مُدركَات المعرفة في تكوين الملك سلمان الفكري

بعد عام من توليه مقاليد الحكم

مُدركَات المعرفة في تكوين الملك سلمان الفكري
TT

مُدركَات المعرفة في تكوين الملك سلمان الفكري

مُدركَات المعرفة في تكوين الملك سلمان الفكري

تسعى هذه الصفحات لاكتشاف السمات الفكرية في شخصية الملك سلمان بن عبد العزيز وتكوينه، باعتبارها مؤهّلات نوعيّة مُضافة في القدرات القيادية المُميّزة التي ينفرد بها القليل من الزعامات. ولعل في اختيار العنوان ما يبرز هذا المقصد، فالمُدركات - ومُفردتها مُدرَكة - تعني الدلالات والمؤشّرات، وكثيرا ما تستخدم في الجوانب الذهنية والتربوية والمعرفية ونحوها، وهي بالإنجليزية «the perception».

1 - وفي مدخل الحديث، لا بدّ من الإشارة إلى تلك القدرات الذهنية التي ورثها عن والديه، فما من شخصيّة سعودية معاصرة يستعيد المجتمع قسماتها الفكرية وأسطورة دهائها ومناوراتها وشيمها، وما حالف خطواتها من حظّ وتوفيق، مثل شخصيّة المؤسس (الملك عبد العزيز المولود عام 1293هـ - 1876م) الذي خرج من الكويت وهو في السادسة والعشرين ليكافح من أجل توحيد البلاد ثلاثة وخمسين عاما أخرى، قضى نصفها في كرّ وفرّ، والنصف الثاني في بناء وتنظيم، حتى إذا ما لمّ شتات الكيان الكبير أودعه - وهو في السابعة والسبعين من العمر - إلى أبنائه من بعده. وقد اكتسب كثير من أبنائه الستة والثلاثين معرفة عميقة بالأحداث التي مرّت بالدولة منذ قيامها قبل ثلاثة قرون، وإلماما شاملا بالمراحل الثلاث التي اجتازتها، وأصبحوا أكثر ما يكونون إحاطةً بجغرافيا الجزيرة وبحاضرتها وباديتها وبموروثها الأدبي وبتقاليدها، وبما يكون عليه الخيّالة حذقا بمهارة القنص والفروسية وفنون العرضات وإبداعاتها، وبالقدرات التي تُكتسب بالإرث والهواية والممارسة. ولقد تناول كثير من الباحثين المحليين والعرب والغرباء - ومنهم فيلبي والريحاني والزركلي والعقّاد ومحمد أسد وديكسون وآرمسترونغ وفاسيلييف - بعضا من ملامح شخصية الملك المؤسس وعلاقة أبنائه به، وروى بعض الأبناء - كالأمير طلال والملك سلمان - شيئا من ذكرياتهم معه، والأمل كبير في أن يهتم الملك سلمان بتسجيل ما تختزنه ذاكرة أبناء المؤسس وأحفاده والأسرة كافة من معلومات عن تلك الحقبة التاريخية المهمة التي عاشوها مع الملك المؤسس، خاصة أن الملك سلمان يحمل المسؤولية التوثيقية الأولى في البلاد.
وهكذا قُدِّر للابن الخامس والعشرين سلمان (المولود يوم 5 شوال 1354هـ - 31 ديسمبر/ كانون الأول، 1935م)، وكغيره من إخوته، أن يُقارب في أسلوب حياته وفي عاداته مدرسة والده، ويقترب من تاريخه المعيش والمروي والمدوّن، ويكتسب مهارة القيادة وهيبتها وإرث الاستحقاق للحكم من خلال فرص تراكميّة متنوّعة أُتيحت له عبر السنين، فكان يشترك معه بالاستعداد الفطري والشّبه في الملامح والعادات والتقاليد واللهجة والصوت، وهو أمر طبيعي بحكم الوراثة والبيئة التي نشأ فيها والتربية المتجانسة التي تلقّاها قريبا من والده، مما نتج عنه تقاربٌ في التكوين وتشابهٌ في نمط المعيشة وأسلوب الحياة. ولا يمكن لمن يرصد سيرة الملك سلمان وأشقائه وشقيقاته أن ينسى ما كانت والدتهم سارة بنت أحمد السديري، المعروفة بريادة العمل الخيري والإنساني، تضفيه عليهم من الرعاية والتربية والتنشئة الفاضلة، مما فصّلت فيه الدكتورة دلال بنت مخلد الحربي في كتابها «نساءٌ شهيرات من نجد» (1998).

2 - من أسس التكوين المعرفي والفكري عند الملك سلمان، يأتي الاستعداد الفطري للمعرفة، والقدرات الذهنية، والذكاء، والتحصيل العلمي الذي تلقّاه وإخوته في مدرسة الأمراء بإدارة الشيخ عبد الله خيّاط، ومعه الأساتذة أحمد علي أسد الله الكاظمي ومحمد صالح الخزامي ومحمد علي حمام، وغيرهم، فكان لذلك التعليم عميق التأثير في تكوينه العام، حيث كرّس في وجدان الأمير في صغره التعلّق بالمفاهيم الدينية وبتراث الدعوة في البيئة التي نشأ فيها، وهو ما سار عليه في كبره من حيث الاهتمام بتنشئة أولاده في ما بعد.

3- ثم تأتي تلك الفترة الطويلة التي تولّى فيها إمارة منطقة الرياض، فهو عندما توفي والده عام 1953 كان يشارف على العشرين، وقد سبقه عدد من إخوته الأكبر منه سنّا إلى تولّي بعض المسؤوليات الإدارية ومنها إمارة الرياض، فاختاره الأمير نايف في مطلع عهد الملك سعود (1953) لينوب عنه عند غيابه عن إمارة منطقة الرياض، وفي العام التالي تولّى رسميًّا مسؤوليتها من بعده في فترتين بينهما عامان؛ دامت الأولى خمسة أعوام، وأتمّ في الثانية عقودا خمسة، عاصر خلالها إخوانه الملوك الخمسة الذين سبقوه في الحكم.
المعروف أن الحاكم الإداري لمنطقة الرياض يمارس عمله اليومي في قصر الحكم وسط العاصمة (على ساحة الصفاة أو القصبة كما يُطلق عليها في التراثُ العربي)، وكان الملك المؤسس وأجداده الأقربون يسكنون في تلك المنطقة التاريخية المحاطة بسور، يديرون منها شؤون البلاد، وكانت الرياض قد اتخذها جده الإمام تركي عاصمةً للدولة السعودية الثانية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي بدلا من العاصمة التاريخية «الدرعية» التي دمّرها الأتراك سنة 1818، واستمر القصر حتى الآن يعرف بقصر الحكم، تُقام فيه المناسبات الوطنية الكبرى من بيعة أو معايدة أو عزاء أو نحوها. وإلى جوار قصر الحكم هذا يوجد الحصن التاريخي قصر المصمك الذي كان يستخدم سكنا للحاكم، ويعود بناؤه إلى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وتكمن شهرته في أن شعلة استعادة الرياض انطلقت منه عام 1902، ويُوظّف الآن معْلما تراثيّا وسياحيّا يحكي قصة فتح الرياض وقيام الدولة في حقبتها الثالثة المعاصرة، كما سُمي المسجد الرئيسي الكبير المرتبط بالقصر باسم مؤسس الرياض الإمام تركي (حفيد الإمام محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية). وقد جُدّدت هذه المنطقة التاريخية عام 1999 بمناسبة الذكرى المئويّة الأولى لتأسيس السعودية.
عاش سلمان طيلة فترة إمارته للرياض قصة «ولهٍ» قلّ أن يتكرر مثلها في مدن عالمية شبيهة، يُكرّس - من خلال شخصيّته وأسلوب إدارته ومثابرته على اللقاءات والمواعيد والزيارات والضيافات وعبر معرفة الأُسر والقبائل وفروع البادية وملازمة الزعماء - كثيرا من السمات التي كان يتبعها والده وإخوته في ممارسة الحكم، حتى أصبحت تطبيقاته تُذكّر بما كان يتمّ في ساحة قصر الحكم من بطولات، وكأن الزائر لهذه المنطقة التاريخية اليوم يشاهد فيلما تسجيليّا يروي قصص عقود مضت، يوم أن كانت الصفاة تعجّ بركائب الوافدين وبالتبادلات التجارية بين الأهالي، وقد وثّقت هيئة تطوير الرياض بصماته على العاصمة في كتاب صدر العام الماضي 2015م بعنوان «سلمان والرياض: عبق التاريخ».
في عام 2011 غادر سلمان منصبه الذي أحبّه، ليبدأ بعد أخيه سلطان التدرّج صعودا نحو المناصب الأكثر سياديّة، فأصبح نائبا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرا للدفاع، وقد ترك - كما سلف - وراءه روايةً لا تمّحي فصولها مع حبيبته «الرياض»، التي جاب عددا من العواصم ليعرض فيها تجربتها التنموية وليبحث عن مزيد من الأفكار لتطويرها، مُخلّفا لتخصص الإدارة المحلية والتطوير الحضري صفحات من الدروس في صناعة التنمية، واستطاع بمهارة أن يمزج الألوان في لوحة مبتكرة تشدّ الانتباه - اسمها الرياض القديمة والجديدة - بين عراقة المحافظة وحداثة المعاصرة.

4 - أما المقوّم الرابع من مُدركات المعرفة عنده، فهو اهتمامه بالشأن السياسي في بُعديه الداخلي؛ المتمثّل في «مأسسة» السلطات الدستورية وصون نظام الحكم والحفاظ عليه، والبُعد الخارجي؛ المتمثل في العلاقات الدبلوماسية الدولية، وفي مشاركته وقربه من صناعة القرار السياسي طيلة العهود المتوالية التي مرّت بالبلاد، وبخاصة في فترة حكم الملك فهد، فلقد كان أحد الروافد الاستشارية الثرية التي كانت تغني اتخاذ القرار، مستفيدا مما كان يمتلكه من الصلات مع النخب السياسية العربية والأجنبية، ومن المعلومات التي كان يختزنها وكانت تمكّنه من بلورة المواقف وتنفيذها. وربما كان في هذا الشأن يصطفي بعض الكفاءات الوطنية المؤهلة التي تصوغ الأفكار وتطوّرها بعد أن تتلقى منه التوجيهات. ويمكن القول إن الخبرة السياسية قد تراكمت لديه مع السنوات وساعدت في تكامل معارفه وفكره، ومهّدت لانتقال الحكم إليه في الوقت المناسب.
لقد رُصدت بين شخصيّات الملوك السابقين لهذه البلاد سماتٌ متقاربةٌ مشتركةٌ، تتمثّل في التناغم المتوازن بين الثابت والمتغيّر في الشأن الاجتماعي، والفهم التنويري للتديّن، والتدرّج في الإصلاح والانفتاح، وترسيخ التقاليد المفيدة، وهي جميعا سمات محافظة قامت عليها هذه البلاد منذ توحيدها.

5 - أما المكوّن الخامس في فكره فهو ارتباطه بالعديد من المؤسسات العلميّة والثقافيّة، ومن أهمها علاقته الوثيقة بمكتبة الملك فهد الوطنية، بدءا من المبادرة إلى اقتراح تأسيسها بمناسبة تولّي الملك فهد مقاليد الحكم في البلاد (1982)، حيث أعلن أهالي الرياض عن قيامها في العام التالي. كانت المكتبة الوطنية مشروعا متواضعا أقامت وزارة المعارف نواته لإصدار شهادات الإيداع والتسجيل الرقمي للإصدارات السعودية، ثم انتشله سلمان ومن ورائه أهالي العاصمة لتكون المكتبة الوطنية دُرّة المعرفة والتوثيق في جبين الوطن، على النحو الذي يعرفه المجتمع العلمي والثقافي. وقد اكتسى مقرها الأنيق وسط العاصمة هذا العام على طريقي الملك فهد والعُليّا العام وبعد نحو عقدين من إنشائه تصميما جديدا لافتا بطاقة استيعابية مضاعفة، وتمّ كلُّ هذا العمل الجليل بأقل قدر من الأضواء، وبأكبر قدر من التواضع والصمت، وبأعلى مقدار من الكفاءة الإدارية والمكتبية.

6 -أما المرتكز السادس في مُدركاته المعرفية، فإنه رئاسته - تحديدا - لمجلس إدارة دارة الملك عبد العزيز، وهي المركز التوثيقي والبحثي الأول لحفظ تاريخ الجزيرة العربية والمملكة العربية السعودية وسيرة مؤسسها وحكّامها، فلقد يسّر له الاقتراب المباشر مع الدارة أن يمارس هوايته في ألاّ يترك كتابًا مهمًا تطرّق كليًا أو جزئيًا إلى سيرة الملك المؤسس والدولة السعودية إلا وأحاط بقراءته أو طلب من باحث تلخيصه أو علّق على ما فيه، حتى صار التاريخ يجري في عروقه، وأصبح يحفظ تراث البلاد حفظا علميّا يتتبُع من خلاله ما كتب عنه، ويُفنّد أي التباسات تحيط بسيرة رجالاتها، ويُوجّه بإجراء البحوث حول أي غموض يحتاج إلى استقصاء، وأتاح له ولعه بالقراءة السريعة فرصة الإحاطة بما يرغب الاطلاع عليه سواءً من الكتب أو من المقالات، حتى لقد رُوي أنه قرأ أثناء ملازمته لأخيه الأمير سلطان في مرضه ما يربو على ثمانين كتابا، وكان الكتاب لا يفارقه أثناء رحلاته البرية والجوية.
بدأت علاقته بالدارة منذ قيامها عام 1972 وذلك من خلال اهتمامه الشخصي بالتاريخ والتوثيق، وكانت الدارة بدأت مرتبطة بوزير المعارف، ثم بوزير التعليم العالي، ثم صار سلمان بن عبد العزيز رئيسًا لمجلس إدارتها منذ عام 1997. وقد ازداد تواصله مع الدارة منذ أن بدأت تشارك في التحضير للاحتفال بذكرى المئويّة التي كان يشرف على أدق تفصيلات الاستعداد لها، حيث صار التواصل اليومي بينه وبين الدارة لا ينقطع، وقد اضطر - بعد تنامي مسؤولياته السيادية عندما أصبح بعد عام 2012 وليّا للعهد - لتفويض معظم مهامه ورئاساته في اللجان والمؤسسات الرسمية والأهلية والخيريّة الإضافية، لكنه استثنى الدارة ومركز العلامة حمد الجاسر الثقافي، كما سيرد.
توافرت له مع الدارة سبل القراءة المنظّمة والاطّلاع على ما يجّد من إصدارات تقع في دائرة اهتمامه، والتواصل المستمر مع المؤرّخين والباحثين من أمثال حمد الجاسر وعبد الله بن خميس والدكتور عبد الله العثيمين ومحمد أحمد العقيلي وعبد الرحمن الرويشد، والرجوع إليهم، والإحالة عليهم للاسترشاد برأيهم العلمي مُكوّنا معهم دوائر فكرية وثيقة وراقية.
وفي السنوات القليلة الماضية، صارت الدارة تشرف بتوجيهاته على مركزي بحوث مكة المكرمة والمدينة المنورة، لتضفي على المركزين إضافة نوعية وعمقا تنسيقيّا مكّنهما من الوصول إلى أذرعة البحث الوطنية ومصادر المعلومات المتوافرة في الدارة، وجعلهما في اتّساق مع ما تقوم بها من جهود، مع إبقاء سمة الاستقلالية الإدارية لهما.

7 - أما الركن السابع في تكوينه الذهني فإنه التواصل غير المسبوق بين هذا الحاكم الإداري رجل الدولة في مثل مقامه من ناحية، وبين المثقفين من ناحية ثانية، والمتابعة الدؤوبة لما يكتب في الصحافة المحلية والعربية، لدرجة قد يستغرب المراقب معها كيف يتّسع وقته لقراءاته الفكرية مع وجود مشاغل الدنيا الرسمية والأُسرية على عاتقه. فذكر العديد من الكتّاب والإعلاميين السعوديين والعرب على مدى خمسين عاما وبكثير من الانبهار تواصله معهم عند نشر مقالاتهم والتعامل الراقي في نقد ما كتبوه سلبا أو إيجابا والتعليق عليه، وتحدث الأدباء والإعلاميون عن ذكرياتهم معه، وصفوه بأنه «الأمير القارئ والمثقّف» و«صديق الصحافة والإعلاميين» و«المؤرخ» و«صديق الكتاب». ويؤكّد المطّلع من واقع تجارب متعددة صدق هذه الألقاب، حيث إن للعشرات منهم مواقف فيها تعليق على مقال أو نظرة في كتاب أو تصحيح معلومة، في علاقة مبنيّة على المثاقفة، تبدأ باتصال ثم بمعرفة ثم بصداقة، وقد تتواصل إلى زيارة في مشفى أو مواساة في منزل، وكنت وكثيرون غيري شهودا على ما كان يضمره من احترام متساوٍ للمثقفين والأدباء ورجال الصحافة والإعلام، ومن مشاركة لأقلامهم ومقالاتهم في ردوده وتعليقاته، وفي الإدلاء بتوثيق المعلومات والأحداث، ويأتي شاهدا على حقيقة حرصه على الدقة والموضوعية أنه لم يسع في يوم من الأيام إلى تزييف المعلومات المتعلقة بسيرته وحياته.
يمتلك سلمان بن عبد العزيز على صعيد العلاقات الداخلية والخارجية - بالإضافة إلى ما تقدّم - رصيدا من الصداقات الوثيقة مع الزعماء والمفكّرين والأعيان، مع حضور ذهني متوقّد لاستعادة الذكريات التي يختزنها مع عشرات الشخصيّات.
8 - ولا بدّ من أن تُعدّ مكتبته المنزليّة الخاصة في مقدّمة مُدركات المعرفة في تكوينه الفكري، وكانت مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية نشرت في عددها الصادر بمناسبة الذكرى المئوية (يناير/ كانون الثاني، 1999) تحقيقا مصوّرا غطّى تاريخ المكتبة وحجمها ومكوّناتها من الكتب والدوريّات والوثائق والمخطوطات وأوعية المعلومات، كما تحدث التحقيق عن الطبعات الفريدة من الكتب النادرة التي تضمّها المكتبة، وعن أسلوب فهرسة عناوينها بالبطاقات على نظام «ديوي» العالمي المعروف ثم تخزينها على الحاسوب، وقد فاقت ثلاثين ألف عنوان متعددة الأجزاء والمجلّدات. وللمكتبة أمناء يتولّون متابعة حركة النشر الداخلية والخارجية، وإعداد الملخّصات والتقارير المطلوبة، وهم يرافقون الملك سلمان في تنقلاته، يمدّونه وأنجاله بما يطلبونه على مدار اليوم من مواد المكتبة أو من خارجها، في حين يحرص على الدوام على تزويد الدارة بما يقتنيه أو يُهدى أو يصل إليه من وثائق نادرة وكتب قديمة أو جديدة تقع في دائرة اختصاص الدارة، في مبادرة منه لدعم أهداف الدارة من ناحية، وليكون قدوة للمواطنين لإيداع ما لديهم من وثائق ومخطوطات ومصادر تاريخية. وقد تطرق التحقيق المنشور في مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية إلى برنامج دعم الكتب التي تطبع على نفقته، وإلى ذكر نماذج منها. والمعروف أن الملك سلمان يتمتع بسرعة القراءة والاستيعاب، ويخصص من وقته اليومي ساعات يومية محدّدة للقراءة، ولارتياد مكتبته التي تعدّ في نظر المكتبيين من أكبر المكتبات من نوعها لزعيم في العالم.

9 - وتتمثّل الركيزة التاسعة في تكوينه الذهني في رئاسته الفخرية للعديد من المراكز العلمية والثقافية والكراسي البحثية والجمعيات العلمية والمؤسسات التعليمية والجوائز التي ارتبطت باسمه، وهي - كما يبدو من أسمائها في المجمل - تعكس شخصيّته واهتماماته الثقافية، يأتي من بينها مركز العلاّمة الشيخ حمد الجاسر الثقافي، حيث لم ينقطع الملك سلمان منذ تأسيس المركز عن أن يوليه رعايته والاهتمام بحضور مناسباته وبرئاسة اجتماعات مجلس أمنائه، متذكّرا على الدوام خلال الاجتماعات ما كان يشعر به من تقدير لعلمه وآرائه، ومن اتصالات متكررة معه على بساط البحث والتنقيب التاريخي والجغرافي والأدبي، وبلغ من احترامه للشيخ الجاسر أن احتفظ الملك لنفسه حتى تاريخه بالرئاسة الفخرية لمركزه الثقافي على الرغم من مشاغله، كما سلف.
وتضم قائمة المراكز والجمعيّات وكراسي البحوث كلا من: مركزي أبحاث مكة المكرمة والمدينة المنورة، والجمعية السعودية التاريخية، وجائزته للدراسات التاريخية والحضارية للجزيرة العربية، ومؤسسة الرياض الخيرية للعلوم، وواحة سلمان بن عبد العزيز للعلوم، وجائزة أبحاث الإعاقة، وكرسي الدراسات التاريخية والحضارية للجزيرة العربية، وكرسي دراسات تاريخ مكة المكرمة، وكرسي تاريخ المدينة المنورة.

10 - ويتصل العنصر الأخير في سلسلة هذه المُدركات المعرفية بالمشاركات والحوارات التي يحرص عليها أثناء لقاءاته بالعلماء والمثقفين وأساتذة الجامعات وطلابها، وكان من أبرز أمثلتها محاضرته في جامعة أم القرى (2008) ومحاضرته في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (2011) ومحاضرته في العام التالي في جامعة الملك سعود، وما سبق هذه المحاضرات أو جاء بعدها من حوارات مما يعقده بشكل شبه أسبوعي ويعبّر فيه عن مواقف فكرية ثابتة في ذهنه، كتلك التي يستعيدها بين الحين والآخر عن مصطلح الوهابية، وعن العوامل التي أسهمت في سقوط الدولة السعودية الأولى والثانية، وعن حثه على النقد البنّاء، وتشجيعه للكاتب على أن يتبنّى قضايا مدينته كما يتبنّى قضايا وطنه الكبير، وأن المطلوب ممن يكتب أن يتقصّى الحقائق، وأن تاريخ المؤسس هو تاريخ للوطن كله، وهكذا.
وإن هذه القراءة لا تكتمل دون التأمّل في الأبعاد الإنسانية في شخصيّته، وهي سمات يتناول الكتّاب تحليلها بين الحين والآخر، وأكتفي هنا باستدعاء ثلاث علامات منها؛ «الكاريزما» الرزينة، والدعابات المرحة، ولمحات الوفاء، تلك الثلاثية التي يعتمرها في قلوب المواطنين والضيوف منذ أن تبوّأ الوظيفة العامة في منتصف القرن الماضي، مما يُغبط عليه من المناقب الواضحة فيه، وحين يستذكر في لقاءاته شراكة الآباء والأجداد في الأسرة والقبيلة والبادية من أدنى البلاد إلى أقصاها في بناء الدولة، جنبا إلى جنب مع من استخلصهم والده من المستشارين العرب، في جهودهم المقدّرة للإسهام في صنع الوحدة وتأسيس الكيان.
ثم ماذا يمكن، في ضوء هذه الإضاءات العشر، أن يقال عن عامه الأول في الحكم متّكئا على استحقاقات رجل الدولة، وعلى قدراته المعرفية الخاصة التي اكتسبها خلال خمسين عاما ونيّف أميرا لمنطقة العاصمة، ثم وزيرا للدفاع، فوليّا للعهد ونائبا لرئيس مجلس الوزراء، وقد صارت الثقافة والاطلاع جزءا من مؤهلاته ومكوّنات سيرته، واتّشح اسمه بالتلازم الوثيق مع مجتمع الفكر والمعرفة ومحيط الإدارة، والمشاركة الدائمة في المناسبات والندوات والمؤتمرات العلمية، والتواصل المباشر مع العلماء والأدباء والمثقفين، إلا أن تكتسي شخصيّته بملامح غير معتادة من التميّز والتفرّد بين القيادات السياسية السائدة؟
إن من يطّلع عن كثب على سيرته أميرا، لن يُفاجأ بما شهده المجتمع في اثني عشر شهرا أمضاها في سُدّة الحكم، من قرارات تُعزّز الحزم والشفافية والنزاهة والإصلاح، وتجسّد خصائصه وخبراته التراكمية من وعي بمحيطه، وفهمٍ لمجتمعه، واستيعابٍ لواقعه العربي، فلقد تفتّقت قريحته ملكا عن إصرار على تجديد كيان الدولة بدماء شابّة، وعلى تحديث بيئة القضاء والتعليم والأمن ومفاصل الإدارة والخدمات بروح وثّابة وبطاقات غير متثائبة، وعلى الإقدام في اتخاذ قرارات جريئة تحافظ على هيبة الدولة وأمن الوطن، وعلى توجّه نحو تغيير المعادلة التقليدية وموازين القوة في المنطقة، وهو ما يبشّر بالتفاؤل بإذن الله، بأن المجتمع الجديد قد صار بالفعل أمام عهد مضيء للتحوّل الوطني، نحو تنمية طموحة مبنيّة على قواعد اقتصادية متينة متنوّعة، وعلى بنيان متكامل وثيق يرتقي في جانبه المعرفي بالمكانة العلمية والفكرية للمؤسسات التعليمية وتنشيط برامجها الحوارية والثقافية والمنبرية، والعمل على تحقيق مشروع معرفي راقٍ يرتكز على مبادئ الماضي وتباشير المستقبل.
* موجز محاضرة في جامعة بيشة بمنطقة عسير جنوب السعودية (الثلاثاء 2016/1/26)



المقدسي وليد الخالدي «حافظ الذاكرة الفلسطينية» يسلم الروح في كامبريدج

وليد الخالدي
وليد الخالدي
TT

المقدسي وليد الخالدي «حافظ الذاكرة الفلسطينية» يسلم الروح في كامبريدج

وليد الخالدي
وليد الخالدي

في هذا الوقت العصيب تفقد القضية الفلسطينية، وليد الخالدي، كبير مؤرخيها الذي كرس أكثر من 70 عاماً من عمره ليوثق ويدقق ويحقق فيما أصاب فلسطين من تحولات بسبب الصهيونية وانعكاسات خططها على بلاده، سياسياً وجغرافياً وديموغرافياً. مفكر عربي، قومي، منفتح وملتزم في آن، وقيمة إنسانية وعلمية يصعب تعويضها.

أسلم وليد الخالدي الروح في مدينة كامبريدج، مكان إقامته في ولاية ماساتشوستس الأميركية في الثامن من مارس (آذار) الحالي، بعد أن عاش مائة سنة وسنة، ينتظر العودة إلى القدس. توفي تاركاً مجموعة كبيرة من المؤلفات تناهز الأربعين، وجيلاً من الطلاب والبحاثة الذين تتلمذوا على يديه، وأكثر ما اهتم به هو تاريخ فترة النكبة، وما حدث تدريجياً بعدها وعلى إثرها، مع إعادة كتابة حكاية مئات القرى التي اندثرت، وعملت إسرائيل على وأدها.

عائلة علم وتأريخ

ولد في القدس عام 1925 لعائلة مقدسية معروفة بالعلم، والده هو الكاتب وعميد الكلية العربية في القدس أحمد سامح الخالدي، أما والدته إحسان فهي شقيقة المؤرخ الفلسطيني أمين عقل. أما جده فهو راغب الخالدي الذي أنشأ أول مكتبة عربية في القدس عام 1900. والده وجده، هما العالمان اللذان كان لهما أكبر الأثر في تنشئته وتشكيل وعيه الأول.

تخرج الخالدي في جامعة أكسفورد سنة 1951، ودرّس فيها الفلسفة الإسلامية حتى عام 1956؛ إلا أنه وبسبب مواقفه المبدئية، استقال عام 1956 احتجاجاً على دور بريطانيا في العدوان الثلاثي على مصر، وانتقل ليعمل أستاذاً في الجامعة الأميركية في بيروت التي بقي فيها حتى عام 1982، ثم التحق بعد ذلك ليعمل باحثاً في مركز هارفارد للشؤون الدولية، وبقي يحاضر في جامعات أميركية عدة، منها برنستون وأوكسفورد، متنقلاً في مهماته بين الولايات الأميركية وبيروت، ثم انتخب زميلاً في الأكاديمية الأميركية للآداب والعلوم.

المؤسسات البحثية أولاً

من أهم إنجازاته، تركيزه الدائم على بناء المؤسسات البحثية وتطويرها. فهو أحد مؤسسي «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» في بيروت عام 1963، وبقي أميناً عاماً لها وحريصاً على أن تحتفظ هذه المؤسسة بالرصانة والاستقلالية والكفاءة. وهو أيضاً أحد مؤسسي «النادي الثقافي العربي» في بيروت الذي نعاه، مذكراً بأنه رئيسه الأسبق من عام 1958 ولغاية 1959، وأحد مؤسسي الجمعية الملكية العلمية في عمّان، وجمعية التعاون الفلسطينية. وهو من أسس مجلس أمناء أصدقاء المكتبة الخالدية في القدس، التي أنشأها جده في حي باب السلسلة في البلدة القديمة، وتقدم لزوارها أكبر مجموعة خاصة من المخطوطات العربية في فلسطين.

ولحماية هذه المكتبة من المحاولات الإسرائيلية المستمرة للقضاء عليها، أسس عام 1988 في أميركا ما سماه «جمعية أصدقاء مكتبة الخالدي»، وتولى رئاستها؛ فيما كانت وظيفتها الأساسية جمع التمويلات بشكل منتظم للمكتبة في القدس، للوقوف في وجه التهديدات التي تتعرض لها من السلطات الإسرائيلية. وهو كذلك من مؤسسي «مركز دراسات الوحدة العربية» في بيروت (1975)، و«مركز الدراسات المسيحية - الإسلامية» في جامعة جورجتاون.

بذلك يكون وليد الخالدي قد ترك إرثاً كبيراً يتجاوز الكتب إلى التخطيط لما بعد مماته. ولكن حتى مؤلفاته ليس هدفها آنياً. أبرزها كتابه «كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دُمّرت عام 1948» وثّق فيه قصص مئات القرى الفلسطينية التي دُمّرت خلال النكبة، مدعماً عمله بالخرائط والوثائق التاريخية والصور. فهو ممن يؤمنون بأن الكلمة يجب أن تقترن بالمرئي الذي هو عنده جزء من العمل لإيصال المعلومة وتثبيتها. لذلك أصبح هذا الكتاب مرجعاً أساسياً للباحثين والمهتمين بتاريخ فلسطين.

«النكبة وما تبعها» محور أبحاثه

فهو كتاب موسوعي، لا مثيل له، عن القرى الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل وأخليت من سكانها عام 1948. فقد وثق 418 قرية فلسطينية دمرت وعرضها مع الخرائط والصور والتفاصيل الديموغرافية. نوع من إعادة بناء نظرية للمكان، على أمل أن ينتفض حياً حين تسنح الفرصة.

المكتبة الخالدية في القدس أخذت الكثير من جهده

مؤلفات الخالدي تدور في أغلبها حول تلك المرحلة المفصلية عند النكبة «قبل الشتات: التاريخ المصوَّر للشعب الفلسطيني 1876 - 1948»، مدللاً على وجود مجتمع حضري متطور في فلسطين وليس مجرد بشر متناثرين لا هوية تربطهم، كما يدّعي الصهاينة. كذلك «الصراع العربي الإسرائيلي والانتداب الجديد: موازين القوى والأطراف الرئيسية»، وكتابه الذي خصصه لمجزرة «دير ياسين»، و«الصهيونية في مائة عام: من البكاء على الأطلال إلى الهيمنة على المشرق العربي 1897 - 1997»، و«خمسون عاماً على حرب 1948: أولى الحروب الصهيونية العربية»، و«فلسطين وصراعنا مع الصهيونية وإسرائيل» مجموعة مقالات ومحاضرات له، صدرت بالشراكة بين «مؤسسة الدراسات الفلسطينية، والنادي الثقافي العربي».

ووليد الخالدي الذي له صوت مسموع في الأكاديمية الأميركية لأنه كتب بالإنجليزية بالبلاغة والسلاسة نفسها التي كتب بها بالعربية متنقلاً بين الجامعات العربية والأميركية، لُقّب بـ«حافظ الذاكرة الفلسطينية». فقد كان يعرف عن ظهر قلب تاريخ وجغرافية القدس، وتقسيماتها، وتطور أحيائها السكنية، ومساحة كل حي، وقصته، وكيف انتزعت الصهيونية كل جزء منه، بل هو كان حريصاً على أن يوثق هذه المعلومات التي يتوصل إليها، شاملاً كل فلسطين.

دبلوماسي حين يلزم

لم يكن الخالدي بعيداً عن السياسة، فهو مؤرخ واعٍ لدوره، وكثيراً ما يشبه بدور إدوار سعيد، بل البعض اعتبر دوريهما مكملين في الجامعات الأميركية والدوائر البحثية هناك.

كان من أوائل من دعوا إلى حل الدولتين، في مقالته التي نشرت عام 1978 في مجلة «فورين أفيرز» الأميركية، بعنوان «التفكير فيما لا يمكن التفكير فيه: دولة فلسطينية ذات سيادة». مقالة أطلقت شرارة أولى لمناقشات حول فكرة تشكيل دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي كتب عديدة، بينها «القدس مفتاح السلام» اعتبر أن هذه المدينة الإشكالية هي المكان الذي منه تبدأ الحلول، ودون تسوية تاريخية للمشكلة الفلسطينية ستبقى المنطقة مشتعلة.

لذا وجدناه مشاركاً في الوفد الأردني - الفلسطيني المشترك إلى مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، رغم أنه لم يكن عضواً منخرطاً، في منظمة التحرير الفلسطينية.

حرص على استقلاله الأكاديمي والفكري، لكنه لم يتردد في لعب أي دور دبلوماسي يخدم المصالح العربية والفلسطينية، رافضاً أن ينخرط الفلسطينيون في الصراعات الداخلية للدول العربية، خاصة حين أصبحوا طرفاً في الحرب الأهلية اللبنانية.

كتب للأجيال المقبلة

وإضافة إلى إيمانه بدور المؤسسات في البحث والتقصي، وتوثيق المعلومة للأجيال المقبلة، التي لا بد من حفظها لتوظيفها لاحقاً، في استعادة الحق في الأرض والوطن والهوية، آمن وليد الخالدي بدور القادة في صناعة التاريخ، وقيمة الإنسان في توجيه دفة الأحداث. فخصص بعضاً من كتاباته لشخصيات اعتبرها مفاتيح مثل كتابه عن «محمد عزة دروزة» وهي سيرة ذاتية مقتطفة من مذكراته، حررها وقدم لها الخالدي وصدرت في جزأين. كذلك كتاباته عن العالم والشاعر السوري عبد الغني النابلسي الذي عُرف بدعوته للتسامح مع اليهود والمسيحيين. وقام وليد الخالدي بتحقيق ونشر مخطوطة جده روحي الخالدي عن الصهيونية عام 2021، بعد أن احتفظ بها طويلاً. وهي تُعد أول دراسة عربية وضعت عن الموضوع. كما قام الخالدي بتحقيق ونشر مذكرات رشيد الحاج «الدفاع عن حيفا وقضية فلسطين: مذكرات رشيد الحاج»، لما له من دور مقاوم خلال النكبة.

وبوصفه جزءاً من مشروع «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» أشرف الخالدي على ترجمة مذكرات بن غوريون وموشيه شاريت من العبرية إلى العربية.


لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف

لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
TT

لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف

لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها

هذا يوم حزين لبغداد، المدينة التي تعذَّبت كثيراً، وعذَّبت أهلها ونساءها بطموحها وفرادتها، لكنها اليوم أشدُّ حزناً من سواه؛ فقد فقدت مؤرختها المتفردة الكاتبة لطفية الدليمي «1939 - 2026»، ومما يزيد من فجيعة المدينة المنكوبة أن رحيل الكاتبة قد حصل في يوم «المؤنث العالمي» للمرأة، والمدن، والبلدان كلها، فكل ما هو «مؤنث» هو أم، وأصل ثابت للحياة والحكايات كلها. وهذه مصادفة تليق بالكاتبة الراحلة؛ فلطفية الدليمي ترحل «خالدة» في يوم يحتفل فيه العالم كله بالمرأة وكفاحها وحكاياتها المختلفة حقاً.

للكاتبة ميسلون هادي صديقتها، ورفيقة عمرها، كل الحق في أن تصف هذا اليوم بالحزين في الثقافة العراقية؛ فقد أسهمت الكاتبة الراحلة في رسم مسارات هذه الثقافة؛ إذ «أسست كل طيَّة من فضاءاتها بمادة معرفية عميقة، وخبرات حياتية متراكمة». وقد كان لها هذا المجال بما عاشت من حياة طويلة منحتها «معلومات تاريخية موثوقة»، ولغة «ثرية حسية متحركة أقل ما يقال عنها إنها ساحرة نابضة بالحياة والعاطفة، فوَّاحة بالعطور، منغَّمة بموسيقى مشهدية رفيعة المستوى». ولا عجب أن نجد شاعراً أو كاتباً من جيل آخر، ممن ولد بعد عقود من ترسُّخ اسم لطفية الدليمي بصفتها الكاتبة المؤسِّسة، يكرر معنى كلام الكاتبة ميسلون هادي، فصاحبة «عشاق وفونوغراف وأزمنة» تمثِّل لدى الشاعر عمر السراي اللسان الناطق «باسم هموم المجتمع من ستينيات القرن العشرين بأدبها الرصين وتجربتها العميقة التي حاكت ما مر به أبناء شعبها».

غلاف "عشاق وفوتوغراف وأزمنة"

«المرأة الكاتبة» في سياق ثقافة ذكورية

وبرغم أن الكاتبة الراحلة كانت ترفض باستمرار، كما تقول الناقدة إشراق سامي، وصف أعمالها الأساسية بصفة النسوية فإنها تظل المرأة الكاتبة في ثقافة تزخر بـ«سيادة ذكورية للمنتجين في حقول الإبداع والأدب». وهذه مفارقة تستحق التأمل كما يرى الشاعر عارف الساعدي، مدير دار الشؤون الثقافية العامة، حيث عملت هناك صحافية ومحررة، ثم مديرة تحرير لمجلة «الثقافة الأجنبية»؛ فالثقافة التي كانت تطردها للهامش كانت هي ذاتها من أعلت من شأنها، بعد أن أثبتت حضورها المتفرد على مستويات إبداعية مختلفة؛ فهي كاتبة قصة، ورواية، وهي مترجمة، وناقدة أدبية، وكاتبة مقالة صحافية من طراز متفرد. كانت حقاً، والكلام للساعدي «رقماً صعباً في مضمار الأدب، وأحسب أنها استطاعت أن تخط لها مساراً عجز عن خطه مبدعون كبار».

ومما له صلة عميقة بأصول رفضها لإدراج نصوصها في خانة «الأدب النسوي»، تعلُّق نصوصها الأساسية بما يسميه الناقد عقيل عبد الحسين في شهادته بـ«الإليغوريا الوطنية في الرواية العربية» المعبرة عن «تطلع الكتّاب إلى دولة وطنية تحكمها قيم الحرية والعدل»، فلما انتهت تلك الإليغوريا الوطنية إلى سياقات «متعالية وإقصائية ومدمرة للإنسان والبيئة»، نجد أن الكاتبة لطفية الدليمي، تحديداً في روايتها الأخيرة «مشروع أوما»، تسعى، كما يضيف عبد الحسين، إلى «استبدال بالإليغوريا العالمية الإليغوريا الوطنية، تلك التي توحِّد العالم ومشكلاته السياسية والثقافية في نمط كتابي لا ينشغل بالتمايزات في الهوية وفي الانتماءات الآيديولوجية والدينية وغيرها، ويخلص للإنسان، ولما ترى فيه مبدأه ومنتهاه، وهو الأرض، الأم، أو البيئة الحاضنة لوجوده ولإمكاناته في العيش والإحساس، ويحرره من نير التصنيفات التقليدية: مذكر/ مؤنث، أنا/ آخر، عراقي/ عربي، عربي/ أجنبي». ولا بد أن التحوُّلات الكبرى لبلادها، العراق، كانت وراء هذا النزوع الإنساني الشامل في منطقها وأدبها.

ذاكرة أخرى للأدب والحياة

وللكاتبة الراحلة فضل كبير على الأدب في العراق؛ فقد تمكَّن سردها، كما يرى الناقد علي سعدون، رئيس تحرير مجلة الأقلام، من التحوُّل إلى «ذاكرة» حكائية شاملة، أو تكاد؛ فقصصها القصيرة ورواياتها صارت بمثابة «ذاكرة حية للحياة العراقية والعربية حيث سجَّلت من خلال قصصها القصيرة ورواياتها ومخيلتها الخصبة أهم العتبات التاريخية والسياسية والثقافية وتحولاتها الحادة عراقياً وعربياً. إنها نموذج للمبدعة العصامية التي واكبت الأحداث فكتبت عنها بحراجة الراهن وأهميته». وقد يكون علينا، في سياق الكتابة عن الذاكرة الإبداعية كما تقدِّمها روايات وقصص، وحتى مقالات وترجمات الكاتبة الراحلة، أن نلاحقها على المستوى الشخصي للكاتبة، لا سيّما أن ذلك التاريخ الشخصي، كما يجادل الناقد علي حسين الفواز، شاهد «على تحولات زمن عراقي عاصف، اختلطت فيه الرومانسية بالآيديولوجيا، الرواية بالذاكرة، والسياسة بالحلم، إذ كانت فيه لطفية الدليمي الساردة والمترجمة وصاحبة المشروع النقدي، وصانعة الشخصيات الاستثنائية، في تمردها وفي وعيها، وفي بحثها عن الحرية والمعنى».

غلاف «إذا كنت تحب»

وقد لا يبتعد كثيراً الحديث عن الذاكرة الخصبة للكاتبة الراحلة على صعيدي النصوص الأدبية أو الحياة الشخصية، ما يمكن أن نلمسه من تأثير كبير مارسته الكاتبة على أجيال أدبية مختلفة. مثل هذا التأثير المختلف، المؤسِّس غالباً، لمنطق الفرادة في سياق تيار الستينيات العراقي ذي العوالم العجائبية نجده، ابتداءً، في نصوص الكاتبة الأولى؛ فهي الكاتبة الستينية التي «تغامر» و«تصدر» مجموعتها القصصية الثانية «إذا كنت تحب»، وهو عنوان «رومانسي»، كما يقول الكاتب عبد الستار البيضاني، وقد حملت القصص غلافاً مفارقاً لما كان سائداً في كتب تلك الحقبة، فقد اختارت الكاتبة «لمجموعتها صورة فوتوغرافية لحقل تداعب الريح زرعه بغنج. وكان هذا خير معبر عن مضامين مجموعتها، حيث دفء اللغة وعذوبة القص». سوى أن الإحساس بالألفة لم يكن حصة البيضاني نفسه، إنما هو ما شاركه فيه زملاؤه من الجيل الثمانيني؛ فقد تحوَّل مكتبها في مجلة «الطليعة الأدبية» إلى ملتقى لأبناء ذلك الجيل، فـ«وجدتهم يتحلقون حول مكتبها في المجلة، وصارت غرفتها هي مكان موعد لقاءاتنا». فهي الأم الرؤوم كما تظهر لدى الكاتب الروائي لؤي حمزة عباس، وهو من جيل أدبي لاحق، أو هي الأم الكونية مثلما يحلو لها أن تسمِّي نفسها. فهي المبدعة و«راعية أحلامنا، السيدة التي رسمت روحها بين سطور كتاباتها، افتح أيَّ كتاب من كتبها: في الرواية، والقصة القصيرة، والمسرح، والرحلة، والبحث، وأعمالها العديدة في الترجمة، ومؤلفها الجميل عن النبات، تجدها حاضرة، حيَّة بابتسامة الأم الرؤوم ونظرتها الحانية».

وفيما كتبته الناقدة والأكاديمية الأردنية الدكتورة مريم جبر فرحات تعليقاً على رحيل الكاتبة المحزن مصداق للتأثير الكبير الذي مارسته الكاتبة الراحلة ليس على أبناء وطنها، ولا على مدينتها بغداد فحسب، إنما تلمسه الناقدة الأردنية على مدينة عمان التي اتخذتها الكاتبة وطناً بديلاً بعد أن ضاقت بها السبل؛ فصارت بلادها ومدينتها بعيدة عنها؛ فـ«عمان حزينة بفقد قامة إبداعية عظيمة ومؤثرة».

وعندي، أنا المولود بعد عقود من القصة الأولى، والكتاب الأول للكاتبة لطفية الدليمي، فإن الأثر الباقي للكاتبة يظل ذا سياق متَّصل وآخذ بالاتساع والدوام، وهو شأن النصوص الأصيلة المعبِّرة عن عصرها وثقافتها وبلادها وحياتها. وإذ أكتب اليوم عن الكاتبة لطفية الدليمي فإني أستعيد عشرات، وربما مئات المحادثات مما جمعني مع الكاتبة الراحلة على «الماسنجر» وغيره. وكان لي أن أكتب مقالة أولى، كما أفترض، عن روايتها الأخيرة «مشروع أومَّا»، وقد نشرته «الشرق الأوسط» الغراء. لكني أستعيد، هنا، رغبتي الجامحة في ثمانينيات القرن الماضي بنشر نصوصي في المجلة الأدبية التي كانت تحرِّر فيها لطفية الدليمي القصص وما يتصل بها. نعم، أستعيد تلك الرغبة، ذلك الشغف الجارف بأن تظهر نصوصي من تحت يدي الكاتبة الكريمتين، ولكن... هيهات؛ فقد ظل حلماً جميلاً.

 برغم أن الكاتبة الراحلة كانت ترفض باستمرار وصف أعمالها الأساسية بصفة النسوية فإنها تظل المرأة الكاتبة في ثقافة تزخر بـ«سيادة ذكورية»


أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه
TT

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات، التي شرّحت تصدعات المجتمع البرتغالي، عملاقاً أدبياً في مسقط رأسه وخارجه.

على مدار أكثر من 30 رواية ومجموعة من الكتابات الأخرى، رصد أنتونيس ببراعة خروج البرتغال المتعثر من حقبة الديكتاتورية الخانقة للدكتاتور أنطونيو دي أوليفيرا سالازار، التي امتدت من عام 1932 إلى 1968، وما تلاها من حروب استعمارية فاشلة في أفريقيا.

غلاف «ذاكرة الفيل»

وسمح له نهجه التجريبي الجريء في صياغة الشكل الروائي بتجاوز هويته ككاتب «صعب المراس» قادم من دولة أوروبية ثانوية غالباً ما يتم التغافل عنها. وكان اسمه حاضراً بقوة في القوائم القصيرة للعديد من النقاد المرشحين لنيل جائزة «نوبل للآداب»، بل رأى البعض أنه كان يستحقها أكثر من مواطنه البرتغالي خوسيه ساراماغو، الذي فاز بها عام 1998، فيما ذكر أصدقاؤه أنه كان يشعر بشيء من المرارة لعدم نيله الجائزة.

وقد حققت روايته «ذاكرة الفيل» الصادرة عام 1979 شهرة واسعة بين عشية وضحاها، وهي رواية تمحورت حول تجاربه كطبيب عسكري في حرب بلاده في أنغولا. أما روايته الصادرة عام 1983 بعنوان «فادو ألكساندرينو»، فقد سردت الاعترافات المؤلمة لأربعة من المحاربين القدامى في حروب البرتغال الاستعمارية، وهي ذات نسيج سردي متماسك بفضل الحيوية المتوقدة لصورها البلاغية الآسرة.

غلاف «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء»

واستخدم أنتونيس تقنيات مماثلة في روايات كبرى أخرى، مثل «دليل المحققين» الصادرة عام 1996، التي ركزت على سيرة وزير وحشي سابق في عهد ديكتاتورية سالازار؛ أما روايته الصادرة عام 2001 بعنوان «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟»، فقد صورت الرحلات الذهنية المضطربة لابن إحدى الشخصيات الاستعراضية في لشبونة.

بيد أن بعض النقاد لم يقتنعوا تماماً بأساليب أنتونيس، فقد كتب دوايت غارنر في صحيفة «نيويورك تايمز» أنه على الرغم من أن أسلوب «تيار الوعي» لدى المؤلف قد يكون «رائعاً» في بعض الأحيان، فإن رواية «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟» كانت تجربة مضنية للغاية، وأضاف: «أفضل خلع أظفر إصبع قدمي بكماشة صدئة على أن أسير عبر صفحاتها الـ585 المرهقة مرة أخرى». كما كتب ناقد آخر في الصحيفة، وهو ريتشارد إيدر، أن لجنة «نوبل» اتخذت القرار الصحيح باختيار السيد ساراماغو وتفضيله على أنتونيس.

غلاف «دليل المحققين»

ومن وجهة نظر أنتونيس، فإن غياب الحبكة الواضحة هو الأقرب للطريقة التي «يعيش» بها الناس حياتهم فعلياً في الواقع. إذ قال لماريا لويزا بلانكو، التي نشرت كتاباً من الحوارات معه عام 2001: «لا أريد من الناس أن (يقرأوا) رواياتي قراءة عابرة فحسب، وإنما أريدهم أن يعايشوها ويتفاعلوا معها، وأن (يُصابوا بها) كما يُصاب المرء بالمرض».

ينتمي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي ولد في لشبونة في الأول من سبتمبر (أيلول) لعام 1942، إلى الفئة البرجوازية العليا في لشبونة، لكن يصف طفولته بأنها كانت «محمية للغاية، وشبه قبلية». والده هو جواو ألفريدو دي فيغيريدو لوبو أنتونيس، طبيب أعصاب وأستاذ جامعي، ووالدته هي ماريا مارغاريدا ماتشادو دي ألميدا ليما. كان أنطونيو الأكبر بين ستة أشقاء، برز عدد منهم كأطباء مرموقين، بينما شغل شقيقه الأصغر «مانويل» منصب سفير البرتغال لدى المملكة المتحدة.

كانت تنشئة أنتونيس تتسم بشيء من المحافظة والتكلف في أوساط النخبة البرجوازية العليا، وكانت مدينته لشبونة، المتلاشية والكئيبة المطلة على البحر، التي قضى فيها حياته كلها، تظهر غالباً كخلفية مهيمنة في أعماله. فقد كتب في رواية «فادو ألكساندرينو»: «في الخارج، في الشارع، كانت أمطار مارس (آذار) المنسابة من الليلة السابقة تترنح منسالة على الواجهات المتهالكة مثل مكياج امرأة عجوز باكية».

وعلى الرغم من ثقافة والديه الواسعة، فإنهما حافظا على مسافة عاطفية من أبنائهما الستة، فقد وصف علاقته بوالدته في مقابلة مع صحيفة «لوموند» عام 2005 بأنها كانت «علاقة رسمية للغاية». كما كان أنطونيو الشاب يخضع لاختبارات أسبوعية حول القراءات المفضلة لوالده. وفي تلك الأثناء، كانت الديكتاتورية السلطوية تخنق المجتمع البرتغالي، علماً بأن والد أنتونيس كان أحد أطباء سالازار الشخصيين، وتقمع أي معارضة تجاه الحروب الاستعمارية البرتغالية.

يقول أنتونيس لمجلة «باريس ريفيو» في عام 2011 (كانون الثاني): «في نشأتي، كان من الطبيعي ألا تملك جواز سفر، وألا تتحدث في السياسة، وألا تستخدم حتى كلمة ديمقراطية. وأتذكر أنني سألت والدي ذات مرة وأنا صبي: ما هي الديمقراطية؟ فأجابني: اصمت وكُل».

ومع تقدمه في العمر، توترت علاقته بوالده، فعندما نشر أنتونيس روايته الأولى، قال له والده: «يمكن للمرء أن يدرك أن هذا عمل مبتدئ». وذكر المؤلف لصحيفة «لوموند»: «بعد ذلك، لم نتحدث عن أعمالي الأدبية مرة أخرى، رغم أنه أخبر أحد إخوتي بعد سنوات طويلة بأنه معجب بي».

وصف أنتونيس الحرب في أنغولا بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يصفّون بلامبالاة المتمردين الأسرى ويغتصبون الأفارقة

بدأ أنتونيس دراسته للطب في جامعة لشبونة عام 1959، وتخرج طبيباً قبل أن يبدأ خدمته العسكرية عام 1970. وفي العام نفسه، تزوج من ماريا خوسيه زافيير دا فونسيكا إي كوستا، وأنجب منها ابنتين: «ماريا» و«جوانا». ثم تزوج لاحقاً من ماريا جواو إسبيريتو سانتو بوستورف سيلفا، وأنجب منها ابنته الثالثة «ماريا إيزابيل». وبعد طلاقه الثاني، تزوج للمرة الثالثة في عام 2010 من كريستينا فيريرا دي ألميدا.

وفي عام 1973، عاد من أنغولا ليمارس الطب النفسي في مستشفى «ميغيل بومباردا» في لشبونة، وكان يكتب رواياته ليلاً. ومنذ البداية، كانت تجربة الحرب في أنغولا، والندوب التي خلفتها في نفسه، هي الدافع المحوري لأغلب أعماله.

كان يصف الحرب في رواياته بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يشهرون مسدساتهم بلا مبالاة لتصفية المتمردين الأسرى، ويغتصبون الأفارقة تحت تهديد السلاح، في مأساة لم تترك وراءها سوى اليأس. أما أطفال الحرب في قصصه، فقد كانوا مشوهين بالقصور العقلي، وعاجزين عن التأقلم مع ما يُفترض أنه حياة عادية بعد عودتهم إلى البرتغال.

يستذكر في حواره مع مجلة «باريس ريفيو» تجربته في أنغولا قائلاً: «كل ما أردته هو العودة حياً. أتذكر أننا كنا نحتفظ بتقاويم ونشطب على كل يوم نبقى فيه على قيد الحياة! لقد تحدثتُ مع أشخاص شاركوا في حرب فيتنام وحرب الجزائر، وفهمتهم تماماً».

وتناولت كتبه الثلاثة الأولى معاناة قدامى المحاربين الذين تطاردهم الأشباح، وظلت الحرب وسمة بادية للغاية ولازمة في كل رواياته اللاحقة. وكان من بين آخر أعماله المنشورة رواية «حتى تصبح الحجارة أخف من الماء» (2016)، التي استكشفت بأسلوب نثري تجريبي الهزات الارتدادية الناجمة عن حرب أنغولا.

وبوصفه كاتباً مارس الطب النفسي، أراد أن تعكس كتاباته تقلبات العقل البشري، إذ أوضح للناقدة رافائيل ريرول في صحيفة «لوموند» عام 2005، أن ما كان يحاول فعله هو «وضع نفسي في حالة قريبة من الحلم، حتى تخُفف من قسوة الرقابة الداخلية المعتملة في ذهني».

وأوضح أن تلك «الرقابة» هي التي «تحول بيننا وبين التفكير بطريقة غير ديكارتية»، مُبيّنا إيمانه بعدم خطية الإدراك البشري. وكتب الكاتب الفرنسي هادي قدور في صحيفة «لوموند» أن التخلص من هذه القيود سمح لأنتونيس بـ«إدراك العالم على حاله، قبل أن ننسقه وفق فئاتنا الاجتماعية كي ندركه»، مقارناً إياه بمارسيل بروست وفيرجينيا وولف.

وفي معرض تلخيصه لمفهومه عن الرواية، قال أنتونيس بأنها: «هذيان مُنظم».

* خدمة «نيويورك تايمز»