«النقد» الدولي: ينبغي إقرار حد أدنى من الأمن في سوريا لتقييم احتياجاتها الاقتصادية

عدنان مزراعي لـ {الشرق الأوسط}: تطوير الاقتصاد الإيراني رهين بإقرار إصلاحات كثيرة

نائب رئيس «قسم الشرق الأوسط وآسيا الوسطى» في صندوق النقد الدولي عدنان مزراعي (جيمس حنا)
نائب رئيس «قسم الشرق الأوسط وآسيا الوسطى» في صندوق النقد الدولي عدنان مزراعي (جيمس حنا)
TT

«النقد» الدولي: ينبغي إقرار حد أدنى من الأمن في سوريا لتقييم احتياجاتها الاقتصادية

نائب رئيس «قسم الشرق الأوسط وآسيا الوسطى» في صندوق النقد الدولي عدنان مزراعي (جيمس حنا)
نائب رئيس «قسم الشرق الأوسط وآسيا الوسطى» في صندوق النقد الدولي عدنان مزراعي (جيمس حنا)

أكد نائب رئيس قسم الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، عدنان مزراعي، أنه من الضروري إقرار حد أدنى من الأمن في سوريا قبل أن يتمكن الصندوق والمؤسسات الدولية من تقييم احتياجاتها الاقتصادية.
وفي حوار مع «الشرق الأوسط»، قال مزراعي إن «الصندوق يقوم بتقدير الاحتياجات الإنسانية الملحة وتكاليفها، وتكاليف إعادة الإعمار، إلى جانب المساهمة في إعادة إعمار المؤسسات التي تعرضت للتدمير». وعلى مستوى منطقة الشرق الأوسط، قال إن أزمة اللاجئين التي نتجت عن الصراع السوري لها تأثير كبير على اقتصادات الدول المجاورة، وتوقّع أن تخيم ظلال قضيتين أساسيتين على اقتصادات المنطقة، أولاهما «تراجع أسعار النفط، والذي يؤثر بدوره على الدول المنتجة ويدفعها للتكيف مع الوضع الجديد، أما القضية الثانية فهي الصراعات التي تستنزف الموارد وتخلق حالة من زعزعة الاستقرار بالمنطقة».
وأكد مزراعي أن مؤتمر الدول المانحة للاجئي سوريا، الذي عقد الأسبوع الماضي في لندن «نجح في حشد دعم واعتراف واسع النطاق بحقيقة الوضع المأساوي للاجئين السوريين، إلى جانب وجود اعتراف واسع بضرورة إمدادهم بمساعدات إنسانية أساسية». وعن إيران، قال مزراعي إنه يتحتم على طهران إقرار العديد من الإصلاحات للاستفادة بشكل كامل من رفع العقوبات، وأوضح: «ستكون هناك الحاجة لتعديل السياسات الإيرانية» بهدف تيسير عودة الاندماج في الاقتصاد العالمي. وفي ما يلي نص الحوار.
* عقد مؤتمر دعم سوريا الأسبوع الماضي، كيف أسهم صندوق النقد الدولي في التخفيف من حدة الأزمة؟
- تتمثل المهمة الأولى لصندوق النقد الدولي في تقييم التأثير الاقتصادي للوضع القائم بالمنطقة، خاصة في ما يتعلق بتداعيات الصراع السوري على دول أخرى مثل تركيا ولبنان والأردن. وبشكل عام، لدينا عدة مستويات من التعاون مع الدول، يتمثل أحدها في إقامة حوار عام حول السياسات الاقتصادية، بينما يتمثل مستوى آخر في توفير مساعدة فنية، وذلك بهدف مساعدة الدولة المعنية على بناء مؤسساتها. وهناك مستوى آخر يتعلق بتقديم قروض.
وفي ما يتعلّق بالحالة السورية فإنه من الضروري إقرار حد أدنى من الأمن قبل أن يتمكن صندوق النقد الدولي ومؤسسات دولية أخرى من الذهاب إلى هناك. وبمجرد أن يتحقق ذلك ويصبح هناك حد أدنى من الأمن، سنتوجه إلى هناك لتقييم الاحتياجات الاقتصادية. ونعني بلفظ «تقييم» هنا تقدير الاحتياجات الإنسانية الملحة وتكاليفها، وتكاليف إعادة الإعمار، إلى جانب إعادة إعمار المؤسسات التي تعرضت للتدمير.
ويركز القسم الذي أترأسه على لبنان والأردن، بينما توجد تركيا داخل نطاق القسم الأوروبي لدينا. وتدفّقت أعداد هائلة من اللاجئين على لبنان والأردن، وأبدت الدولتان قدرا كبيرا من حسن الضيافة في استيعابهما لهؤلاء اللاجئين. ومع ذلك، فإن أعداد اللاجئين شكلت عبئًا ضخما على اقتصاد البلدين، ولم يقتصر العبء على اللاجئين فحسب، وإنما شمل كذلك تداعيات الصراع السوري على اقتصاد المنطقة ككل.
واضطرت هاتان الدولتان إلى تخصيص موازنات ضخمة لدعم اللاجئين، في الوقت ذاته الذي تكبدتا خلاله تكاليف باهظة أخرى غير مذكورة في ميزانياتها. على سبيل المثال، هناك ضغوط متزايدة على البنية التحتية من مدارس ومستشفيات وطاقة وشبكات توزيع المياه، الأمر الذي ينعكس بصورة كاملة في الموازنة. من ناحية أخرى، تباطأت حركة النشاط التجاري بين لبنان والأردن وكثير من الدول الأخرى.
