الانتخابات الإيرانية.. بين النموذج الصيني و{الكوري الشمالي}

في وجه «اقتصاد المقاومة».. «التيار الإصلاحي» يريد رأسمالية من دون ديمقراطية

الانتخابات الإيرانية.. بين النموذج الصيني و{الكوري الشمالي}
TT

الانتخابات الإيرانية.. بين النموذج الصيني و{الكوري الشمالي}

الانتخابات الإيرانية.. بين النموذج الصيني و{الكوري الشمالي}

تعيش إيران هذه الأيام حملة انتخابية ذات أهمية استثنائية لـ«مجلس شورى الجمهورية الإسلامية» (مجلس النواب) و«مجلس الخبراء» وذلك يوم 26 فبراير (شباط) الجاري، ومن أهم العوامل التي تجعل هذه التجربة الانتخابية «استثنائية» أنها الأولى بعد صفقة الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة، وفي خضم تدخلات طهران الإقليمية خلال فترة رئاسة حسن روحاني الذي ما زال المجتمع الدولي يتعامل معه كزعيم «إصلاحي» بخلاف سلفه محمود أحمدي نجاد، ناهيك من أنها تأتي في وقت تزداد الشكوك حول الحالة الصحية لـ«المرشد الأعلى» علي خامنئي.
حتى أولئك الذين يؤمنون بالانتخابات في إيران يقرّون بأن ما هو مطروح ليس انتخابات بالمعنى الحقيقي للكلمة وروح الممارسة، وهذا رأي يتشارك في التعبير عنه معظم المرشحين.
السبب أن انتخابات «مجلس شورى الجمهورية الإسلامية» (مجلس النواب) تجرى مرة كل أربع سنوات، وانتخابات «مجلس الخبراء» مرة كل ثماني سنوات عبارة عن ممارسة مسرحية منسّقة تهدف إلى إبقاء الحكم وتركيزه في قبضة «نخبة سلطوية» تقود عمليًا «نظام الحزب الواحد». إلا أنه على الرغم من هذه العيوب البديهية، تثير الانتخابات في إيران الاهتمام لسببين اثنين على الأقل:
السبب الأول، أنها، مثل الانتخابات في الاتحاد السوفياتي السابق، تعطي صورة سريعة عن ميزان القوى ضمن النظام، وتظهر تصاعد نفوذ هذا الجناح وتراجع نفوذ ذاك في سياق صراع الأجنحة داخل الحلبة الواحدة.
أما السبب الثاني، فهو أن هذه الممارسة توفّر للمراقب لمحة عن المزاج السياسي العام للمجتمع، بمعنى أن نسبة إقبال عالية على الاقتراع تعكس مستوى مرتفعًا لتقبل أداء النظام، بينما تشير نسبة إقبال منخفضة إلى وجود حالة من السخط الشعبي. وكمثال على ذلك شهدت التجربة الانتخابية الأحدث، التي أجريت عام 2013 وأسفرت عن فوز حسن روحاني برئاسة الجمهورية، أدنى معدل إقبال في تاريخ «الجمهورية الإسلامية». وهو ما يعبّر عن سخط ونفور من نظام بلغ الحد الأقصى من العبثية إبان فترة رئاسة الرئيس المودّع محمود أحمدي نجاد. وبناءً على ما تقدّم، فإن السؤال الأول المتّصل بالانتخابات المرتقبة يوم 26 فبراير الجاري يتعلّق بنسبة الإقبال.
حتى الآن قدّمت وزارة الداخلية، الجهة المشرفة على تنظيم الانتخابات تحت إشراف «مجلس صيانة الدستور»، عدة لوائح مختلفة بأرقام من يحق لهم الاقتراع. اللائحة الأولى التي أعلنت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي كشفت أن عدد الناخبين المؤهلين للاقتراع يبلغ 55 مليون ناخب من أصل تعداد سكان إيران البالغ نحو 80 مليون نسمة. ولكن خلال يناير (كانون الثاني) الماضي خفض العدد إلى 51 مليونا، ما أثار تكهنات عما إذا كانت السلطات تتخوّف من تدنّي نسبة الإقبال على الاقتراع، ولذا اختارت خفض الناخبين.
