الجزائر: «الدولة العصرية» للقطيعة مع «دولة المخابرات»

التطورات في ضوء المراجعة الدستورية

أحمد بن بلة - هواري بومدين - «مجموعة الستة» (الستة التاريخيون: في الصف الأمامي من اليمين إلى الشمال العربي بن مهيدي  وكريم بلقاسم، وفي الصف الخلفي من اليمين  إلى الشمال محمد بوضياف 
وديدوش مراد  ومصطفى بن بولعيد ورابح بيطاط. - عبد العزيز بوتفليقة
أحمد بن بلة - هواري بومدين - «مجموعة الستة» (الستة التاريخيون: في الصف الأمامي من اليمين إلى الشمال العربي بن مهيدي وكريم بلقاسم، وفي الصف الخلفي من اليمين إلى الشمال محمد بوضياف وديدوش مراد ومصطفى بن بولعيد ورابح بيطاط. - عبد العزيز بوتفليقة
TT

الجزائر: «الدولة العصرية» للقطيعة مع «دولة المخابرات»

أحمد بن بلة - هواري بومدين - «مجموعة الستة» (الستة التاريخيون: في الصف الأمامي من اليمين إلى الشمال العربي بن مهيدي  وكريم بلقاسم، وفي الصف الخلفي من اليمين  إلى الشمال محمد بوضياف 
وديدوش مراد  ومصطفى بن بولعيد ورابح بيطاط. - عبد العزيز بوتفليقة
أحمد بن بلة - هواري بومدين - «مجموعة الستة» (الستة التاريخيون: في الصف الأمامي من اليمين إلى الشمال العربي بن مهيدي وكريم بلقاسم، وفي الصف الخلفي من اليمين إلى الشمال محمد بوضياف وديدوش مراد ومصطفى بن بولعيد ورابح بيطاط. - عبد العزيز بوتفليقة

يدور في الجزائر راهنًا حديث عن «تأسيس جمهورية ثانية» وعن «دولة مدنية» و«مناخ جديد تسوده الحريات»، وذلك في ضوء التعديل الدستوري الذي صادق عليه البرلمان الجزائري يوم الأحد 7 فبراير (شباط) الحالي، بنسبة تأييد كبيرة فاقت 90 في المائة. والفكرة الرئيسية التي يتداولها المدافعون عن مراجعة الدستور، هي أن الدستور الجديد أحدث قطيعة بين عهد سيطر فيه جهاز المخابرات العسكري على كل مناحي الحياة، وعهد جديد نقيض الأول.

كان أول من أعطى مؤشرات عن تحوَل لافت في الدولة الجزائرية، على صعيد ممارسات نظام الحكم، عمّار سعداني، أمين عام حزب الأغلبية «جبهة التحرير الوطني».. ففي مطلع 2014 هاجم سعداني بحدة رئيس «دائرة الاستعلام والأمن» بوزارة الدفاع الفريق محمد مدين، الشهير بـ«الجنرال توفيق».
كلام سعداني الذي أدلى به لصحيفة إلكترونية محلية، لم يسبقه إليه أحد. ولعل من أخطر ما قال سعداني إن الجنرال الذي كان بعبعًا في البلاد، مسؤول عن اغتيال الرئيس الأسبق الراحل محمد بوضياف عام 1992، ومسؤول عن التقصير في حماية الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة من محاولة الاغتيال التي تعرّض لها في 2007. وكذلك هو مسؤول عن الانشقاقات التي وقعت في أحزاب المعارضة، وعن سجن المئات من الكوادر التي سيرت الشركات العمومية.
ومن ثم، عُدّ أن كلام سعداني بحق «توفيق» يعكس شيئًا ما غير عادي في الدولة؛ ذلك أن الصحف ما كانت تجرؤ أصلاً على ذكر اسم الضابط الكبير، وتعلم أنه حريص على البقاء «وراء الستار». وكان معروفًا عنه أنه لا يظهر إلى العلن أبدًا، ولم يتعرّف الجزائريون على ملامحه إلا يوم عزله في 13 سبتمبر (أيلول) الماضي، بعد 25 سنة من رئاسته الجهاز الأمني القوي.
هجوم سعداني تلته سلسلة تغييرات مهمة في المخابرات التي تعد العمود الفقري للجيش منذ أيام «جيش التحرير الوطني» وصراعه مع الاستعمار الفرنسي. ولقد بدأت بإلغاء «شرطة المخابرات» التي كان سببًا في متابعة مسؤولين بارزين بتهم الفساد، بعضهم مقرب من رئيس الجمهورية. وتوالت التغييرات بتجريد المخابرات من صلاحية تسيير الأمن الرئاسي وأمن الجيش، وإلحاق هذين النشاطين برئاسة أركان الجيش. وبذا انتقل النفوذ في المؤسسة العسكرية من مركزه القديم؛ أي المخابرات ورئيسها، إلى القطاع العسكري العملياتي المولج التعبئة في حالة الحرب، ومنه أضحى قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح، أقوى رجل في الجيش. ومعروف عن صالح شدة ولائه للرئيس بوتفليقة، على عكس «توفيق» الذي عارض ترشحه لولاية رابعة في 2014، ووقف ضد هذه التغييرات.

* الإصلاح الدستوري لتفادي الربيع العربي
بالموازاة مع هذه التطورات، كانت الرئاسة بصدد تنفيذ خطة إصلاحات سياسية، تعهد بها بوتفليقة في ربيع 2011 لتفادي توسع دائرة «الربيع العربي» وشمولها الجزائر؛ إذ وصلت «عدوى» الإطاحة بالأنظمة حينذاك إلى ليبيا، وشعر النظام الجزائري بأن «ساعته» حانت، فسارع إلى إطلاق وعود بتغيير بعض القوانين ذات الصلة بالحريات وممارسة الديمقراطية. وقرّرت الحكومة الترخيص لنحو 20 حزبًا، كانت تعطل نشاطهم بحجة أنه «لا جدوى من إنشاء أحزاب جديدة لوجود أكثر من 60 حزبا في الساحة السياسية».
وتفاءلت الطبقة السياسية خيرًا، وقال نشطاؤها إن بقاء النظام أفضل من «التوجّه إلى المجهول».. فالتغيير في مخيال قطاع واسع من الجزائريين يعني العودة إلى سنوات الإرهاب المدمر، ومجرد استحضار صور آلاف القتلى والخراب في البنية التحتية كفيل برفض أي فكرة تدعو إلى نقل البلاد إلى مرحلة جديدة. وحقًا، استغل موالون للرئيس هذه الحقيقة، واستثمروها في حملة انتخابات الرئاسة في 2014 التي لم يشارك فيها الرئيس رغم ترشحه بسبب المرض، وردّدوا بشكل صريح ما يلي: «ستلقى الجزائر مصير ليبيا في حال عدم التجديد».
لقد استغرقت بلورة الدستور الجزائري الجديد قرابة 5 سنوات، حشد خلالها الرئيس تأييد كل أحزاب «الموالاة» ومئات التنظيمات والجمعيات والنقابات لصالح المسعى، في حين قاطعت مشاورات الدستور كل أحزاب المعارضة، التي قالت إنها «تشتم رائحة ربح الوقت» على أساس أن النظام يجد دائمًا شيئًا يلهي به الجزائريين عندما يكون في مأزق، واتهمته بأنه غير جادٍ في إحداث التغيير.
وفي خضم هذه التطورات السريعة، تم اللجوء إلى قرار وإطلاق فكرة.
«القرار» يتعلق بمنع الجزائريين مزدوجي الجنسية من الوصول إلى المناصب الحساسة في الدولة. وأوحى ذلك بأن بوتفليقة يريد التخلص من أشخاص أصبحوا عبئًا عليه بحكم ارتباط مصالحهم الشخصية مع بلدان غربية، خصوصا فرنسا. ويُشاع في الأوساط السياسية حاليًا، أن التعديل الحكومي المرتقب بعد صدور الدستور الجديد، سيشهد خروج بعض الوزراء الذين يحملون الجنسية الفرنسية إلى جانب الجزائرية. وستتبع ذلك «حملة تطهير» تخص مزدوجي الجنسية في الوظائف الحكومية الكبيرة.
أما «الفكرة» فهي تعيين وزير دفاع مدني، في مستقبل قريب، لأول مرة في الجزائر. وسيكون هذا الوزير مطالبًا بالنزول إلى البرلمان لمناقشة موازنة وزارة الدفاع الضخمة (14 مليار دولار سنويا)، وهو ما لم يفعله شاغل منصب وزير الدفاع منذ الاستقلال، الذي جمع دومًا بين الوزارة ورئاسة الجمهورية.
أول من روج لهذه الفكرة، المستشار بالرئاسة كمال رزاق بارة، الذي قال للإذاعة الحكومية: «إن التوازنات الجديدة في مجتمعنا والتحديات المطروحة أمامنا تفرض أن تكون لمؤسسات مدنية وجمهورية الغلبة على المؤسسة العسكرية في تسيير البلاد». وقصد بذلك أن تدار شؤون السياسة والحكم المدني من طرف مؤسسات مدنية لا الجيش. وأضاف: «ربما سنشهد في المستقبل نزول وزير دفاع مدني إلى البرلمان لشرح ميزانية المؤسسة العسكرية وتبريرها، وهذه المرحلة تؤكد فعلاً إرادة لبناء دولة مدنية».
وعن التغييرات التي أدخلت على الجهاز الأمني، قال بارة: «إصلاح مصالح الأمن يعكس إرادة رئيس الجمهورية في إقامة دولة عصرية، ويندرج في إطار استكمال بناء جزائر المستقبل. يجب على كل واحد في المرحلة المقبلة، أن يؤدي دوره في إطار دولة عصرية، حيث يتم احترام مبدأ التداول على المناصب (..) أما عن تدخل العسكريين في تعيين مدنيين في مناصب المسؤولية، فينبغي أن يضبط ضمن المادة (25) من الدستور، التي تقول إن مهام الجيش هي حماية السيادة والوحدة الوطنية والحدود من المخاطر».
وكان بارة أول مسؤول بارز برئاسة الجمهورية يتحدث، وبشكل واضح، عن التغيير الذي جرى في المخابرات وعن أهداف هذا التغيير. وكلام بارة بهذا الخصوص يفهم منه أن الأمر يتعلق بقطيعة بين فترتين؛ فترة هيمنة المخابرات على الحياة السياسية بقيادة «الجنرال توفيق»، وفترة جديدة تمثل نقيض الأولى.

* التغييرات عززت موقع النظام
خالد شبلي، الباحث في القانون الدستوري والشؤون البرلمانية، يعلّق بخصوص التطوّرات الكبيرة في البلاد، لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «التعديل الدّستوري في الجزائر، وفقًا للقراءة القانونية، يندرج في إطار مواصلة مسار الإصلاحات السياسية؛ فقد جاء فيه أن الهدف من هذا المشروع ملائمة القانون الأسمى للبلاد مع المتطلبات الدّستوريّة التي أفرزها التطور السريع لمجتمعنا، والتحولات العميقة الجارية عبر العالم، وذلك من خلال تعزيز مبدأ الفصل بين السلطات، وتدعيم استقلالية القضاء ودور البرلمان، وتأكيد مكانة المعارضة وحقوقها، وضمان المزيد من الحقوق والحريات للمواطنين. أما من الناحية السياسية، فمن البديهيات المسلم بها في علم السياسة والنّظم السياسية أن أي نظام سياسي في أي بلد ما، يعمل باستمرار لكي يبقى، ويظل في السلطة. وبذلك يكيف نفسه مع مختلف المستجدات. ولا يوجد نظام سياسي في العالم يعمل ضد مصلحته الرامية للبقاء، ولذا فإن هذا التعديل جاء ضمن هذا السياق».
وأضاف شبلي: «مصطلح الدولة المدنية، الذي جرى الحديث عنه كثيرًا في البلدان العربية في الآونة الأخيرة، ومنها الجزائر، بمناسبة التعديل الدستوري، مصطلح غربي بالأساس يقصد به الدولة اللائكية (العلمانية)، على نقيض الدولة الدينية التي كانت مسيطرة على مقاليد الحياة العامة في أوروبا في عصر الظلام، الذي عرفته أوروبا، والذي تزامن مع عصر النهضة الإسلامية في الشرق. أما توظيف هذا المصطلح في الجزائر، فجاء في سياق الإشارة إلى أن الجزائر، حاليًا، في مرحلة جديدة تهدف إلى تجديد الأطر الناظمة للحكم بما يتماشى مع مشروع مجتمع يتبنى طرح تعزيز دولة القانون والمؤسسات. وبصراحة، فإنه طرح سياسي أكثر منه قانونيا، لأنه من الناحية الدستورية في الجزائر، الإسلام هو دين الدولة، وهذا إذا كان المقصود بمشروع الدولة المدنية الدولة اللائكية. أما إذا كان المقصود بالدولة المدنية هو الفصل بين السلطة المدنية والعسكرية، فهذا طرح آخر».
وتابع شبلي: «إذا كان التعديل الدستوري الجديد، يكرّس لبناء جمهورية ثانية في الجزائر، فتجب الإشارة هنا إلى أن مصطلح (الجمهورية الأولى) أو (الثانية) أو (الثالثة)، أو (الرابعة).. مصطلح مأخوذ من التجربة الفرنسية، التي كرّست لهذا المفهوم، حيث ربطت بين التجديد الدستوري للدولة، وقيام الجمهوريات المتعاقبة. وضمن هذا الطرح، فإننا نقول بأننا لسنا أمام (الجمهورية الثانية)، بل أمام بناء (الجمهورية الخامسة)، منذ دستور 1963، إذا ما تمّ الربط بين إقرار الدستور والتجديد الجمهوري.. فالجمهورية الأولى مع دستور 1963، والثانية مع دستور 1976، والثالثة مع دستور 1989، والرابعة مع دستور 1996، والخامسة، حاليا. إذا ما جرى الأخذ بهذا الطرح الفقهي».
ويرى الباحث أن الدستور «ما هو إلا اجتهاد بشري يتطوّر باستمرار من أجل تكريس نظام حكم أكثر فعالية، بما يساهم في تفعيل العقد الاجتماعي القائم بين الحرية والسلطة. لذا يجب على الجميع احترامه والتقيد به، مهما اعترته نقائص أو سلبيات. إن القراءة القانونية للوثيقة الدستورية تخبرنا بأنّ الدستور دستور الشعب الجزائري، الذي أقره ممثلوه في البرلمان، وليس دستور شخص أو فئة معينة. أما القراءة السياسية، فتتلخص في أن الجزائر تسير بخطى ثابتة نحو تداول سلمي وسلس للسلطة، ستفرز تجديد النظام الجمهوري القائم في البلد».

* قفز نحو المجهول!
ولكن بعكس هذا الطرح تماما، يقول حسني عبيدي مدير «مركز الدراسات والأبحاث حول العالم العربي والمتوسط بجنيف» لـ«الشرق الأوسط» موضحًا: «الإصلاحات الدستورية التي أدخلها بوتفليقة لا تحمل من الدستورية إلا الاسم. التعديلات أتت متأخرة بعد انتظار طويل على أن تكون في مستوى تحديات المرحلة وتقلبات المنطقة، غير أنها جاءت مخيبة للآمال، لأنها تفتقر للحد الأدنى للمصداقية الدستورية، بعد تمريرها بطرق ملتوية، وتتهرّب من معضلة الشرعية الدستورية التي يفتقدها النظام. لقد تم التصويت عليها وكأنها لا تهم الشعب الجزائري؛ بل شعبًا افتراضيًا. وهذا الأخير بدوره يعيش في قطيعة مع نسق سياسي لا يمثله ولا يعترف به. من هنا، فإن التعديل الأخير يعد حدثًا عرضيًا. والرئيس نفسه لا يعيره أي اهتمام. إن ما يشغل الرئيس هو تجديد نظامه السلطوي، وتوسيع دائرة المرتزقين وزبناء النظام، وتأمين مساره ومستقبله. وهنا أظهر الرئيس قدرة فائقة في تقزيم أي سلطة مضادة أو مشروع سلطة مضادة في التوقيت السيئ».
وأضاف عبيدي – وهو جزائري – أن «فتح ورشة تخصّ المؤسسة الأمنية استعمله الرئيس للتغطية على الفشل الذريع في الإحاطة بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية. وقد أنهك هذا التصرف الدولة وجعلها تدور في حلقة مفرغة. أكثر من ذلك، من شأنه أن يضعف مؤسسة أمنية استطاعت أن تحافظ على مقومات الدولة في العشرية السوداء (فترة الإرهاب) وبعدها. إن الزجّ بالمؤسسة الأمنية في صراع البقاء قبل الشروع في إصلاحات سياسية حقيقية، بمرجعية مستمدة من الشرعية المفقودة، قفز نحو المجهول. من هنا، فإن مدنية الدولة التي يصفّق لها النظام، أول من سيعمل على تقويضها هو رأس النظام. في ظل غياب عقد اجتماعي حقيقي، فإن الحديث عن المدنية ترف سياسي. وبالمحصلة، فما يجري في الجزائر من شأنه أن ينقلها إلى عهد يكرّس سراب الاستقرار، بدل تكريس الإصلاح من أجل الاستقرار الحقيقي».



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.