جدير بالذكر أن لبنان كان بمقدوره قبل اندلاع الحرب نقل السلع «ترانزيت» عبر سوريا، لتصديرها إلى تركيا والعراق ودول أخرى. إلا أن هذه الحدود أغلقت الآن للأسف، بحيث أصبح من المتعذر نقل البضائع عبرها. من ناحية أخرى، خلقت الأزمة السورية شعورًا عامًا بالقلق ومخاوف أمنية على مستوى المنطقة، مما أدى بدوره لتزايد الإنفاق الأمني، ليس على الصعيد الحكومي فحسب، وإنما كذلك من جانب القطاع الخاص.
* ما الدور الذي لعبه صندوق النقد الدولي في الأزمة السورية؟
يقدم الصندوق يد العون في عدة صور مختلفة، حيث قدم نصائح اقتصادية بخصوص كيف يمكن لمثل هذه الدول (لبنان والأردن) التأقلم بصورة أفضل مع الضغوط التي تواجهها. ثانيًا، قدم المساعدة في تعزيز قدرة مؤسسات هذه الدول على الصمود، خاصة للنظام المصرفي ووزارات المالية. ثالثًا، فإننا نعمل في بعض الدول، مثل الأردن، على المعاونة في صياغة أطر عامة للسياسات اللازمة لإدارة هذه الدول لاقتصاداتها، وحجم الموازنات التي يمكن أن تقرها من دون تحمل ديون مفرطة.
أيضا، قدمنا إطار عمل يكفل استغلال الأموال في إطار اقتصادي مناسب لا يسفر عن مستويات هائلة من الديون والتضخم. وفي بعض الدول، تدخلنا مباشرة بإقراض الحكومات. على سبيل المثال، انتهينا للتو من برنامج ناجح في الأردن بقيمة نحو ملياري دولار، ونعمل حاليًا على مناقشة تنفيذ برنامج آخر معهم.
* إلى أي مدى نجح مؤتمر مساعدات سوريا في ضمان التعهدات المطلوبة؟
- في الواقع، نجح المؤتمر من نواح عديدة، أبرزها حشد الدعم واعتراف واسع النطاق بحقيقة الوضع المأساوي للاجئين السوريين أنفسهم، إلى جانب وجود اعتراف واسع بضرورة إمدادهم بمساعدات إنسانية أساسية. كما اعترف المشاركون في المؤتمر بأن دولا، مثل لبنان والأردن، تقدم خدمة عامة للمجتمع الدولي بأسره، ومن المهم ألا ينتهي الحال بمثل هذه الدول إلى تكبد تكاليف ذلك من ميزانياتها الخاصة، إذ إنها تقدم خدمة جليلة للإنسانية وباقي أعضاء المجتمع الدولي. لذا، فإنه من المهم أن نقدم لهم الدعم. ومن المعروف أن هذه الدول تعاني من مستويات مرتفعة من الديون، مما يزيد أهمية تقديم الدعم لهم. في المقابل، تبقى هناك حاجة لبذل مزيد من الجهد ليس فقط لتلبية الاحتياجات الإنسانية، وإنما أيضا لخلق بيئة وبنية تحتية ملائمة لتوظيف السوريين في هذه الدول واستمرارهم في التعليم والمشاركة في النشاطات الاقتصادية.
* كيف تؤثر التوترات الدبلوماسية بين إيران وباقي دول المنطقة على اقتصادات الشرق الأوسط؟
- تخيم ظلال قضيتين أساسيتين على اقتصادات المنطقة، أولاهما تراجع أسعار النفط، التي تؤثر على الدول المنتجة للنفط وتدفعها للتكيف مع الوضع الجديد، كما تؤثر على واردات النفط. ورغم استفادة الدول المستوردة من انخفاض تكاليف الاستيراد فإن هذا الوضع يؤثر بالسلب على قدرة مجلس التعاون الخليجي على تقديم مساعدات مالية لدول مثل لبنان والأردن. إضافة إلى ذلك، فإن دول المجلس توظف لديها أعدادًا ضخمة من الأجانب. وعليه، فإن التراجع الاقتصادي يدفعها لتقليل الأجانب العاملين لديها، مما سيؤثر على قدرة هؤلاء على تحويل المبالغ المالية التي اعتادوا تحويلها لأوطانهم.
أما القضية الثانية الكبرى فهي الصراعات التي تستنزف الموارد وتخلق حالة من زعزعة الاستقرار بالمنطقة. ويؤدي ذلك بطبيعة الحال لتراجع وتيرة النشاط الاقتصادي، وتحويل مزيد من الموارد باتجاه الإنفاق العسكري والدفاعي. وبذلك يتضح أن مثل هذه الصراعات تقوض اقتصادات المنطقة بشدة، إلى جانب قضية اللاجئين الملحة.
* ما هي أبرز التحديات التي تواجهها إيران مع الشروع في رفع العقوبات عنها؟
- لا شك في أن رفع العقوبات سيترك تأثيرًا إيجابيًا على إيران من خلال السماح لها بإنتاج وتصدير مزيد من النفط، إلى جانب تمكنها من استغلال بعض احتياطياتها النقدية الدولية. وهي أمور من شأنها تشجيع النمو الاقتصادي. لكن هناك الكثير من الإصلاحات يتحتم على طهران إقرارها لتحقيق تطورات ونمو في اقتصادها.
* كيف سيكون رد فعل صانعي السياسات على تراجع أسعار النفط؟
- يبدو في حكم المؤكد أن انخفاض أسعار النفط سيستمر لبضع سنوات، بالنظر للقلق السائد. وعليه، فإنه يتعين على الدول المعنية تكييف إنفاقاتها مع هذا الأمر. ومن الأفضل أن تلجأ الحكومات تدريجيًا لتقليل إنفاقها وزيادة عائداتها.



أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)

حملت أولى رسائل الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، تحديد أولويات المرحلة المقبلة من عمر الجامعة التي عَرَف تاريخها منذ التأسيس أزمات إقليمية عديدة، حيث ركّز على مسارين لافتين متمثلين في تطوير الآليات وتعظيم التشاور العربي.

فبعد اعتماد مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، بتفويض من القادة العرب، مساء الاثنين، قرار تعيينه أميناً عاماً جديداً للجامعة لمدة 5 سنوات اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) المقبل، أكد فهمي في بيان أن العمل خلال المرحلة المقبلة سينصبّ على تطوير المنظمة العربية وتحديث آليات عملها، بما يتواكب مع التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة.

كما لفت إلى أن المرحلة تتطلب تكثيف التنسيق والتشاور العربي لمواجهة الأزمات والتهديدات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب تعزيز التعاون العربي للاستفادة من الفرص المتاحة وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص تدعم الاستقرار والتنمية.

وعدَّ اختياره بالإجماع «مسؤولية تاريخية في مرحلة دقيقة ومفصلية، في ظل ما تواجهه المنطقة العربية من تحديات جسام ومتغيرات إقليمية ودولية متسارعة»، الأمر الذي يتطلب تعزيز العمل المشترك والدفاع عن المصالح العربية وترسيخ مبادئ التضامن بين الدول العربية كافة.

وشدّد كذلك على أهمية احترام سيادة الدول العربية، وصون أمنها وسلامة أراضيها، ودعم الجهود الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة، وتحسين أوضاع الشعوب العربية، مؤكداً أن الجامعة العربية ستبقى «بيت العرب الجامع»، وستواصل أداء دورها كمنصة جامعة للحوار والتشاور والتنسيق بين الدول الأعضاء.

«تغيرات متسارعة»

تلك الأولويات يراها دبلوماسي تحدث لـ«الشرق الأوسط» قراءة جيدة لطبيعة المرحلة التي قال إنها «تُلزم منظمة بحجم الجامعة العربية أن تعمل على تطوير نفسها بصورة تمنح قيمة مضافة للعمل العربي، حيث سيكون التشاور العربي مهماً في هذا السياق باعتباره البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة فيها».