ثم يوم الثلاثاء الفائت زاد نائب وزير الداخلية حسين علي أميري الشكوك عندما صرح خلال مؤتمر صحافي عقده في العاصمة طهران «أن ثمة جهتين تعكفان الآن على التأكد من العدد الحقيقي للمؤهلين للاقتراع»، وأنه في الوقت الراهن لا يستطيع إعطاء أي رقم.
الأمر الآخر المثير للاهتمام يتعلّق بعدد المرشحين للانتخابات. هذه المرة سجل طلبات الترشّح المقدمة رقمًا قياسيا هو 12807 مرشحين من الجنسين لمجلس الشورى و801 مرشح لمجلس الخبراء. وما حصل أن «مجلس صيانة الدستور»، المولج المصادقة على كل طلب ترشّح، رفض 49 في المائة من طلبات المرشحين لمجلس الشورى وقرابة 80 في المائة من طلبات مرشحي مجلس الخبراء. ووفق الرقم النهائي المعلن سيكون هناك 21 مرشحًا لكل مقعد من مقاعد مجلس الشورى الـ290. أما بالنسبة لمجلس الخبراء فإنه سيتنافس مرشحان كمعدل وسطي على كل معقد من مقاعد هذا المجلس وعددها 88 مقعدًا. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن ثمة دوائر لا يوجد فيها سوى مرشح واحد.
أساسًا اجتذبت هذه الانتخابات اهتمامًا إضافيًا كبيرًا بعد تصويرها على أنها اختبار لاستراتيجية الرئيس الأميركي باراك أوباما، القائمة على مساعدة من يصفهم بـ«المعتدلين» على كسب نصيب أكبر من كعكة الحكم في إيران، عبر «حله» لمسألة العقوبات وتبنّي مواقف طهران إزاء طيف واسع من القضايا بما فيها قضية مستقبل سوريا. والفريق الذي يراهن أوباما عليه هو الفريق الذي يقوده الرئيس السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني الذي يضم رئيسا سابقا آخر هو محمد خاتمي وكذلك الرئيس الحالي حسن روحاني وبطانته الملقبة بـ«فتيان نيويورك».
جزء من «السيناريو»، القائم على تفاؤل واشنطن وتمنياتها، يشمل إقدام رفسنجاني على ترقية حسن الخميني، حفيد آية الله الخميني، ليكون «المرشد الأعلى» المقبل. وهو ما يقتضي فوزه بمقعد في مجلس الخبراء. ولكن ما حدث أن ترشّح الخميني الحفيد رفض بحجة «نقص علمه (الإسلامي)»، وأمر بلزوم الصمت. ومن ثم، رفضت طلبات ترشّح 41 آخرين من الملالي كلهم من أئمة المساجد بحجة افتقارهم إلى الالتزام الكافي بالإسلام.
على الضفة المقابلة لجناح «فتيان واشنطن» يقف الجناح الذي يقوده «المرشد» الحالي علي خامنئي، والذي يهيمن على كل مفاصل السلطة ومستوياتها منذ عقد التسعينات من القرن العشرين. غير أنه توجد أجنحة فرعية صغيرة داخل الجناحين أو المعسكرين الكبيرين تعكس جملة من الحساسيات والولاءات والمصالح. ومن ثم، ما هي الخيارات التي يجدها الناخب الإيراني أمامه الآن؟
لقد بيّن مسح استطلاعي للمرشحين الذين قُبلت طلبات ترشّحهم أنهم كلهم تقريبًا يأتون من شريحة واحدة من المجتمع. فقرابة كل هؤلاء يشغلون أو شغلوا سابقًا في القطاع العام، بما فيها مناصب الحكومة بطريقة أو بأخرى. ولدى النظر إلى لائحة المرشحين المقبولين في دائرة طهران الانتخابية التي تضم 30 مقعدًا، على سبيل المثال، لوجدنا أن قلة قليلة يمكن اعتباره أفرادها من المواطنين العاديين. كذلك تشير الأرقام إلى أن نحو 30 في المائة من المرشحين المقبولين لعضوية مجلس الشورى من الملالي من مختلف الرتب، وترتفع هذه النسبة إلى 98 في المائة من المرشحين المقبولين لمجلس الخبراء.
