قطاع الأعمال السعودي يتوقع زيادة استيراد المنتجات الصينية عالية الجودة بنسبة 20 في المائة

الجريسي لـ {الشرق الأوسط} : المستقبل القريب سيشهد حصاد تفعيل وترجمة جميع الاتفاقيات

جانب من العاصمة السعودية الرياض («الشرق الأوسط»)
جانب من العاصمة السعودية الرياض («الشرق الأوسط»)
TT

قطاع الأعمال السعودي يتوقع زيادة استيراد المنتجات الصينية عالية الجودة بنسبة 20 في المائة

جانب من العاصمة السعودية الرياض («الشرق الأوسط»)
جانب من العاصمة السعودية الرياض («الشرق الأوسط»)

توقع قطاع الأعمال بالمملكة أن تقفز الاتفاقيات السعودية - الصينية التي جاءت ضمن فعاليات زيارة الأمير سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع السعودي، التي اختتمت اليوم، بزيادة المنتجات ذات الجودة العالية، بنسبة تتراوح بين 15 إلى 20 في المائة خلال هذا العام.
وقال عبد الرحمن الجريسي رئيس مجلس الأعمال السعودي - الصيني في حديث لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف من بكين: «إن زيارة الأمير سلمان لبكين حققت أهدافها بنجاح على جميع الصعد».
ولفت إلى أن المباحثات التي جرت بين الجانبين، ركزت على كيفية تفعيل هذه المعطيات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، وصناعة آلية لترجمتها على أرض الواقع في أقرب وقت ممكن، وزيادة حجم الاستثمارات الصينية في المملكة، وزيادة حجم الاستثمارات السعودية في الصين.
وأضاف: «سيشهد المستقبل القريب تفعيل وترجمة طموحات القيادتين والشعبين في البلدين عما تتمخض عنها الاتفاقيات التي أبرمت بين الطرفين في عدد من المجالات، حيث أكد الجانب الصيني أن المملكة شريك استراتيجي هو الأهم على مستوى غرب آسيا خاصة، والعالم كذلك».
وأوضح الجريسي أن صباح اليوم (أمس السبت)، انطلق المنتدى الصيني - السعودي لدفع التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري بين البلدين، حيث حفل لقاء هيئة الاستثمار السعودية مع نظرائها ببكين بنجاحات كبيرة بحضور رفيع من الجانبين، ترجم بشكل كبير الشعور العميق بين البلدين، لما لذلك من أهمية صادقة وشراكة بين الحكومتين والشعبين.
ونوه الجريسي بأن المنتدى السعودي - الصيني الذي انطلق أمس بمناسبة زيارة الأمير سلمان، حقق أهدافه بكل المقاييس، مشددا على أن الإمكانيات وعوامل النجاح التي حشدت من قبل الطرفين في سبيل تعزيز التعاون وصلت أمس إلى ذروتها.
وقال رئيس مجلس الأعمال السعودي - الصيني: «جميع الاتفاقيات بحثت ووقعت أمس، حيث آلينا في الطرفين بضرورة تفعيل وتنفيذها دون تردد أو تلكؤ، فكان الإجماع على تعميق الشراكة الاستراتيجية، مؤكدين أن الصداقة بين الشعبين في قمة عمقها، وتؤهل القيام بأعمال محفزة أخرى مستقبلا».
ولفت إلى أن الأيام الماضية تميزت بكثافة اللقاءات الثنائية والمباحثات الجادة حول أهم القضايا ذات الاهتمام المشترك على جميع الصعد، مشيرا إلى أن غدا (اليوم) سيعود الأمير سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع السعودي، بعد رحلة آسيوية ناجحة بكل المعايير.
من جهته، قال عبد الله المليحي عضو مجلس الغرف السعودية لـ«الشرق الأوسط»: «إن هذه الزيارة تدفق الاستثمارات الصينية للسعودية، بأهم السلع ذات الجودة العالية، التي تستورد لها منها، بهدف توطين صناعتها في المملكة».
ووفق المليحي، فإنه من بين مجالات الاستثمارات الصينية التي ستتدفق على السوق السعودية، الاحتياجات المنزلية التي تعتمد على المواد الخام في المملكة، مبينا أن بكين تستورد المواد الخام من «سابك»، وهي من المواد الأساسية لصناعة البلاستيك، لتصنّعها وتصدرها مرة أخرى للملكة.
وأوضح أن هناك حاجة سعودية ملحة للاستثمارات الصينية في مجال البناء والتشييد في ظل توجه المملكة الكبير نحو مزيد البنى التحتية الأساسية، سواء أكان في مجال الكهرباء أو المياه وغيرها من المجالات، فضلا عن الحاجة لتدريب الكوادر البشرية.
وقال: «ناقشنا مع الصين مسألة تصدير المنتجات الصينية التي توطن سعوديا لتصديرها من المملكة إلى الأسواق الأوروبية، وغيرها من الأسواق المجاورة، في حالة إيجاد صناعة صينية متكاملة في السعودية، ستوفر لدينا ميزة تسهيل تصديرها من المملكة لتلك الأسواق بضرائب أقل».
وأضاف المليحي أنه من الملاحظ أن أوروبا تفرض على المنتج الصيني ضرائب باهظة، مما يعني تجميع وتصنيع المنتج الصيني في السعودية، سيضيف لها قيمة أخرى من خلال تخفيض قيمته مع احتفاظه بجودته، مشيرا إلى أن المنتج المصنع محليا سعره منخفض بالنسبة لأوروبا «لأن الضريبة على المنتج السعودي لدى تلك الأسواق أقل».
ولفت إلى أن الدكتور محمد الجاسر وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي، عرّف الجانب الصيني بالقطاع الاقتصادي والخطة السعودية الخمسية للفترة المقبلة، بالإضافة إلى التطلعات في مجال الاستثمار، والمشاريع المقبلة في المملكة.
وزاد أن هناك أموالا كثيرة تضخ في الاستثمار في السعودية في البنية التحتية في جميع القطاعات، لافتا إلى دعوة الرياض لتشجيع الشركات الصينية على الاستثمار خلال الخمسة أعوام المقبلة، مع حقها في تحقيق أهدافها ومميزاتها التي تنشدها.
وقال المليحي: «هذه الزيارة ستفتح أبوابا جديدة للشركات الصينية والسعودية على حد سواء بعوائد مالية كبيرة للمشاركة في إنتاج سلع ذات جودة عالية، وإغلاق ملف المنتجات الرديئة، التي كانت سببا رئيسا في توجه بعض السعوديين نحو أوروبا».
وأوضح: «وبالتالي، فإن هذه الاتفاقية تحد من السلع المقلدة والمغشوشة، وتزيد من الاستيراد السعودي من الصين، وبالتالي تدفقات زائدة من المنتجات ذات الجودة العالية بما لا يقل عن 15 إلى 20 في المائة».