السيسي يلتقي الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (الرئاسة المصرية)

وواصل السفير محمد حجازي، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حديثه قائلاً إن تلك المرحلة «تتسم بتغيرات استراتيجية متسارعة تشمل تداعيات الحرب الأميركية - الإيرانية، واستمرار الحرب في غزة، والأزمات الممتدة في السودان وليبيا واليمن، فضلاً عن التحولات الجارية في النظام الدولي».

وأكّد أن انتخاب نبيل فهمي بالإجماع أميناً عاماً لجامعة الدول العربية «تقدير جماعي لقدراته الدبلوماسية وتاريخه الحافل وصلاته العربية والدولية، ما يجعل هناك فرصة مهمة لإعادة تموضع المؤسسة العربية في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد».

ويجيء تعيين فهمي في المنصب خلفاً لمواطنه المصري أحمد أبو الغيط، الذي قاد المنظمة منذ عام 2016، وشغل المنصب لمدة 10 سنوات. وسيكون هو الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ تأسيسها عام 1945، والثامن من مصر مع استثناء فترة واحدة مع نقل المقر من القاهرة إلى تونس عام 1979، عقب توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات «معاهدة السلام» مع إسرائيل.

«استعادة الثقة»

يعتقد حجازي أن الأولوية الأولى أمام نبيل فهمي ستكون استعادة الثقة السياسية في الجامعة العربية باعتبارها منصة للتوافق العربي، وليس مجرد إطار بروتوكولي للاجتماعات وإصدار البيانات، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بتطوير الهياكل الإدارية بقدر ما يتعلق بإقناع الدول الأعضاء بأن الجامعة قادرة على إنتاج قيمة سياسية مضافة وإدارة الخلافات العربية بصورة مؤسسية.

ومن المرجح أن يركز فهمي على تكثيف آليات التشاور السياسي المنتظم بين العواصم العربية، خاصة في ظل فجوات المواقف بشأن العديد من الملفات الإقليمية.

وقال حجازي: «قد نشهد اتجاهاً نحو اجتماعات أكثر انتظاماً على مستوى وزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي، مع تفعيل أدوات الإنذار المبكر وإدارة الأزمات داخل الأمانة العامة، بحيث تتحول الجامعة إلى مركز للتنسيق الاستراتيجي العربي، وليس مظلة دبلوماسية تقليدية فقط».

أما فيما يتعلق بتطوير آليات المنظمة، فمن المتوقع أن تتضمن أجندة فهمي «مراجعة شاملة لأساليب العمل المؤسسي، وتحديث منظومة اتخاذ القرار، وتعزيز دور مراكز الدراسات وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم صنع القرار العربي»، بحسب حجازي.

كما قد يسعى إلى ربط الجامعة بصورة أكبر بقضايا التنمية والاقتصاد والتحول الرقمي والطاقة والأمن الغذائي والمائي، وهي الملفات التي أصبحت تمثل «جوهر الأمن القومي العربي في مفهومه الحديث»، في رأي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.

وأوضح أن مسار تكثيف التشاور العربي سيكون البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة في الجامعة العربية، قائلاً: «عندما تنجح الجامعة في توفير منصة موثوقة للحوار وتسوية التباينات وصياغة مواقف مشتركة تجاه القضايا الكبرى، ستصبح عملية تطوير المنظمة أكثر سهولة وقابلية للتحقيق».

ويعتقد حجازي أن نجاح نبيل فهمي سيتمثل في «قدرته على تحويل الجامعة العربية من مؤسسة تعكس الانقسامات العربية إلى مؤسسة تساهم في تجاوزها، ومن منبر للتشاور إلى أداة فاعلة لصياغة رؤية عربية مشتركة للأمن والتنمية والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية».


لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
TT

لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)

شهدت الفترة الأخيرة لقاءات مصرية - سورية متتالية، يراها مسؤولون ومراقبون «دفعةً لمسار التقارب» في العلاقات بين البلدين، خصوصاً بعد حل أزمة البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة.

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي نظيره السوري أسعد الشيباني، مساء الاثنين، على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية المنعقد في العاصمة الأردنية عمَّان.