من ناحية أخرى، يشكل الأعضاء السابقون في الحرس الثوري (البسدران) وحشد المحرومين (البسيج) وجماعات أمنية أخرى نحو 20 في المائة من المرشحين لمجلس الشورى. وثمة كتلة أخرى تبلغ نسبتها نحو 10 في المائة تتألف من التكنوقراطيين الذين أمضوا معظم حياتهم المهنية في السلك الحكومي والقطاع العام. وهكذا، بصورة عامة، فإن القطاع العام الذي يوظف نحو 5.5 مليون شخص ممثل بصورة تزيد كثيرًا عن حجمه الحقيقي في البلاد خلال هذه الانتخابات. وبالتالي، بصرف النظر عما سيكون عليه تشكيل المجلسين، فثمة شيء واحد مؤكد هو إنما لا يعكسان تمامًا التركيبة العامة للمجتمع الإيراني.
آية الله الخميني، زعيم التيار الديني الذي يحمل اسمه، كان قد وافق على مبدأ الانتخابات كتكتيك من تكتيكات إغراء أبناء الطبقة الوسطى في مدن إيران الذين بعدما تحوّلوا عن تأييد نظام الشاه كانوا يحلمون بنظام ديمقراطي على الطراز الغربي. ولكن منذ البداية، كان الخميني وحلفاؤه، بمن فيهم الجماعات الستالينية و«الإسلامية المتمركسة»، كانوا يدركون أنه لا وجود ولا حاجة في نظام يقوم على مبدأ «ولاية الفقيه» أو «حكم الملالي» لحياة برلمانية حقيقية.
في مطلق الأحوال، وعلى الرغم من العيوب أو المثالب المشار إليها سابقًا، ستركز انتخابات هذا الشهر ضمنيًا على مسألتين مهمتين لمصير إيران:
المسألة الأولى، هي مَن سيخلف علي خامنئي. إن «المرشد» الذي يقترب من بلوغ الثمانين من العمر، قد يعيش عقدًا من الزمن ولكنه يمكن أن يرحل قبل أن تنتهي فترة مجلس الخبراء المقبل عام 2024. وفي هذا الشأن كان رفسنجاني (82 سنة) في وقت ما قد أثار إمكانية وجود «ولاية فقيه» جماعية تتألف من ثلاثة أو أربعة من كبار الملالي. إلا أن هذه الفكرة ماتت في مهدها إن لم يكن لسبب فلأن تنفيذها يحتاج تغيرًا ضخمًا في ثقل النفوذ من «المرشد الأعلى» إلى رئيس الجمهورية.
أضف إلى ذلك أن إيجاد خلفٍ واحد مَهمة لا تخلو من صعوبة. ذلك أن كل الملالي الناشطين في الحلبة السياسية فقدوا ما كان لديهم من «شرعية دينية»، فغدوا ساسة يتزيّون أزياء رجال الدين. ثم إن كبار السن منهم مثل آية الله مصباح يزدي وآية الله أحمد جنّتي أكبر سنًا من خامنئي وعليه فإنهما على الأرجح خارج نطاق المرشحين المحتملين لخلافته. في المقابل، الملالي الأصغر سنًا مثل آية الله أحمد خاتمي أو آية الله حسين علم الهدى أقرب إلى «فتوّات» أو «قبضايات» الشوارع منهم إلى علماء أو مرجعيات دينية. أما آيات الله الحقيقيين مثل محمد جواد علوي بروجردي في قُم، فلا يعني الواحد منهم أن يغدو «مرشدًا أعلى» لأنهم مقتنعون بأن على الملالي الانصراف كليًا إلى الدين لا السياسة.
في أي حال، خلال العقود الأربعة الماضية نجح رجال الدين الشيعة التقليديون في الابتعاد عن ملالي السياسة، معتبرين «الخمينية» ضمنيًا «بدعة»، إن لم يكن مذهبًا متكاملاً منشقًا عن النهج العام.
خامنئي شخصيًا نصح مناصريه بالبحث عن «أربعة أو خمسة من المرشدين المحتملين» داخل مجلس الخبراء الترويج لهم. غير أن نصيحته لم تثمر شيئا، بل على العكس زادت التنافس الشخصي حدة بين أكثر أو أقل من الملالي الطموحين الذين لا يتمتعون بأي قاعدة شعبية يعتدّ بها خارج النظام. وهكذا، يرجح ألا تحسم مسألة خلافة خامنئي بل ستبقى قنبلة موقوتة في قلب «النظام الخميني».
أما المسألة الثانية فهي أي نموذج اقتصادي على إيران الخمينية اعتماده في أعقاب «الصفقة النووية» التي رفعت الآمال بعودة البلاد إلى الوضع الطبيعي. وهنا، فإن أحد الخيارات التي تقدّمها عدة مجموعات تُجمل كلها تحت خيمة جناح رفسنجاني. هذا الجناح كان على الدوام مبهورًا بما يوصف بـ«النموذج الصيني» الذي طوّره دينغ هسياو بينغ ومن خلفه في زعامة الصين خلال عقدي الثمانيات والتسعينات من القرن الماضي، والذي حوّل الصين من دولة فقيرة تغلب على اقتصادها الزراعة إلى قوة صناعية جبارة.
هذا «النموذج الصيني» يقوم على الاقتناع بأنه بينما يكون استيراد «الديمقراطية الغربية» مؤلمًا ويمكن أن يكون خطرًا على دول «العالم الثالث» التي تعيش في ظل «أنظمة أبوية» بل وتسلطية، فإن اعتماد الرأسمالية سهل ومربح للغاية. ولذا يمكن اختصار شعار تيار رفسنجاني بـ«نعم للرأسمالية، لا للديمقراطية».
هذا هو السبب الذي يرى متابعون للشأن الإيراني أن اقتناع أوباما بأن تيار رفسنجاني يضم «إصلاحيين معتدلين» ساذج للغاية. فرفسنجاني وخلفه، الذي اختاره بنفسه، محمد خاتمي حكما إيران لمدة 16 سنة لكنهما لم يطرحا أي خطوة «إصلاحية» ناهيك من تطبيقها. وها هو خلفهما حسن روحاني قد أمضى في السلطة سنتين سار خلالهما على نهجهما تمامًا، إذ أن إيران في عهده تتصدر دول العالم في عدد الإعدامات وعدد السجناء السياسيين، وتزداد تشددًا في الرقابة والتضييق على المبدعين الإيرانيين.
ولكن، في المقابل، قد تنجح سياسة هذا التيار المحاولة فتح أبواب إيران أمام التجارة، ولا سيما مع القوى الغربية، إذا ما أحسن تطبيقها، في إعطاء الاقتصاد الإيراني دفعة كبيرة هو في أمسّ الحاجة إليها. إن تقليص حجم القطاع العام، الذي يطالب به وزير المالية علي طيّب نيا قد يطلق بعض طاقات القطاع الخاص ويؤمّن فرصة للتعامل مع البطالة المُستشرية.
ويؤيد تيار رفسنجاني أيضًا انضمام إيران إلى منظمة التجارة العالمية، وإعادة إنهاض صفقات العضو - المشارك التي سبق لإيران في عهد الشاه أن فاوضت عليها دول الاتحاد الأوروبي خلال عقد السبعينات من القرن الماضي.
هذا النموذج سيُعيد إيران الخمينية إلى النظام العالمي على غرار الصين خلال عقد التسعينات. ولكن هذا بدوره يفرض على إيران التخلّي عن طموحها المعلن في «تصدير» الخمينية، ولا سيما في الشرق الأوسط. بكلام آخر، لن يحسن النموذج الصيني للشعب الإيراني مستوى الحريات، لكنه سيجعل من «الجمهورية الإسلامية» لاعبًا أقل مشاغبة في الميدانين الإقليمي والدولي. فالصين كانت خلال عقد الستينات من القرن الماضي مصدر مشاكل للنظام العالمي الذي كانت تقود الولايات المتحدة وحليفاتها، لكنها بحلول عقد التسعينات صارت شريكًا تجاريًا ومستثمرًا رئيسيًا للولايات المتحدة وفيها.
بعكس «النموذج الصيني» هناك «النموذج الكوري الشمالي في العالم الإسلامي» بقيادة خامنئي، الذي أطلق تياره ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد المقاومة» القائمة على الاكتفاء الذاتي، والحد الأدنى من التبادل التجاري مع العالم، وبالأخص، مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
«اقتصاد المقاومة» الخامنئي هذا مستوحى من مبدأ «جوشي» (الاعتماد على النفس) الذي طوّره مؤسس كوريا الشمالية كيم إيل سونغ خلال ستينات القرن الماضي. ويقوم هذا المبدأ على فكرة أنه أفضل بكثير أن تكون فقيرًا ولكن مستقلاً على أن تكون غنيًا ولكن تعتمد على آخرين قد يستغلون ثرواتهم لإملاء رغباتهم عليك أو إجبارك على تغيير نظام حكمك أو أسلوب حياتك.
في قلب خيار كوريا الشمالية – أو «النموذج الكوري الشمالي» – يكمن العداء للولايات المتحدة. ولهذا السبب لا يفوّت خامنئي فرصة إلا ويحذّر فيها من قوة إغراء «الشيطان الأكبر» الذي قد يضلّل الشباب المسلم بثقافته وأسلوب حياته المغريتين الشيطانيتين.
ومن أجل مواجهة جنوح تيار رفسنجاني إلى التقارب مع الولايات المتحدة أعلن خامنئي استراتيجية «التوجه شرقًا» فدعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لزيارة طهران، ثم أرسل مستشاره الخاص علي أكبر ولايتي إلى موسكو للشروع بتطوير «شراكة استراتيجية لا رجعة عنها» مع القيادة الروسية.
الحقيقة أن خامنئي يؤمن بأن الدنو من الغرب يمكن أن يرفع مستوى حياة الإيرانيين، إلا أنه يخشى من أن يؤدي إلى إضعاف قبضة النظام الممسكة بالسلطة، وصولاً في نهاية المطاف إلى فقدان السلطة كليًا. إنه يعتقد بأن النموذج الكوري الشمالي يشكل أقوى ضمانة لبقاء إيران الخمينية. ويرى أن الخيار الصيني قد يحصّن النظام داخل إيران لكنه يضيق حريته خارج حدودها، وبالفعل، لهذا ما زالت كوريا الشمالية بعد ستة عقود من وجودها قادرة على فعل ما يشتهيه زعماؤها، بينما في الكثير من المجالات، تجد الصين أن عليها التحرك بحذر.
خامنئي يريد من الانتخابات المقبلة تزكية كبيرة لاستراتيجيته، بينما ينصب اهتمام منافسوه على تقليص حجم انتصاره المرتقب.
وإن غدًا لناظره قريب.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».