المصممون وبيوت الأزياء يرفعون شعار «اضرب الحديد وهو ساخن» لبيع منتجاتهم

كيف غيرت الأزمة الاقتصادية صناعة الموضة؟

من عرض {بيربري} لربيع وصيف 2016
من عرض {بيربري} لربيع وصيف 2016
TT

المصممون وبيوت الأزياء يرفعون شعار «اضرب الحديد وهو ساخن» لبيع منتجاتهم

من عرض {بيربري} لربيع وصيف 2016
من عرض {بيربري} لربيع وصيف 2016

أكدت الأيام والتجارب أنه عند اشتداد الأزمات يشحذ صناع المنتجات المترفة كل قواهم، الفنية والاستراتيجية، لمواجهتها بأساليب مبتكرة وأحيانا جذرية لم تكن لتخطر ببالهم في الأوقات العادية.
دار «بيربري» واحدة من بيوت الأزياء الكثيرة التي تعاني من الأزمة منذ ثلاث سنوات تقريبا، وللسبب نفسه، ألا وهو تباطؤ الاقتصاد الصيني. فمثل غيرها من بيوت الأزياء العالمية التي راهنت على السوق الصينية وتوسعت فيه بشكل كبير، تدفع الثمن حاليا وتحاول أن تُصلح الأمر بأقل خسارة. ما يُحسب لـ«بيربري» أن كريستوفر بايلي هو مديرها الفني ورئيسها التنفيذي في آن واحد، ما يتيح له اتخاذ قرارات يمكن أن تغير ساحة الموضة، من أجل الوصول بها إلى بر الأمان.
فبعد أن أعلن قبل نهاية العام الماضي إدماج خطوط الدار الثلاثة: «بريت»، «لندن» و«برورسم» في واحد بحجة عدم التشويش على الزبون وتقديم تشكيلاته باسم واحد هو «بيربري»، أعن في الأسبوع الماضي أن الدار لن تُقدم سوى عرضين في العام عوض أربعة (اثنان في أسبوع لندن الرجالي واثنان في أسبوع لندن النسائي). وكأن هذا لا يكفي، فأعلن أن كل ما سيتم عرضه على منصات العرض سيتوفر مباشرة للبيع في محلات وعلى مواقع الدار، عوض أن ينتظر الزبون ستة أشهر تقريبا، هي المدة الزمنية التي كانت تصل فيه البضاعة إلى الأسواق سابقا. يشرح كريستوفر بايلي بأن العملية تطور طبيعي لما بدأ يقوم به منذ فترة. فقد استعمل، مثلا، التكنولوجيا والإنترنت وكل وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى زبونه الموجود في كل أنحاء العالم، من البث المباشر لعروضه وبأبعاد ثلاثية، إلى توفير قطع منتقاة، بعد العرض مباشرة. أما خطوته الأخيرة فبررها قائلا بأنه خلال العرض يكون الكل متحمسا ومستعدا للشراء، لكنهم لا يستطيعون الحصول على ما يرونهم ويرغبون فيه إلا بعد ستة أشهر، وهو أمر يتناقض مع الجانب التسويقي. فحسب قوله: «في لغة الموضة، نحن نتكلم عن «اللحظة الراهنة، وما نشعر به فيها» وأي شيء بعدها يصبح باهتا وقديما.
ويوافق المصمم توم فورد، كريستوفر بايلي الرأي، قائلا: «في عالم أصبح يريد كل شيء الآن، فإن الطريقة التقليدية لعرض تشكيلة لن تتوفر في الأسواق إلا بعد أشهر لم يعد لها معنى... لقد حاولنا التعايش والتعامل لفترة طويلة مع استراتيجية موضة من حقبة أخرى».
تجدر الإشارة إلى أن توم فورد من بين مصممين آخرين سيُقبلون على نفس الخطوة لتسويق منتجاتهم، لأنه مقتنع بأن زبون اليوم «يريد أن يرى أزياء يمكنه الحصول عليها مباشرة». ويتابع: «الخطأ أننا كنا إلى الآن نصرف مبالغ طائلة وجهدا كبيرا على عرض ضخم يثير الحلم والرغبة في اقتناء الأزياء، لكن هذه الرغبة تخفت وتبرد بعد أن تصل إليه بعد أشهر». مثل «بيربري» سيقدم فورد تشكيلة تشمل أزياء للرجل والمرأة، لخريف وشتاء 2016 في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل عوض هذا الشهر خلال أسبوع نيويورك كما كان مقررا، حتى يتزامن عرضها مع توفرها في المحلات وعلى مواقع الإنترنت.
المتعارف عليه أن توم فورد ما فتئ يجرب طرقا مختلفة لعرض تصاميمه، وقلما يتقيد بإملاءات الموضة أو يشارك في البرامج الرسمية بانتظام. فمرة يقدم عروضا كبيرة، ومرة يكتفي بدعوة باقة منتقاة من الضيوف إلى مقره الرئيسي بالقرب من منطقة فيكتوريا، وهكذا. لهذا فإن قراره الأخير لم يكن مزلزلا، مقارنة بقرار «بيربري». فهذه الأخيرة ستشجع بيوت أزياء أخرى على الاقتداء بها، وهو ما يجعل البعض يتساءل عن مصير ومستقبل أسبوع الموضة الرجالي بلندن تحديدا، لأنه كسب كثيرا من قوة اسم الدار البريطانية وعروضها الضخمة. ورغم أن كريستوفر بايلي طمأن أنه سيشارك في هذا الأسبوع بشكل رمزي من باب الدعم، إلا أن عدم تنظيمه عرضا كبيرا قد يُفقد الأسبوع ليس بريقه فحسب بل أيضًا بعض ضيوفه المهمين.
باستثناء هذا الأمر فإن القرار يثلج صدور العاملين في صناعة الموضة، عموما، وعلى رأسهم وسائل الإعلام. فقد تعددت العروض إلى حد أنهم لو قبلوا كل الدعوات لما استقروا في مكان واحد طوال السنة. فكل عاصمة تقريبا أصبح لها أسبوعها الخاص، عدا أن معظم بيوت الأزياء لم تعد تكتفي بعرضين أو أربعة عروض في السنة، بل أضافت خطوطا أخرى مثل الـ«ريزورت» لتزيد من كثافة البرنامج والضغوطات، وهو ما أفقدها نسبة كبيرة من متعتها، وقوتها الإبداعية. المصمم راف سيمونز، عبر عن ذلك عندما قدم استقالته في العام الماضي لدار «ديور» معترفا أنه يريد أن يعيش حياته الخاصة ويقوم بأنشطة شخصية كان يستمتع بها سابقا، لكنه لم يستطع القيام بها منذ التحاقه بالدار الفرنسية العملاقة، نظرا لضيق الوقت وكثافة برنامج العمل فيها. ألبير إلبيز، مصمم دار «لانفان» سابقا، أيضًا أكد هذا الرأي بقوله إن ضغوطات العمل وكثرة العروض لا تتيح للمصمم مجالا كبيرا للإبداع، مشيرا إلى أن دوره تراجع إلى دور منسق أزياء. ألبير إلبيز ألقى أيضًا بجانب من اللوم على وسائل التواصل الاجتماعي، التي ساعدت على تسارع إيقاع الموضة.
وربما كان دور كريستوفر بايلي كمصمم فني قادر على فهم نفسية نظرائه ومشكلاتهم، ودوره كرئيس تنفيذي قادر على اتخاذ قرار كبير بهذا الحجم لحل المشكلة، قرار ستقدم «بيربري»، بناء عليه، وابتداء من شهر سبتمبر القادم، أزياء رجالية ونسائية خلال أسبوع الموضة النسائي: الأول في شهر سبتمبر المقبل، يليه الثاني في شهر فبراير (شباط)، حجتها أن أزياء الدار، عموما، مثل المعطف الواقي من المطر الذي يعتبر من أساسياتها وكلاسيكياتها، لا تعترف بالفصول والمواسم، وتخاطب كل الوجهات والبيئات والثقافات، وبالتالي من الخطأ تحديدها بموسم للربيع والصيف، وآخر للخريف والشتاء.
وأكد كريستوفر بايلي أن تقسيم الأزياء حسب الفصول لم يعد له معنى في الوقت الحاضر «فـ(بيربري) شركة عالمية، في حين لا يكون الطقس واحدا في كل أنحاء العالم وفي نفس الزمن» حسب قوله، لهذا فإن تقديم تصاميم تخاطب كل الفصول توجه منطقي ومعقول.