وحسب بيان للخارجية المصرية، الثلاثاء، أكد الوزيران «عمق الروابط التاريخية والشعبية التي تجمع مصر وسوريا... وأهمية البناء على الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري إلى القاهرة مطلع شهر مايو (أيار) الماضي». كما رحبا بعقد الاجتماع الحكومي المصري-السوري الثاني على مستوى كبار المسؤولين بمشاركة الوزارات والهيئات المعنية بالتجارة والاستثمار في البلدين، لبحث الخطوات التنفيذية لتعزيز التعاون الاقتصادي المشترك.

وقال مدير إدارة الشؤون العربية بوزارة الخارجية السورية، محمد طه الأحمد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «العلاقات مع مصر تتقدم في مسارها الطبيعي، وهناك حرص سوري على تطويرها».

وفد سوري ترأسه وزير الخارجية أسعد الشيباني زار القاهرة الشهر الماضي لبحث العلاقات الثنائية (الخارجية المصرية)

ودارت مناقشات بين البلدين خلال الفترة الماضية بعدما تحفظت مصر على أسماء رشحتها سوريا لتمثيل بعثتها الدبلوماسية في القاهرة، مما عرقل ترتيبات حضور البعثة السورية إلى مصر. لكن أمكن تخطي الأزمة بعدما قدمت سوريا مرشحاً آخر، هو يحيى دياب، لقيادة بعثتها في مصر، وصرحت مصادر لـ«الشرق الأوسط» بأن القاهرة وافقت عليه، ومن المنتظر أن يتسلم مهامه خلال أيام.

ويرى الخبير السياسي المصري في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، عمرو الشوبكي، أن التحديات التي تشهدها المنطقة والإقليم تحتم تطوير العلاقات المصرية-السورية، التي وصفها بأنها «علاقات تاريخية راسخة». وقال إن الروابط الثقافية والاجتماعية والسياسية بين الشعبين كبيرة، مؤكداً أن السلطات في مصر «كان لديها تخوفات أكثر منها خلافات مع نظام الحكم الجديد في سوريا، نظراً لتجربة مصر المعروفة مع الإسلام السياسي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «تلك التخوفات يتم تجاوزها تدريجياً وفق مبدأين أساسيين هما احترام الخبرة والنموذج السياسي لكل بلد، وعدم التدخل في شؤون الآخر»، مشيراً إلى أن مصر رسَّخت هذين المبدأين من قبل في العلاقة مع تركيا. وقال الشوبكي: «اللقاءات المصرية - السورية المتعاقبة تؤشر على تحسن العلاقات وفق نفس المبدأين».

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع على هامش «القمة التشاورية العربية - الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها، بأن «حديثاً ودياً» جرى بينهما لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

واستضافت دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة عدد من قيادات الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين البلدين واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وفي منتصف الشهر الجاري، أكد القائم بأعمال السفارة المصرية في دمشق، محمد عمر عبد العزيز الفقي، أن بلاده تتطلع إلى توسيع آفاق التعاون مع سوريا في مختلف المجالات، خصوصاً في قطاع إعادة الإعمار. وجاء ذلك في تصريح للصحافيين عقب جولته في أجنحة معرض «بيلدكس» الدولي للبناء والتشييد في دمشق، وفقاً للوكالة العربية السورية للأنباء (سانا).


قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
TT

قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار ملايين المشجعين حول العالم إلى منافسات كأس العالم 2026، يواجه اليمنيون في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، قيوداً تحول دون متابعة الحدث الكروي الأبرز عالمياً؛ إذ منعت الجماعة عرض مباريات البطولة داخل الأندية الرياضية في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى، كما فرضت قيوداً على الاستراحات والمقاهي، في خطوة أثارت استياءً واسعاً بين الأوساط الرياضية والشبابية.

وتقول مصادر رياضية إن الجماعة مستمرة منذ انطلاق البطولة في منع إدارات عدد من الأندية الرياضية؛ من بينها «الوحدة» وأهلي صنعاء» و«22 مايو»، من تنظيم فعاليات جماهيرية لعرض مباريات كأس العالم عبر الشاشات داخل مقراتها، رغم الاستعدادات التي كانت قد أُنجزت لاستقبال المشجعين وتنظيم أنشطة مصاحبة للمونديال.

وبحسب المصادر، أوقفت قيادات حوثية تدير القطاع الرياضي، كل الترتيبات التي أعدتها الأندية لاستقبال الجماهير، بما في ذلك تجهيز الشاشات وتنظيم الفعاليات الرياضية والترفيهية المرتبطة بالبطولة.

