خوجة لـ {الشرق الأوسط}: غياب آليات التنفيذ يعزز شكوكنا في مخرجات «ميونيخ}

قال إن واشنطن تراقب بصمت انتهاكات القرارات الدولية.. و«شعبنا فقد الثقة بالمقاربات الدولية»

مساعدات في طريقها إلى منطقة دوما قرب دمشق (إ.ب.أ)
مساعدات في طريقها إلى منطقة دوما قرب دمشق (إ.ب.أ)
TT

خوجة لـ {الشرق الأوسط}: غياب آليات التنفيذ يعزز شكوكنا في مخرجات «ميونيخ}

مساعدات في طريقها إلى منطقة دوما قرب دمشق (إ.ب.أ)
مساعدات في طريقها إلى منطقة دوما قرب دمشق (إ.ب.أ)

رأى رئيس الائتلاف السوري الدكتور خالد خوجة أن غياب مصداقية القرارات الدولية يعود لعدم إيجاد آليات ناجعة لتطبيقها، مما عزز شكوك المعارضة السورية في مخرجات القرارات على مدى السنوات الخمس الماضية.
وأكد خوجة، لـ«الشرق الأوسط»، أن قرارات مؤتمر «ميونيخ» هي نتاج لانحراف مسار جنيف الذي أسس بناء على قرار مجلس الأمن 2118 لصالح مسار فيينا، الذي أدخل روسيا وإيران إلى المعادلة وأشرك هاتين الدولتين في صياغة القرارات بتسهيل أميركي، مشيرا إلى أن التحالف الدولي بدأ بمحاربة الإرهاب في المنطقة بالتحالف مع تنظيمات إرهابية كالحشد الشعبي في العراق ووحدات الحماية الشعبية في سوريا.
وأوضح خوجة أن الحديث عن تطبيق القرارات الدولية غير ذي جدوى ما لم يكن مصحوبا بإرادة دولية تفرض آليات صارمة ضد من ينتهك هذه القرارات، فالنظام وفق القرار 2118 سلم جزءا من مخزونه الكيماوي، غير أنه استمر في استخدام السلاح الكيماوي ضد الشعب السوري، وتم غض الطرف عن النظام، مشيرا إلى أن أميركا ليست عاجزة عن إيجاد الحل السياسي للقضية السورية، لكنها متوافقة مع خريطة الطريق الروسية - الإيرانية.
وأشار رئيس الائتلاف السوري إلى أن «الروس حتى الآن مستمرون في قصف المناطق المدنية بالصواريخ بجانب طيران النظام السوري، حيث إن موسكو شنّت أكثر من 17 ألف طلعة جوية، وأكثر من 82 في المائة من المناطق التي قصفوها هي مناطق سكنية، ومواقع خدمية، ولا توجد آليات دولية تردع هذه الانتهاكات إذ إن من يشارك في صياغة هذه القرارات هو الاحتلال الروسي نفسه»، مشيرا إلى أنه «من السذاجة الحديث عن حل سياسي يفرضه المحتل ويشرف عليه، ويعلن أنه في الوقت نفسه عزمه على الاستمرار في القصف وانتهاك القرارات الدولية المتعلقة بذلك». وأضاف: «المعارضة السورية ليست لديها تحفظات على مخرجات مؤتمر ميونيخ، بقدر ما لديها شكوك حول تطبيقها بشكل يتوافق مع القرارات الدولية الصادرة لحل الأزمة في سوريا في ظل غياب وجود آليات ناجعة وذات مصداقية لتنفيذها».
وذكر خوجة أنه منذ بداية تدويل الأزمة في سوريا، بدءا من اتخاذ قرارات الجامعة العربية بشأنها ومن بعدها قرارات كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي أميني الأمم المتحدة السابقين، إلى عهد المبعوث الأممي لسوريا دي ميستورا، صدرت قرارات عديدة تهدف لحل الأزمة، إلا أنه فقط كانت نقاط كوفي عنان هي الأكثر تمهيدا للحل السياسي من بينها، لكنها لم تطبق بسبب فقدان الأمم المتحدة آليات لتنفيذها.
واستذكر رئيس الائتلاف السوري القرار 2118، حيث بموجبه ذهبت المعارضة لـ«جنيف 2»، لتطبيق هذا القرار غير أن النظام انسحب، مبينا أنه مع أن القرار ينص على معاقبة الطرف الذي لا يلتزم بالحل السياسي، إلا أنه بسبب وجود روسيا في مجلس الأمن لم يصدر قرار بمعاقبة النظام.
ويعتقد أن الوضع الحالي أكثر تعقيدا من ذي قبل، لأنه برأيه أن روسيا وإيران دولتان محتلتان وفي الوقت نفسه تضربان بقرارات الأمم المتحدة عرض الحائط، مبينا أن المحتل يريد حلا يحافظ على مصالحه في المقام الأول، وهناك تجاهل وغض بصر أميركي عن تسلم زمام المبادرة من قبل روسيا.
وأكد خوجة أن مؤتمر ميونيخ يتحدث عن وقف لإطلاق النار، في حين أن القرارات الدولية تقول إن وقف إطلاق النار وفق القرار 2118 يسبقه تأسيس هيئة حاكمة انتقالية وهي التي من المفترض أن تشرف على العملية الانتقالية ووقف إطلاق النار، ولكن مع ذلك وفق خوجة، هناك تجاهل لهذه الهيئة ويجري الحديث عن إطلاق النار بمعزل عن عملية الانتقال السياسي.
وأضاف رئيس الائتلاف السوري: «لذلك فإنه كلما يكون هناك تجمع دولي للاعبين الأساسيين في الأزمة السورية يحدث تمييع للحل السياسي وتفكيك المواد الواردة في القرارات الدولية عن بعضها، وإيجاد مقاربات منفصلة عن تسلسل الخطوات المطلوبة في الحل السياسي». وقال خوجة: «عند الحديث عن وقف إطلاق النار هناك خطوات يجب أن تسبقه وسميت بإجراءات حسن النوايا في القرار الأممي الأخير 2254، وهي إطلاق سراح المساجين ووقف القصف بكل أشكاله وإطلاق سراح المعتقلين وإدخال المساعدات الإنسانية للمناطق المحاصرة». وتابع: «تطبيق هذه المواد كان مطلوبا منذ بداية الأزمة، وطالب به كوفي عنان، ووقف إطلاق النار تشرف عليه الهيئة الحاكمة الانتقالية وليست روسيا أو النظام، إذ إنه كيف يستقيم أن يكون الروس هم الآن من يمسكون بزمام المبادرة ويصرون على عزمهم استمرار القصف واختراق القرار الأممي وفي الوقت نفسه يشرفون على تطبيق القرارات الصادرة؟».
ولفت رئيس الائتلاف السوري إلى أن غض البصر الأميركي عن هذه التناقضات يعكس لا مبالاة تجاه ما يجري على أرض الواقع، ولذلك برأيه فإن كل هذه المعطيات تجعل الشعب السوري يفقد الثقة في المقاربات الدولية الحالية. وحول الحل السياسي، قال خوجة «منذ بدء طرح الحل السياسي قلنا إن المعارضة السورية ملتزمة بالحل السياسي، وشاركت في المؤتمرات بهدف إيجاد الحل السياسي، لكن الطريقة التي تؤمن بأنها تحافظ على استقرار سوريا ليست هي الطريقة المستمرة الآن والتي تعزز حالة الفوضى وتزيد من قتل السوريين، وإنما تلك التي تتعامل مع أسباب الأزمة من جذورها، ولم يعد هناك أي شك لدى المهتمين بالملف السوري في الترابط بين الإرهاب والنظام، وهي الحلقة التي تغذي حالة القتل والفوضى في سوريا والمنطقة».
وحول موضوع هدنة أسبوع لاستئناف المفاوضات بين الأطراف السورية، قال خوجة «الأسد أجاب عن هذا في لقائه الأخير مع القناة الفرنسية بكل وضوح، بأن النظام سيستمر في حرب الإرهابيين، مما يعني أنه مستمر في القضاء على الشعب السوري، فهو يقول: الأسد أو لا أحد». وأضاف: «من لا يوالي بشار الأسد يعتبر في نظر النظام إرهابيا، وكذلك الروس صرحوا بأنهم سيستمرون في محاربة الإرهابيين، ولذلك كيف يمكن أن نتحدث عن هدنة، في حين أن أحد الأطراف الأساسيين في القتال يعلنون صراحة أنهم سيستمرون في القصف وفي الحل العسكري».
وأمام ذلك، أكد خوجة أن أميركا تتخذ موقفا مائعا تجاه القضية السورية، فعلى الرغم من حديثها أن روسيا ونظام الأسد يتعاونان مع «داعش»، فإنها تعمل في الوقت نفسه على تبني مبادرات الروس والإيرانيين التي تهدف لإنقاذ النظام كما هو، منوها بأنه لا يوجد شك لأي دولة تراقب الوضع السوري عن كثب أن «داعش» و«النظام» وجهان لعملة واحدة.
وقال: «إن التقارير التي صدرت عن وجود خبراء روس في حقول الغاز والبترول التي يعمل على إدارتها (داعش) في سوريا، تؤكد حجم وطبيعة العلاقة الوثيقة بينها وبين النظام والروس، ولذلك فإن انهيار النظام هو انهيار (داعش)، واستمرار النظام هو استمرار (داعش)».
وزاد خوجة أن وحدة حماية الشعب الكردية الانفصالية، تحت اسم «قوات سوريا الديمقراطية»، هي الذراع الأخرى للنظام وللاحتلال لتثبيط الثورة، ذلك أن النظام طوق الثورة بذراعين، الذراع الأولى هي «داعش» وأخواتها والذراع الثانية هي «قوات سوريا الديمقراطية»، وعمادها تنظيم «حزب العمال الكردستاني الانفصالي».
ولفت إلى أن «حزب العمال الكردستاني الانفصالي» أسس كانتونات في الشمال بشكل رسمي وعلني، وعيّن لها وزير خارجية وإدارة ذاتية على حدّ تعبيره، مشيرا إلى النظام طوق الثورة بهاتين الذراعين في حين أن روسيا تعمل على تعزيزهما لإيجاد مخرج للنظام، وكبح جماح الثورة.
وخلص إلى أن ما يثار حول حلول سياسية ومؤتمرات هنا وهناك دون أن تكون هناك آليات رادعة ضد الأطراف المنتهكة للقرارات ليس له معنى، مشيرا إلى أن أميركا تقود تحالف ضد «داعش» في حين أنها تغض بصرها عن دعم الروس والنظام لـ«داعش»، وانتهاكهما للقرارات الدولية في الوقت نفسه.
وقال إن «أميركا عندما شدت الحرب على (داعش) في العراق وما جاوره تعاملت مع قوات الحشد الشعبي التي لا تقل ممارساتها وحشية عن (داعش)، وفي سوريا رفضت قوات التحالف أن تنسق مع الجيش السوري الحر وبدلا من ذلك دعمت وحدات الحماية الشعبية عماد جيش سوريا الديمقراطي، والتي صدرت في حقها إدانات من منظمات (حقوق الإنسان) لانتهاكات تتعلق بالتهجير السكاني، وتجنيد الأطفال وقتل المعارضين، وأظهرت الولايات المتحدة هذا الجيش الذي تدعمه روسيا وإيران في الوقت نفسه تماما كحال قوات الحشد الشعبي في العراق على أنه المعارضة المعتدلة، بينما المجلس الوطني الكردي السوري المنضوي تحت مظلة الائتلاف والذي يقود قوات بيشمركة سوريا وطنية بقي مهمشا حتى اللحظة.
وفي ما يتعلق بتوجه سعودي لحرب برية لمحاربة «داعش» في سوريا، قال خوجة: «التدخل العربي أصبح مطلوبا والشقيقة الكبرى السعودية هي صاحبة المبادرة، لكن محاربة (داعش) والإرهاب بصورة عامة تقتضي القضاء على جذور الإرهاب وهو نظام الأسد الذي ترعاه طهران وتديره في دمشق السفارة الإيرانية».



نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

فتحت الجماعة الحوثية جبهة توتر جديدة مع قبيلة خولان، إحدى أكبر القبائل المحيطة بالعاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، في وقت تزداد فيه مؤشرات الاحتقان الشعبي، واتساع رقعة الفقر والتذمر في مناطق سيطرتها، على خلفية محاولات انتزاع قطعة أرض استراتيجية تمهيداً لبيعها لصالح أحد التجار المقربين من الجماعة.

ويأتي هذا التطوُّر بالتزامن مع استمرار التوتر بين الحوثيين وقبيلة دهم في محافظة الجوف، إثر اعتقال أحد وجهاء القبيلة، في مؤشر على تصاعد الاحتكاك بين الجماعة والقبائل النافذة، مع اتساع دائرة الاعتراضات على سياسات الجماعة الاقتصادية والأمنية.

وقالت مصادر قبلية إن علي حسين الحوثي، نجل مؤسِّس الجماعة، الذي يدير وزارة الداخلية في الحكومة غير المعترف بها، ويشرف كذلك على جهاز استخبارات الشرطة، طلب من وجهاء قبيلة خولان الموافقة على انتزاع أرض تتبع الجمعية التعاونية الخاصة بالقبيلة، غير أنَّ طلبه قوبل برفض واسع.

وجهاء قبيلة خولان رفضوا الانصياع للتوجيهات الحوثية (إعلام محلي)

وأضافت المصادر أنَّ الأرض المستهدَفة تقع في موقع تجاري حيوي بصنعاء، وتطلُّ على 3 شوارع رئيسية، وكانت الجماعة قد حاولت في وقت سابق بيعها لأحد التجار المنحدرين من محافظة صعدة، المعقل الرئيسي للحوثيين، لكنها فشلت في تمكينه منها، قبل أن تعاود ممارسة الضغوط عبر علي الحوثي، الذي توسَّعت صلاحياته أخيراً بدعم مباشر من عمه زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.

وبحسب المصادر، حاول علي الحوثي الظهور بصفة وسيط لإقناع وجهاء خولان بإتمام الصفقة، إلا أنَّ غالبية الوجهاء رفضوا المقترح، مؤكدين أنَّ الأرض تُعدُّ ملكيةً عامةً تعود لمساهمي الجمعية التعاونية، ولا يحقُّ لأي جهة التصرُّف بها أو بيعها.

رفض للتعسف

مع تصاعد الضغوط الحوثية، عقدت قبائل خولان الطيال، التابعة لمحافظة صنعاء، اجتماعاً تشاورياً، اتهمت خلاله قيادات الجماعة بمحاولة الاستيلاء على الأرض عبر إجراءات، قالت إنَّها تفتقر إلى أي مشروعية قانونية أو عرفية.

وأكد المجتمعون أنَّ وثائق الملكية تثبت شراء الأرض قبل أكثر من 50 عاماً من مساهمات أبناء القبيلة، لتكون مشروعاً تنموياً عاماً يخدم المنطقة وأهاليها، وليس ملكية خاصة قابلة للتصرُّف.

وجدَّدت القبائل رفضها المطلق لأي إجراءات تتعلق ببيع الأرض أو نقل ملكيتها، وعدَّت أنَّ أي خطوات بهذا الاتجاه تعدُّ باطلة شرعاً وقانوناً وعرفاً، لصدورها عن جهات لا تمتلك صفةً قانونيةً أو تفويضاً يخولها التصرف بالأرض.

كما أقرَّ الاجتماع تشكيل لجنة قانونية لمتابعة القضية والتواصل مع الجهات المختصة، واتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية والعرفية اللازمة لحماية الأرض، ومنع أي استحداثات تمس وضعها القانوني.

الخلافات تتصاعد بين قبيلة دهم والحوثيين (إعلام محلي)

ودعت قبائل خولان مشايخها وعقالها وأعيانها إلى التكاتف للحفاظ على وحدة القبيلة وحقوق الأجيال المقبلة، وعدم السماح باستغلال الأرض لخدمة مصالح خاصة، في وقت تزداد فيه المخاوف من تفاقم التوتر بين القبائل والجماعة الحوثية.

ويرى مراقبون أنَّ توسُّع نفوذ علي الحوثي داخل أجهزة الأمن والاستخبارات يعكس توجهاً داخل الجماعة لإحكام السيطرة على الموارد والعقارات الحيوية، خصوصاً في العاصمة صنعاء، وسط أزمة اقتصادية خانقة وتراجع غير مسبوق في مستويات المعيشة.

انتقادات من الداخل

في السياق ذاته، شنَّ الأكاديمي إبراهيم الكبسي، المنتمي إلى السلالة الحوثية، هجوماً لاذعاً على إدارة الجماعة، عادّاً أنها تفتقر إلى أبسط مقومات الدولة، بعدما حوَّلت المواطنين إلى مموِّلين لحروبها، بدلاً من أن تكون راعيةً لهم وحاميةً لحقوقهم.

وقال الكبسي: «إن الشعارات لا تبني دولاً، والحروب لا تُطعم شعوباً، والسلطة حقوق تُؤدَّى قبل أن تكون واجبات تُؤخَذ، والحكم سياسة رصينة لا مغامرات عقيمة، والمسؤولية عقل يبني لا سيف يفني».

القمع الحوثي اشتد مع اتساع صلاحيات نجل مؤسس الجماعة (إعلام محلي)

وأضاف أن سلطة الحوثيين «تطلب من شعبها أن يدفع ثمن حروبها من لقمة عيشه»، ثم تشتكي من شح الموارد وضيق الإمكانات.

ورأى الأكاديمي، الذي سبق أن تعرَّض للاعتقال والاعتداء من قبل الجماعة، أنَّ طريقة إدارة الحوثيين للمناطق الخاضعة لسيطرتهم تكشف عجزهم عن إدارة الدولة بمسؤولية، مؤكداً أن «الدولة الحقيقية هي التي تفتدي شعبها بالسلام، لا التي تضحي به في حروب وصراعات لا تنتهي».


اليمنيون تحت وطأة الأوبئة بمناطق سيطرة الحوثيين

المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)
المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)
TT

اليمنيون تحت وطأة الأوبئة بمناطق سيطرة الحوثيين

المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)
المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)

كشفت مصادر طبية يمنية عن تفشي موجة جديدة من الأوبئة في مناطق عدة خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، في مقدمها «الكوليرا» و«الإسهالات المائية» ومختلف أنواع الحُميات، وسط تحذيرات من كارثة صحية تهدد ملايين السكان، في ظل الانهيار المستمر للقطاع الصحي وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي.

وأفادت المصادر بظهور تقارير وبلاغات يومية تُسجل مئات الإصابات بالحُميات وحالات الاشتباه في الكوليرا والإسهالات الحادة بعدد من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الجماعة، وسط عجز متصاعد عن توفير الرعاية الصحية، واتهامات للحوثيين بمواصلة استهداف القطاع الصحي، وعدم تنفيذ حملات استجابة طارئة تحد من تفشي الأمراض وتوفر بيئة صحية مناسبة للسكان.

ووفق تقارير طبية، فإن معدلات الإصابة بهذه الأمراض تشهد ارتفاعاً متسارعاً خلال الأشهر الأخيرة، مع تسجيل آلاف الحالات المشتبه فيها بمحافظات: صنعاء، وحجة، والحديدة، وإب، وعمران، وذمار.

الحوثيون يواصلون إخفاء أرقام ضحايا الكوليرا بمناطق سيطرتهم (أطباء بلا حدود)

ويؤكد أطباء وعاملون صحيون أن تدهور شبكات المياه والصرف الصحي، وتراكم النفايات، وغياب الرقابة الصحية، أسهمت جميعها في اتساع رقعة انتشار الأوبئة، بالتزامن مع نقص حاد في الأدوية والمحاليل الوريدية والمستلزمات الطبية الأساسية.

ولفت هؤلاء إلى أن غالبية المرافق الصحية باتت عاجزة عن استيعاب الأعداد المتصاعدة من المرضى، خصوصاً الأطفال وكبار السن؛ في ظل انقطاع المرتبات، وهجرة الكوادر الطبية، وتراجع الدعم الإنساني الدولي، فضلاً عن استمرار تخصيص الجماعة عدداً من المستشفيات لخدمة أتباعها.

ويُعدّ اليمن من أعلى دول العالم تضرراً من وباء الكوليرا خلال السنوات الأخيرة؛ إذ تسبب الانقلاب والحرب المستمرة منذ سنوات في انهيار شبه كامل للبنية التحتية الصحية والخدمية؛ مما جعل ملايين السكان عرضة للأوبئة والأمراض المُعدية.

3 آلاف إصابة

في تقرير حديث، كشفت «منظمة الصحة العالمية» عن تسجيل أكثر من 3 آلاف حالة جديدة مشتبه في إصابتها بالكوليرا والإسهال المائي الحاد في اليمن خلال الربع الأول من العام الحالي، في مؤشر على استمرار تفشي الوباء وتداعياته الصحية على السكان.

ورصدت المنظمة نحو 3177 حالة إصابة مشتبه فيها منذ مطلع يناير (كانون الثاني) وحتى نهاية مارس (آذار) الماضيين، إلى جانب 3 حالات وفاة مرتبطة بالوباء خلال الفترة نفسها.

الحوثيون متهمون بتسخير موارد القطاع الصحي للمجهود الحربي (أطباء بلا حدود)

ووفقاً للتقرير، فقد حل اليمن في المرتبة الـ5 عالمياً من حيث عدد الإصابات المسجلة بالكوليرا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، كما جاء ثانياً على مستوى إقليم شرق المتوسط بعد أفغانستان من حيث عدد الإصابات والوفيات.

وشهد شهر مارس الماضي وحده تسجيل 969 إصابة جديدة، بينها حالتا وفاة، ليصبح اليمن رابع أعلى دولة عالمياً من حيث عدد الحالات الجديدة المسجلة خلال ذلك الشهر.

مخاوف من موجة وبائية

يخشى مراقبون وعاملون في القطاع الصحي اليمني من تحوّل الوضع موجةً وبائيةً واسعةً مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، وهي ظروف تهيئ بيئة مناسبة لانتشار الأمراض المنقولة عبر المياه الملوثة.

ودعت منظماتٌ إنسانية المجتمعَ الدولي إلى التدخل العاجل لدعم القطاع الصحي في اليمن، وتوفير التمويل اللازم لبرامج مكافحة الكوليرا وتحسين خدمات المياه والإصحاح البيئي، محذرة بأن استمرار الحرب، والأزمة الإنسانية، يزيدان من تعقيد جهود احتواء الوباء والسيطرة عليه.

ويتزامن ذلك مع مواصلة «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» تقديم دعمه للقطاع الصحي في اليمن عبر برامج طبية وإغاثية؛ تستهدف تعزيز الخدمات الصحية والحد من انتشار الأوبئة في المناطق الأكبر احتياجاً.

ووفق تقارير محلية، فقد شهدت الفترة ما بين 25 و31 مارس 2026 تقديم خدمات طبية وإغاثية لأكثر من 10 آلاف و466 مستفيداً، ضمن جهود مشتركة من «مركز الطوارئ لمكافحة الأمراض الوبائية» بمحافظة حجة، و«مشروع الاستجابة العاجلة لمكافحة الكوليرا» في عدد من المحافظات اليمنية.


أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
TT

أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)

في حي شعبي شمال العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، يقف محمد، ذو الأحد عشر عاماً، أمام «فرشة» صغيرة لبيع الألعاب، يراقب أترابه وهم يختارون ما يريدون بفرح، بينما اكتفى هو بالنظر بصمت قبل أن يغادر ممسكاً بيد شقيقه الأصغر.

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتمنى أن أشتري سيارة لعبة وأن ألبس ملابس جديدة للعيد، لكنَّ أبي قال إن الوضع صعب، وربما يشتريها لي في السنة المقبلة».

ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدو فرحة العيد في صنعاء وبقية المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، باهتة لدى كثير من الأطفال الذين أثقلت الحرب كاهل أسرهم، وحوَّلت أحلامهم البسيطة إلى أمنيات مؤجلة. فالظروف المعيشية والاقتصادية المتدهورة، وارتفاع الأسعار، وغياب الرواتب، وندرة فرص العمل، دفعت آلاف العائلات إلى الاكتفاء بتأمين الغذاء، فيما أصبحت ملابس العيد والألعاب رفاهية بعيدة المنال.

وأجرت «الشرق الأوسط» جولة في بعض شوارع وأسواق صنعاء، ورصدت مشاهد تختصر حجم المعاناة والحرمان اللذين يعيشهما مئات الأطفال، في ظل ازدياد معدلات الفقر وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس مباشرةً على احتياجات الصغار الأساسية.

في سوق «السنينة» بمديرية معين وسط المدينة، كانت الطفلة ريم (9 أعوام) تساعد والدتها على بيع بعض الحلويات المنزلية، بينما تراقب فساتين العيد المعلقة على واجهات المحلات.

الأطفال في اليمن يتحملون المشقة لمساعدة عائلاتهم (الشرق الأوسط)

وتقول الطفلة: «أتمنى أن ألبس فستاناً وردياً وأن أخرج للعب مع البنات، لكنَّ أمي تعجز دائماً عن توفير ذلك».

وفي حي الحصبة شمال صنعاء، يجلس الطفل سليم إلى جوار والده داخل «فرشة» صغيرة لبيع الخضراوات، وهو يعبث بطائرة ورقية صنعها بنفسه.

ويقول: «أحلم بأن أكون مهندساً وأن أبني متجراً كبيراً لأبي، وأساعده يومياً في البيع والشراء حتى يستطيع تأمين كل احتياجاتي من الملابس والألعاب وغيرها».

ورغم قسوة الواقع، لا يزال الأطفال في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين يتمسكون بأحلامهم الصغيرة، ويحاولون صناعة فرحتهم بوسائل بسيطة. ففي بعض الحارات الشعبية، يجتمع الصغار للعب بالكرات الورقية أو الألعاب القديمة، بينما تحاول أسر الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، عبر تقديم مبالغ رمزية للأطفال أو إعداد وجبات منزلية متواضعة.

آثار نفسية ومعيشية

تؤكد تقارير إنسانية أن الأطفال في اليمن هم الأكثر تضرراً من الأزمة الممتدة، حيث يعاني كثير منهم من سوء التغذية وغياب الخدمات الأساسية، فضلاً عن الآثار النفسية التي خلفتها الحرب والفقر الناتجين عن الانقلاب الحوثي.

ويرى مختصون اجتماعيون أن الأعياد في اليمن فقدت جزءاً كبيراً من ملامحها التقليدية خلال السنوات الأخيرة، بعدما انعكست الأزمة الاقتصادية والحرب المستمرة على حياة الأسر، خصوصاً الأطفال.

طفلة يمنية تراجع دروسها برفقة ميزان في أحد شوارع صنعاء (إكس)

ويؤكد هؤلاء أن كثيراً من الأطفال في صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرة الحوثيين باتوا يواجهون واقعاً قاسياً حرمهم من أبسط مظاهر الفرح المرتبطة بالعيد، مثل الملابس الجديدة أو الخروج إلى الحدائق وشراء الألعاب.

وحسب التقارير الدولية، فإن استمرار الحرب والأزمة الإنسانية في اليمن تركا آثاراً نفسية ومعيشية عميقة على الأطفال، الذين كبر كثير منهم قبل أوانهم، وأصبحوا أكثر إدراكاً لمعاني الحرمان والخوف وعدم الاستقرار.

تحذيرات أممية

في موازاة ذلك، يشير الطفل أيهم (15 عاماً)، الذي يقطن مع عائلته في حي القاع بصنعاء، إلى أن الأطفال باتوا أكثر وعياً بالظروف القاسية التي تمر بها أسرهم، الأمر الذي يدفعهم إلى كتمان رغباتهم أو تأجيل أحلامهم الصغيرة مراعاةً لأوضاع آبائهم.

ويضيف: «أمنيتي الوحيدة أن يأتي يوم أحتفل فيه مع أسرتي بعيد بلا حرب، وبأحلام لا تؤجلها الحاجة».

ويتزامن ذلك مع تحذير برنامج الغذاء العالمي من استمرار الارتفاع المقلق في معدلات سوء التغذية بين الأطفال دون سن الثانية في اليمن، مع تسجيل مستويات أكثر حدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

يمنيون في صنعاء يبتكرون ألعاباً لأطفالهم خلال أيام العيد (الشرق الأوسط)

وأوضح البرنامج الأممي أن بيانات الرصد من بُعد تشير إلى أن الفقر الغذائي الحاد بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهراً لا يزال عند مستويات مرتفعة خلال عام 2026، رغم تسجيل تحسن طفيف في مارس (آذار) الماضي.

وحسب التقرير، لا يزال الوضع الإنساني في اليمن بالغ الخطورة، إذ يُقدَّر أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، إلى جانب توقعات بتعرض نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة لسوء التغذية خلال العام الجاري.

Your Premium trial has ended