بريطانيا: معركة البقاء في أوروبا.. ومعادلة التنازلات السياسية

الوطنية في مقدمة مطالب المشككين

بريطانيا: معركة البقاء في أوروبا.. ومعادلة التنازلات السياسية
TT

بريطانيا: معركة البقاء في أوروبا.. ومعادلة التنازلات السياسية

بريطانيا: معركة البقاء في أوروبا.. ومعادلة التنازلات السياسية

بدأ رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أخيرًا سلسلة زيارات أوروبية قصيرة لإقناع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بطرح بلده للبقاء ضمن التكتل الموحّد بموجب اتفاق مبدئي يقدم تنازلات للندن، مقابل تنظيم كاميرون حملة «نعم لأوروبا» قبل موعد الاستفتاء الوطني المزمع عقده في بريطانيا خلال شهر يونيو (حزيران) المقبل. وبعد ظهر أمس بتوقيت لندن أعلن في العاصمة البلجيكية والأوروبية بروكسل عن تأجيل البت - على لسان مسؤول بالاتحاد البالغ عدد أعضائه 28 – بعدما واجه الحوار ما وصف بعقبات «خطيرة»، وبالتالي، طلب من الزعماء حجز الإقامة في الفنادق لليلة إضافية حتى اليوم السبت. وجاء على لسان المسؤول قوله «الوضع خطير. لقد ألغيت الجلسة التي كان من المقرر عقدها الساعة 15:00 بتوقيت غرينتش كما أرجئ اجتماع الزعماء حتى موعد العشاء على أقل تقدير وطلب منهم حجز الإقامة بالفنادق حتى غد (اليوم)». وتجدر الإشارة إلى أن مبدأ التسوية يعد أساس معاهدات الاتحاد الأوروبي، وسر استمراره منذ نشأته إلى اليوم، وإن كان هذا صعب المنال أحيانًا وبعيدًا عن الكمال في معظم الأحيان. ويقوم الاتحاد الأوروبي بدوله الأعضاء الـ28، على قوانين تسعى لإرضاء الأطراف جميعها إلى أقصى حد ممكن، دون الانتقاص من سيادة الدول أو خدمة مصالح بعضها دون أخرى. وتطبيق مبدأ التسوية هو ما يسعى إليه رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك من خلال رسم الخطوط العريضة لاتفاق يعالج أبرز شروط بقاء بريطانيا في الاتحاد، في القمّة التي كان من المتوقع أن تنتهي أمس.

تعدّ إعادة التفاوض على عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي قضية محورية في سياسة رئيس الوزراء البريطاني المحافظ ديفيد كاميرون، الذي جعل منها بطاقة انتخابية في وجه الجماعات اليمينية المطالبة بالانسحاب من الاتحاد. وهو يسعى إلى استعمالها لهدفين أساسيين: الأول، كسب ثقة المشككين والمنتقدين لسياسته الخارجية، والثاني، تخفيف الانقسامات داخل حزب المحافظين الحاكم بزعامته. وتمثّل المسودة الأولية التي أعلن عنها توسك – وهو بولندي – أفضل اتفاق قد تتوصّل إليه بريطانيا في الوقت الحالي، إن حشدت تأييد الأعضاء الـ27. وتشمل مطالب بريطانيا الأربعة: التنافسية، والسيادة، والرعاية الاجتماعية، والحكامة الاقتصادية.

* التنافسية
يطالب كاميرون بتمديد السوق الموحّدة وتعزيز التنافسية في الاتحاد الأوروبي، وذلك من خلال تسهيل حركة رؤوس الأموال من جهة، وتخفيف القوانين الأوروبية المنظمة للشركات الصغيرة والمتوسطة. ويبدو هذا المطلب سهل المنال، إذ أنّ المفوضية الأوروبية كانت تمارس ضغوطًا في هذا الاتجاه.

* السيادة الوطنية
اشترط كاميرون إعفاء بريطانيا من المبادئ التأسيسية لاتحاد أكثر ترابطًا، إلى جانب تعزيز الرقابة الوطنية وحق النقض في البرلمانات الوطنية. ويطرح هذا المطلب جدلاً أكبر من قضية التنافسية، إذ أن بعض الدول الأعضاء ترى فيها تمييزًا لبريطانيا دون غيرها، وتجاوزًا لمبدأ الاتحاد. ولقد قدّم توسك بهذا الصدد تنازلين بارزين في نص الاتفاق الأولي: الأول، من خلال إعطاء ضمانات لبريطانيا بأن عبارة «اتحاد أكثر ترابطًا» لا تشكّل أساسا لتوسيع صلاحيات الاتحاد الأوروبي، كما لا تخوّل لمحكمة العدل الأوروبية التدخل في القرارات الوطنية. إلى ذلك، اقترح توسك إضفاء تغيير طفيف على معاهدة الاتحاد الأوروبي تضمن إعفاء بريطانيا من أي قرار بإنشاء «اتحاد أكثر ترابطًا»، بشرط أن يجري التعديل بالتزامن مع تعديل المعاهدة المقبل، ما يجعل القضية رمزية إلى حدّ كبير.
أما التنازل الثاني، فيتمثّل فيما سماه توسك «نظام البطاقة الحمراء» الذي يتيح للبرلمانات الأوروبية منع القوانين الأوروبية الجديدة، شريطة أن يكون التصويت بغالبية مؤهلة من 55 في المائة خلال فترة 12 أسبوعًا. بيد أن هذا النظام يعطي سلطة كبيرة للبرلمانات الوطنية للدول الأعضاء، لكن الحصول على غالبية 55 في المائة يجعله صعب التطبيق في الواقع.

* الحكامة الاقتصادية
مخاوف بريطانيا من الناحية الاقتصادية تتعلق بشكل أساسي بتداعيات سوق أوروبية أكثر ترابطًا على قوة واستقلالية سوق مال لندن، ومكانتها كمركز مالي دولي. ومع أنه لا وجود لتوجه نحو سوق أوروبية أكثر ترابطًا في الوقت الراهن، فإن الاتفاق الأولي للمجلس الأوروبي يرفض التمييز بين الدول الأعضاء على أساس العملة، ويحمي لندن من أي التزامات مالية لدعم اليورو. كذلك فإنه يتيح للدول الأعضاء التي لا تعتمد العملة الموحّدة إعلان معارضتها لمقترحات منطقة اليورو (التي قد تضر بمصالحها الاقتصادية) من دون أن تعطيها حق النقض «الفيتو».
- الرعاية الاجتماعية
المطلب الأخير والأكثر تعقيدًا وإثارة للجدل يتعلق بـ«حرمان» الوافدين الأوروبيين إلى بريطانيا من استحقاقات الرعاية الاجتماعية بشكل خاص، وبحرية تنقّل مواطني الاتحاد الأوروبي بشكل عام. ويقدّم الجانبان طرحهما في هذه القضية من منطلق الإنصاف والعدالة. كاميرون ومؤيدوه يرون أنه ليس من العدالة في شيء أن ينتفع مواطنو الاتحاد الأوروبي من الرعاية الاجتماعية ومساعدات السكن في بريطانيا قبل المساهمة في التنمية الاقتصادية، في حين يرى أعضاء الاتحاد أنه لا يحق للندن التمييز بين مواطنيهم العاملين بها على أساس الجنسية.
ويرى توماس رين، الزميل في معهد «تشاتام هاوس» (المعهد الملكي للشؤون الاستراتيجية)، أن «القضية الرئيسية تتعلق برغبة بريطانيا في الحد من الهجرة، أكثر منها استحقاقات الرعاية الاجتماعية، إذ أن كاميرون يهدف من خلال تغيير نظام الرعاية الاجتماعية للأوروبيين إلى التحكم في نسب الهجرة».
وبالفعل، يوفر نص الاتفاق الأولي تنازلات في هذا الاتجاه كذلك. إذ يقترح نظامًا يمكّن بريطانيا من توفير استحقاقات الرعاية الاجتماعية للأوروبيين، ولكن فقط بعد مرور 4 سنوات من العمل بها، لا بمجرّد دخول حدودها، في حال شهدت معدلات هجرة هائلة على امتداد فترة زمنية طويلة.

* انقسامات حزب المحافظين
في الواقع، يواجه كاميرون تمردًا داخل حزب المحافظين الذي يتزعمه لتشجيعه المشرّعين على تجاهل آراء الحزب بشأن استفتاء مزمع على عضوية الاتحاد الأوروبي. وكان رئيس الوزراء المحافظ قد أعلن صراحة أنه سيساند فكرة البقاء داخل الاتحاد الأوروبي إذا ما وافق أعضاء آخرون في الاتحاد الأوروبي على مسودة اتفاق - التي سبق شرحنا أهم بنودها أعلاه – بشأن علاقة بريطانيا المستقبلية بالاتحاد. إلا أن كثيرين من أعضاء حزبه المنقسم بدرجة كبيرة بشأن أوروبا لا يعتزمون اتخاذ الموقف نفسه.
وأبلغ كاميرون البرلمان أن على المشرّعين – أي النواب – إلا يختاروا الجانب الذي سيقفون في صفه على أساس ما قد تمليه عليهم لجان حزبهم المحلية، بل اتخاذ قرارهم بأنفسهم بشأن «ما الذي يرونه أفضل لمستقبل بريطانيا». وأثارت هذه التصريحات ردًا غاضبًا من أعضاء الحزب الذين اعتبروا أنها قوضت النيات الطيبة التي كسبها كاميرون بوعده بإجراء الاستفتاء في بادئ الأمر. وقال إد كوستيلو، أحد حركيي حزب المحافظين لـ«الشرق الأوسط» في حوار معه «إن رئيس الوزراء تجاهل آراء أعضاء حزبه منذ انتخابه... وتعاطيه مع قضية الاستفتاء خاطئة.. إذ لا أحد يتمتع بالسلطة المطلقة». دعا كوستيلو إلى «نقل النقاش إلى بريطانيا، قبل أوروبا»، مقترحا تنظيم مناظرات تلفزيونية تناقش فيها وجهتي النظر المؤيدة لمغادرة الاتحاد الأوروبي والرافضة لها. ولفت إلى أن القيادة لم تتح فرصة بعد للطرفين لتبادل الآراء: «فكل ما نشهده اليوم هو تعبير عن آراء ثابتة في مقالات الرأي، بدل نقاشات بناءة تساعد المواطنين على تحديد مواقفهم».
من جهة ثانية، كتب ممثلون عن نحو 40 من لجان حزب المحافظين المحلية في خطاب لصحيفة «صنداي تلغراف» المحافظة الأسبوعية يقولون «نحن نحث رئيس الوزراء على الامتناع عن تقليل الاحترام للعاملين الأوفياء الذين ساعدوه على الفوز بحكومة أغلبية»، مضيفين أنه «من المؤسف للغاية أن يتجاهل رئيس الوزراء أولئك الذين ساعدوه على تحقيق نجاحه، ويتوجب عليه أن يتذكر أنه لا يوجد رئيس وزراء يتمتع بحق مقدّس في الحكم». وأظهر استطلاع رأي أجرته صحيفة «صنداي تايمز» المؤيدة للمحافظين أيضًا، شمل 144 من النواب المحافظين في البرلمان، وعددهم 330 نائبا، أن 57 في المائة من الذين اتخذوا قرارهم بالفعل يعتزمون تأييد الانفصال عن الاتحاد الأوروبي.
ويأمل كاميرون الذي وعد بالتصويت لصالح البقاء داخل الاتحاد تحت ضغوط من المتشككين من أعضاء حزبه أن يساعد ذلك على تسوية الخلافات المستمرة منذ فترة طويلة بين المحافظين بشأن أوروبا، أمام خلفية تحدي «حزب استقلال المملكة المتحدة» (يوكيب) اليميني المناوئ للبقاء ضمن الاتحاد.

* حملة الإقناع بالبقاء
كاميرون في خطاب في مجلس العموم الأسبوع الماضي كان قد حاول إقناع النواب بـ«خوض المعركة معا» للحصول على الإصلاحات التي تسمح للمملكة المتحدة بالبقاء في الاتحاد الأوروبي، بينما ينتقدها المشككون في جدوى الوحدة الأوروبية والصحف بشدة. وتعليقا على الإصلاحات التي اقترحها المجلس الأوروبي - والمفصلة آنفًا - قال كاميرون «إذا كنتم تريدون إنهاء العطاء بلا مقابل... وإذا كنتم تريدون تحقيق المساواة بين الدول الأعضاء وغير الأعضاء في منطقة اليورو، وإذا كنتم تريدون أوروبا أكثر قدرة على المنافسة، فلنخض هذه المعركة معًا». وأضاف الزعيم البريطاني الذي دافع عن مسودة الاتفاق الذي كشفه الاتحاد الأوروبي أن «ساعة القرار تقترب».
وأشاد كاميرون ومؤيدوه بإصلاحين على وجه الخصوص، هما الإجراء الطارئ الذي يسمح للمملكة المتحدة بوقف الإعانات الاجتماعية للمهاجرين، وضمانات بألا تتأثر أوساط المال البريطانية في حال تحسن اليورو. ومن ثم، كرّر ترحيبه «بالتقدم الكبير الذي تحقق في طلباتنا الأربعة للإصلاح»، مؤكدا في الوقت نفسه أنه «ما زال هناك عمل طويل ويجب أن نبرهن على تصميم وصبر» لإنجازه.
من جهته، كان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند قد حذر أخيرًا من أنه يرفض أي «تفاوض جديد» خلال القمة. وتابع أن «التسوية التي تم التوصل إليها تتيح إيجاد حلول لمشاكل بدت حتى الآن صعبة الحل. ولكن لا يمكن أن يشهد المجلس الأوروبي تعديلات جديدة... ولا ينبغي إعطاء البريطانيين الضمانات الضرورية إلا ضمن إطار احترام المبادئ الأوروبية».
بدورها، رأت الحكومة الألمانية أن اقتراحات المجلس الأوروبي «طموحة»، رافضة التعليق على نقاط خلافية محتملة ومكتفية بالإعلان أن برلين تدرس هذه الخطة «بشكل مكثف». ومن جهته، صرح رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، في البرلمان الأوروبي، أن مشروع الاتفاق «عادل لبريطانيا، وعادل للدول الـ27 الأعضاء» في الاتحاد.

* مجازفة الاستفتاء
جدير بالذكر، أنه تحت ضغط المشككين في ماهية «أوروبا» من «يوكيب» والأجنحة المشككة في جدوى الانتماء للاتحاد الأوروبي داخل الأحزاب الأخرى، تعهد رئيس الوزراء المحافظ، الذي أعيد انتخابه في مايو (أيار) 2015. بتنظيم استفتاء على الرغم من المجازفة بالتسبب بأزمة كبرى في اتحاد تهزّه أصلا أزمة المهاجرين.. وأخيرًا اللاجئين.
وبوعد كاميرون إجراء هذا الاستفتاء، الذي ينطوي على مجازفة كبيرة ويمكن أن يسبب زلزالاً في الاتحاد، يأمل رئيس الحكومة البريطانية الذي أعيد انتخابه بأغلبية مريحة في الحد من اندفاع «يوكيب» الذي يقوده نايجل فاراج. غير أن المشككين في جدوى الاتحاد انتقدوا، كما كان متوقعا، المقترحات الأوروبية، وكان ضمنهم عمدة لندن المحافظ بوريس جونسون الذي دعا إلى بذل «مزيد» من الجهود. ومن جهته، وصف فاراج الاتفاق المطروح بأنه «سيئ».
وفي المقابل، يبدو أن كاميرون تمكن من إقناع وزيرة الداخلية تيريزا ماي بمشروع الاتفاق، بينما يتوقع أن يقود أربعة وزراء آخرون في حكومته حملات من أجل خروج بريطانيا من الاتحاد.
وتشير لهجة الاستياء التي تبنّتها الصحف البريطانية إلى أن كاميرون سيخوض معركة صعبة. إذ كتبت صحيفة «ديلي ميل» اليمينية في عنوان صفحتها الأولى أنها «معجبة بكاميرون (...) لكن بشأن أوروبا، علينا أن نقول بصراحة بأن عماه يقطع الأنفاس إزاء الوهم الكبير». أما صحيفة «التايمز» فكتبت أنه «يجب أن يكون الأمر إصلاحًا جذريًا للعلاقات مع اتحاد أوروبي أكثر عقلانية وأكثر مسؤولية»، مشيرة إلى أن «كاميرون اكتفى على ما يبدو بما يريد، (وهو) اتحاد من دون إصلاح يذكر». ووحدها صحيفة «الفايننشيال تايمز» الجادة دافعت عن رئيس الوزراء البريطاني، وكتبت أن «أداءه كان أفضل مما كان متوقعًا في عملية إعادة التفاوض» بشأن عضوية بريطانيا في الاتحاد.
أزمة الهجرة.. ورقة ضغط بوجهين وحول موضوع المهاجرين، حذّر متحدث باسم كاميرون الأسبوع الماضي من أن آلاف المهاجرين قد يتدفقون على بريطانيا من فرنسا، إذا صوّت الناخبون لصالح الانفصال عن الاتحاد الأوروبي في تأكيد على موقف كاميرون المعلن بأن الانفصال سيضرّ بالأمن.
وبينما رأى منتقدون أنها بداية «حملة تخويف» لمحاولة دفع الناخبين للتصويت لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي، شدد المتحدث أن الانفصال عن الاتحاد قد يضرّ باتفاق مع فرنسا يسمح لحرس الحدود البريطاني بإجراء فحوص للمهاجرين هناك. وفي مؤتمر صحافي، دعم كاميرون الرسالة بالقول: «إن الاتفاق الذي يجعل الحدود البريطانية داخل فرنسا، كما هو الحال في ميناء كاليه، هو اتفاق جيد لبريطانيا» وأنه سيكافح للإبقاء عليه. وأضاف: «إذا أمكننا البقاء في الاتحاد بعد إدخال إصلاحات عليه.. تعرفون ما الذي ستحصلون عليه.. تعرفون أن الحدود ستبقى في كاليه.. وتعرفون أن لدينا صوتًا يفصل في القواعد حين يتعلق الأمر بمستقبل أوروبا.. كما تعرفون أننا سنحصل على معلومات حيوية تتعلق بالإرهابيين أو المجرمين الذين يسافرون في أوروبا، لأننا جزء من هذه المنظمات». وفي وقت سابق، كان المتحدث باسم كاميرون قد قال: إن آلاف اللاجئين قد يعبرون بحر المانش إلى داخل بريطانيا «خلال الليل»، إذا ما صوّتت بريطانيا لصالح الانفصال عن الاتحاد خلال استفتاء يونيو المقبل.