أحد الملاعب الرياضية في العاصمة صنعاء الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأكدت المصادر فشل كل المحاولات الرامية إلى إقناع السلطات التابعة للجماعة بالسماح بإقامة تلك الفعاليات، ما أدى إلى إلغاء البرامج التي كانت مخصصة لاستقبال المشجعين خلال مباريات البطولة.

ويؤكد ناشطون أن الخطوة الحوثية تمثل امتداداً لسياسة التضييق على الأنشطة الرياضية والترفيهية، وحرمان الشباب من متابعة أبرز الأحداث الكروية العالمية في أجواء جماهيرية اعتادوا عليها خلال السنوات الماضية.

استياء رياضي

على وقع هذا التضييق الحوثي، يقول عصام، وهو اسم مستعار لمدرب رياضي من صنعاء، إن متابعة مباريات كأس العالم في الأندية والمقاهي، تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تمر بها البلاد.

وأضاف أن منع هذه الأنشطة يشكل ضربة جديدة لما تبقى من الفعاليات الرياضية والاجتماعية في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أن الأندية يفترض أن تكون فضاءات مفتوحة للشباب لممارسة الرياضة ومتابعة الأحداث الرياضية العالمية بعيداً عن القيود.

أما الشاب رمزي (27 عاماً) من ريف صنعاء، فيقول إن كثيراً من الشباب كانوا ينتظرون البطولة بوصفها فرصة للالتقاء بالأصدقاء ومتابعة المباريات في أجواء جماعية، إلا أن القرارات الأخيرة حرمتهم من هذه التجربة التي ارتبطت تقليدياً بالمناسبات الكروية الكبرى.

حشد في أكبر مساجد صنعاء لمتابعة خطبة زعيم الجماعة (أ.ف.ب)

وفي السياق ذاته، أوضح أحد ملاك المقاهي في صنعاء، طالباً عدم ذكر اسمه، أن الجهات التابعة للجماعة سمحت في البداية بعرض أولى مباريات البطولة، لكنها عادت لاحقاً وأبلغت أصحاب المقاهي بالتوقف عن ذلك، ما دفعهم إلى إلغاء الترتيبات الخاصة باستقبال الزبائن خشية التعرض للمساءلة أو العقوبات.

ويشير هؤلاء إلى أن بطولة كأس العالم 2022 شهدت إجراءات مشابهة، حيث تحدث ملاك استراحات ومقاهٍ في صنعاء آنذاك، عن إلزامهم بعرض مواد دعائية وخطب ومحاضرات ذات طابع تعبوي على الشاشات خلال فترات الاستراحة بين المباريات، مع التلويح بفرض عقوبات على المخالفين.

خوف من التجمعات

يؤكد ناشطون يمنيون في صنعاء أن الجماعة الحوثية دأبت منذ سنوات، على فرض قيود واسعة على الأنشطة الرياضية والشبابية، سواء المحلية أو المرتبطة بالبطولات الخارجية، الأمر الذي أدى إلى تقليص المساحات الترفيهية والاجتماعية المتاحة أمام الشباب.

كما يعتقد مراقبون أن الجماعة الانقلابية تنظر إلى التجمعات الرياضية والفعاليات الجماهيرية باعتبارها أنشطة تستقطب الشباب بعيداً عن البرامج التعبوية التي تروج لها، بما في ذلك حملات الاستقطاب إلى الجبهات تحت شعارات دينية ومذهبية مختلفة.

وتستحضر الأوساط الرياضية في صنعاء أجواء بطولات كأس العالم التي سبقت اندلاع الحرب، عندما كانت الشاشات العملاقة تنتشر في الملاعب والحدائق العامة والمدارس الفنية والصالات الرياضية والمتنزهات والمقاهي.

الحوثيون يسمحون فقط بالتجمعات الخادمة لأجندتهم السياسية والعقائدية (إ.ب.أ)

وخلال تلك السنوات، كانت مؤسسات حكومية؛ من بينها وزارة الشباب والرياضة وقطاع الاتصالات، تسهم في تنظيم فعاليات جماهيرية لمتابعة المباريات، فيما كانت آلاف الجماهير تتوافد إلى الملاعب والساحات العامة لمشاهدة الحدث الكروي العالمي.

ويقول المهتمون بالرياضة إن استمرار القيود الحوثية الحالية يعكس توجهاً متصاعداً للسيطرة على الفضاءات العامة والأنشطة الجماهيرية، بما في ذلك الفعاليات الرياضية التي تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل التحديات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة.