ارتفاع الين يزيد من التحديات مع انكماش الاقتصاد الياباني

«اقتصادات رئيس الوزراء آبي» في ورطة حقيقية

ارتفاع الين يزيد من التحديات مع انكماش الاقتصاد الياباني
TT

ارتفاع الين يزيد من التحديات مع انكماش الاقتصاد الياباني

ارتفاع الين يزيد من التحديات مع انكماش الاقتصاد الياباني

عندما بدأ شينزو آبي رئيس وزراء اليابان حملته منذ ثلاث سنوات لتغيير مسار الاقتصاد الياباني، كانت أهدافه مركزة على مجالات متنوعة مثل الضرائب، والتجارة، والنساء في أماكن العمل. واعتمدت تلك الحملة، التي رفعت شعار «اقتصادات آبي»، على استراتيجية وحيدة: إضعاف عملة البلاد.
في بادئ الأمر، كانت الحملة تسير بخطى جيدة، إذ ارتفعت أسواق الأسهم اليابانية وتزايدت أرباح الشركات. ولكن بدأ ذلك السلاح في الإخفاق في الوقت الحالي، وقد يكون شعار «اقتصادات آبي» في ورطة حقيقية.
تسبب الاضطرابات الراهنة في الأسواق العالمية ارتفاعا ملحوظا في قيمة الين من جديد. ولقد نجم عن ذلك زيادات كبيرة في أسواق الأسهم اليابانية، مما زاد من المخاوف بين خبراء الاقتصاد أن السيد آبي لن يتمتع بالمقدرة الكافية على الالتزام بالنمو الاقتصادي الذي تعهد به وتحتاج إليه البلاد حتى تعود إلى مسارها الاقتصادي الصحيح.
يقول ماساميشي اداشي، المسؤول السابق في البنك المركزي الياباني والذي يعمل حاليا محللا اقتصاديا لدى بنك جيه بي مورغان تشيس. ولقد طغت التحديات على سطح الأحداث يوم الاثنين الماضي، بعدما أعلن المسؤولين أن الاقتصاد الياباني – وهو ثالث أكبر اقتصاد على العالم، بعد الولايات المتحدة والصين – تعرض للانكماش بصورة أكثر من المتوقع خلال الربع الأخير من عام 2015. فلقد انكمش الاقتصاد الياباني في 5 من 12 فصلا ماضيا، ولقد شهد نموا ضئيلا خلال عام 2015 يقدر بـ0.4 نقطة مئوية فقط. وسوف تجري اليابان الانتخابات خلال هذا الصيف، مما يضيف مزيدا من الضغوط على السيد آبي والائتلاف الحاكم الذي يترأسه لتغيير مسار الاقتصاد في البلاد.
يقول المسؤولون اليابانيون إنهم لا يديرون العملة المحلية. ولكن حتى وقت قريب، تعمل العملة المحلية في صالح السيد آبي.
وفي نظر كثيرين من صناع السياسة اليابانية وكبار رجال الأعمال، فإن الين الضعيف أفضل كثيرا من الين القوي. فهو يجعل أرباب الصناعات الكبرى مثل تويوتا وباناسونيك أكثر ربحية من خلال تضخيم قيمة الأرباح الخارجية للشركات. كما أن العملة المحلية الضعيفة ترفع من تكاليف البضائع المستوردة، ولكن حتى هذه النقطة يمكن أن تكون ذات فائدة كبرى، فهي تساعد اليابان في التخلص من الحلقة المفرغة لهبوط الأسعار والتي أدت إلى انخفاض كبير في الأرباح والحد من الإنفاق.
ويقطع انخفاض قيمة العملة طريقا طويلا من حيث تفسير السبب في ارتفاع أرباح شركة تويوتا في أميركا الشمالية خمس مرات أسرع من حجم مبيعاتها في عام 2012 وحتى العام الماضي. فشركة تويوتا في طريقها الآن لكي تصبح أول شركة يابانية تحقق أرباحا بقيمة 3 تريليونات ين (26.4 مليار دولار) من حيث الأرباح المحتملة في السنة المالية الحالية.
تعتبر التغيرات المفاجئة الطارئة على العملية اليابانية من النتائج الثانوية لاقتصادات آبي.
كان البنك المركزي الياباني تحت قيادة هاروهيكو كورودا محافظ البنك الذي عينه السيد آبي في عام 2013، يغرق الأسواق المالية بالين من خلال شراء كميات هائلة من السندات الحكومية. والهدف المعلن من وراء تلك الاستراتيجية هو تسهيل إمكانية الاقتراض والإنفاق لدى المواطنين. أما الهدف الحقيقي غير المعلن فهو، كما يقول كثير من خبراء الاقتصاد إضعاف الين الياباني. وبعد ثلاث سنوات من تولي السيد آبي منصبه هبط الين مقابل الدولار بنحو 40 في المائة. لكن المخاوف العالمية المتزايدة بشأن التوقعات الاقتصادية العالمية قد سحبت بعض الزخم من الإضعاف المتعمد للين الياباني. ومنذ ديسمبر (كانون الأول) ارتفعت قيمة الين نحو 10 نقاط مئوية مقابل الدولار. ولقد اندفع المستثمرون في شراء العملة اليابانية التي يرونها كملاذ آمن لأموالهم.
ومن شأن تغيير المسار أن يضر بالشركات اليابانية التي كانت تعتمد على الين الضعيف، كما قال السيد اداشي من بنك جيه بي مورغان تشيس. وحتى الآن، كانت الشركات تحاول ادخار كثير من الإيرادات.
تمتلك شركة تويوتا أكثر من 15 تريليون ين بينما يعرف بالأرباح المتراكمة المحتجزة، وهي بالأساس الأرباح التي تحتفظ بها الشركة بدلا من توزيعها على المساهمين. وتمتلك شركة هوندا ما يقرب من 7 تريليونات ين من نفس فئة الأرباح كذلك، بينما تزيد حصة شركة كانون من تلك الأرباح على 3 تريليونات ين بقليل.
ومن المتوقع لتلك الأرباح أن تتقلص في وجود الين القوي الأكثر تكلفة، فإذا ما ازداد ضعف الين فمن المرجح أن تبدأ الشركات في تخفيض التكاليف، وتقليص الأجور والاستثمارات، وهو ما يعتبره الخبراء أمرا مهما وحيويا للمساعدة في تعافي وانتعاش اقتصاد البلاد.
تلعب المشكلات دورا مؤثرا في أسواق الأسهم والتي شهدت تقلبات كبيرة في الآونة الأخيرة.
في الأسبوع الماضي، ارتفع متوسط مؤشر نيكي 225 بواقع 12 نقطة مئوية، مع ارتفاع الين لأعلى مستوياته خلال أكثر من عام كامل. ولقد كان أسوأ أداء مسجل للأسهم اليابانية منذ اضطرابات الأزمة المالية العالمية قبل سبع سنوات.
ثم في يوم الاثنين عاودت الأسهم ارتفاعها من جديد، إذ حقق مؤشر نيكي أكثر من 7 نقاط مئوية، بعد مهلة في الأسواق الأجنبية وأسواق الطاقة يوم الجمعة تلك التي خففت بعض الضغوط المتزايدة على الين.
وجاء الارتفاع في أسواق الأسهم على الرغم من الأنباء الواردة بهبوط الناتج المحلي الإجمالي على أساس سنوي بمعدل 1.4 نقطة مئوية في الربع الأخير من العام الماضي، متأثرا في ذلك بتدني الإنفاق الاستهلاكي وضعف الصادرات. ولقد توقع خبراء الاقتصاد في المسح الذي أجرته وكالة بلومبيرغ الإخبارية، على المتوسط، انكماشا بنحو 0.8 نقطة مئوية في أسواق الأسهم اليابانية.
يقول ماساهيرو ايشيكاوا، الخبير الاستراتيجي في شركة سوميتومو ميتسووي لإدارة أصول الاستثمار، إن المستثمرين كانوا أقل اهتماما حول الانكماش الاقتصادي من الاهتمام بما قد يعنيه ذلك بالنسبة لبرنامج التحفيز لدى البنك المركزي. ولقد خفف بنك اليابان من سياساته بصورة كبيرة خلال الشهر الماضي من خلال الإعلان عن تخفيض سعر الفائدة القياسي إلى ما دون المستوى الصفري، منضما في ذلك إلى مجموعة من البنوك المركزية الأوروبية التي تكافح الانكماش كذلك. ومن المرجح الآن، كما يقول السيد ايشيكاوا، بذل مزيد من العمل والجهد.
ويضيف السيد ايشيكاوا قائلا: «من المتصور أنهم سوف ينتقلون بسعر الفائدة إلى أبعد من المنطقة السلبية أو اتخاذ بعض من الخطوات الميسرة الأخرى».
وأشار بعض المحللين إلى مخاطر الإلغاء المتبادل «والسباق نحو القاع» – أو ربما إلى ما بعد – من قبل البنوك المركزية التي هي في حاجة ماسة إلى تحفيز اقتصاداتها. وفي يوم الخميس، خفض البنك المركزي السويدي من سعر الفائدة قصيرة الأجل إلى مستوى 0.50 نقطة مئوية، وهي تماثل مستوى سعر الفائدة الياباني الحالي، من واقع 0.35 نقطة مئوية السابقة. ومن خلال محاولته لإنعاش الاقتصاد، يواجه السيد آبي كذلك ضغوطا سياسية.
يتعين على الائتلاف الحاكم في اليابان أن يتعامل مع انتخابات مجلس الشيوخ في البرلمان خلال الصيف القادم. ويقول المحللون والخبراء إن السيد آبي كان يعول على الدعم الشعبي لسياساته الاقتصادية في تمديد فترة حكم الائتلاف الحاكم هناك. وتبدو الاستراتيجية التي يتبناها أقل وضوحا الآن عن ذي قبل، ومن غير الواضح ما إذا كان يمكن للأحزاب اليابانية الضعيفة الاستفادة من خيبة أمل الناخبين.
ولقد كانت هجماتهم تركز في الغالب على سياسات آبي الأمنية المتشددة. ومن الناحية الاقتصادية، قدمت تلك السياسة القليل من البدائل في طريقها.
وفي أحدث استطلاعات الرأي في الصحف اليابانية، والتي أجريت الشهر الماضي، كان الدعم للسيد آبي يدور حول 50 في المائة، وهي نسبة مرتفعة للزعيم الياباني الذي وصل إلى هذا الحد في ولايته للبلاد وأعلى بكثير من الدعم الذي تشهده المعارضة. ولكن السيد آبي قد فقد أحد أبرز المتحدثين الفاعلين باسم سياساته الاقتصادية: وهو وزير الاقتصاد اكيرا اماري، والذي تقدم باستقالته في 28 يناير (كانون الثاني) الماضي بسبب الاتهامات الموجهة إليه بتلقيه الرشى من إحدى شركات المقاولات.
كان الإنفاق الحكومي أحد المجالات التي قدمت مساهمات إيجابية وفعالة في النمو الاقتصادي خلال الربع الأخير من العام الماضي، وفقا للتقرير الاقتصادي الصادر يوم الاثنين الماضي. وكان المجال الآخر هو الاستثمار في الأعمال التجارية، والذي ارتفع بمعدل غير متوقع بلغ 1.4 نقطة مئوية من الربع السابق – وعلى الرغم من أن هذا المجال يخضع في أغلب الأحيان لإعادة كبيرة في الحسابات ضمن تقارير الناتج المحلي الإجمالي المنقحة.
يقول ناوهيكو بابا، الخبير الاقتصادي لدى غولدمان ساكس في طوكيو، أن الحكومة، المثقلة بالديون، قد تميل إلى زيادة الإنفاق فضلا عن تأييد طباعة مزيد من العملة المحلية من جانب البنك المركزي. والسيد آبي، كما يقول، من المحتمل أن يواجه، وعلى نحو متزايد، كثيرا من الضغوط لإعداد التحفيز المالي الإضافي قبل انتخابات مجلس الشيوخ المقررة في يوليو (تموز) القادم.

* خدمة «نيويورك تايمز»



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.