الناطقة باسم الخارجية الروسية.. عهد جديد من التواصل مع المراسلين الأجانب

لماذا اقتحمت زاخاروفا استوديو «صدى موسكو» لدى مناقشة طرد صحافي بولندي؟

ماريا زاخاروفا الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الروسية في أحد مؤتمراتها الأسبوعية («الشرق الأوسط»)
ماريا زاخاروفا الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الروسية في أحد مؤتمراتها الأسبوعية («الشرق الأوسط»)
TT

الناطقة باسم الخارجية الروسية.. عهد جديد من التواصل مع المراسلين الأجانب

ماريا زاخاروفا الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الروسية في أحد مؤتمراتها الأسبوعية («الشرق الأوسط»)
ماريا زاخاروفا الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الروسية في أحد مؤتمراتها الأسبوعية («الشرق الأوسط»)

ماريا زاخاروفا.. الناطق الرسمي الجديد باسم وزارة الخارجية الروسية ما أن تولت مقاليد منصبها في صيف العام الماضي حتى داهمت الدوائر الصحافية والدبلوماسية بسلسلة من المبادرات التي سرعان ما وجدت طريقها إلى التنفيذ لتفرض أنماطا جديدة قلما شهدها في السابق عالم الصحافة الدبلوماسية.
يذكر أن الإعلاميين في موسكو في أعقاب توليها لمنصبها الجديد باتصال تليفوني من أحد المسؤولين في إدارة الصحافة والإعلام التي تترأسها ماريا زاخاروفا يطلب من الجميع تزويد الإدارة بالعناوين والمواقع التي يمكن للإدارة من خلالها التواصل معنا إلكترونيا، وهو نمط جديد في العلاقة لم نعهده عن إدارة كان يغلب عليها الطابع المحافظ في التعامل مع ممثلي الصحافة الأجنبية، وإن حفل تاريخها بالاستثناءات على غرار ما شهدناه إبان سنوات العمل مع ناطقين رسميين لوزارة الخارجية الروسية، وفي مقدمتهم فيتالي تشوركين الممثل الدائم لروسيا اليوم في الأمم المتحدة، وألكسندر ياكوفينكو السفير الحالي لروسيا في لندن. ولذا فإن ما طرحته ماريا زاخاروفا من مبادرات تحمل طابع العصرية ومنها استخدام الفضاء الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي، يبدو سبيلا جديدا للتخفيف من «قسوة» الرسميات، والتقيد بشكليات طالما حدّت من سرعة التواصل مع الخارجية الروسية، وتسجيل ردود أفعالها أو مواقفها من الأحداث المحلية والعالمية.
وكنا تناولنا على صفحات «الشرق الأوسط» في 28 سبتمبر (أيلول) الماضي تحت عنوان «دردشة مع ماريا» مبادرتها حول عقد لقاء دوري أسبوعي مفتوح لتبادل المعلومات مع الصحافيين الأجانب وتزويدهم بما لديهم من معلومات، والإجابة على ما يعن لهم من تساؤلات بعيدا عن الارتباطات والقيود الرسمية التي تحكم عمل الناطق الرسمي لوزارة الخارجية الروسية. غير أن ما شهدناه من نشاط مكثف خلال الأشهر القليلة الماضية، أكد أن ماريا زاخاروفا لم تكن لتكتفي بمثل هذه الخطوة التي عادت عليها وعلى نشاط إدارة الصحافة والإعلام بالكثير من الإيجابيات، وهو ما اطلعنا على بعض جوانبه من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وما يعكس الكثير من دقائق مواقف وردود أفعال الخارجية الروسية تجاه قضايا العصر. ولذا فلم يكن غريبا أن يبادر اتحاد الصحافيين الروس باتخاذ قراره حول منح ماريا جائزة «الشفافية في التعامل مع الصحافة» التي يمنحها لأصحاب الإسهامات المتميزة في هذا الشأن. وقد سجلت ماريا بعضا من انطباعاتها حول هذا الشأن، على صفحاتها في مواقع التواصل الاجتماعي مصحوبة بالشكر والتقدير وتأكيد أن ذلك اعتراف ضمني بنجاح مشترك، وأنه ينسحب بالدرجة الأولى على زملائها ولم تقل مرؤوسيها، في إدارة الصحافة والإعلام، بينما توجهت بالشكر إلى رجال الدبلوماسية الروسية في موسكو، وفي مختلف النقاط الساخنة في الخارج، ممن يضطلعون بأعباء رصد ما يجرى، واتخاذ ما يلزم من مواقف وجمع ما يتيسر من معلومات.
ولم تنسَ ماريا في هذا الشأن الاعتراف بما قدمه السابقون من رجال الخارجية الروسية من دروس وعبر، وبما تراكم عنهم من خبرات يستفيد منها اللاحقون عبر كل الأجيال.
ويخطئ من يتصور أن ماريا تكتفي بتصفح المواقع الإلكترونية ومتابعة ما يسجله الآخرون، حيث تكشف صفحتها عن تسجيلها للكثير من المواقف التي يمكن القياس عليها لدى محاولة استيضاح المدى الذي يمكن أن تمضي إليه موسكو في معرض تناولها لأي من المشكلات المطروحة على أجندة السياسات المحلية أو العالمية. ومن ذلك ما طالعناه حول أسباب طرد الصحافي البولندي فاتسلاف رادزيفينوفيتش الذي اتخذت موسكو قرار «إنهاء مهمته الصحافية»، وقالت إنه رد على قرار وارسو بطرد أحد نظرائه الروس العاملين في بولندا. قالت ماريا إنها كانت في طريقها إلى وسط العاصمة لقضاء بعض الأمور الشخصية بعد انتهاء عملها. وتصادف أنها كانت تستمع إلى إذاعة «صدى موسكو» لمتابعة برنامج كان يشارك فيه ذلك الصحافي البولندي، في نفس اللحظة التي كانت فيها سيارتها تقترب من المبنى الذي تشغل فيه إذاعة «صدى موسكو» أحد أدواره العليا، مما جعلها تسارع بالاتصال برئيس التحرير ألكسي فينيديكتوف تسأله عما إذا كانت هناك فرصة لمشاركتها في ذلك البرنامج، فلم تكن لتفوت هذه الفرصة لإماطة اللثام عن الكثير مما لاكته الألسنة نيابة عن الصحافي البولندي وعن الجهات الرسمية الروسية التي اتخذت قرار طرده ردا على قرار إنهاء اعتماد زميله الروسي في بولندا. وقالت ماريا: «إن فينيديكتوف سارع بالاستجابة لطلبها، وصرخ يدعوها إلى سرعة الصعود، مؤكدا أنه سيبلغ المشاركين في البرنامج بالإعلان عن قرب وصولها لمشاركتهم الحديث والمناقشة».
وأضافت ماريا أن الحديث استمر في الاستوديو لمدة 15 دقيقة، بينما استأنفه الجانبان لقرابة الساعة ونصف الساعة «خارج الهواء» بعد انتهاء وقت البرنامج. ومضت زاخاروفا لتكشف عن استمرارهما في الجدل والنقاش حول مدى مشروعية مثل هذا القرار، وما يتعلق بذلك من تجاوزات ارتكبها الجانب البولندي، في نفس الوقت الذي حرصت فيه على تأكيد أنها لا تسمح لنفسها بتقدير مستوى مهنية الصحافي البولندي. قالت يكفي أنه «صحافي»، وأنها ترى «أن طرد أي صحافي إجراء غير عادل». لكنها ألقت بمسؤولية اتخاذ مثل هذا القرار على الجانب البولندي الذي قام بطرد الصحافي الروسي دون إبداء الأسباب، في الوقت الذي كان الجانب الروسي فيه أكثر صراحة ووضوحا حين كشف عن أن قرار طرد الصحافي البولندي جاء ردا على قرار السلطات البولندية بحق الصحافي الروسي.
ولم تكتفِ زاخاروفا بذلك لتكشف أن فاتسلاف (الصحافي البولندي) دعاها لزيارة وارسو، وأعرب عن استعداده لمرافقتها للتأكد من أنه وأقاربه يهتمون بالعناية بمقابر المحاربين السوفيات القدماء (في إشارة إلى الاحتجاجات الروسية ضد اعتداءات المتطرفين البولنديين على هذه المقابر)، وخلصت إلى القول «إن الأهم في هذا الشأن يكمن في أن كلا من الطرفين فهم الآخر»، وهو ما اعتبرته «سعادة بكل المقاييس».
ونمضي مع ماريا لنشير إلى ما كتبته مؤخرا حول المؤتمر الصحافي السنوي لسيرغي لافروف وزير الخارجية الروسية. قالت الناطقة الرسمية باسم هذه الوزارة التي تعد إحدى أقدم المؤسسات الدبلوماسية في العالم بكل ما يترتب على ذلك من تقاليد وخبرات تتراكم يوما بعد يوم، إن الإقبال على مؤتمر هذا العام يفوق كثيرا عن أمثاله في السنوات السابقة. وتلك حقيقة اكتوينا «ببردها وصقيعها»، حيث طال انتظارنا معشر الصحافيين الأجانب لما يزيد عن الساعة أمام مقر المركز الصحافي في درجة برودة تقترب من العشرين تحت الصفر. رصدت زاخاروفا أن الطابور امتد طويلا أمام المبنى على نحو كاد يكون مماثلا للطابور الذي تواصل لأيام طوال أمام قاعة تريتياكوف للفنون حيث معرض الفنان الروسي الراحل فالنتين سيروف بكل طرائفه التي بلغت حد تدخل وزارة الطوارئ ودفعها بالمطابخ الميدانية لإمداد المنتظرين في هذا الطابور طوال ساعات الليل في العراء في درجة برودة تبلغ أيضا ما دون العشرين تحت الصفر، بحاجتهم من الطعام والمشروبات الساخنة.
ونتوقف أيضا عند حرصها على الإعراب عن سعادتها بمقارنة طابور الراغبين في حضور مؤتمر صحافي يعقده عميد الدبلوماسية الروسية لافروف مع طابور هواة الفنون الجميلة الذين تزاحموا لمشاهدة ما عُرِض من لوحات الفنان الروسي العالمي سيروف بمناسبة الذكرى المائة والخمسين لميلاده. ونواصل لنقول إن زاخاروفا حرصت لاحقا على نقل صورة حية لما دار داخل قاعة المؤتمر الصحافي الذي طال ولأول مرة في تاريخ عقد مثل هذه المؤتمرات لما يزيد عن الثلاث ساعات، حرص عميد الدبلوماسية الروسية خلالها على الإجابة على كل الأسئلة دون كلل أو ملل متسلحا بذاكرة حديدية ولغة دبلوماسية رفيعة. ومن قاموس لافروف للأقوال المأثورة اختارت زاخاروفا ما قاله ردا على سؤال حول مدى احتمالات إعادة الولايات المتحدة لإطلاق العلاقات مع روسيا، «إن واشنطن تحتاج إلى إعادة إطلاق علاقاتها مع العالم كله وليس مع روسيا وحدها»، في إشارة إلى تورط واشنطن في الكثير من المناطق الساخنة في العالم، وهو ما قد يكون موضوعا يستحق التوقف عنده طويلا.



استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.


خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)
TT

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، التي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والحفاظ على حقوق الصحافيين، وسرّية المصادر التي يستقون منها معلوماتهم.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبي»، أو إبعاده عن مساره التأسيسي، أو التأثير في مجرى أحداثه السياسية والاجتماعية، خدمة لتوجّه جيوسياسي معيّن. وفي هذا السبيل، باتت تستعين - بشكل أساسي لتحقيق أهدافها - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، وما طرأ عليها من تطوّرات هائلة توّجها أخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية.

تدخلات واختراقات... روسية وأميركية

وحقاً، تفيد دراسات عدة، وضعتها أجهزة «الاتحاد الأوروبي» ومؤسّسات خاصة في الدول الأعضاء، بأن معظم البلدان الأوروبية تتعرّض منذ سنوات لاختراقات ممنهجة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الرقمية والمواقع الشبكية الوهمية. وتهدف هذه الاختراقات إلى نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو التحريض على اضطرابات، وأحياناً لزعزعة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء قسم كبير من هذه التدخلات والاختراقات. وأيضاً تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك «المحافظين الجدد»، عن طريق التمويل المموّه لمؤسسات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كلياً أو جزئياً.

ويستفاد من دراسةٍ وضعها «المركز الأوروبي لخدمات وسائل الإعلام» التابع لمفوضية «الاتحاد» أن التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلدان الأعضاء، وخاصة بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات، والحرب في غزة، أحدثت تغييراً ملحوظاً في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على السواء. وكذلك، فإن «ظاهرة ترمب» باتت تلعب دوراً كبيراً في هذا التغيير، نظراً للحضور الإعلامي الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترمب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية.

فيرهيين (آ ف ب)

صعود التطرف

ومع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات التي يتعرّض لها المشهد الإعلامي الأوروبي، مثل صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصماً لـ«الاتحاد الأوروبي»، شرع «الاتحاد» في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية في وجه التدخلات، وتعزيز شفافية مصادر تمويلها، وضمان صدقية المعلومات والأخبار التي تنشرها.

وبعد سلسلة من المشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء، ومناقشات مديدة في البرلمان الأوروبي، دخلت الخطة حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام».

في أول تعليقات لها حول النقاش الذي دار في البرلمان الأوروبي حول القانون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية، متجاهلة المخاطر المُحدقة التي تتعرّض لها المنظومة الإعلامية الأوروبية منذ سنوات، والوسائل التي يستخدمها خصوم المشروع الأوروبي من أجل الانقضاض عليه وتقويضه عبر المنصات الرقمية التي أصبحت المنافس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار التي لا تصبّ في مصلحة القوى والتيارات السياسية التي تقف وراءها.

من ناحية أخرى، قالت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، خلال تقديمها مشروع القانون أمام البرلمان الأوروبي: «الهدف من هذا القانون، الذي يُعدّ التشريع الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم على بيّنة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها».

ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هذا القانون الذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد:

- تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي.

- إلزامها الشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الناجمة عن الإعلانات الرسمية.

- فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الكبرى في تعاطيها مع المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

- حماية مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها.

- متابعة أداء الوسائل الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية.

- حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم.

بعض الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أبدت اعتراضاً شديداً على عدد كبير من أحكام هذا القانون، وحاولت عرقلة إقراره في البرلمان. ومعروف عن هذه القوى أنها تقود حملة ممنهجة على ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخبار الموثوقة والموضوعية.

ومن جهة أخرى، يقول كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لوسائل الإعلام، التي ما زالت تجهد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات التواصل الرقمية». ويلاحظ أن المناظرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعلام الأوروبية، تتراجع باستمرار أمام الإقبال الكبير على المنصّات الرقمية التي تروّج للآراء والمعلومات المجهّزة بعناية، من غير إتاحة المجال للنقاش أو الجدال.

خطر إدمان المحتويات

وينبّه آغيلار إلى أن الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية تكمن في الإدمان على محتوياتها، التي تولدها خوارزميات متطورة جداً، وأنه من المستحيل في الوقت الراهن التصدي لها بسبب جهل هذه الخوارزميات أو تعذّر الحصول عليها، وهذا أمر يشكّل أحد محاور الجدل الكبرى بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط على الأوروبيين، بفرض مزيد من الرسوم الجمركية والتهديد بعواقب أخرى، لمنعهم من إخضاع المنصات الرقمية الكبرى لضوابط الاتحاد وقواعده التجارية والأخلاقية.

في المقابل، أشدّ المدافعين عن هذا القانون الأوروبي الجديد كانت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والدنمارك، التي حذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية في تشكيل الرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد».

ويلاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الديمقراطي السويدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حملة انتخابية لم يحصل خلالها سوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم تتجاوز 5 في المائة، فيما لم يكن يكفّ عن مهاجمة تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن.

أيضاً، من أهم المستجدات في هذا القانون «سجلّ الشفافية» الذي يُلزم جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمواقع الرقمية، بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها من الإعلانات الرسمية والخاصة. ويلحظ عقوبات مالية وتشغيلية في حق تلك التي تتخلّف عن ذلك، أو تتلاعب بالمعلومات التي تقدمها.

ومن الأدوات التي يستحدثها القانون «تشات يوروب» (Chat Europe)، وهي منصة رقمية جديدة مخصّصة لعرض الأحداث الأوروبية وشرحها بواسطة مواد صحافية تقليدية، و«تشات بوت» (chatbot) مولّد بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتغذّي هذه المنصة تحقيقات وتحليلات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية في هذا المشروع الذي تتولى تنسيقه وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ويهدف إلى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجهزة الأوروبية ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية.


«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
TT

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين.

وذكرت «يوتيوب» أن هذا المسار سيضمن حقوق الطرفين، ويعزز الوصول إلى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من التورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضرّ بعلامتهم.

يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شراكات منشئي المحتوى»، من خلال عرض فرص التعاون المحتملة على العلامات التجارية بناءً على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمؤهلة التي ينشرها المنشئون، مؤسسات أو أفراد. وفي المقابل، يعمل «مركز شراكات المنشئين» على تجميع فرص المحتوى المدعوم كافة والمشاريع الجاري تنفيذها في منصة واحدة للمنشئ.

خبراء حاورتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن المنصة تتيح فرصاً جديدة أمام الناشرين، من خلال تسهيل التواصل مع المعلنين الباحثين عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح.

وأفاد حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، قال إن «يوتيوب» بشكل عام، ومن قبل هذه الخطوة، تدعم المحتوى الطويل على حساب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضح. أما إذا تكلمنا عن المحتوى الإخباري، مثلاً، فـ(يوتيوب) تدعم بقوة المحتوى الذي يناقش الأخبار، أكثر من الأخبار ذاتها كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً».

في سياق متصل، وفقاً لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهذه التوصيات ستقدم للعلامات التجارية مقترحات عن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مدى ملاءمة المحتوى للعلامة، بحيث لا تقع في فخ التزييف أو المحتوى العنيف الذي قد يضر باسم الجهة المعلنة».وهنا تعليقاً على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي بالتمييز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يلعب دوراً في تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل». وأوضح: «مثلاً يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والتزييف العميق إلى حد ما، لأنه الآن بات متاحاً من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي».

غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ سنوات، لا سيما وأن بعض الفيديوهات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوماً عدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى».

من جهة أخرى، عدّ الشولي أن «يوتيوب» تعد من أفضل الفرص لصُناع المحتوى القيم مثل المؤسسات الصحافية، وتابع: «على مدار السنوات وتغير المنصات، أثبتت (يوتيوب) أنها المنافس الأول في عالم الفيديوهات، فهي لا تدخل فقّاعات الترند إلا بحذر، فمع تصاعد نجم (سناب شات) ومن ثم (إنستغرام) وأخيراً (تيك توك)، بقيت (يوتيوب) في الصدارة ومع الوقت والسنوات الأخيرة عاد الجمهور إلى (يوتيوب) بكثافة أكبر، وهذا دليل على أهمية المحتوى الأصيل. ثم أن طول الفيديو، بحسب محتواه، أثبت أنه من عوامل نجاح القصص، ولهذا اعتقد أن استهلاك المحتوى سيبقى متصاعداً في (يوتيوب) ومُلهماً لصُناع المحتوى الأصيل والطويل معاً حتى يتغير شكل صناعة المحتوى الرقمي كلياً وننتقل مستقبلاً إلى الفيديوهات تحت الطلب VOD».

«يوتيوب» أوضحت من جانبها أن «المنصة الجديدة ستتضمن تحسين مطابقة الصفقات والتواصل، حيث سيتمكن المنشؤون المشاركون في برنامج (شركاء يوتيوب) من تلقي اتصالات مباشرة من العلامات التجارية بشأن فرص الصفقات المحتملة. كذلك سيتمكن المنشؤون من مشاركة بيانات القناة والجمهور مع المعلنين والعلامات التجارية ومنصات الطرف الثالث».

وفي هذا الجانب، قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «منصات التواصل الاجتماعي باتت تتبنى استراتيجيات جديدة تتجاوز مجرد ملاحقة الترند... وأن الاعتماد الكلي على المحتوى الرائج لم يعد نموذجاً ربحياً مستداماً في الوقت الراهن».

واستشهد رمزي بتقرير معهد «رويترز» للصحافة والإعلام الرقمي لعام 2026، الذي كشف عن تحولات جذرية في توجهات غرف الأخبار العالمية، إذ «أظهرت دراسة أن 82 في المائة من غرف الأخبار تعتزم زيادة استثماراتها وتركيزها على (الصحافة التوضيحية) التي تقدّم تحليلاً لما وراء الأحداث، بينما يخطط 72 في المائة منها لتعزيز الاهتمام بـ(القصص الإنسانية)».

ووفق رمزي فإن «تحديثات (يوتيوب) الأخيرة تأتي لتعزز مفهوم صناعة (المحتوى العميق) وربطه مباشرة بالمعلنين، مما سيخلق بيئة تدعم المحتوى المتخصص والأصيل، الذي لا يندثر بانتهاء الموجات الرائجة». وأشار إلى أن «المنظومة الإعلامية هذا العام تشهد تكاملاً بين صُناع المحتوى، والمنصات التقنية نحو إنتاج محتوى رصين يحقق القيمة المهنية والاستدامة الاقتصادية في آن واحد».