«سطوة» الحرس الثوري أبرز معوقات الاستثمار في إيران

وسط تساؤلات حول مدى قدرة طهران على جذب كثير من الاستثمارات الأجنبية

إيراني يحمل بإحدى يديه مائة دولار وما يعادلها في اليد الأخرى من الريالات الإيرانية (رويترز)
إيراني يحمل بإحدى يديه مائة دولار وما يعادلها في اليد الأخرى من الريالات الإيرانية (رويترز)
TT

«سطوة» الحرس الثوري أبرز معوقات الاستثمار في إيران

إيراني يحمل بإحدى يديه مائة دولار وما يعادلها في اليد الأخرى من الريالات الإيرانية (رويترز)
إيراني يحمل بإحدى يديه مائة دولار وما يعادلها في اليد الأخرى من الريالات الإيرانية (رويترز)

بعد أن توصلت إيران في 16 يناير (كانون الثاني) الحالي، إلى اتفاق مع القوى الغربية بشأن رفع العقوبات المفروضة على اقتصادها، أصبح السؤال الملح الآن هو ما إذا كانت إيران يُمكن أن ترقى إلى مستوى الدولة القادرة على جذب مزيد من الاستثمارات الخارجية والتغلب على مجموعة كبيرة من التحديات الهيكلية الكامنة أم لا.
فهناك سلسلة واسعة النطاق من المشكلات القائمة: ضعف حوكمة الشركات، وبيروقراطية مرهقة وغير فعالة، ومستويات عالية من التدخل السياسي وعدم وجود حماية للمستثمرين. وينصح الخبراء المستثمرين المحتملين للسوق الإيرانية، بأن يكونوا على علم بالمخاطر الإضافية التي من الممكن أن تحول دون إتمام استثماراتهم أو دون تحقيق الهدف المنشود منها، فهناك الخصخصة الفاشلة التي تم اتباعها منذ منتصف 2000، وإيران تنكشف على مستوى عالٍ من القروض المتعثرة في النظام المصرفي. كذلك لن يحصل البنك المركزي إلا على نسبة 30 في المائة، بما قيمة 32 مليار دولار من إجمالي 100 مليار دولار، من الأصول المجمدة لدى المصارف الغربية.
ورغم قرار رفع العقوبات، وارتفاع التوقعات بعودة العلاقات الاقتصادية بين إيران والدول الغربية باعتبار طهران صاحبة الفرص الاستثمارية الأفضل عالميًا، يرى فيليب نيكولز، أستاذ مشارك في الدراسات القانونية وأخلاقيات الأعمال بجامعة ديوك الأميركية، يقول: «هناك مخاوف السمعة الخاصة في التعامل مع إيران والتي من شأنها أن تقف عقبة أمام تحقيق جذب الاستثمارات المرجوة».
ويُضيف نيكولز، أنه منذ اقتحام السفارة الأميركية في طهران عام 1979 واحتجاز 52 رهينة لمدة 444 يومًا، حيث قطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، والمخاوف تتزايد من قبل الشركات العالمية للاستثمار في إيران، وبالتالي لا تزال الشركات الأميركية بحاجة إلى توخي الحذر من إمكانية أن تتخذ إيران مثل تلك الإجراءات في حال حدثت أي خلافات بشأن البرنامج النووي مستقبلا.
وبجانب التخوف من جانب السمعة السيئة، يقول أندريا بيرغر، وهو نائب مدير فريق السياسة النووية في معهد الخدمات الملكية المتحدة في لندن، إن هناك تخوفات تتعلق بمدى استعداد البنوك لإعادة إيران إلى النظام المالي العالمي. ويرى بيرغر، أنه رغم أن المؤسسات المالية حريصة على استغلال الفرص في إيران، فإن الطريق يبدو محفوفًا بالمخاطر ولا يزال الكثير حذرين من البيئة القانونية المعقدة في إيران. وينصح بيرغر الشركات بإعادة النظر في الاستثمار بالسوق الإيرانية، خاصة في ظل استمرار العقوبات المرتبطة بالصواريخ، والأسلحة، والإرهاب، وحقوق الإنسان، ناهيك بالأحكام التي تتجاوز الحدود الإقليمية التي تجعل عقوبات أميركية معينة قابلة للتطبيق في جميع أنحاء العالم.
ويزيد من تعقيد مناخ الاستثمار الإيراني مزيد من عبء الامتثال الكبير الذي يواجه المستثمرين الأجانب. وعلى الرغم من رفع العقوبات النووية، ستبقى إيران واحدة من البلدان الخاضعة للعقوبات الأشد وطأة في العالم. وفي طهران، ترتفع التكاليف المرتبطة بالإجراءات الاحترازية الصارمة، فضلا عن المخاطر القانونية والمالية المقدمة من قبل أي انتهاكات، ذلك إضافة إلى البيئة التشغيلية الصعبة بالفعل.
ويقول توربيورن سولتفيديت، رئيس وحدة تحليل المخاطر لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمؤسسة «Verisk Maplecroft»: «نظرًا لقبضة الحرس الثوري القوية على الاقتصاد، فكما يتم الاستعداد لتدفق الاستثمار إلى إيران، سيسعى الحرس الثوري وعدد من الكيانات شبه الحكومية لإنشاء مجموعة من الشركات الجديدة للتصدي للاستثمارات القادمة من الخارج، وعلى ما يبدو أن هؤلاء الأفراد والشركات منضمون للقائمة السوداء التي تحظرها أميركا».
واقتصاديًا يعوق انخفاض أسعار النفط وسوء الأداء الاقتصادي في إيران، من تشجيع جذب مزيد من الاستثمارات إلى السوق الإيرانية، كما أفادت صحيفة «ناشيونال إنتريست» الأميركية. وبرأي الصحيفة، يمثل سوء الأوضاع الاقتصادية في إيران ضربة أخرى ضدها، كما تصنف منظمة الشفافية الدولية إيران في المرتبة 136 من بين 175 دولة في مؤشر الفساد، وتأتي إيران أيضًا في مرتبة متقدمة على قائمة من الدول المشهورة بعمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وكدليل على سوء البيئة الاستثمارية في إيران، قدم صندوق النقد الدولي تقريرًا يشير لتوقعات غير متفائلة بشأن الاقتصاد الإيراني، حيث توقع في ديسمبر (كانون الأول) الماضي ألا يرتفع مؤشر نمو إجمالي الدخل القومي لعامي 2015/ 2016 عن نقطة الصفر، وأن تزيد نسبة البطالة نحو 1.5 في المائة، وأن تنخفض نسبة الصادرات بنسبة 10 في المائة، كما لفت الصندوق الأنظار للدين العام، ولفوضى في نظام المصارف الإيراني. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الجهود التي تبذلها الحكومة لتحسين بيئة الأعمال في إيران سوف يعوقها الحاجة لتهدئة المتشددين المعارضين للاتفاق النووي. وحتى الآن، لا يوجد مؤشر يذكر بأنه ستتم إزالة أي من تلك العقبات التي تعوق الإصلاح في الاستثمارات الأجنبية التي تشتد الحاجة إليها والتي سيطالب بها الكثير من المستثمرين كشرط مسبق للدخول.
وسبق أن أقرت الحكومة الإيرانية بأن هناك عددًا هائلا من القواعد التنظيمية يصل إلى 182 ألفًا، تقف في طريق التدفق السريع للاستثمارات الأجنبية إلى إيران، رغم رفع العقوبات، التي عزلتها لفترة طويلة عن التجارة العالمية. وجاء ذلك على لسان وزير الاقتصاد علي طيب نيا، الذي قال إن الحكومة تحاول «التخلص من القوانين التي تعوق الأعمال»، لكنه أقر بأن المهمة لن تكون يسيرة. وهناك تصريحات إيرانية قد تقف حائلا دون دخول مزيد من الاستثمارات إلى طهران، في أغسطس (آب) الماضي قال روحاني إن بلاده لن ترحب بالمستثمرين الأجانب، إلا إذا وظفوا عمالا محليين وجلبوا خبرات تكنولوجية ليظهر عزم الحكومة على حماية مصالح الشركات المحلية. لذلك من الممكن أن تتردد شركات أجنبية كثيرة في قبول التزامات طويلة الأجل في سوق ما زالت محفوفة بالمخاطر السياسية.
وقد تتمثل عقبة أخرى أمام المستثمرين في إجراء أقره الكونغرس الأميركي، الذي يمثل الجمهوريون فيه الأغلبية ويعارض الاتفاق النووي، وذلك لمنع من زاروا إيران أو يحملون جنسيتين إحداهما الإيرانية من السفر إلى الولايات المتحدة دون الحصول على تأشيرة مسبقة.
* الوحدة الاقتصادية
لـ«الشرق الأوسط»



قرار ترمب بشأن النفط الروسي يرفد خزينة الكرملين بمليارات الدولارات

العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
TT

قرار ترمب بشأن النفط الروسي يرفد خزينة الكرملين بمليارات الدولارات

العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، ودفعت بحلفاء واشنطن إلى التعبير عن قلقهم، اتخذت إدارة الرئيس دونالد ترمب قراراً برفع العقوبات عن النفط الروسي المنقول بحراً لمدة 30 يوماً. وبينما تسعى واشنطن من خلال هذا الإجراء إلى كبح جماح أسعار الطاقة التي اشتعلت بفعل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ترى روسيا في هذا القرار «اعترافاً» دولياً لا غنى عنه، في وقت تحذِّر فيه كييف وعواصم أوروبية من أن هذه التنازلات قد تمنح الكرملين شريان حياة مالياً لتمويل حربه في أوكرانيا.

روسيا تحتفي

تسود حالة من الابتهاج في موسكو، بعد قرار وزارة الخزانة الأميركية السماح لتجار الطاقة بشراء النفط الروسي المحمَّل بالفعل على الناقلات، دون الخوف من «العقوبات الثانوية». وقد اعتبر المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون للاستثمار والتعاون الاقتصادي، كيريل ديميترييف، أن الولايات المتحدة «أقرَّت أخيراً بالواقع»، مؤكداً أن سوق الطاقة العالمية لا يمكن أن تبقى مستقرة من دون النفط الروسي.

وفي رسالة عبر «تلغرام»، توقع ديميترييف أن يكون المزيد من تخفيف القيود «أمراً حتمياً» مع ازدياد أزمة الطاقة العالمية، رغم ما سماه «مقاومة بيروقراطية بروكسل».

معضلة التمويل

كانت العقوبات التي فرضتها واشنطن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على عملاقَي النفط الروسي: «روسنفت» و«لوك أويل»، قد أجبرت موسكو على البيع بخصومات تصل إلى 30 دولاراً للبرميل، ما أدى إلى تقلص إيراداتها بنسبة 40 في المائة في فبراير (شباط). لكن الحرب على إيران قلبت الموازين؛ إذ تضاعف سعر مزيج «أورال» الروسي ليصل إلى 80 دولاراً للبرميل، وهو ما منح موسكو إيرادات إضافية تقدر بـ150 مليون دولار يومياً. ويرى اقتصاديون أن هذه الأموال ستسمح لموسكو بموازنة ميزانيتها، وحتى البدء في تراكم الفوائض في «صندوق الثروة القومي»، مؤكداً أنه «في الصراع بين أميركا وإيران، بوتين هو الرابح الأكبر».

رافعة مضخة نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان الروسية (رويترز)

غضب أوروبي

واجه القرار الأميركي انتقادات حادة من حلفاء واشنطن؛ حيث حذَّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن هذا التنازل قد يمنح موسكو 10 مليارات دولار إضافية لتمويل الحرب، واصفاً ذلك بأنه «لا يساعد على تحقيق السلام».

ومن جانبه، أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس موقفاً حازماً بقوله: «نحن نؤمن بأن تخفيف العقوبات الآن، لأي سبب كان، هو أمر خاطئ».

في المقابل، دافع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن القرار، مؤيداً وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الذي زعم أن التأثير المالي على روسيا سيكون «محدوداً»؛ لأن معظم إيرادات الطاقة الروسية تُستمد من الضرائب عند نقطة الاستخراج، وليس من بيع الشحنات العالقة.

«توازن هش»

يرى الخبراء أن هذا القرار يهدد بتعميق الانقسامات داخل مجموعة السبع، ويخشون من أن تراهن روسيا على أن هذا الإجراء هو مجرد بداية لتفكيك نظام العقوبات بالكامل.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، تظل موسكو في موقف «توازن هش»؛ فهي تحاول الحفاظ على تحالفها مع إيران، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى تجنب أي صدام مع إدارة ترمب، آملة في لعب دور الوسيط في صراعات الشرق الأوسط، رغم أن مراقبين يرون أن فرص القيام بوساطة حقيقية تبدو ضئيلة للغاية في ظل الظروف الراهنة.

وبينما يتطلع الصقور في الكرملين إلى الفوضى التي قد تلي إغلاق مضيق هرمز، يبدو أن الكرملين يفضل حالياً عدم استفزاز البيت الأبيض، مفضلاً الاستفادة المالية من أزمة الطاقة العالمية على الانخراط المباشر في تصعيد قد ينهي قنوات الحوار مع واشنطن.


«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
TT

«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)

ذكرت شركة «هندالكو إندستريز» الهندية، أنها أوقفت إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب نقص الغاز في أعقاب انقطاع الإمدادات من الشرق الأوسط.

وأظهر إشعار أن الشركة المملوكة لمجموعة «أديتيا بيرلا» أعلنت حالة القوة القاهرة لجميع عملاء منتجات الألمنيوم المبثوق في 11 مارس (آذار)، حسبما ذكرت «رويترز» نقلاً عن إشعار ومصادر مطلعة.

ويستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية.

وتعاني الهند من أسوأ أزمة غاز منذ عقود، بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران؛ إذ خفضت الحكومة الإمدادات للصناعات، لتجنيب الأسر أي نقص في غاز الطهي.

وقالت الشركة في الإشعار: «اتخذت (هندالكو) وتواصل اتخاذ جميع الخطوات المعقولة للتخفيف من تأثير حالة القوة القاهرة».

وقال المصدران اللذان طلبا عدم الكشف عن هويتيهما لأنهما غير مخولين بالتحدث إلى وسائل الإعلام، إن مصاهر الألمنيوم التابعة لشركة «هندالكو» تواصل العمل بشكل طبيعي.


كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
TT

كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)

بينما تثير التوترات في الشرق الأوسط مخاوف عالمية من ركود اقتصادي، يبرز الدولار الأميركي استثناءً مثيراً للجدل؛ إذ أدت الصدمة الحالية في إمدادات الطاقة إلى ارتفاع قيمته بنحو 2.5 في المائة وفقاً لمؤشر الدولار؛ مما يضع العملة الأميركية في موقع المستفيد الأول من نيران الحروب. هذا الصعود، الذي قد يبدو للوهلة الأولى منافياً للمنطق في ظلِّ الأزمات، يرتكز على معادلة اقتصادية معقَّدة جعلت من «العملة الخضراء» ملاذاً إجبارياً في وجه العواصف.

الدولار عملة ملاذ... ومحرك للأسواق

في جوهر هذا الصعود، تبرز طبيعة الدولار بوصفه عملة ملاذ آمن لا يُنافَس في أسواق المال العالمية. ففي أوقات عدم اليقين، وتحديداً حينما تلوح مخاطر إغلاق ممرات حيوية، يبادر المستثمرون عالمياً إلى التخلص من الأصول عالية المخاطر والتحوط بالسيولة الدولارية. وبالتالي، فإن من شأن عقلية الحفاظ على النقد هذه أن تحول الدولار إلى وجهة إجبارية لأموال ذعرت من تقلبات الأسواق، مستمدةً قوتها من عمق النظام المالي الأميركي، وقدرته الفائقة على استيعاب الصدمات مقارنة بأي اقتصاد آخر.

رجل يسير على طول الشاطئ بينما تصطف ناقلات النفط وسفن الشحن في مضيق هرمز (أ.ب)

لكن القصة لا تقف عند حدود الملاذ الآمن النفسي، بل تمتد إلى طبيعة التجارة الدولية ذاتها. فالدولار يظلُّ العملة المرجعية لتسعير النفط والغاز عالمياً؛ ومع كل قفزة في أسعار الطاقة الناتجة عن الصراع، يرتفع تلقائياً حجم الطلب العالمي على العملة الأميركية، حيث تضطر الدول المستوردة للطاقة - مثل الاقتصادات الآسيوية والأوروبية - إلى زيادة مشترياتها من الدولار لتسوية فواتير استيرادها المرتفعة، مما يخلق ضغطاً شرائياً مستمراً يرفع من قيمة العملة الخضراء مقابل عملات تلك الدول التي تعاني أصلاً من استنزاف احتياطاتها.

لغز الذهب

في مقابل صعود الدولار، شهدت أسواق الذهب «لغزاً» مربكاً؛ إذ فشل المعدن الأصفر في استغلال الاضطراب الجيوسياسي لتعزيز مكاسبه. فبعد صعوده عقب بدء العمليات العسكرية مباشرة من 5296 دولاراً إلى 5423 دولاراً للأونصة، تعرَّض لعمليات بيع مكثفة هبطت بسعره إلى 5085 دولاراً.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

يوضح روس نورمان، الرئيس التنفيذي لـ «ميتالز دايلي» لشبكة «سي إن بي سي»، أن قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة سحبا البساط من تحت الذهب؛ فالمستثمرون باتوا يجدون في الأصول الأميركية ذات العائد جاذبية أكبر من الذهب غير المُدر للدخل في ظلِّ بيئة فائدة مرتفعة.

وأضاف نورمان أن ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى تضخم مطوّل وربما ارتفاع أسعار الفائدة، في ظلِّ سعي البنوك المركزية لاحتواء تداعيات إغلاق مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي للنفط والغاز.

وتميل أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة جاذبية الأصول ذات العوائد، مثل السندات الحكومية، مقارنةً بالمعادن النفيسة التي لا تدرّ عوائد، مثل الذهب.

وقال نورمان: «تبدو تحركات أسعار الذهب والفضة ضعيفة في الوقت الراهن، ولكن ربما يكون هذا هو الشعور الطبيعي بعد بعض التحركات الهائلة التي شهدناها خلال الأشهر القليلة الماضية».

يُعزى تفسير آخر إلى أنَّ النزاعات تُثير موجة بيع مذعورة بين المستثمرين، مما يُسبب «تدفقاً مفاجئاً» يُجبر المتداولين على بيع مراكزهم مع انخفاض الأسعار، وفقاً لعامر حلاوي، رئيس قسم الأبحاث في شركة «الرمز».

وأضاف، في حديثه لـ«سي إن بي سي»: «في حال حدوث أزمة سيولة، سيتم بيع كل شيء حتى يستوعب الناس الوضع، وتُعاد توجيه الاستثمارات نحو الأصول المناسبة».

الفائدة من بين أسباب ارتفاع الدولار

من جهتها، تستعرض «وكالة الصحافة الفرنسية» الأسباب الكامنة وراء صعود العملة الأميركية أمام منافساتها في ظلِّ هذه الظروف، ووفقاً للوكالة، يرتكز هذا الصعود على 3 ركائز:

  • السيولة والملاذ الآمن: يظل الدولار الوجهة الأولى للمستثمرين الباحثين عن ملاذ آمن عالي السيولة، حيث يظل العملة الأكثر تفضيلاً في التجارة الدولية واحتياطات المصارف المركزية.
  • الاستقلال الطاقي الأميركي: الولايات المتحدة بمنأى عن أزمة الإمدادات كونها المنتِج الأكبر للخام عالمياً، حيث لا تستورد سوى 8 في المائة فقط من احتياجاتها من الخليج، مقارنة بثلثي احتياجاتها من كندا. هذا يجعل الاقتصاد الأميركي مصدّراً صافياً للمنتجات النفطية والغاز، مما يعزِّز ميزانه التجاري ويمنح الدولار حصانة مقارنة بالعملات الأوروبية والآسيوية التي تتلقى ضربات أقوى نتيجة اعتمادها المفرط على نفط الخليج.
  • توقعات الفائدة: من شأن ارتفاع تكاليف الطاقة أن يغذي مخاوف التضخم، مما يضطر «الاحتياطي الفيدرالي» لإبطاء وتيرة خفض الفائدة، وهو ما يعزِّز جاذبية الدولار على حساب الأصول الأخرى.
مضخة نفط في حقل مهجور شمال إسبانيا (أ.ف.ب)

بين سياسة ترمب وواقع الحرب

هذه التطورات تتعارض مع أهداف إدارة ترمب التي تعهَّدت بخفض أسعار الغاز ودعم صادرات «دولار ضعيف». وفي هذا السياق، أكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في نهاية يناير (كانون الثاني) 2026 تمسك الإدارة بـ «سياسة الدولار القوي»، موضحاً أن جوهر هذه السياسة يكمن في تهيئة بيئة اقتصادية داعمة للنمو عبر سياسات ضريبية وتجارية وتنظيمية تجعل من الولايات المتحدة أفضل وجهة لرأس المال في العالم، وذلك رغم التذبذبات الأخيرة في قيمة العملة.

يسير الناس قرب الأراضي الزراعية المجاورة لحقل الزبير النفطي في البصرة بالعراق (رويترز)

وفي الوقت الذي يرى فيه خبراء أن آراء الإدارة تبدو «متخبطة»؛ بسبب التناقض بين تصريحات ترمب المرحبة بضعف الدولار وسياسات بيسنت، تحذِّر المحللة المالية كاثلين بروكس من أن جاذبية الدولار قد تتضاءل إذا تفاقم العجز في الموازنة الأميركية نتيجة الإنفاق العسكري المتوقع للأشهر المقبلة، مما يضع الإدارة أمام معضلة حقيقية في إدارة التوازن بين القوة الاقتصادية والواقع الجيوسياسي.