العراق: دعوات لمراجعة سياسة الحكومة في الصناعة النفطية

مع تهاوي أسعار الخام الذي أضر بمالية البلاد

العراق: دعوات لمراجعة سياسة الحكومة في الصناعة النفطية
TT

العراق: دعوات لمراجعة سياسة الحكومة في الصناعة النفطية

العراق: دعوات لمراجعة سياسة الحكومة في الصناعة النفطية

تضاربت آراء الكثير من السياسيين والبرلمانيين العراقيين في الآونة الأخيرة مع مواقف المسؤولين الحكوميين، بشأن ملف النفط والغاز، فيما أكد خبراء في مجال الاقتصاد والطاقة،أإن إدارة هذا الملف، والسياسة التي تتبعها الحكومة في مجال الصناعة النفطية، بحاجة إلى مراجعة شاملة مع تراجع أسعار الخام، الذي أضر بمالية البلاد.
بعض المسؤولين العراقيين والبرلمانيين، ينتقدون الآن جولات التراخيص، ويطالبون بإعادة التفاوض بشأنها، ويشيرون إلى أن الجولات والعقود، اتصفت بالعجالة، وغياب الكثير من عناصر التخطيط المسبق.
في المقابل، وزير النفط الحالي، عادل عبد المهدي، دافع عن جولات التراخيص، وعن العقود التي تمخضت عنها، مشيرا إلى أن العراق حصل على عوائد وصلت إلى 340 مليار دولار بموجب إنتاج العقود مع الشركات، وأن العراق دفع للشركات 34 مليارا فقط أو 10 في المائة من مجمل العوائد.
كما نجد أيضا من يكتب أن شركات النفط العالمية، العاملة في العراق، تواجه صعوبات كبيرة، في التعامل مع جهاز إداري عراقي بيروقراطي، يعاني من حالات انعدام الشفافية، والمزايدات الحزبية، فضلا عن المصاعب التي تواجهها بسبب قدم البنى التحتية وعدم كفاءتها، وتخلفها عن استيعاب التطور الحاصل في صناعة النفط.
أما المواطن العراقي، فهو يشكو من أزمة في الطاقة، بينما يرى أن بلاده تجهز العالم بها، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار، أن العراق يملك أحد أكبر حقول النفط العملاقة في العالم!! ونقصد هنا حقل الرميلة، الذي يقع على بعد 50 كم غرب مدينة البصرة، والذي تشير التقديرات إلى أن هناك نحو 17 مليار برميل من النفط القابل للاستخراج في مكامن هذا الحقل.
ويعود تاريخ حقل الرميلة، بوصفه حقلا مُنتجا للنفط، إلى عام 1953 حين تم اكتشاف النفط من قبل شركة بترول العراق. وقد شكل هذا الحقل العملاق مصدرًا أساسيًا للدخل والطاقة للعراق لمدة تزيد على 60 عامًا.
بدأت عملية إنتاج النفط تجاريًا في حقل الرميلة عام 1954، وقد ارتفع الإنتاج خلال العقود اللاحقة، ليصل إلى أعلى معدل، في عام 1979، حيث وصل إلى 1.75 مليون برميل في اليوم، وبمتوسط إنتاج يومي في العام ذاته بلغ 1.5 مليون برميل.
إلا أن سنوات حكم صدام أفضت إلى حصار دمر الاقتصاد العراقي، وأدى إلى انخفاض معدلات الإنتاج بشكل متواصل، بحيث نادرا ما كان يصل معدل إنتاج النفط في العراق، خلال تلك الفترة، إلى أكثر من مليون برميل يوميًا، فضلا عن قدم المعدات التي كانت تستخدم في حقل الرميلة، والتي مر عليها أكثر من ستين عاما.
أدركت الحكومات المتعاقبة، منذ الإطاحة بالنظام السابق، أهمية النهوض بإمكانيات حقل الرميلة، لذلك قامت وزارة النفط، عام 2009، بإبرام عقد خدمة فنية مدته 20 عامًا، بين شركة نفط الجنوب (SOC) وشركة BP (بي بي) البريطانية العالمية، وشركة بتروتشاينا الصينية، وشركة تسويق النفط العراقية، وذلك بهدف زيادة الإنتاج، وتحديث جميع أوجه العمل في حقل الرميلة العملاق.
ومنذ ذلك الوقت، تم تحقيق الكثير من المنجزات الفعلية على أرض الواقع، وبدأ الإنتاج في الازدياد مرة أخرى. وكانت النتائج الإيجابية قد دفعت الحكومة والشركات العالمية، عام 2014، إلى تمديد عقد الخدمة الفنية لمدة خمس سنوات إضافية، وتم الاتفاق على إنتاج ذروة مستقر قدره 2.1 مليون برميل يتم الوصول إليه بحلول عام 2020.
وبالتالي سيكون لتمديد عقد الخدمات الفنية لحقل الرميلة لغاية 2034، أثره الهام في عمل الشركات الأجنبية على تطوير البنية التحتية للحقل، وتهيئته لإنتاج أعلى، على المدى البعيد.
وقد قال الخبير الاقتصادي الدكتور حسام العزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «إن استعانة الدولة، بشركات النفط العالمية، مثل BP وبتروتشاينا، لتطوير حقل الرميلة، هو دليل واضح على عزم الدولة، في النهوض بهذه الصناعة. فتلك الشركات معروفة بإمكانياتها الرائدة في مجال استكشاف النفط واستخراجه، فضلا عن الابتكارات التكنولوجية والهندسية التي بلغت حدودا فائقة في التطور، فشركة BP، التي تملك خبرة تزيد على المائة عام في مجال النفط، تتمتع بسمعة عالمية، وإمكانيات واسعة، مكنتها من تطوير إنتاج النفط في حقول عملاقة مماثلة، مثلا حقل برودو باي في ألاسكا، وحقل تنجيز في كازاخستان، بالإضافة إلى اكتشاف النفط في أبوظبي عام 1958. كما كانت شركة BP الأولى في استكشاف النفط وإنتاجه في العراق، لعقودٍ كثيرة خلت، والكثير من خبراء النفط والطاقة أشاروا إلى أن ما يميز عمليات شركة بي بي، هو قدراتها المتكاملة في الاستكشاف والإنتاج والتكرير والتسويق، إضافة إلى امتلاكها تقنيات رائدة في هذا المجال، وقدرتها على توسيع وإدارة عمليات بمستويات عالمية، وكذلك الحال بالنسبة إلى شركة بتروتشاينا (CNPC - شركة النفط الوطنية الصينية) وهي من أكبر الشركات الصينية في قطاع النفط والغاز، وكانت تُعد في عام 2009 أكبر شركة في العالم بقيمة سوقية بلغت 336 مليار جنيه إسترليني. وتشمل أعمال شركة بتروتشاينا عمليات الاستكشاف والتطوير والإنتاج والتسويق والتكرير والنقل والتخزين».
وأضاف العزاوي: «في عام 2010 وبعد المباشرة بتنفيذ عقد الخدمات الفنية لحقل الرميلة المنتج، تم تحقيق تقدم كبير على أرض الواقع، حيث تمت زيادة معدل الإنتاج اليومي من 1.06 إلى 1.2 مليون برميل يوميًا، بحلول عام 2010. وقد غيّر ذلك الانحسار في الإنتاج (حيث كانت نسبة التراجع قد وصلت إلى نحو 5 في المائة سنويًا في السنوات السابقة) وكان ذلك دليلا على إمكانية زيادة الإنتاج في حقل الرميلة، على المدى القريب والبعيد. وهو إنجاز كبير بكل المقاييس بالنظر إلى الحالة المتدنية التي كان عليها الجزء الأكبر من البنية التحتية للحقل في ذلك الوقت، ومنذ ذلك الحين، تم تحقيق مستويات عالية من الإنتاج، لم يسبق الوصول إليها منذ ثمانينات القرن الماضي، مع زيادة المعدل الإجمالي للإنتاج اليومي من النفط بنسبة أربعين في المائة عما كان عليه عام 2009. وأصبح حقل الرميلة يسهم بما يقرب من 33 في المائة من إنتاج النفط في العراق، وحسب إحصاءات شركة نفط الجنوب ووزارة النفط، فإن متوسط مستوى الإنتاج اليومي في الرميلة يبلغ نحو 1.35 مليون برميل يوميا، مما يجعل الرميلة أكبر الحقول المنتجة في العراق، وأحد أكبر ثلاثة حقول منتجة للنفط على مستوى العالم، فيما تشير التقارير والدراسات، إلى أنه بموجب التعديل الأخير على عقد الخدمات الفنية، الذي تم توقيعه من قبل شركة نفط الجنوب، وشركة بي بي، وشركة بتروتشاينا، وشركة تسويق النفط (سومو)، فمن المتوقع أن يصل الإنتاج المستهدف المستقر إلى 2.1 مليون برميل يوميًا. وهذا يمثل زيادة أخرى في الإنتاج الحالي بنسبة 55 في المائة، أي نحو 750 ألف برميل يوميًا، وتعمل الشركات العالمية، جنبا إلى جنب مع شركة غاز البصرة، من أجل مضاعفة إمدادات الغاز المصاحب، والتي تسهم بدورها في زيادة كمية الغاز المخصص للاستخدام المحلي، وفي عقود جولات التراخيص، التي اعتمدتها وزارة النفط العراقية، لسكان مدينة البصرة والمناطق المحلية القريبة من آبار النفط، نصيب وافر!! ولكن لدى مراجعة نصوص العقود، وجدنا أن على المقاول والمشغل الالتزام والمراعاة التامة للصحة والسلامة وحماية البيئة والحفاظ على الموارد الطبيعية، معتمدين لتحقيق ذلك أفضل الممارسات البترولية العالمية. كما يجب تجنب الإضرار بسبل المعيشة أو نوعية الحياة في المجتمعات المحيطة أو إفسادها، فضلا عن ذلك، فقد نصت العقود على ضرورة غرس مفاهيم الصحة والسلامة والبيئة بين كل الأفراد العاملين ضمن العمليات البترولية».
ويرى بعض المتابعين والمهتمين بهذا الشأن المشاريع التي تم العمل عليها في هذا الإطار، ومنها انطلاق الأعمال، قبل نحو شهرين، بإنشاء محطة جديدة للطاقة الكهربائية في حقل الرميلة النفطي، ومن المرتقب أن تدخل الخدمة الفعلية في عام 2017. وأن هذه المحطة سوف يتم تشغيلها بالغاز المُستخرج من مخزونات الحقل الهيدروكربونية، وأن إنتاج تلك المحطة سيربط بشكل مباشر مع شبكة الكهرباء الوطنية. ومن المقدر أن يوازي إنتاج المحطة من الطاقة ما يستهلكه نحو 23 ألف عائلة.
وفي الإطار ذاته، تأتي الخدمات التدريبية والتطويرية التي تقدمها أكاديمية الرميلة، للعاملين في الحقل من منتسبي شركة نفط الجنوب، حيث تم إنجاز أكثر من مليوني ساعة تدريب، علما بأن عدد الكادر العراقي العامل هناك يبلغ نحو 6,800 موظف.
بالإضافة إلى ذلك فإن سكان المناطق المحلية يستفيدون فعليا من ناحية الحصول على أعمال بسيطة مؤقتة، أو حصول مقاولين محليين على الكثير من العقود لتقديم خدمات ساندة، كما أن من جملة المشاريع التي تعنى بالبنية التحتية للمناطق المحيطة بالحقل، والتي تم تنفيذها، خدمة للمجتمعات المجاورة، تبليط شارع بطول 4 كيلومترات، وبناء عدة مراكز صحية، وترميم عدد من المدارس، بالإضافة إلى مشروع إسالة المياه للمناطق السكانية القربية من حقل الرميلة.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.