز تبعات المرحلة الراهنة بأقل قدر من التأثير على مسارها التنموي المستقبلي.

رافعات مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «أرامكو» (روسترز)

زخم غير نفطي

بجانب الدور المحوري لقطاع الطاقة، أكدت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن التحول الهيكلي الذي يشهده الاقتصاد السعودي يمثل الركيزة الثانية لاستقرار التصنيف الائتماني، حيث يواصل النشاط غير النفطي نموه القوي ليشكل حالياً قرابة 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مرتفعاً بشكل ملموس من 65 في المائة في عام 2018. واعتبرت أن هذا الزخم الملحوظ في الأنشطة غير النفطية لا يعكس فقط توسعاً في القطاعات التقليدية، بل هو نتاج مباشر لبرامج «رؤية 2030» التي أحدثت نقلة نوعية في بيئة الأعمال؛ إذ تُسهم الاستثمارات الضخمة التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة، بقيمة تصل إلى 40 مليار دولار سنوياً، في خلق قاعدة اقتصادية متنوعة لا ترتهن بتقلبات الأسواق العالمية للنفط، مما يوفر للمالية العامة تدفقات إيرادية أكثر استدامة وتنوعاً.

وأشارت الوكالة إلى أن هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن الإصلاحات الاجتماعية وسوق العمل، حيث ساهم الارتفاع الملحوظ في مشاركة المرأة في القوى العاملة في تعزيز الطلب المحلي ودعم مرونة الاستهلاك الخاص. ولفتت إلى أن هذا التطور في سوق العمل، إلى جانب نمو الائتمان وتزايد الدخل المتاح للأسر، يعمل كحائط صد يمتص الصدمات الخارجية ويحافظ على وتيرة النمو الاقتصادي رغم أي ضغوط جيوسياسية محتملة.

ورأت الوكالة في هذا المسار التنموي «فك ارتباط» تدريجي ومدروس، مدعوماً ببيئة تنظيمية جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، مما يجعل من الاقتصاد غير النفطي محركاً ذاتي الدفع لا يكتفي بدعم النمو فحسب، بل يرسخ الثقة في ملاءة المملكة وقدرتها على تحقيق التوازن المالي على المدى المتوسط والطويل، حتى في أكثر الظروف الإقليمية تحدياً.

آفاق النمو والتحول الهيكلي

توقعت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن يواصل الاقتصاد السعودي مسار نموه رغم التحديات الإقليمية الراهنة، حيث تُقدر نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.4 في المائة خلال عام 2026، مع توقعات بمتوسط نمو يبلغ 3.3 في المائة للفترة ما بين 2027 و2029.

وأوضحت الوكالة في تقريرها بأنه على الرغم من الزيادة المتوقعة في الدين العام، فإنها تتوقع أن تحافظ المملكة على احتياطات مالية قوية، بالإضافة إلى ذلك، كانت المملكة قد بادرت - قبل حدوث التطورات الجيوسياسية الراهنة - في منح الأولوية لمشاريع التنويع المرتبطة برؤية السعودية 2030 لإدارة الخطط بشكل يتماشى مع الموارد المتاحة.

ومع إبقاء الحكومة الإنفاق الاجتماعي على رأس أولوياتها، رأت «ستاندرد آند بورز» أن إعادة تقييمها «المستمر لمشاريع الاستثمار، إلى جانب إصلاحات صناديق التقاعد، يُظهر التزامها باستدامة المالية العامة. ومن شأن ذلك أيضاً أن يُخفف من مخاطر نمو النشاط الاقتصادي بشكل مفرط، ويفتح المجال لانتعاش الاستثمار الأجنبي من مستوياته الراهنة».


مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
TT

مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الذي يراقبه مجلس الاحتياطي الفيدرالي من كثب في يناير (كانون الثاني)، في إشارة إلى استمرار الضغوط السعرية حتى قبل أن تؤدي الحرب مع إيران إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية، يوم الجمعة، بأن الأسعار ارتفعت بنسبة 2.8 في المائة في يناير مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو مستوى يقل قليلاً عن الزيادة المسجلة في ديسمبر (كانون الأول). وجاء صدور هذا التقرير متأخراً بسبب الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة الذي استمر 6 أسابيع خلال خريف العام الماضي، ما أدى إلى تراكم البيانات وتأجيل نشرها، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وباستثناء فئتي الغذاء والطاقة المتقلبتين، ارتفع مؤشر التضخم الأساسي بنسبة 3.1 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بـ3 في المائة في الشهر السابق، مسجلاً أعلى مستوى له في نحو عامين.

وعلى أساس شهري، ارتفعت الأسعار بنسبة 0.3 في المائة في يناير، بينما صعد التضخم الأساسي بنسبة 0.4 في المائة للشهر الثاني على التوالي، وهو معدل، إذا استمر، قد يدفع التضخم إلى مستويات تتجاوز بكثير الهدف السنوي البالغ 2 في المائة الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي.

لكن البيانات الاقتصادية طغت عليها تداعيات الحرب مع إيران، التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز، ما عطّل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. ومنذ بدء الحرب، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 40 في المائة، بينما قفزت أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 3.60 دولار للغالون، مقارنة بأقل من 3 دولارات قبل شهر، وفقاً لبيانات جمعية السيارات الأميركية.

ويتوقع اقتصاديون أن يؤدي هذا الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى زيادة ملموسة في معدلات التضخم خلال شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان).

وفي ظل هذه التطورات، أبقى مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسي عند مستويات مرتفعة بهدف كبح التضخم عبر إبطاء وتيرة الاقتراض والإنفاق والنمو الاقتصادي. ومن المتوقع على نطاق واسع أن يُبقي صناع السياسات في البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعهم الأسبوع المقبل، في ظل المخاوف من أن يؤدي الصراع في الشرق الأوسط إلى تغذية الضغوط التضخمية، ولو على المدى القصير.