في المقابل، يرى مؤيدو حملة الخروج من الاتحاد أن الانفصال عن أوروبا سيمكن بريطانيا من تعزيز المراقبة على الحدود، وإقرار قوانين تتيح كبح الهجرة الأوروبية وغير الأوروبية التي تشمل آلاف اللاجئين وغير الشرعيين الذين يحاولون الوصول إلى بريطانيا من دول الاتحاد الأوروبي.
وحول فرص بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، يرى البروفسور إيان بيغ، الأستاذ الجامعي في مدرسة لندن الاقتصادية والعلوم السياسية، أنه «يصعب الحسم في الموضوع في الوقت الحالي»، مستبعدًا في الوقت ذاته أن يغيّر معارضو كاميرون في حزب المحافظين و«يوكيب» مواقفهم الرافضة لـ«أوروبا» حتى في حال وافقت الدول الأعضاء على اتفاق المجلس الأوروبي الأولي، الذي يقدم تنازلات كبيرة لصالح بريطانيا. وفي المقابل، يدعم جزء كبير من حزب العمال بقاء بريطانيا في الاتحاد بعد الإصلاحات.
هذا، وأظهر استطلاع أجري بعدما طرح كاميرون مقترحات لإبقاء بلاده داخل الاتحاد الأوروبي أن مؤيدي خروج بريطانيا من الاتحاد يزيدون بتسع نقاط مئوية عن عدد مؤيدي البقاء فيه. وأجرت مؤسسة «يوغوف» الاستطلاع الذي نشرت حصيلته في صحيفة «التايمز» خلال اليومين اللذين أعقبا طرح رئيس الحكومة للتغييرات المقترحة بشأن علاقة بريطانيا بالاتحاد.
ويمثل الاستطلاع أكبر تقدّم لحملة الخروج من الاتحاد منذ الاتفاق على صياغة الاستفتاء في سبتمبر (أيلول) الماضي. فلقد بيّن الاستطلاع أن 45 في المائة من البريطانيين سيؤيدون الخروج من الاتحاد الأوروبي، مقارنة مع 36 في المائة يريدون البقاء. وكانت حملة الخروج متقدمة بفارق أربع نقاط مئوية فقط في استطلاع أجري الشهر الماضي. وقال 19 في المائة بأنهم لم يحسموا أمرهم، أو أنهم لن يصوتوا. ويبقى القول: إنه من شأن خروج بريطانيا يفقد الاتحاد ثاني أكبر اقتصاد فيه - بعد ألمانيا – وأحد أكبر قوتين عسكريتين فيه. ويحذّر المؤيدون للبقاء في الاتحاد من أن الخروج قد يضر باقتصاد بريطانيا ويؤدي لانقسامها من خلال دفع اسكوتلندا لإجراء استفتاء آخر على الاستقلال، بينما يقول معارضو الاتحاد الأوروبي بأن بريطانيا ستزدهر خارجه.

* مزايا البقاء ضمن الاتحاد مقابل مغادرته من وجهة نظر بريطانية
- الحفاظ على الاستقرار السياسي وتجنب استفتاء لاستقلال اسكوتلندا جديد
- الاستفادة من السوق الموحدة ومن انفتاح أسواق الاتحاد الأوروبي
- تجنب تعطيل النمو الاقتصادي خلال الفترة الانتقالية والتأثير سلبا على قدرة بريطانيا على اجتذاب الاستثمارات الخارجية
- البقاء جزءا مهما من كتلة سياسية موحدة والحفاظ على موقف تفاوضي ودبلوماسي قوي في المنابر الدولية

* مزايا المغادرة:
- توفير المساهمات في ميزانية الاتحاد
- تصويب الاهتمام بعيدًا عن «الركود الأوروبي» ونحو الاقتصادات الناشئة
- حرية التحكم في قوانين الهجرة



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».