الجهد البدني الذي يقوم به ليوناردو ديكابريو في «المنبعث» دفع باسمه إلى أعلى توقعات النقاد والمتابعين الغربيين. هو الآن على قمّـة القوائم التي يشكلها هؤلاء في مثل هذه الأيام لمن هم أكثر احتمالاً للفوز بأوسكار العام. بإحصاء بسيط، هناك إجماع شامل بين 25 ناقدا وسينمائيا على أن ديكابريو هو من سيخرج سعيدًا يوم توزيع جوائز الأوسكار بعد 16 يومًا.
ولو قارنا جهد ديكابريو بجهود الممثلين الآخرين على الصعيد البدني، فإن لا شيء يوازيه. منافسوه أما انتهجوا أداء ينفذ لما تحت جلد الممثل كما الحال مع مايكل فاسبيندر في «ستيف جوبز» أو حال إيدي ردماين في «الفتاة الدنماركية»، أو عمد إلى تقمّـص مرتفع الوتيرة كما في المرشّـح الرابع برايان كرانستون عن دوره في «ترامبو».
أما مات دامون، وقد وجد نفسه ضمن مرشّـحي الأوسكار عن دوره في «المريخي» فإن نوعية الأداء (وهي جيّـدة كما حال كل الآخرين) مرتبطة بغرابة الفكرة وهي واقعية بالنسبة لتمثيله لكنها غير واقعية بالنسبة لحكاية الفيلم ذاتها.
جهد بدني وآخر...
ومع أن توم هاردي (الذي لعب في «المنبعث» دورًا مساندًا) أدّى دورًا يتطلب جهدًا بدنيًا مماثلاً في «ماد ماكس: طريق الغضب»، إلا أنه دور لا يحتّـم عليه التوجه به إلى ترشيحات الأوسكار وهذا ما حدث له فبقي خارج الإطار. لكن الرابط الآخر بين ديكابريو وهاردي المثير للاهتمام هو أن كليهما يؤدي دورين لا يتطوران دراميًا.
من يقرأ سيناريو «المنبعث» ويشاهد الفيلم يلحظ هذا التوازي بين الشخصية المكتوبة والشخصية المؤداة وكذلك هدف المخرج أليخاندرو غونزاليس إيناريتو الذي لا يتوخّـى في أفلامه تحديد خط سير دراميا متصاعدا لشخصياته فتبقى في نصف ساعتها الأخيرة كما كانت منذ مطلع الفيلم من دون تطوّر.
على ذلك، جهد ديكابريو بيّـن وجيّـد في كيفية تأقلمه مع كل المصاعب التي يتعرض لها، وهي وإن كانت مصاعب طبيعية الأجواء (عواصف، ثلوج، برد، هجوم دب، سقوط الخ…) إلا أن ديكابريو أحسن النفاذ إلى داخلها ملتحمًا بها من دون نشاز. حتى مشهد هجوم الدب عليه لم يحتو على أي لقطة قريبة لوجه مذعور منذ تلقي ديكابريو الضربة الأولى من الدب. ولعل المشهد الذي يمكن اعتباره نموذجًا لنوعية هذا الالتحام المتكامل بين الإنسان والطبيعة هو المشهد الذي يفرّغ فيه ديكابريو أحشاء حصان ميّـت لكي يدخل بطنه ويحتمي من البرد فيه.
مواقف درامية
بين الأدوار الأخرى الواثبة للوصول إلى خط النهاية نجد أن تطوّر الشخصية المؤداة من حالة إلى أخرى مناط بثلاثة ممثلين هم فاسبيندر وردماين وكرانستون. أما مات دامون فلا تطوّر في الشخصية مطلقًا لكن من دون ذلك الجهد البدني الذي مارسه ديكابريو.
مات دامون ملاح فضائي يحط وفريق ناسا على سطح المريخ. تهب عاصفة عاتية. يعتقد الفريق أن العاصفة قضت عليه. يهرع الفريق إلى المركبة وينطلقان بعيدًا عائدين إلى الأرض. لكن الملاح مارك واتني بقي حيّـًا ولجأ إلى خيمة عازلة وطوّر ملكية البقاء حيّــا فاستخلص الماء وزرع الحبّ وتواصل مع الأرض الذي أدرك وضعه وهب لمساعدته. حياة مارك مرتبطة بالعوامل الخارجية فوق المريخ ولدى وكالة ناسا وعند الفريق الذي قرر العودة إلى الكوكب الأحمر لإنقاذه. لكن لا شيء في شخصيته الماثلة يمكن اعتباره حركة تصاعدية بنطاق درامي فاعل. لا يوجد حتى خوف فعلي ينتصر عليه مارك/مات أو ينهزم. الفيلم يجعل من مهمّـة الممثل سهلة إذ يوجه العوامل الأخرى لمساعدته.
المسألة عند مايكل فاسبيندر في دور ستيف جوبز مؤسس آبل الذي شارك بعيدًا في تغيير العالم الذي كان إلى العصر الذي نعيش فيه أفضل شأنًا في هذا الاتجاه. نتعرّف عليه في الفيلم الذي يحمل اسم شخصيته، والذي أخرجه الإنجليزي بيتر بويل، هناك تطوّر في شخصيته وعلى نحو ضروري لا يمكن الاستغناء عنه. عبر فلاشباك متعدد نلم بتاريخ جوبز شابًا صغيرًا، لكن الحدث المتواصل ينطلق من العام 1984 ثم يقفز أربع سنوات إلى الأمام ثم عشر سنوات أخرى. وفاسبيندر يجد في السيناريو ما يكفي من المواقف الدرامية لمساعدته على الارتقاء والتغير - وعلى نحو تصاعدي هادئ - عبر الحالات والمراحل المختلفة.
وشاح رقيق
إيدي ردماين، المرشّـح الأكثر قوّة بين مرشحي «البافتا» البريطانية لديه نقطتان فاصلتان لا أكثر. الأولى هي التي يبدأ بها فيلم «الفتاة الدنماركية» لتوم هوبر كزوج محب والثانية هي من بعد أن يشعر بمس كهربائي عندما تطلب منه زوجته (أليسا فيكاندر) ارتداء ملابس امرأة لكي تقوم برسمه. المرحلة الأولى قصيرة والثانية هي كل الفيلم، لكني إيدي الذي أجاد لعب دور العالم ستيفن هوكينز في «نظرية كل شيء» ونال عنه شحنة من الجوائز بينها الأوسكار، يجعل المشاهد قادرًا على تصديق تلك الخلجات والرغبات الداخلية في شخصيته وتقديرها. لا يسقط أداؤه في أي تنميط ولا يداخله أي ريب بل يبلور ذلك القلق الذي يداخله إلى أن يصل القلق إلى ذروته حيال الاحتمال الضئيل في نجاح عملية تحويله جنسيًا.
كل ما سبق يختلف عن طريقة تقمّـص برايان كانستون لشخصية الكاتب دالتون ترامبو في «ترامبو» لجاي روتش (أفضل فيلم حققه حتى اليوم). لدينا شخصية متكاملة من الأساس لرجل أحب مهنته وأحب موقعه السياسي إذ كان، وبوضوح، على الجانب الأيسر من السياسة. لم يكن يخفي إعجابه بالاتحاد السوفياتي وبالاشتراكية وبستالين، لكنه كان في الوقت ذاته يحب أن يملك المال والحياة الميسورة فوق مستوى الطبقة الوسطى وكان يرى أن هذا شأن مختلف.
برايان كرانستون، وهو اسم جديد لممثل على مشارف الستين من العمر حاليًا، يلتزم بقواعد اللعبة البيوغرافية (ثاني فيلم بيوغرافي لجانب «ستيف جوبز» ولو أن «الفتاة الدنماركية» مأخوذ أيضًا عن حياة شخصية واقعية). هو جيد فيما يقوم به لكنه وشاح رقيق يغلف ذلك التشخيص فلا يجعله قادرًا على النفاذ صوب جمهور اليوم. أداء ترامبو هنا لا يصاحبه أي التزام ضمني بل تمثيل دور والفارق بين الحالتين كبير. ذلك الالتزام هو جهد تمثيلي أقوى من مجرد تمثيل الشخصية. يسد الثغرة الأخيرة في عملية لقاء الممثل مع الشخصية التي يحاول تجسيدها.
من هو أفضل ممثل مرشح للأوسكار ولماذا؟
ديكابريو يقودهم بدنيًا وفاسبيندر وردماين ذهنيًا
مايكل فاسبيندر في «ستيفن جوبز» و ليوناردو ديكابريو كما في «المنبعث»
من هو أفضل ممثل مرشح للأوسكار ولماذا؟
مايكل فاسبيندر في «ستيفن جوبز» و ليوناردو ديكابريو كما في «المنبعث»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