تجدر الإشارة إلى أن العودة إلى عروض الدار الأخيرة تؤكد بأنها جربت تطبيق هذه الفكرة بالتدريج، من خلال التنوع في القطع المنفصلة التي يمكن تنسيقها في كل المناسبات، وباقتراح فساتين خفيفة من الحرير أو الدانتيل في عروضها للخريف والشتاء، ومعاطف مبطنة أو من الكشمير في عروضها للربيع والصيف.
الأمر نفسه ظهر في تقديمه أزياء نسائية في عرضه الرجالي والعكس، إضافة إلى تصاميم تتراوح بين الأنثوي والذكوري، لعب فيها حينا على الألوان وحينا على الأقمشة. فهذه الأخيرة، مثلا، لم تشمل الحرير للرجل فحسب، بل أيضًا الدانتيل الذي طرحه منذ موسمين تقريبا في قمصان مبتكرة ومثيرة للجدل. فحسب ما صرح به كريستوفر بالي لموقع «بيزنيس أوف فاشون» فإنه عندما ينكب على تصميم تشكيلة ما «يكون في بالي فكرة معينة ولا أكفر في جنس بعينه، فقد قدمنا قطع رجالية في عرض نسائي، وفي العام الماضي قدمنا أزياء نسائية في عرض رجالي، وشعرنا بأن العملية طبيعية ويمكن أن تتطور. فأنت هنا تكون قادرا على تأليف قصة متكاملة من كل الجوانب».
طرحه أزياء من العرض مباشرة أيضًا ليست جديدة، فقد سبق له أن قام بها في ما يخص «الترانش»، أي المعطف الواقي من المطر تحديدا، لكن الجديد الآن أنها ستصبح تقليدا عاديا يشمل كل التشكيلة.
ولا شك أن هذه الخطوة ستشجع مصممين شبابا ممن ليست لديهم الإمكانيات الكبيرة لتنظيم أربعة عروض في السنة على اعتمادها، لا سيما أنها تعني بيع منتجاتهم بسهولة لأن صورتها لا تزال راسخة في الأذهان.
حتى دوناتيلا فيرساتشي اعتمدت هذه الطريقة، عندما شاركت في أسبوع لندن بخطها الأصغر «فيرسيس» في سبتمبر الماضي، حيث وفرت التشكيلة مباشرة في المحلات بعد العرض. نفس الأمر قام به جيريمي سكوت، مصمم «موسكينو» بتوفيره عددا من القطع من التشكيلة للبيع مباشرة، وهو ما ترجم في الإقبال على إكسسواراته. فصورها لا تزال حية في المخيلة، والرغبة فيها لا تزال متأججة ومتأثرة بإبهار العرض، ما جعل بيعها سهلا لشرائح متعطشة لما تراه على منصات العرض.
كثير من المصممين الشباب يرون أنه لا بد من التغيير، فمواقع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي غيرت كثيرا من ملامح الموضة، بحيث يصبح ما يُعرض اليوم قديما بعد أسبوع أو شهر واحد. فالزمن الذي كانت فيه عروض الأزياء حكرا على شريحة من الزبونات ووسائل الإعلام، وتحاط بسرية بالغة، ولى دون رجعة، وأصبح كل شيء يحدث على الملأ، ويراه الكل بضغطة زر على الكومبيوتر أو عبر «إنستغرام» أو «تويتر». لهذا فإن توفير هذه التشكيلات على مواقع التسوق الإلكتروني، أو في المحلات مباشرة خطوة طبيعية، يمكن أن تكون في صالح كل الجهات. المشكلة حاليا قد تكمن في طريقة شراء المحلات الكبيرة لهذه التصاميم. ففي العادة يحضر المشترون والمشتريات عروض الأزياء، ثم يقابلون الجهات المختصة بعد ذلك للاختيار وتقديم الطلبات التي تتماشى مع سوقهم وثقافتها. الآن، قد يصبح عليهم أن يقوموا بهذه المهمة قبل العرض، وهذا يعني أنه عليهم أن يتعرفوا على الاتجاهات المطلوبة وما ستقدمه باقي بيوت الأزياء بمدة. وهي طريقة صعبة، لأنهم إلى الآن كانوا يقيمون التصاميم من خلال كل الزوايا. عروض الأزياء كانت تتيح لهم قراءة تعابير الحضور ومدى تقبلهم للتشكيلة قبل تقديم الطلبات.



جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.