وتوقع أن تشهد الفترة المقبلة استثمارات صينية وزيارات وفود بمعدل تصاعدي من الصين، بغية الاطلاع على إمكانيات السوق السعودية الهائلة (على حد تعبيره)، مبينا أن نظرة الأعمال في المملكة ليست استقطاب أموال من بكين، بحكم أن القدرة المالية كبيرة في المملكة، بقدر ما هي الدعوة لإشراك الصين السعوديين في الخبرات.
ويعتقد المليحي أنه من المزايا التي تقدمها السعودية للصين، المدن الصناعية المجهزة، والتسهيلات الممنوحة لرجال الأعمال والمستثمرين.
وشدد على أن خطة هيئة الاستثمار السابقة لم تعد للقطاع الأعمال بفوائد أو فرص في الفترة السابقة، لأنها برأيه استقطبت مستثمرين لم يعودوا على الاقتصاد الوطني بأي عوائد ولا بقيمة إضافية، مرجعا ذلك إلى أن أغلب المستثمرين كانوا موجودين في الداخل.
وتوقع زيادة اصطياد الصينيين وهيئة الاستثمار السعودية وهيئات الاستثمار الأخرى من الدول المجاورة الفرص لشركات عالمية ذات عائد وقيمة إضافية للاقتصاد الوطني في الفترة المقبلة، فضلا عن استقطاب عدد كبير من الشباب السعودي للتدريب والخبرات في مجال التقنية.
وفي هذا الإطار أكد المهندس عبد الله المبطي رئيس مجلس الغرف السعودية أن الاتفاقية التي وقعتها وزارة التجارة والصناعة مع هيئة الرقابة الصينية تُعدّ من أهم الاتفاقيات والإنجازات التي حققتها وزارة التجارة، عطفا على حجم التبادل التجاري الكبير بين المملكة والصين، البالغ 72 مليار دولار.
وتشمل قائمة السلع والمنتجات المستوردة من الصين وفق المبطي، لائحة طويلة من المنتجات، منها المقلد أو المغشوش، ومنها ما يتسبب في مضار صحية، وقد يتضمن مواد مسرطنة تنعكس على صحة المستهلكين.
وشدد على أهمية تطبيق هذه الاتفاقية وبنودها على الوجه الأمثل حتى تحقق مقاصدها في محاصرة الغش التجاري والمتعاملين فيه، سواء في الجانب الصيني أو السعودي، فضلا عن تعزيز ثقة المستهلكين في المنتجات الصينية، مما يدفع بمزيد من التعاملات التجارية بين البلدين.
وقال المبطي: «كقطاع أعمال سعودي تلمسنا خلال زياراتنا للصين اهتمام معالي وزير التجارة والصناعة شخصيا بهذه القضية، وكذلك اهتمام الحكومة الصينية، نظرا لما تمثله لها المملكة من أهمية اقتصادية بصفتها الشريك الاستراتيجي الأول للصين في منطقة الشرق الأوسط».
وشدد على ضرورة توخي رجال الأعمال الحذر في تعاملاتهم التجارية مع الصين، وعدم قبولهم لبضائع يشتبه في أنها مقلدة أو مغشوشة، ونصح بإرسال مناديب للشركات السعودية للصين للتأكد من مواصفات البضائع قبل شحنها، وللوقوف على عمليات الشحن والتعبئة، أو تكليف شركات موثوقة للقيام بالفحص وتسليمه عينات قبل الشحن.
وحذّر رئيس مجلس الغرف السعودية، من الاعتماد على الوسطاء والسماسرة الموجودين بالصين، لما عرف عن بعضهم من أساليب الغش والاحتيال، حتى لا يضع التاجر نفسه تحت طائلة العقوبات المختلفة.



