كانت الصين منذ انتصار الثورة الشيوعية عام 1949 لاعبا إقليميا في المقام الأول على مسرح السياسة الدولية، وإن كان لاعبا فاعلا ومؤثرا. ومع أنها منذ البداية كانت تراودها طموحات التصرّف كقوة عظمى، كما تستحقّ بلا شك، فإنها سرعان ما دخلت في مواجهة آيديولوجية مع الاتحاد السوفياتي على صعيد التفسير العملي لقيادة «النموذج الشيوعي» وترويجه بديلا لـ«النموذج الرأسمالي» على مستوى العالم. وتطايرت من هنا وهناك تهم «التحريفية».
على المستوى العالمي، بعد الدور الصيني في الحرب الكورية، أطلت بكين على مؤتمر الدول الأفرو آسيوية الذي استضافته إندونيسيا في مدينة باندونغ عام 1955 ممثلة برئيس وزرائها يومذاك شو إن لاي، وكان ذلك المؤتمر أرضية فعلية لـ«حركة عدم الانحياز» بزعامة الزعيم الهندي جواهرلال نهرو والزعيم المصري جمال عبد الناصر والزعيم اليوغوسلافي جوزيف بروز تيتو، بجانب الزعيم الإندونيسي أحمد سوكارنو.
في باندونغ بدأ الانفتاح الصيني واقعيا على دول العالم الثالث ومنها الدول العربية، خارج إطار منطقة الأوسط حصرا. غير موقع الصين على المستوى العالمي تعزز أكثر عندما غدت عمقا لفيتنام الشمالية إبان حروب الهند الصينية الثلاث في فيتنام ولاوس وكمبوديا. وغدت لاعبا دوليا مهما يتعذّر تجاهله في الأزمات العالمية الكبرى، ولا سيما في آسيا. وحقا، عندما قرّر الجمهوريون الأميركيون تحت رئاسة ريتشارد نيكسون الخروج من المستنقع الفيتنامي الذي تورّطت به طويلا الإدارتان الديمقراطيتان للرئيسين جون كنيدي وليندون جونسون، كان لا بد لواشنطن من الاعتراف ببكين، والإقرار بمكانتها آسيويا ودوليا. وبفضل ما عرف بـ«دبلوماسية البينغ بونغ (كرة الطاولة)» نجح هنري كيسنجر في «هندسة» الانفتاح على الصين ودعوتها إلى أعلى مواقع المنتدى الدولي. وفي أكتوبر (تشرين الأول) 1971 تأكدت حقيقة الصين كـ«قوة عالمية كبرى» عندما أخذت مقعد الصين الوطنية - تايوان في الأمم المتحدة وأصبحت إحدى الدول الأعضاء الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.
على مستوى الشرق الأوسط والعالم العربي، نشطت الصين منذ دخلت مجلس الأمن الدولي على عدة مستويات، سياسيا واقتصاديا وثقافيا، وواكبت كل الأحداث التي عصفت بالمنطقة. وبعدما كانت العلاقة قبل ذلك محدودة بعلاقات ذات طابع سياسي - حركي ربطتها بمنظمات راديكالية في عدة مناطق من العالم العربي، على رأسها بعض التنظيمات الفلسطينية، ها هي الصين اليوم شريك في الاستثمارات والمبادلات الاقتصادية والمبادرات السياسية وخطط التعاون الثقافي والتعليمية والتنموية.
اليوم ما عادت الآيديولوجية الصارمة تحكم علاقات الدول الكبرى، وهذا ما ينطبق على الصين. بل إن الصين اليوم كعملاق اقتصادي عالمي، تختلف تماما عن الصين الراديكالية أسيرة الروح التقشفية التي حكمت «الثورة الثقافية» (1966 - 1976)، وانتهت عمليا بسقوط ما عرف بـ«عصابة الأربعة»، وبدء مرحلة الانفتاح التي قادها دينغ هسياوبينغ.
اليوم لا يحكم علاقات الصين بدول العالم منطق الثورة بل منطق الدولة، ولا تسير بموجب الشعارات الراديكالية بل بواقعية المصالح المشتركة. فحتى «الربيع العربي» أحجمت الصين عن التفاعل معه على أساس أنه «ثورات». وفي دراسات صينية عدة ترجم بعضها إلى العربية، يلاحظ أن بكين اتخذت مواقف أكثر تحفظا إزاء ما حدث في دول «الربيع العربي» حتى من بعض الدول الغربية. ففي حين أبدت معظم الدول الغربية حماسة شديدة في إطلاق كلمة «ثورة» على التغيرات التي حصلت، وتسابقت على منحها ألقابا، كـ«ثورة الياسمين» في تونس - مثلا -، نجد أن المحللين الصينيين، ومثلهم السلطات الصينية، مالوا إلى التحفظ والتحرك المدروس الصامت غالبا. بل في حال سوريا، كما هو معروف وقفت بكين مع موسكو ضد الانتفاضة الشعبية التي استهدفت التخلص من نظام بشار الأسد، وفي هذا دلالة كبيرة على النقلة النوعية في التعامل الصيني على المستويين العربي والدولي من الشعارات والمثاليات الثورية باتجاه المصالح المدروسة بهدوء في ضوء الربح والخسارة. وعلى الصعيد الأكاديمي، بعكس الباحثين الغربيين والعرب، فإن معظم الباحثين الصينيين امتنعوا عن استعمال مصطلحات كـ«الثورة» و«الربيع العربي» مفضّلين عليها مفردات من نوع «الاضطرابات» و«التغييرات».
وفي دراسة عرضتها الدكتورة نادية حلمي («السياسة الدولية» - مؤسسة «الأهرام» - القاهرة) لبحث أعدّه الباحث الصيني لي وي تيان، حول السياسة الخارجية الصينية حيال الشرق الأوسط، قدّم في مؤتمر بحثي نظم في مدينة شانغهاي عام 2012 حول «التحولات السياسية والدبلوماسية في منطقة الشرق الأوسط». وفي هذا البحث يركز الباحث الصيني على أن «اندلاع الاضطرابات في المنطقة وإسقاط أنظمة استبدادية ظلت لعقود طويلة، يعمل على إعادة تشكيل الأدوار الإقليمية في المنطقة». وبالتالي، يرى أن على الصين مواجهة الوضع الجديد في منطقة الشرق الأوسط، بالعمل على «تطوير دبلوماسيتها إزاء التغيرات الراهنة في منطقة الشرق الأوسط، والتركيز على المستقبل، وأخذ زمام المبادرة لخلق بيئة مواتية لتعزيز النفوذ السياسي للصين في منطقة الشرق الأوسط».
وشرح لي في بحثه أن التوازن السياسي في منطقة الشرق الأوسط، بعد «الربيع العربي»، يتخذ ثلاثة أشكال، هي: الصراع بين التيارات الدينية والعلمانية في الشرق الأوسط، والتناقضات الطائفية في منطقة الشرق الأوسط، والصراع بين عدد من البلدان المتنافسة في المنطقة على النفوذ الجيوسياسي في المنطقة.
ومن ثم يرى أن سياسة خارجية صينية جديدة في منطقة الشرق الأوسط هي محل اهتمام بكين. وأن الدبلوماسية الصينية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط «ستقوم في إطار التعاون مع جميع الفاعلين الجدد، بما يحقق المصالح المتبادلة بين مختلف الأطراف الفاعلة في المنطقة والصين، مع البحث عن آليات أخرى للتعاون مع البلدان التي تمر بمرحلة انتقالية في المنطقة» والدفاع عن المصالح الصينية.
وفي شرحه هذه «الآليات» أوضح أن الصين أضحت في حاجة ملحة لاستكمال التحول من قوة إقليمية آسيوية إلى قوة عالمية، ينبغي أن تلعب الدبلوماسية الصينية، وأولا، دورا لأخذ زمام المبادرة لتشكيل نمط سياسي ودبلوماسي جديد يكفل الانتقال من الاستجابة السلبية الدبلوماسية، وسياسة الانتظار في منطقة الشرق الأوسط، إلى استجابة أكثر إيجابية، منها تغيير نمط «الخطاب الصيني» السائد، وبناء توجه وخطاب جديدين. وثانيا، التشديد على أهمية «القوة الناعمة» كوسائل الإعلام والنواحي الثقافية، وغيرها كجزء مهم للدفاع عن المصالح الوطنية للصين في بلدان المنطقة. وثالثا التكيّف مع التغييرات الحاصلة في الشرق الأوسط لتطوير سياسة مختلفة عبر تنقيح السياسات الصينية وتكييفها وفقا للظروف المختلفة في كل بلد. ورابعا الاهتمام بانتهاز الفرص لتوسيع مجال الاستثمارات وإعادة بناء الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي في هذه الدول، ومساعدة شعوب العالم العربي والشرق الأوسط في التعرف على تجربة التنمية في الصين وقوتها الاقتصادية الهائلة.
وفي أواخر عام 2013، تطرّق وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال زيارة للجزائر إلى السياسة الخارجية الصينية تجاه الدول العربية في ظل الوضع الجديد، خلال مؤتمر صحافي قال فيه «إن الصين تنظر إلى علاقاتها مع الدول العربية وتسعى إلى تعزيزها من منظور استراتيجي وطويل المدى». وأردف أنه «في ظل الوضع الجديد - أي تغييرات (الربيع العربي) - يمكن تلخيص السياسة الخارجية الصينية تجاه الدول العربية بـ(أربعة تأييدات): أولا، تأييد الدول العربية بثبات في سلوك الطريق الذي اختارته بأنفسها، وثانيا تأييد الدول العربية في حل القضايا الساخنة بالوسائل السياسية، وثالثا تأييد الدول العربية في التعاون وتحقيق التنمية المشتركة مع الصين، ورابعا تأييد الدول العربية في حماية حقوقها ومصالحها الشرعية».
وأوضح الوزير أن الصين «ترغب في تعزيز التعاون العملي مع البلدان العربية في شتى المجالات، بما يعود على الشعوب العربية بمزيد من المنافع التي ستثمر عن إنجازات هذا التعاون، وتعارض أي عمل يضر بكرامة الأمة العربية بحجة حماية حقوق الإنسان أو مكافحة الإرهاب، وترغب في تعزيز التنسيق والتعاون مع الجانب العربي بشأن القضايا الهامة، للحفاظ بشكل أفضل على مصالح الجانبين الصيني والعربي وسائر الدول النامية».
وشدد وانغ يي على «أهمية التنمية والاستقرار والتضامن من أجل صيانة المصالح الأساسية وطويلة المدى للدول العربية»، وعلى «أن الصين ستقف إلى جانب الدول العربية في عمليات تنميتها وضمان استقرارها وتضامنها». (المصدر: التلفزيون الصيني CCTV.com).
باحث آخر تناول وضع الصين على المسرح الدولي، ولا سيما في ظل متغيرات الشرق الأوسط هو الدكتور كيري براون، من جامعة سيدني في أستراليا، الذي لاحظ أنه بينما كان الأميركيون والفرنسيون والبريطانيون يدفعون باتجاه التدخل العسكري في سوريا، وبينما كان الروس يعرقلون جهودهم باستمرار، كانت الصين تقف إلى الخلف من دون أن تقول الكثير. وحسب رأي براون الصينيون في هذا، إنما كانوا يتبعون سياسة اعتمدوها منذ أمد بعيد «فلأكثر من نصف قرن كانت السمة الأساسية التي صبغت السياسة الخارجية التي اتبعتها جمهورية الصين الشعبية تتلخص في مبادئ تجنب التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى واحترام سيادة هذه الدول ورفض الاعتداء والتعايش السلمي.. كانت هذه هي المبادئ التي وضعها رئيس الوزراء الصيني الشهير شو أن لاي في مؤتمر باندونغ (الأفرو آسيوي) الذي شهد انبثاق «حركة عدم الانحياز» عام 1955. ولكن في العقود الستة الماضية، لم تلتزم الصين حرفيا بتلك المبادئ في كل الأحوال والمناسبات، مع أنها بالمقابل لم تحد أبدا عن إبداء تأييدها اللفظي لها. ففي أواخر عهد الزعيم ماو تسي تونغ دعمت الصين الكثير من الحركات التحررية في العالم النامي، وعام 1979، تدخلت تدخلا عسكريا فعليا في فيتنام. كما خاضت بين عامي 1949 و1978 حروبا مع الهند وروسيا وأميركا في كوريا.
ويتابع الدكتور براون قوله إن القادة الصينيين ما زالوا متمسكين قدر ما يستطيعون بمبادئ التعايش السلمي وتحاشي التدخل التي أرسى أسسها تشو إن لاي. وعلى الرغم من التغييرات الكبيرة التي شهدها العالم فإن هذه المبادئ تخدم مصالح الصين لأنها تجنبها الانخراط في مواقف قد تبدّد قدراتها وتجنبها خطر أن تحشر في زاوية ينظر إليها فيها على أنها عدو للولايات المتحدة وباقي العالم المتطور، كما تسمح لها بمواصلة التركيز على مهمات التنمية الداخلية الكبرى التي ما زالت تواجهها.
ثم يقول «ولكن إصرار الصين على الامتناع عن اتخاذ مواقف حاسمة في قضايا السياسة الخارجية الصعبة وفي تجنب المشكلات المستعصية والمعقدة أصبح صعب المنال، وهو ما أشار إليه أخيرا موقفها من الأزمة السورية. فكان واضحا أن الدول الأكثر تأييدا في الظروف الاعتيادية لما يسمى بـ(مبدأ التدخل الإنساني)، كبريطانيا والأهم منها الولايات المتحدة، قد واجهت قيودا في الحالة السورية بسبب نفور شعوبها من الانخراط في حروب جديدة ومن عجزها في ظل الأزمة المالية المستمرة على تمويل هذه المغامرات المكلفة».
ويتابع «ولكن عجز الدول الغربية عن التدخل لا يعني أن المشكلة ستحل نفسها بنفسها أو أنها ستختفي بقدرة قادر. فالتزام الصين بالمعاهدات والمواثيق الدولية التي تحرم استخدام الأسلحة الكيماوية لا يقل عن التزام أي من الدول الكبرى الأخرى». ويختتم كلامه بالقول «إن النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي الذي تتمتع به الصين كبير جدا ولا يمكن تجاهله، ومن المفروغ منه تقريبا أن تجد الصين نفسها مجبرة في السنوات المقبلة على اتخاذ مواقف حاسمة في قضايا كانت في الماضي تتجنبها بوصفها تقع خارج نطاق منطقة نفوذها وبالنتيجة خارج نطاق اهتماماتها. فقوة الصين الاقتصادية في عالم اليوم تعني أن قوتها السياسية والدبلوماسية أصبحت من القوى الجديدة الأكثر تأثيرا في الشؤون الدولية».

