قادة القارة السمراء يتضامنون لفرض أجندة أفريقية للتنمية وتعزيز مصادر التمويل

مصادر دبلوماسية لـ {الشرق الأوسط}: اجتماعات فنية قريبًا لتشكيل قوة تدخل سريع بشمال أفريقيا

صورة جماعية للقادة والمسؤولين الأفارقة المشاركين في افتتاح أعمال الدورة الـ26 للقمة الأفريقية العادية التي انعقدت في أديس أبابا أمس (أ.ف.ب)
صورة جماعية للقادة والمسؤولين الأفارقة المشاركين في افتتاح أعمال الدورة الـ26 للقمة الأفريقية العادية التي انعقدت في أديس أبابا أمس (أ.ف.ب)
TT

قادة القارة السمراء يتضامنون لفرض أجندة أفريقية للتنمية وتعزيز مصادر التمويل

صورة جماعية للقادة والمسؤولين الأفارقة المشاركين في افتتاح أعمال الدورة الـ26 للقمة الأفريقية العادية التي انعقدت في أديس أبابا أمس (أ.ف.ب)
صورة جماعية للقادة والمسؤولين الأفارقة المشاركين في افتتاح أعمال الدورة الـ26 للقمة الأفريقية العادية التي انعقدت في أديس أبابا أمس (أ.ف.ب)

قالت مصادر دبلوماسية مصرية مطلعة إن اجتماعات ستعقد خلال الأيام المقبلة لبحث التفاصيل الفنية لتشكيل قوات تدخل سريع في شمال أفريقيا، بعد أن توافق الزعماء الأفارقة من حيث المبدأ على تشكيل القوة خلال اجتماعات مجلس الأمن والسلم الأفريقي المنعقدة على هامش أعمال الدورة الـ26 للقمة الأفريقية العادية التي افتتحت أمس في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.
ودعا قادة الدول الأفريقية، خلال افتتاح أعمال قمتهم، إلى التضامن من أجل فرض أجندة داخلية للتنمية في القارة، وتعزيز مصادر التمويل الذاتي، درءا لأي مشروطية أو اعتبارات انتقائية ترتبط بتلقي تمويل خارجي. فيما شن رئيس زيمبابوي روبرت موغابي، رئيس الدورة السابقة للاتحاد الأفريقي، هجوما حادا على أمين عام الأمم المتحدة والرئيس الأميركي باراك أوباما والدول الغربية.
وقالت المصادر الدبلوماسية إن القوة العسكرية لشمال أفريقيا ستكون معنية بالتدخل السريع لمكافحة الإرهاب، خاصة في ظل انتشار التنظيمات المتطرفة في دول المغرب العربي، ومخاوف من توسيع قواعدها في ليبيا وتونس ومن ثم إلى مصر. وأكدت المصادر أنه تم الاتفاق من حيث المبدأ على تشكيل هذه القوة خلال اجتماع مجلس الأمن والسلم الأفريقي، مشيرا إلى أن الأيام المقبلة سوف تشهد اجتماعات فنية لوضع التفاصيل العسكرية الكاملة لهذه القوة.
ورفض المصدر التعليق على ما إذا كانت هذه القوة سوف تستخدم ضد تنظيم داعش في ليبيا أم لا، مؤكدا حرص دول الجوار وفي مقدمتها مصر على التمسك بالحل السياسي في ليبيا ودعم القوات المسلحة الليبية كي تتمكن من مكافحة الإرهاب وضبط الأمن في المواقع الحيوية والاستراتيجية.
وكان سفير مصر لدى إثيوبيا، أبو بكر حفني، قد أعلن أمس عن تولي بلاده قيادة ملف تشكيل «قوة عسكرية» في شمال أفريقيا. وقال في تصريحات صحافية نقلتها الوكالة الرسمية المصرية إن «مصر تولت قيادة ملف القوة العسكرية في شمال أفريقيا»، مضيفا أن «هذه القيادة تأتي في إطار الجهود الرامية لإنشاء قوة عسكرية أفريقية مشتركة للحفاظ على السلم والأمن في أفريقيا».
وأشارت الوكالة المصرية إلى أن «اللواء محسن الشاذلي، مساعد وزير الدفاع المصري، تولى هذا الملف المهم الذي يمثل لبنة مهمة في تشكيل القوة العسكرية الأفريقية». ولم يكشف الدبلوماسي المصري أي تفاصيل حول طبيعة القوة العسكرية المزمَع تكوينها، ولا عدد أفرادها أو مقرها أو قيادتها.
وتناقش القمة الأفريقية، التي افتتحت أمس وتنعقد على مدار يومين، قضيتي «الحوكمة والانتخابات»، و«تمويل الاتحاد الأفريقي»، كمحورين رئيسيين، بالإضافة لتعزيز مسار حقوق الإنسان في القارة، وسبل مكافحة الإرهاب.
وفي كلمته عقب توليه رئاسة الاتحاد في دورته الحالية، قال الرئيس التشادي إدريس ديبي إن «التغير يجب أن يأتي من داخل القارة وألا يفرض عليها من العالم الخارجي»، مشددا على ضرورة تمويل البرامج والمشروعات التي تطرحها الرؤية الاستراتيجية لتنمية القارة التي تتبناها القمة من داخليا، وعدم الاعتماد على التمويل الخارجي.
وحث ديبي على إزالة الحواجز المفروضة بين الدول الأفريقية من أجل حرية التنقل، وتوفير الدعم المناسب في إطار السعي لرفع مستوى الحياة لشعوب القارة، مشددا على أن إعادة هيكلة الاتحاد الأفريقي باتت أمرا ملحا يجب الإسراع في تحقيقه. وتعهد ببذل قصار جهده من أجل تحقيق هذا الإصلاح وتحقيق الهيكلة المطلوبة للاتحاد.
من جانبه، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في الجلسة المغلقة للقمة أهمية بحث سُبل زيادة الموارد المتاحة لتنفيذ البرامج والمشروعات الطموحة التي أقرتها القمم المتعاقبة على نحو مستدام، أخذا في الاعتبار البدء في تنفيذ «أجندة 2026»، باعتبارها الرؤية الاستراتيجية لتحقيق التنمية الشاملة في القارة الأفريقية، فضلا عن ضرورة تفعيل ما أقرته القمم السابقة من تعزيز مساهمة الدول الأعضاء في تمويل أنشطة الاتحاد بشكل تدريجي بهدف تغطية كامل الميزانية التشغيلية وزيادة نسب مساهماتها المخصصة لتغطية الميزانية البرامجية وميزانية حفظ السلام، وذلك تفعيلا لمبدأ «الملكية الأفريقية»، والتزاما بمسؤولية أبناء القارة أنفسهم عن مستقبلهم ودرءا لأي مشروطية أو اعتبارات انتقائية ترتبط بتلقي تمويل خارجي، وما قد يترتب على ذلك من الافتئات على أحقية القارة في صياغة أولوياتها وتحديد الغايات التي تسعى لتحقيقها.
ونوه الرئيس المصري كذلك بأهمية بحث سبل تفعيل آليات مصادر التمويل البديلة، مع مراعاة المرونة اللازمة بحيث تختار كل دولة الآلية الملائمة لها وفقا لظروفها وقوانينها وأنظمتها الداخلية، مع التزام الدول الأعضاء بسداد مساهماتها في الآجال الزمنية المقررة، بما يتيح للمفوضية الموارد اللازمة للاضطلاع بمسؤولياتها. كما أشار الرئيس إلى ضرورة تعزيز مساهمات الدول الأفريقية في تمويل أنشطة الاتحاد، مشيرا إلى ضرورة مواءمة السياسات والتوجهات الخاصة بالشركاء مع أولويات القارة واحتياجاتها.
وفي كلمتها، أكدت رئيسة مفوضية الاتحاد الأفريقي نكوسازانا دلاميني زوما، خلال جلسة افتتاح القمة، أن الاتحاد يسعى إلى تحقيق متطلبات الشعوب الأفريقية في برنامج تنمية القارة 2026، مشيرة إلى أن الاتحاد يدعم كل المساهمين في الانخراط في هذا البرنامج الذي حدده الاتحاد لتحقيق تطلعات القارة السمراء.
وجددت زوما التزام الاتحاد الأفريقي باتفاق باريس بشأن الحد من التغيرات المناخية، وقالت إن أفريقيا أظهرت أنها تتحمل المسؤولية للحفاظ على كوكب الأرض، مضيفة أن الاتحاد الأفريقي يسرع الخطى لاستعمال الطاقات المتجددة حتى يضمن تجنب حدوث كوارث طبيعية.
وشددت رئيسة مفوضية الاتحاد الأفريقي على ضرورة وضع حقوق الإنسان في أولوية دول الاتحاد الأفريقي، وكذلك حق شعوب القارة في الحصول على الغذاء والرعاية الصحية والوظائف والتعليم والطاقة، وأيضا حقهم في السلام. وتعقد القمة الأفريقية التي من المقرر أن تستمر لمدة يومين، تحت شعار «2016.. عام حقوق الإنسان مع التركيز على حقوق المرأة».
من جهته، أشاد بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، خلال كلمته أمام القمة، بالجهود الكبيرة التي قام بها الاتحاد الأفريقي في مسيرته نحو السلام، معربا عن امتنانه بتركيز القمة الحالية قضية على حقوق الإنسان بالإضافة إلى حقوق النساء، مشيرا إلى أن حقوق الإنسان مهمة من أجل السلام والأمن ومكافحة التشدد العنيف وتشجيع التنمية المستدامة.
وغرد رئيس زيمبابوي روبرت موغابي، رئيس الدورة السابقة للاتحاد الأفريقي، خارج السرب، موجها انتقادات حادة لكل من الأمين العام للأمم المتحدة والرئيس الأميركي باراك أوباما والغرب. وقال موغابي، في كلمته، إن بان كي مون يتحدث عن حقوق الإنسان وحرية الشعوب في تقرير مصيرها، ولا يزال يتحدث لمحمود عباس (الذي شارك في وقائع جلسة أمس) باعتباره رئيس السلطة الفلسطينية، متسائلا: «متى نستمع إليك وأنت تقول له رئيس دولة فلسطين؟»، مشيرا إلى انتهاكات حقوق الإنسان التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين. وتابع: «يتحدث بان كي مون عن حقوق الإنسان ويترك الفلسطينيين يخضعون تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي، وتنتهك حقوقهم، وهو لا يحرك ساكنا».
وهاجم موغابي أيضا الولايات المتحدة بشدة، قائلا إنها لا تستحق أن تكون مقرا للمنظمة الدولية (في إشارة إلى الأمم المتحدة). واستعرض المعاملة السيئة التي يلقاها المهاجرون الأميركيون السود من قبل البيض، منتقدا الرئيس أوباما، قائلا إنه «يتكلم بلغتهم، ولا يعمل لصالح الأفارقة». واتهم موغابي الغرب بأنه يعمل على تغيير أنظمة الحكم في الدول الأفريقية تحت زعم حرية التعبير وتحقيق الديمقراطية.
وأكد موغابي على ضرورة محاربة الإرهاب في الدول الأفريقية، مشيدا بتوجه الأفارقة إلى إنشاء القوة العسكرية الأفريقية، لافتا إلى أنها عند اكتمال إنشائها ستسهم في تحقيق الاستقرار في القارة السمراء.
وألقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أب ومازن) كلمة خلال جلسة الافتتاح، أكد فيها أن حقوق الإنسان لها أولوية خاصة لدى جميع الدول الأفريقية، وهي جزء مهم من القضية الفلسطينية، مشددا على أهمية وضع حد للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. وأعرب الرئيس عباس عن سعادته لاعتبار القضية الفلسطينية من القضايا الأفريقية، مضيفا أن شعوب ودول الاتحاد الأفريقي التي عانت كثيرا من ويلات غياب الديمقراطية والتعددية سوف تشهد مستقبلا أفضل من خلال التعاون ومحاربة أي تمييز.
وطالب الرئيس الفلسطيني بعقد مؤتمر دولي للسلام لتفعيل المبادرة العربية وتطبيق حل الدولتين، معلنا ترحيب بلاده بالمبادرة الفرنسية بشأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية في حال فشل محادثات السلام، مطالبا المجتمع الدولي بتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني من بطش ممارسات الاحتلال الإسرائيلي.



29 قتيلاً في هجوم لـ«داعش» بشمال شرق نيجيريا

تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)
تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)
TT

29 قتيلاً في هجوم لـ«داعش» بشمال شرق نيجيريا

تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)
تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)

قتل مسلّحون 29 شخصاً على الأقل في ولاية أداماوا في شمال شرق نيجيريا على ما أفاد حاكمها، الاثنين، فيما روى سكّان محليون أن منفذي الهجوم استهدفوا شبّاناً كانوا متجمعين في ملعب لكرة القدم، فيما أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عن الهجوم.

وتشهد ولاية أداماوا الكثير من أعمال العنف التي يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية تُعرف باسم «قطاع الطرق»، بينما تعود أخرى إلى نزاعات على الأراضي.

وتفقّد الحاكم أحمدو أومارو فينتيري موقع هجوم، الأحد، وأكّد الناطق باسمه في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أن «29 شخصاً على الأقل قُتلوا في هجوم دموي على مجتمع غياكو في منطقة حكومة غومبي المحلية».

وقال أحد السكان المحليين ويُدعى فيليب أغابوس لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الهجوم وقع بعد ظهر الأحد عندما اجتمع عدد من أبناء المنطقة «في ملعب لكرة القدم في مجتمع غياكو، فهاجمهم متمردون دخلوا وهم يحملون أسلحة نارية وبدأوا إطلاق النار عشوائياً».

وأوضح جوشوا عثمان وهو من السكان أيضاً للوكالة الفرنسية، أن القتلى كانوا «من الشباب، بينهم بعض الفتيات اللواتي كنّ يشاهدن مباراة لكرة القدم». وأضاف: «أحرقوا أيضاً مواقع عبادة ومنازل ودراجات نارية».

ونقل مكتب الحاكم عن الزعيم المحلي أغري علي أن «المهاجمين تحرّكوا لساعات عدّة، وقتلوا عشرات السكان، وأحرقوا أماكن عبادة، ودمّروا ممتلكات من بينها دراجات نارية».


هدوء في مالي... واختفاء مريب للرئيس

جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)
جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)
TT

هدوء في مالي... واختفاء مريب للرئيس

جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)
جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)

عاد الهدوء إلى العاصمة المالية، باماكو، صباح أمس، بعد يومين من المواجهات العنيفة بين الجيش ومقاتلي تنظيم «القاعدة»، التي قُتل فيها وزير الدفاع، الجنرال ساديو كامارا، لكنّ اختفاء الرئيس أسيمي غويتا يثير كثيراً من الأسئلة، وتتضارب الروايات حول مصيره.

وأكدت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن غويتا كان موجوداً في إقامته داخل معسكر كاتي، الأكثر تحصيناً وحمايةً، حين تعرض للهجوم فجر السبت، على يد المئات من مقاتلي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لـ«القاعدة».

وقالت المصادر إن غويتا تمكَّن من مغادرة المعسكر بعد الهجوم، من دون أن يتعرض لأي أذى، وظل يتنقل ما بين مواقع مختلفة طيلة يوم السبت، وكان يسهم في قيادة التصدي للهجوم المباغت والقوي. ومنذ بدء الهجمات، لم يُسجل أي ظهور للجنرال غويتا، كما لم يوجه أي كلمة أو خطاب إلى الشعب.


أين اختفى رئيس مالي بعد الهجمات؟

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)
مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)
TT

أين اختفى رئيس مالي بعد الهجمات؟

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)
مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)

عاد الهدوء إلى العاصمة المالية، باماكو، صباح الاثنين، بعد يومين من المواجهات العنيفة بين الجيش ومقاتلي تنظيم «القاعدة»، التي قُتل فيها وزير الدفاع، الجنرال ساديو كامارا، ولكنّ اختفاء الرئيس أسيمي غويتا يثير كثيراً من الأسئلة، وتتضارب الروايات حول مصيره.

الرجلُ الذي يحكمُ مالي منذ 2020، خسر خلال الهجمات ذراعه اليمنى ووزير دفاعه، وسط اختفاء تام لرئيس المخابرات في ظل شائعات لم تتأكد حتى الآن حول مقتله في الهجمات، مما يعني أن المجلس العسكري تلقى ضربة موجعة ومفاجئة.

اللحظات الأولى

وأكدت مصادر موثوقة لـ«الشرق الأوسط» أن غويتا لم يسكن القصر الرئاسي أبداً منذ وصوله إلى الحكم قبل خمس سنوات، بل فضَّل الإقامة في معسكر «كاتي» الأكثر تحصيناً وحمايةً، والذي ظل لعقود مركز القرار العسكري ومنه انطلقت جميع الانقلابات في تاريخ البلاد.

بوتين يستقبل رئيس مالي خلال القمة الروسية - الأفريقية الثانية في «منتدى إكسبو 2023» (صفحة رئيس مالي على «إكس»)

وأكدت هذه المصادر أن غويتا كان موجوداً في إقامته داخل معسكر كاتي، حين تعرض للهجوم فجر السبت، على يد المئات من مقاتلي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لـ«القاعدة».

وقالت المصادر إن غويتا تمكَّن من مغادرة المعسكر بعد الهجوم، من دون أن يتعرض لأي أذى، وظل يتنقل ما بين مواقع مختلفة طيلة يوم السبت، وكان يسهم في قيادة التصدي للهجوم المباغت والقوي.

اختفاء تام

منذ بدء الهجمات، لم يُسجل أي ظهور للجنرال غويتا، كما لم يوجه أي كلمة أو خطاب إلى الشعب المالي، فيما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر أمني مالي أنه «نقل من كاتي السبت خلال النهار، وهو موجود في مكان آمن».

وكتب الصحافي المختص في الشأن الأفريقي، الخليل ولد اجدود، على منصة «إكس»: «نقلت مصادر موثوقة عن بعض معاوني الرئيس المالي أسيمي غويتا قولهم إنهم فشلوا، خلال محاولات متكررة، في استعادة التواصل معه، فيما يستمر الغموض بشأن مصيره ومستقبله السياسي».

وزير دفاع مالي الجنرال ساديو كامارا خلال اجتماع في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو 15 فبراير 2024 (أ.ف.ب)

وقال الصحافي: «الرئيس غويتا لجأ إلى قاعدة سامانكو، وهي منطقة تقع على بُعد نحو عشرين كيلومتراً جنوب غربي باماكو»، مشيراً إلى أنه «انتقل في ساعات السبت، الطويل والصعب، من موقع إلى آخر مع حمايته الشخصية التي تديرها شركة أمنية تركية».

وأضاف الصحافي أن غويتا «يفاوض الآن للحصول على مخرج آمن مع أسرته»، مؤكداً أنه «لم يعد يثق بالروس بعد اتفاقهم مع ممثلي (حركات تحرير أزواد) على خروج قواتهم من كيدال برعاية إقليمية، ولهذا تجنب اللجوء إلى قاعدة روسية يتركز فيها فيلق أفريقيا في المطار العسكري».

الوضع تحت السيطرة

في المقابل أكد أحمد مصطفى سنغاريه، وهو صحافي مالي موجود في العاصمة باماكو، أن الوضع في البلاد يسوده «هدوء مشوب بالحذر»، وقال في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إن «الجيش تمكَّن من السيطرة على الوضع، والقضاء على عدد كبير من الإرهابيين» المشاركين في الهجمات.

وأضاف سنغاريه: «شاهدنا السكان يجرّون جثث الإرهابيين في الساحات، كما ساعدوا الجيش على القبض على كثير منهم»، مشيراً إلى أن «الجيش المالي أحكم قبضته على الوضع الأمني في باماكو، حيث أُغلقت المحاور الرئيسية المؤدية إلى القواعد العسكرية والمؤسسات الرئيسية، وكانت باماكو مساء الأحد، أشبه ما تكون بمدينة عسكرية مغلقة».

دخان في أحد شوارع العاصمة المالية باماكو الأحد (أ.ف.ب)

وبخصوص اختفاء الرئيس غويتا، قال سنغاريه، إن ما يجري تداوله «مجرد شائعات ومبالغات»، مؤكداً أن انهيار نظام غويتا والعسكريين الذين يحكمون مالي منذ 2020 «مجرد أوهام يروج لها الإعلام المضاد، ونحن نتذكر أزمة البنزين حين روَّج الإعلام الغربي لسقوط وشيك للعاصمة باماكو، وهو ما لم يحدث».

وقال سنغاريه إن صمت الرئيس واختفاءه لا يحملان أي دلالة، مشيراً إلى أن «الجيش نشر بياناً لطمأنة المواطنين، أكد فيه أنه ماضٍ في بسط الأمن والاستقرار على كامل التراب الوطني، والقضاء على الإرهابيين والمفسدين أينما كانوا».

ورفض بشكل قاطع الحديث عن إمكانية تمرد داخل الجيش ضد غويتا، وقال: «الدولة تمر بصعوبات لكنها لا تصل إلى درجة تمرد أو سقوط وشيك للنظام أو الدولة»، مؤكداً أن «الشعب موالٍ للحكومة الحالية لأنه لا يرى حلاً ناجعاً أكثر من العسكريين الذين في الحكم اليوم، نظراً إلى النتائج الملموسة التي حققوها منذ وصولهم إلى مقاليد الحكم».

الحماية التركية

وتتحدث المصادر المحلية عن وجود الرئيس المالي تحت حماية وحدة عسكرية تركية تابعة لشركة «سادات» التي أبرمت عدة صفقات مع الحكومة المالية للحصول على مسيرات وتكنولوجيا قتالية متطورة، كما تتولى منذ سنوات تدريب وتأهيل الحرس الشخصي للرئيس غويتا.

الشركة التركية تأسست عام 2012 على يد الجنرال السابق عدنان تانري فيردي، المستشار العسكري السابق المقرب من رجب طيب أردوغان، وغالباً ما توصف بأنها أداة نفوذ لتركيا في منطقة الساحل، ويطلق عليها بعض الخبراء والمعارضين الأتراك لقب «فاغنر التركية».

جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)

ورغم التقارير الإعلامية المتكررة التي تتحدث عن تورط الشركة في أعمال عسكرية ميدانية في مالي والنيجر، فإن الشركة تنفي بشكل قاطع أي تورط عملياتي أو قتالي، وتؤكد أن نشاطها يقتصر على التدريب والاستشارات واللوجستيات، وسبق أن أصدرت بياناً كذَّبت فيه تقارير تداولها الإعلام الفرنسي.

كما لم يسبق أن صدر أي تأكيد رسمي من الحكومتين المالية أو التركية بخصوص أي دور للشركات التركية في تأمين شخصيات عسكرية أو سياسية مهمة في دولة مالي.

وأعلن «فيلق أفريقيا» وهو قوة شبه عسكرية خاضعة لسيطرة ​الكرملين، الاثنين، أن قواته انسحبت من بلدة كيدال في شمال مالي بعد اشتباكات عنيفة دارت هناك.

ونفذت «جبهة تحرير أزواد» وهي ‌جماعة متمردة ‌يهيمن عليها الطوارق، ​هجمات ‌متزامنة ⁠في ​أنحاء البلاد ⁠مطلع الأسبوع، بما في ذلك كيدال، بالتنسيق مع جماعة لها صلات بتنظيم «القاعدة في غرب أفريقيا».

وذكر فيلق أفريقيا، ⁠الذي يدعم الحكومة ‌المركزية ‌التي يقودها الجيش، في ​بيان، أن ‌قرار الانسحاب من كيدال ‌اتُّخذ بالتنسيق مع قيادات مالي.

وجاء في البيان، الذي نُشر على «تلغرام»: «وفقاً لقرار مشترك ‌مع قيادة جمهورية مالي، انسحبت وحدات فيلق أفريقيا ⁠التي ⁠كانت متمركزة وتشارك في القتال في مدينة كيدال من المنطقة مع أفراد جيش مالي... تم إجلاء الجنود الجرحى والعتاد الثقيل أولاً. ويواصل الأفراد تنفيذ مهمتهم القتالية الموكلة إليهم. ولا تزال الأوضاع ​في ​جمهورية مالي صعبة».