أصول صناديق الثروة الخليجية ترتفع إلى 5 تريليونات دولار

سيارات في أحد شوارع العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
سيارات في أحد شوارع العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
TT

أصول صناديق الثروة الخليجية ترتفع إلى 5 تريليونات دولار

سيارات في أحد شوارع العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
سيارات في أحد شوارع العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

وصل الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي إلى نحو 2.4 تريليون دولار، في وقت أكدت فيه المؤشرات تنامي الثقل الاستثماري الخليجي عالمياً، مع وصول حجم صناديق الثروة السيادية الخليجية إلى نحو 5 تريليونات دولار، بما يمثل 30.3 في المائة من إجمالي الصناديق السيادية في العالم، وهو ما يعزز حضور دول المجلس في الأسواق والاستثمارات الدولية.

وأظهر تقرير صادر عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي، يوم الاثنين، بمناسبة ذكرى التأسيس، أن القطاع غير النفطي في الدول الست نما بنسبة بلغت 5.3 في المائة خلال عام 2025، في وقت تجاوزت فيه مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي نسبة 78 في المائة.

وفي القطاع المالي، واصلت دول المجلس الست تعزيز استقرارها المالي، إذ بلغت أصول البنوك التجارية نحو 3.9 تريليون دولار بنمو بلغ 11.9 في المائة بين عامي 2024 و2025، بينما وصلت الودائع لدى البنوك التجارية إلى 2.3 تريليون دولار بمعدل نمو بلغ 10.6 في المائة، الأمر الذي يعكس قوة السيولة المصرفية والثقة المتزايدة في القطاع المالي الخليجي، وفقاً لوكالة الأنباء السعودية (واس).

وعلى صعيد التجارة، سجلت دول المجلس حجم تبادل تجاري بلغ 1.6 تريليون دولار، بنمو نسبته 7.4 في المائة مقارنة بعام 2023، بينما بلغت الصادرات السلعية الخليجية نحو 849.6 مليار دولار، ما يعكس استمرار الحضور الخليجي في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.

وفي قطاع الطاقة، حافظت دول مجلس التعاون على موقعها المحوري في سوق الطاقة العالمية، بإنتاج نفطي بلغ 16.6 مليون برميل يومياً، يمثل نحو 22.2 في المائة من الإنتاج العالمي للنفط الخام.

وعلى مستوى التكامل الخليجي، سجلت السوق الخليجية المشتركة نمواً متواصلاً؛ حيث بلغت التجارة البينية نحو 146 مليار دولار بنمو قدره 2.85 في المائة مقارنة بعام 2012، بينما ارتفع إجمالي رؤوس أموال الشركات المساهمة إلى 549 مليار دولار بنمو استثنائي بلغ 237.6 في المائة مقارنة بعام 2007.

وفي القطاع السياحي، بلغت الإيرادات السياحية الخليجية نحو 132.3 مليار دولار، بما يعكس تنامي جاذبية الوجهات الخليجية وقدرتها على استقطاب الحركة السياحية العالمية.


«موديز» تبدّد آمال انتعاش اقتصاد لبنان... وترجّح انكماشه 14 %

عمال يزيلون الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية سابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
عمال يزيلون الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية سابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
TT

«موديز» تبدّد آمال انتعاش اقتصاد لبنان... وترجّح انكماشه 14 %

عمال يزيلون الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية سابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
عمال يزيلون الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية سابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

تتوقّع وكالة التصنيف الدولية «موديز» انكماشاً حاداً للاقتصاد اللبناني خلال العام الحالي بنسبة 14 في المائة، جراء الحرب المحلية وتداعيات الصراع في المنطقة، مع ترجيح استعادة النمو الإيجابي بنسبة 5 في المائة في العام المقبل. في حين يقدّر وزير المال ياسين جابر تراجع الناتج بما بين 7 و10 في المائة، مع أضرار مباشرة وغير مباشرة تصل إلى 20 مليار دولار.

في نهاية العام الماضي، بلغ حجم الناتج مستوى 33 مليار دولار، مدفوعاً بنمو نسبته 3.8 في المائة، وفق تحديثات رقمية موثقة من قبل مصرف لبنان المركزي، عقب رحلة شاقة من الانكماش الحاد على مدار سنوات الأزمة المالية والنقدية التي انفجرت في خريف عام 2019، وأفضت إلى حصيلة تراجع متتالية ومجمّعة بنسبة تناهز 60 في المائة من المستوى الأعلى للناتج الذي قارب 53 مليار دولار عشية الانهيار الاقتصادي.

وبحسب التقييم المحدث لوكالة «موديز»، فإنّ الصراع الأخير تسبّب في صدمة كبيرة على الاقتصاد، نتيجة نزوح السكّان، وانهيار القطاع السياحي، وتعطّل قطاعَي الزراعة والصناعة، والدمار الكبير الذي لحق بالبنى التحتيّة. في حين يُخشى أن يؤدّي التراجع في الإيرادات الحكوميّة، مقابل ارتفاع الاحتياجات الاجتماعيّة واحتياجات إعادة الإعمار، إلى زيادة الضغوط على الأوضاع الماليّة العامّة، والاعتماد على الاحتياطات بالعملات الأجنبيّة.

وبينما تهدّد التوتّرات الجيوسياسيّة المستمرّة بتفاقم الضعف القائم في ميزان المدفوعات، فإنّ التمديد المؤقّت لوقف إطلاق النار والنقاش المستمر مع صندوق النقد الدولي حول تمويل سريع محتمل، قد يوفّران، حسب الوكالة، الحصول على دعم قصير الأجل عبر تعزيز السيولة والحيز المالي، إلا أنّهما لا يعالجان نقاط الضعف الهيكليّة في البلد، كالتعثّر السيادي، وغياب إعادة هيكلة شاملة للدين العام، فضلاً عن حزمة تحديات مؤسسيّة وحوكميّة.

وفي البعد السياسي، أشارت الوكالة إلى الجهود الدبلوماسيّة الأخيرة التي قادتها الولايات المتحدة، مستهدِفةً الدفع نحو إطار أكثر استدامة للسلام والأمن بين إسرائيل ولبنان، وذلك من خلال المحادثات التي عُقدت في منتصف شهر مايو (أيّار)، وتُستكمل جولاتها بنهايته وبداية الشهر المقبل.

خيام زرقاء لإيواء النازحين الفارّين من منازلهم وقراهم في الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب على طول واجهة العاصمة (د.ب.أ)

ورغم أن هذه المفاوضات قد تساعد في الحد من ارتفاع وتيرة التصعيد، فإنّ احتمال تجدّد النزاع لا يزال مرتفعاً، ما يواصل تهديد الاقتصاد اللبناني وثقة المستثمرين والأوضاع الإنسانيّة؛ إذ تدور هذه المناقشات وسط تقارير متواصلة عن انتهاكات لوقف إطلاق النار، ما يسلّط الضوء على هشاشة الوضع الأمني واستمرار المخاطر الجيوسياسية.

أمّا في البعد الاقتصادي والإنساني، فقد أدّت موجة العنف المتجدّدة، وفق رصد «موديز»، إلى نزوح أكثر من مليون شخص، واضطراب سوق العمل، وإضعاف الطلب الاستهلاكي، وإلحاق أضرار جسيمة بالقطاعات الإنتاجيّة مثل الزراعة والصناعة والبناء، نتيجة تضرّر البنية التحتيّة، ورأس المال، وسلاسل الإمداد. كذلك تأثّرت القطاعات الخدماتيّة، بما فيها السياحة، والرعاية الصحيّة، والتعليم، بالتباطؤ الاقتصادي الذي تشهده البلاد.

ولا يزال لبنان يعتمد بشكل كبير على الواردات، التي تُعوّض جزئيّاً من خلال إيرادات السياحة وتحويلات المغتربين، مع الإشارة إلى أن هذه التدفقات من العملات الأجنبيّة قد تتراجع نتيجة عدم الاستقرار الإقليمي، وارتفاع أسعار النفط، واحتمال تأثّر تحويلات المغتربين بالأوضاع المستجدّة.

ونوهت الوكالة بأنّه رغم أنّ المناقشات مع صندوق النقد الدولي بشأن توفير تمويل طارئ تصل قيمته إلى مليار دولار قد يؤمّن دعماً ماليّاً مؤقتاً، ويساعد في تغطية الإنفاق الاجتماعي والإنساني العاجل، فإنّ هذا الدعم وحده لن يكون كافياً لمعالجة نقاط الضعف الهيكليّة في الاقتصاد اللبناني، علماً أن رد إدارة الصندوق لم يكن إيجابياً، حسب مصادر وزارة المال، ربطاً باستمرار لبنان في حال «التعثر» عن سداد ديونه السيادية.

ومن غير المرجّح أن يتغيّر التصنيف الائتماني للبنان، المستمر عند الدرجة «سي»، إذا لم يتمّ تنفيذ إعادة هيكلة شاملة للدين العام؛ نظراً إلى حجم التحدّيات الماكرواقتصاديّة والماليّة والاجتماعيّة، علماً أنّ أيّ تحسّن في التصنيف السيادي بعد عمليّة إعادة هيكلة الدين سيعتمد، وفق «موديز»، على سرعة وفاعليّة الإصلاحات الماليّة والمؤسسيّة، بالإضافة إلى قدرة الحكومة على تعزيز تحصيل الإيرادات، وانتقال الاقتصاد إلى نموذج نموّ جديد.

ويأتي التصنيف المتدني الذي تمنحه «موديز» للبنان بناءً على نتائج مسجَّلة على أربعة مستويات؛ إذ سجّل لبنان نتيجة «سي إيه إيه 1» (caa1)، في معيار «القوة الاقتصادية»؛ نظراً للانكماش الاقتصادي الكبير منذ عام 2019، وتفاقم التحديات بشكل إضافي نتيجة نزوح السكان والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية بسبب اندلاع الحرب. في حين ساهمت تحويلات المغتربين والإنفاق داخل البلاد في دعم مستويات الدخل.

وسجّل لبنان نتيجة «سي إيه» (ca)، في معيار «القوة المؤسساتية»، ما يعكس الضعف الناشئ عن استمرار التخلّف عن دفع الدين السيادي منذ شهر مارس (آذار) 2020، وهشاشة بيئة الحوكمة التي تتّسم بضعف فاعليّة السياسة الماليّة، والتي يقيّدها تباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع القدرة على جباية الإيرادات.

أمّا على صعيد القوّة الماليّة، فقد نال لبنان نتيجة «سي إيه»، والتي تعكس دين الدولة الكبير، بما يرجّح التسبّب في خسائر كبيرة للدائنين في حال تعثّرت الدولة عن الدفع. كما حصل على نتيجة «سي إيه» في معيار «التعرُّض لمخاطر الأحداث»؛ نظراً لمخاطر السيولة والتعرُّض الخارجي الكبير كما التعرُّض الكبير للقطاع المصرفي للدين السيادي.

ونوهت الوكالة بأنّ «النظرة المستقبليّة المستقرّة» تشير إلى أنّها لا ترتقب أي تحسّن في تصنيف لبنان في المدى القريب، وسيبقى على حاله إلا إذا تمّ تطبيق إصلاحات جوهريّة على مدى سنوات عدّة من جهة، وتحسين القدرة على تحصيل الإيرادات، وحصول تقدّم ملحوظ في ديناميكيّة الدين، وتكيّف البلاد مع نموذج نموّ اقتصادي جديد من جهة موازية، وذلك لضمان استدامة الدين في المستقبل.


معادلة ترمب - وارش: شراكة مصيرية تواجه رياح التضخم وأسعار الفائدة

ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)
ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)
TT

معادلة ترمب - وارش: شراكة مصيرية تواجه رياح التضخم وأسعار الفائدة

ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)
ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)

لطالما كان يمثّل رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي السابق جيروم باول خصماً سياسياً مناسباً للرئيس دونالد ترمب؛ إذ كان يتحمّل جزءاً كبيراً من الانتقادات المتعلقة بارتفاع أسعار الرهن العقاري وتباطؤ النمو الاقتصادي.

لكن مع تعيين رئيس جديد هو كيفين وارش على رأس البنك المركزي، وإكمال ترمب لنفوذه على أعلى مستويات صنع السياسة الاقتصادية في الولايات المتحدة، يتغيّر هذا المشهد بشكل واضح.

ففي السابق، كان بإمكان ترمب إرجاع مسؤولية تعيين باول إلى مستشاريه خلال ولايته الأولى، ومن بينهم وزير الخزانة آنذاك ستيفن منوشين. أما اليوم، فإن وارش يُعدّ اختياراً مباشراً لترمب، ما يعني أن نتائج السياسات والأداء الاقتصادي ستُحسب بشكل أكبر على الإدارة الحالية نفسها، وليس على أطراف أخرى.

وللتأكيد على حجم الرهان، استضاف ترمب وارش في حفل أداء اليمين في البيت الأبيض يوم الجمعة، بحضور وزراء حكومته وقضاة من المحكمة العليا وكبار مستشاري البيت الأبيض، في أجواء أقرب إلى تجمع تحفيزي، حيث قال في كلمته إنه يريد من وارش «أن يقوم بعمله بطريقته الخاصة، وأن ينجح بشكل كبير»، وفق «رويترز».

وقال ترمب: «كيفين يفهم أنه عندما يكون الاقتصاد مزدهراً فهذا أمر جيد... نريد أن يزدهر... لا نريد أن نراه مكبوحاً».

جيروم باول يتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية... 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

رهانات مرتفعة قبل الانتخابات النصفية

بعد حملته الانتخابية وفوزه بولاية ثانية على وعود بخفض الأسعار ومعالجة قضايا «القدرة على تحمل التكاليف» للأسر الأميركية، تراجع معدل تأييد ترمب للأداء الاقتصادي بشكل ملحوظ.

وأظهر استطلاع لثقة المستهلك نُشر قبل نحو 90 دقيقة من مراسم أداء اليمين لوارش مزاجاً متشائماً على نطاق واسع داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك تراجع الثقة الاقتصادية لدى المستقلين -وهم كتلة انتخابية رئيسية في الانتخابات النصفية لـ«الكونغرس»- وحتى لدى الجمهوريين إلى أدنى مستوياتها في الولاية الثانية لترمب.

وارتفع معدل الفائدة على الرهن العقاري لأجل 30 عاماً مجدداً فوق 6.5 في المائة، وهو أعلى مستوى في تسعة أشهر، مما يواصل الضغط على سوق الإسكان الضعيف.

كما استمرت الأسعار في الارتفاع خلال عهد ترمب، رغم وعود حملته بأنها ستنخفض منذ «اليوم الأول» من رئاسته. فمنذ مارس (آذار) 2025، ارتفع مؤشر التضخم الذي يستخدمه «الفيدرالي» لاستهداف معدل 2 في المائة من 2.3 في المائة سنوياً إلى 3.5 في المائة.

وبلغ سعر غالون البنزين في المتوسط 4.55 دولار يوم الجمعة، مقارنة بأقل من 3 دولارات قبل أن يبدأ ترمب حملته ضد إيران في أواخر فبراير (شباط).

ولا يزال مدى تأثير أداء وارش على فرص الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية غير واضح، لكنه محفوف بالمخاطر.

فالتضخم المرتفع عادة ما يضر بالأحزاب الحاكمة مع تزايد قلق الناخبين بشأن تكاليف المعيشة، لكن مكافحته تتطلّب إجراءات صعبة غالباً ما تكون في شكل رفع أسعار الفائدة، وهي إجراءات غير شعبية سياسياً، ولا يرحب بها ترمب بالتأكيد.

علاوة على ذلك، يظل «الاحتياطي الفيدرالي» مؤسسة متعددة الأوجه، حيث سيحتاج الرئيس الجديد إلى بناء سلطته تدريجياً، في وقت يراقب فيه العالم مدى تأثير ترمب.

وقال ريتشارد ستيرن، الذي يدرس السياسات الاقتصادية في مؤسسة «أدفانسينغ أميركان فريدوم» المحافظة: «كان باول كبش فداء مثالياً لترمب في قضايا لا علاقة لها بباول». وأضاف: «الآن أصبح الأمر اقتصاد ترمب... مشكلة ارتفاع الأسعار وتكلفة المعيشة لن تختفي لسنوات عديدة... وهذا مستقل عن أي شيء يمكن لترمب أو وارش القيام به».

قيادة نظام معقد

وارش، البالغ من العمر 56 عاماً، وهو محامٍ ومستثمر عمل عضواً في مجلس محافظي «الفيدرالي» بين 2006 و2011، قضى السنوات اللاحقة في تعزيز فرص عودته إلى المنصب.

وقد شملت خلفياته المهنية شخصيات بارزة مثل الاقتصادي النقدي الشهير ميلتون فريدمان، ووزير الخارجية الأسبق جورج شولتز. كما ساعده عمله مع المستثمر الكبير ستانلي دراكنميلر على تحقيق ثروة كبيرة، بالإضافة إلى ثروة زوجته المرتبطة بحصة في شركة «إستي لودر» لمستحضرات التجميل.

لكن علاقاته السياسية والاجتماعية مع ترمب كانت العامل الحاسم في اختياره؛ إذ كان الرئيس قد أعرب عن أسفه لتجاوز وارش في تعيينات عام 2017 لصالح باول.

إدارة نظام غير منضبط

اختار باول، في ظل محاولات ترمب للتأثير على استقلالية «الفيدرالي»، البقاء عضواً في مجلس المحافظين، وهو أمر غير معتاد في بداية ولاية رئيس جديد لـ«الفيدرالي»، الذي يُعد أقوى بنك مركزي في العالم والمصدر الرئيسي للسيولة بالدولار عالمياً.

ورغم أن بعض رؤساء «الفيدرالي»، مثل بول فولكر وآلان غرينسبان، مارسوا تأثيراً حاسماً، فإن البنك المركزي الأميركي مصمم ليكون مؤسسة غير مركزية، تضم مجلس محافظين من سبعة أعضاء في واشنطن، بالإضافة إلى 12 رئيس بنك احتياطي إقليمي يشاركون في صنع القرار.

وفي السنوات الأخيرة، اتجهت عملية صنع القرار نحو التوافق بقيادة الرئيس. لكن وورش قال إنه يفضّل أسلوب نقاش أكثر حدة و«دون قيود»، مع قبول أكبر للاختلافات الداخلية، واستعداد لإرباك الأسواق عبر قرارات أقل اعتماداً على التوجيه المسبق الذي أصبح شائعاً في السنوات الأخيرة.

متداول يعمل في قاعة بورصة نيويورك للأوراق المالية (أ.ب)

ويبقى السؤال ما إذا كانت الأسواق العالمية مستعدة لهذا النهج.

لكن المؤشرات الأخيرة من اجتماعات «الفيدرالي» توحي بأن الخلافات الداخلية قد تتصاعد. فقد شهد اجتماع أبريل (نيسان) أكبر عدد من الاعتراضات منذ أكثر من 30 عاماً. كما أظهر محضر الاجتماع أن أغلبية مسؤولي وارش الجدد يرون أن أسعار الفائدة قد تحتاج إلى الارتفاع، وهو عكس ما كان ترمب يتوقعه وما كان وارش نفسه يدعو إليه سابقاً.

وتضم هذه المجموعة من المسؤولين اقتصاديين حاصلين على دكتوراه يتمتعون بخبرة فنية مختلفة عن وارش، إلى جانب خبراء استثمار ذوي خبرة مماثلة في الأسواق، بالإضافة إلى الرئيس السابق باول نفسه.

ومن بين المحافظين الستة الآخرين، تم تعيين ثلاثة من قِبل الرئيس السابق جو بايدن، بينهم ليزا كوك التي يحاول ترمب إقالتها.

ومع استمرار النقاش حول الخطوات المقبلة، يبدو أن المستثمرين قد حسموا موقفهم بأن أسعار الفائدة قد تحتاج إلى الارتفاع في ظل استمرار التضخم.

وفي أسواق السندات طويلة الأجل التي تحدد تكلفة الاقتراض للمستهلكين، بدأت العوائد بالفعل الارتفاع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended