{عزف نسائي}.. مسرحية تضع جرح العراق على طاولة التشريح

{عزف نسائي}.. مسرحية تضع جرح العراق على طاولة التشريح

تقاسمت بطولتها امرأتان تطاردان الخوف وطلقات الرصاص
الخميس - 7 رجب 1434 هـ - 16 مايو 2013 مـ رقم العدد [ 12588]

بتوتر شديد تضع الممثلة العراقية القديرة هناء محمد الأقفال على ستائر نوافذ بيتها المعدنية، بينما يطوق عنقها عقد به مجموعة من الكرات تشبه القنابل الموقوتة. وبدافع من الخوف تراجع مجموعة المزاليج التي توصد بها باب البيت، وهي تتمتم ببعض الآيات القرآنية، تستقوي بها على شر البشر ومكائد الشيطان. وترتفع نبرة التوتر حين تسمع دقات لاهثة على الباب، وصوت امرأة تستغيث بها من ملاحقة طلقات الرصاص في الشارع. وبعد شد وجذب يشوبهما الخوف والغموض ترفض أن تفتح لها الباب، لكن المرأة تحت تدافع طلقات الرصاص تدفع الباب وتدخل.

هكذا جاء المشهد الافتتاحي للعرض المسرحي {عزف نسائي} الذي أثار دهشة الجمهور في ختام حفل افتتاح مهرجان بابل للثقافات والفنون العالمية الثاني بالعراق. لقد استغل مخرج المسرحية سنان العزاوي اتساع فضاء المسرح المكشوف وعمقه التاريخي، ليحول العرض إلى ما يشبه المحاكمة لواقع انتهك حقوق المرأة في الماضي على يد نظام قمعي مستبد. وفي الحاضر، وبعد أن تخلص من وحشية ذلك النظام لا يزال يهمشها ويضعها في مرتبة دونية مجتمعيا. فالجمهور الذي تحلق حول منصة العرض، تحول إلى قاض افتراضي، وهو يستمع لمأساة امرأتين مختلفتين في نمط السلوك وطرائق النظر والتفكير، لا يوحد بينهما سوى إحساس مرير بالخوف والضياع وعتمة المصير المجهول.

لا شيء لدى صاحبة البيت سوى الخوف القاتل، يحاصرها في خطواتها المرتجفة ونبرات صوتها المتهدجة، وعبثا تلتفت للأمام أو إلى الوراء، فكل ما تملك من حطام الدنيا هذه الأقفال والسلاسل وحفنة من الأرز المطهو الماسخ.

وتحت مناورات الضوء الذي يتقلب ما بين الظلال الداكنة والشفيقة على خشبة المسرح يتحول حوار المرأتين إلى صراع مليء بالشجن، وسلاح أعزل تدافع به كل امرأة عن نفسها، كاشفة مدى بشاعة ما تعرضت له. فكما ترويان على المسرح، تعرضت المرأة المتطرفة دينيا صاحبة البيت لأبشع وسائل التعذيب، وتم اغتصابها على يد زبانية النظام السابق، لأنها ابنة مناضل اغتاله النظام نفسه، ثم اختطف أخاها الوحيد، لتعيش بمفردها على شفا الخوف والجنون.

المرأة الثانية التي جسدت دورها الممثلة الشابة أسماء صفاء، تنتمي لما بعد سقوط النظام السابق، قتل زوجها وابنها على يد مجموعة ملثمة اقتحمت الدار، لتظل هي الأخرى وحيدة، تصارع العيش على الحافة، ثم هجرت البلد لأنها تنتمي لطائفة معينة. ولأنها جميلة فقد دفعت الثمن من جسدها مرارا وتكرارا، حين التحقت عن طريق شخص ظنت أنه يتعاطف معها للعمل بملهى ليلي، لكنها اكتشفت أنه قواد وأنه يقدمها كل ليلة قربانا للرجال لقاء بعض المال، وحين تفر من كل هذا وتعود للوطن، يحاصرها الخوف وافتقاد الإحساس بالأمان في كل خطوة تخطوها.

توحد المرآة المهمشة، صراع المرأتين على خشبة المسرح، وتشكل كرمز ودلالة وحقيقة مادية ماثلة نقطة التقاء لكل تعارضاتهما جسدا وروحا، بل توثق لهويتهما الهشة المضطربة، في مرآة أكبر يعكسها المجتمع في حراكه السياسي والاجتماعي والثقافي، وفي ضبابية مشهد أصبح مثقلا بالتناقضات والحروب والمكائد المستترة، فعبثا تفكر المرأة صاحبة البيت في الانتقام لماضيها المتجسد في النظام السابق، وأيضا عبثا تفكر المرأة الشابة في الانتقام من أشخاص لا تعرف هويتهم.. إذن ليس أمامهما سوى الاعتصام بالأنوثة، كشكل من أشكال الوجود والهوية الخاصة.

على وتر الأنوثة تقنع المرأة الشابة صاحبة البيت بأنها جميلة ومتدفقة بالأنوثة، وتغريها بالتخلي عن ملابسها البالية والنظر في المرآة واستخدام بعض رتوش الزينة. وهكذا، تنحل العقد السميكة بينهما، وترقص المرأتان، في مشهد فاتن، وكأنهما للتو تلامسان الحياة للمرة الأولى.

لقد كسرت الأنوثة حاجز الخوف، وأشعلت فيهما دفئا مراوغا بالأمان. لكنهما في النهاية تكتشفان أنه دفء زائف، فحين تهم المرأة الشابة بالخروج في المساء لشراء بعض الخبز والطعام؛ سرعان ما تداهمها طلقات الرصاص بشكل عشوائي، وينتهي العرض بصاحبة البيت وهي تحتضنها بين صدرها، وتبكي بحرقة كأنها فقدت ابنتها التي لم تنجبها.


أخبار ذات صلة



اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة