مُدركَات المعرفة في تكوين الملك سلمان الفكري

بعد عام من توليه مقاليد الحكم

مُدركَات المعرفة في تكوين الملك سلمان الفكري
TT

مُدركَات المعرفة في تكوين الملك سلمان الفكري

مُدركَات المعرفة في تكوين الملك سلمان الفكري

تسعى هذه الصفحات لاكتشاف السمات الفكرية في شخصية الملك سلمان بن عبد العزيز وتكوينه، باعتبارها مؤهّلات نوعيّة مُضافة في القدرات القيادية المُميّزة التي ينفرد بها القليل من الزعامات. ولعل في اختيار العنوان ما يبرز هذا المقصد، فالمُدركات - ومُفردتها مُدرَكة - تعني الدلالات والمؤشّرات، وكثيرا ما تستخدم في الجوانب الذهنية والتربوية والمعرفية ونحوها، وهي بالإنجليزية «the perception».

1 - وفي مدخل الحديث، لا بدّ من الإشارة إلى تلك القدرات الذهنية التي ورثها عن والديه، فما من شخصيّة سعودية معاصرة يستعيد المجتمع قسماتها الفكرية وأسطورة دهائها ومناوراتها وشيمها، وما حالف خطواتها من حظّ وتوفيق، مثل شخصيّة المؤسس (الملك عبد العزيز المولود عام 1293هـ - 1876م) الذي خرج من الكويت وهو في السادسة والعشرين ليكافح من أجل توحيد البلاد ثلاثة وخمسين عاما أخرى، قضى نصفها في كرّ وفرّ، والنصف الثاني في بناء وتنظيم، حتى إذا ما لمّ شتات الكيان الكبير أودعه - وهو في السابعة والسبعين من العمر - إلى أبنائه من بعده. وقد اكتسب كثير من أبنائه الستة والثلاثين معرفة عميقة بالأحداث التي مرّت بالدولة منذ قيامها قبل ثلاثة قرون، وإلماما شاملا بالمراحل الثلاث التي اجتازتها، وأصبحوا أكثر ما يكونون إحاطةً بجغرافيا الجزيرة وبحاضرتها وباديتها وبموروثها الأدبي وبتقاليدها، وبما يكون عليه الخيّالة حذقا بمهارة القنص والفروسية وفنون العرضات وإبداعاتها، وبالقدرات التي تُكتسب بالإرث والهواية والممارسة. ولقد تناول كثير من الباحثين المحليين والعرب والغرباء - ومنهم فيلبي والريحاني والزركلي والعقّاد ومحمد أسد وديكسون وآرمسترونغ وفاسيلييف - بعضا من ملامح شخصية الملك المؤسس وعلاقة أبنائه به، وروى بعض الأبناء - كالأمير طلال والملك سلمان - شيئا من ذكرياتهم معه، والأمل كبير في أن يهتم الملك سلمان بتسجيل ما تختزنه ذاكرة أبناء المؤسس وأحفاده والأسرة كافة من معلومات عن تلك الحقبة التاريخية المهمة التي عاشوها مع الملك المؤسس، خاصة أن الملك سلمان يحمل المسؤولية التوثيقية الأولى في البلاد.
وهكذا قُدِّر للابن الخامس والعشرين سلمان (المولود يوم 5 شوال 1354هـ - 31 ديسمبر/ كانون الأول، 1935م)، وكغيره من إخوته، أن يُقارب في أسلوب حياته وفي عاداته مدرسة والده، ويقترب من تاريخه المعيش والمروي والمدوّن، ويكتسب مهارة القيادة وهيبتها وإرث الاستحقاق للحكم من خلال فرص تراكميّة متنوّعة أُتيحت له عبر السنين، فكان يشترك معه بالاستعداد الفطري والشّبه في الملامح والعادات والتقاليد واللهجة والصوت، وهو أمر طبيعي بحكم الوراثة والبيئة التي نشأ فيها والتربية المتجانسة التي تلقّاها قريبا من والده، مما نتج عنه تقاربٌ في التكوين وتشابهٌ في نمط المعيشة وأسلوب الحياة. ولا يمكن لمن يرصد سيرة الملك سلمان وأشقائه وشقيقاته أن ينسى ما كانت والدتهم سارة بنت أحمد السديري، المعروفة بريادة العمل الخيري والإنساني، تضفيه عليهم من الرعاية والتربية والتنشئة الفاضلة، مما فصّلت فيه الدكتورة دلال بنت مخلد الحربي في كتابها «نساءٌ شهيرات من نجد» (1998).

2 - من أسس التكوين المعرفي والفكري عند الملك سلمان، يأتي الاستعداد الفطري للمعرفة، والقدرات الذهنية، والذكاء، والتحصيل العلمي الذي تلقّاه وإخوته في مدرسة الأمراء بإدارة الشيخ عبد الله خيّاط، ومعه الأساتذة أحمد علي أسد الله الكاظمي ومحمد صالح الخزامي ومحمد علي حمام، وغيرهم، فكان لذلك التعليم عميق التأثير في تكوينه العام، حيث كرّس في وجدان الأمير في صغره التعلّق بالمفاهيم الدينية وبتراث الدعوة في البيئة التي نشأ فيها، وهو ما سار عليه في كبره من حيث الاهتمام بتنشئة أولاده في ما بعد.

3- ثم تأتي تلك الفترة الطويلة التي تولّى فيها إمارة منطقة الرياض، فهو عندما توفي والده عام 1953 كان يشارف على العشرين، وقد سبقه عدد من إخوته الأكبر منه سنّا إلى تولّي بعض المسؤوليات الإدارية ومنها إمارة الرياض، فاختاره الأمير نايف في مطلع عهد الملك سعود (1953) لينوب عنه عند غيابه عن إمارة منطقة الرياض، وفي العام التالي تولّى رسميًّا مسؤوليتها من بعده في فترتين بينهما عامان؛ دامت الأولى خمسة أعوام، وأتمّ في الثانية عقودا خمسة، عاصر خلالها إخوانه الملوك الخمسة الذين سبقوه في الحكم.
المعروف أن الحاكم الإداري لمنطقة الرياض يمارس عمله اليومي في قصر الحكم وسط العاصمة (على ساحة الصفاة أو القصبة كما يُطلق عليها في التراثُ العربي)، وكان الملك المؤسس وأجداده الأقربون يسكنون في تلك المنطقة التاريخية المحاطة بسور، يديرون منها شؤون البلاد، وكانت الرياض قد اتخذها جده الإمام تركي عاصمةً للدولة السعودية الثانية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي بدلا من العاصمة التاريخية «الدرعية» التي دمّرها الأتراك سنة 1818، واستمر القصر حتى الآن يعرف بقصر الحكم، تُقام فيه المناسبات الوطنية الكبرى من بيعة أو معايدة أو عزاء أو نحوها. وإلى جوار قصر الحكم هذا يوجد الحصن التاريخي قصر المصمك الذي كان يستخدم سكنا للحاكم، ويعود بناؤه إلى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وتكمن شهرته في أن شعلة استعادة الرياض انطلقت منه عام 1902، ويُوظّف الآن معْلما تراثيّا وسياحيّا يحكي قصة فتح الرياض وقيام الدولة في حقبتها الثالثة المعاصرة، كما سُمي المسجد الرئيسي الكبير المرتبط بالقصر باسم مؤسس الرياض الإمام تركي (حفيد الإمام محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية). وقد جُدّدت هذه المنطقة التاريخية عام 1999 بمناسبة الذكرى المئويّة الأولى لتأسيس السعودية.
عاش سلمان طيلة فترة إمارته للرياض قصة «ولهٍ» قلّ أن يتكرر مثلها في مدن عالمية شبيهة، يُكرّس - من خلال شخصيّته وأسلوب إدارته ومثابرته على اللقاءات والمواعيد والزيارات والضيافات وعبر معرفة الأُسر والقبائل وفروع البادية وملازمة الزعماء - كثيرا من السمات التي كان يتبعها والده وإخوته في ممارسة الحكم، حتى أصبحت تطبيقاته تُذكّر بما كان يتمّ في ساحة قصر الحكم من بطولات، وكأن الزائر لهذه المنطقة التاريخية اليوم يشاهد فيلما تسجيليّا يروي قصص عقود مضت، يوم أن كانت الصفاة تعجّ بركائب الوافدين وبالتبادلات التجارية بين الأهالي، وقد وثّقت هيئة تطوير الرياض بصماته على العاصمة في كتاب صدر العام الماضي 2015م بعنوان «سلمان والرياض: عبق التاريخ».
في عام 2011 غادر سلمان منصبه الذي أحبّه، ليبدأ بعد أخيه سلطان التدرّج صعودا نحو المناصب الأكثر سياديّة، فأصبح نائبا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرا للدفاع، وقد ترك - كما سلف - وراءه روايةً لا تمّحي فصولها مع حبيبته «الرياض»، التي جاب عددا من العواصم ليعرض فيها تجربتها التنموية وليبحث عن مزيد من الأفكار لتطويرها، مُخلّفا لتخصص الإدارة المحلية والتطوير الحضري صفحات من الدروس في صناعة التنمية، واستطاع بمهارة أن يمزج الألوان في لوحة مبتكرة تشدّ الانتباه - اسمها الرياض القديمة والجديدة - بين عراقة المحافظة وحداثة المعاصرة.

4 - أما المقوّم الرابع من مُدركات المعرفة عنده، فهو اهتمامه بالشأن السياسي في بُعديه الداخلي؛ المتمثّل في «مأسسة» السلطات الدستورية وصون نظام الحكم والحفاظ عليه، والبُعد الخارجي؛ المتمثل في العلاقات الدبلوماسية الدولية، وفي مشاركته وقربه من صناعة القرار السياسي طيلة العهود المتوالية التي مرّت بالبلاد، وبخاصة في فترة حكم الملك فهد، فلقد كان أحد الروافد الاستشارية الثرية التي كانت تغني اتخاذ القرار، مستفيدا مما كان يمتلكه من الصلات مع النخب السياسية العربية والأجنبية، ومن المعلومات التي كان يختزنها وكانت تمكّنه من بلورة المواقف وتنفيذها. وربما كان في هذا الشأن يصطفي بعض الكفاءات الوطنية المؤهلة التي تصوغ الأفكار وتطوّرها بعد أن تتلقى منه التوجيهات. ويمكن القول إن الخبرة السياسية قد تراكمت لديه مع السنوات وساعدت في تكامل معارفه وفكره، ومهّدت لانتقال الحكم إليه في الوقت المناسب.
لقد رُصدت بين شخصيّات الملوك السابقين لهذه البلاد سماتٌ متقاربةٌ مشتركةٌ، تتمثّل في التناغم المتوازن بين الثابت والمتغيّر في الشأن الاجتماعي، والفهم التنويري للتديّن، والتدرّج في الإصلاح والانفتاح، وترسيخ التقاليد المفيدة، وهي جميعا سمات محافظة قامت عليها هذه البلاد منذ توحيدها.

5 - أما المكوّن الخامس في فكره فهو ارتباطه بالعديد من المؤسسات العلميّة والثقافيّة، ومن أهمها علاقته الوثيقة بمكتبة الملك فهد الوطنية، بدءا من المبادرة إلى اقتراح تأسيسها بمناسبة تولّي الملك فهد مقاليد الحكم في البلاد (1982)، حيث أعلن أهالي الرياض عن قيامها في العام التالي. كانت المكتبة الوطنية مشروعا متواضعا أقامت وزارة المعارف نواته لإصدار شهادات الإيداع والتسجيل الرقمي للإصدارات السعودية، ثم انتشله سلمان ومن ورائه أهالي العاصمة لتكون المكتبة الوطنية دُرّة المعرفة والتوثيق في جبين الوطن، على النحو الذي يعرفه المجتمع العلمي والثقافي. وقد اكتسى مقرها الأنيق وسط العاصمة هذا العام على طريقي الملك فهد والعُليّا العام وبعد نحو عقدين من إنشائه تصميما جديدا لافتا بطاقة استيعابية مضاعفة، وتمّ كلُّ هذا العمل الجليل بأقل قدر من الأضواء، وبأكبر قدر من التواضع والصمت، وبأعلى مقدار من الكفاءة الإدارية والمكتبية.

6 -أما المرتكز السادس في مُدركاته المعرفية، فإنه رئاسته - تحديدا - لمجلس إدارة دارة الملك عبد العزيز، وهي المركز التوثيقي والبحثي الأول لحفظ تاريخ الجزيرة العربية والمملكة العربية السعودية وسيرة مؤسسها وحكّامها، فلقد يسّر له الاقتراب المباشر مع الدارة أن يمارس هوايته في ألاّ يترك كتابًا مهمًا تطرّق كليًا أو جزئيًا إلى سيرة الملك المؤسس والدولة السعودية إلا وأحاط بقراءته أو طلب من باحث تلخيصه أو علّق على ما فيه، حتى صار التاريخ يجري في عروقه، وأصبح يحفظ تراث البلاد حفظا علميّا يتتبُع من خلاله ما كتب عنه، ويُفنّد أي التباسات تحيط بسيرة رجالاتها، ويُوجّه بإجراء البحوث حول أي غموض يحتاج إلى استقصاء، وأتاح له ولعه بالقراءة السريعة فرصة الإحاطة بما يرغب الاطلاع عليه سواءً من الكتب أو من المقالات، حتى لقد رُوي أنه قرأ أثناء ملازمته لأخيه الأمير سلطان في مرضه ما يربو على ثمانين كتابا، وكان الكتاب لا يفارقه أثناء رحلاته البرية والجوية.
بدأت علاقته بالدارة منذ قيامها عام 1972 وذلك من خلال اهتمامه الشخصي بالتاريخ والتوثيق، وكانت الدارة بدأت مرتبطة بوزير المعارف، ثم بوزير التعليم العالي، ثم صار سلمان بن عبد العزيز رئيسًا لمجلس إدارتها منذ عام 1997. وقد ازداد تواصله مع الدارة منذ أن بدأت تشارك في التحضير للاحتفال بذكرى المئويّة التي كان يشرف على أدق تفصيلات الاستعداد لها، حيث صار التواصل اليومي بينه وبين الدارة لا ينقطع، وقد اضطر - بعد تنامي مسؤولياته السيادية عندما أصبح بعد عام 2012 وليّا للعهد - لتفويض معظم مهامه ورئاساته في اللجان والمؤسسات الرسمية والأهلية والخيريّة الإضافية، لكنه استثنى الدارة ومركز العلامة حمد الجاسر الثقافي، كما سيرد.
توافرت له مع الدارة سبل القراءة المنظّمة والاطّلاع على ما يجّد من إصدارات تقع في دائرة اهتمامه، والتواصل المستمر مع المؤرّخين والباحثين من أمثال حمد الجاسر وعبد الله بن خميس والدكتور عبد الله العثيمين ومحمد أحمد العقيلي وعبد الرحمن الرويشد، والرجوع إليهم، والإحالة عليهم للاسترشاد برأيهم العلمي مُكوّنا معهم دوائر فكرية وثيقة وراقية.
وفي السنوات القليلة الماضية، صارت الدارة تشرف بتوجيهاته على مركزي بحوث مكة المكرمة والمدينة المنورة، لتضفي على المركزين إضافة نوعية وعمقا تنسيقيّا مكّنهما من الوصول إلى أذرعة البحث الوطنية ومصادر المعلومات المتوافرة في الدارة، وجعلهما في اتّساق مع ما تقوم بها من جهود، مع إبقاء سمة الاستقلالية الإدارية لهما.

7 - أما الركن السابع في تكوينه الذهني فإنه التواصل غير المسبوق بين هذا الحاكم الإداري رجل الدولة في مثل مقامه من ناحية، وبين المثقفين من ناحية ثانية، والمتابعة الدؤوبة لما يكتب في الصحافة المحلية والعربية، لدرجة قد يستغرب المراقب معها كيف يتّسع وقته لقراءاته الفكرية مع وجود مشاغل الدنيا الرسمية والأُسرية على عاتقه. فذكر العديد من الكتّاب والإعلاميين السعوديين والعرب على مدى خمسين عاما وبكثير من الانبهار تواصله معهم عند نشر مقالاتهم والتعامل الراقي في نقد ما كتبوه سلبا أو إيجابا والتعليق عليه، وتحدث الأدباء والإعلاميون عن ذكرياتهم معه، وصفوه بأنه «الأمير القارئ والمثقّف» و«صديق الصحافة والإعلاميين» و«المؤرخ» و«صديق الكتاب». ويؤكّد المطّلع من واقع تجارب متعددة صدق هذه الألقاب، حيث إن للعشرات منهم مواقف فيها تعليق على مقال أو نظرة في كتاب أو تصحيح معلومة، في علاقة مبنيّة على المثاقفة، تبدأ باتصال ثم بمعرفة ثم بصداقة، وقد تتواصل إلى زيارة في مشفى أو مواساة في منزل، وكنت وكثيرون غيري شهودا على ما كان يضمره من احترام متساوٍ للمثقفين والأدباء ورجال الصحافة والإعلام، ومن مشاركة لأقلامهم ومقالاتهم في ردوده وتعليقاته، وفي الإدلاء بتوثيق المعلومات والأحداث، ويأتي شاهدا على حقيقة حرصه على الدقة والموضوعية أنه لم يسع في يوم من الأيام إلى تزييف المعلومات المتعلقة بسيرته وحياته.
يمتلك سلمان بن عبد العزيز على صعيد العلاقات الداخلية والخارجية - بالإضافة إلى ما تقدّم - رصيدا من الصداقات الوثيقة مع الزعماء والمفكّرين والأعيان، مع حضور ذهني متوقّد لاستعادة الذكريات التي يختزنها مع عشرات الشخصيّات.
8 - ولا بدّ من أن تُعدّ مكتبته المنزليّة الخاصة في مقدّمة مُدركات المعرفة في تكوينه الفكري، وكانت مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية نشرت في عددها الصادر بمناسبة الذكرى المئوية (يناير/ كانون الثاني، 1999) تحقيقا مصوّرا غطّى تاريخ المكتبة وحجمها ومكوّناتها من الكتب والدوريّات والوثائق والمخطوطات وأوعية المعلومات، كما تحدث التحقيق عن الطبعات الفريدة من الكتب النادرة التي تضمّها المكتبة، وعن أسلوب فهرسة عناوينها بالبطاقات على نظام «ديوي» العالمي المعروف ثم تخزينها على الحاسوب، وقد فاقت ثلاثين ألف عنوان متعددة الأجزاء والمجلّدات. وللمكتبة أمناء يتولّون متابعة حركة النشر الداخلية والخارجية، وإعداد الملخّصات والتقارير المطلوبة، وهم يرافقون الملك سلمان في تنقلاته، يمدّونه وأنجاله بما يطلبونه على مدار اليوم من مواد المكتبة أو من خارجها، في حين يحرص على الدوام على تزويد الدارة بما يقتنيه أو يُهدى أو يصل إليه من وثائق نادرة وكتب قديمة أو جديدة تقع في دائرة اختصاص الدارة، في مبادرة منه لدعم أهداف الدارة من ناحية، وليكون قدوة للمواطنين لإيداع ما لديهم من وثائق ومخطوطات ومصادر تاريخية. وقد تطرق التحقيق المنشور في مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية إلى برنامج دعم الكتب التي تطبع على نفقته، وإلى ذكر نماذج منها. والمعروف أن الملك سلمان يتمتع بسرعة القراءة والاستيعاب، ويخصص من وقته اليومي ساعات يومية محدّدة للقراءة، ولارتياد مكتبته التي تعدّ في نظر المكتبيين من أكبر المكتبات من نوعها لزعيم في العالم.

9 - وتتمثّل الركيزة التاسعة في تكوينه الذهني في رئاسته الفخرية للعديد من المراكز العلمية والثقافية والكراسي البحثية والجمعيات العلمية والمؤسسات التعليمية والجوائز التي ارتبطت باسمه، وهي - كما يبدو من أسمائها في المجمل - تعكس شخصيّته واهتماماته الثقافية، يأتي من بينها مركز العلاّمة الشيخ حمد الجاسر الثقافي، حيث لم ينقطع الملك سلمان منذ تأسيس المركز عن أن يوليه رعايته والاهتمام بحضور مناسباته وبرئاسة اجتماعات مجلس أمنائه، متذكّرا على الدوام خلال الاجتماعات ما كان يشعر به من تقدير لعلمه وآرائه، ومن اتصالات متكررة معه على بساط البحث والتنقيب التاريخي والجغرافي والأدبي، وبلغ من احترامه للشيخ الجاسر أن احتفظ الملك لنفسه حتى تاريخه بالرئاسة الفخرية لمركزه الثقافي على الرغم من مشاغله، كما سلف.
وتضم قائمة المراكز والجمعيّات وكراسي البحوث كلا من: مركزي أبحاث مكة المكرمة والمدينة المنورة، والجمعية السعودية التاريخية، وجائزته للدراسات التاريخية والحضارية للجزيرة العربية، ومؤسسة الرياض الخيرية للعلوم، وواحة سلمان بن عبد العزيز للعلوم، وجائزة أبحاث الإعاقة، وكرسي الدراسات التاريخية والحضارية للجزيرة العربية، وكرسي دراسات تاريخ مكة المكرمة، وكرسي تاريخ المدينة المنورة.

10 - ويتصل العنصر الأخير في سلسلة هذه المُدركات المعرفية بالمشاركات والحوارات التي يحرص عليها أثناء لقاءاته بالعلماء والمثقفين وأساتذة الجامعات وطلابها، وكان من أبرز أمثلتها محاضرته في جامعة أم القرى (2008) ومحاضرته في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (2011) ومحاضرته في العام التالي في جامعة الملك سعود، وما سبق هذه المحاضرات أو جاء بعدها من حوارات مما يعقده بشكل شبه أسبوعي ويعبّر فيه عن مواقف فكرية ثابتة في ذهنه، كتلك التي يستعيدها بين الحين والآخر عن مصطلح الوهابية، وعن العوامل التي أسهمت في سقوط الدولة السعودية الأولى والثانية، وعن حثه على النقد البنّاء، وتشجيعه للكاتب على أن يتبنّى قضايا مدينته كما يتبنّى قضايا وطنه الكبير، وأن المطلوب ممن يكتب أن يتقصّى الحقائق، وأن تاريخ المؤسس هو تاريخ للوطن كله، وهكذا.
وإن هذه القراءة لا تكتمل دون التأمّل في الأبعاد الإنسانية في شخصيّته، وهي سمات يتناول الكتّاب تحليلها بين الحين والآخر، وأكتفي هنا باستدعاء ثلاث علامات منها؛ «الكاريزما» الرزينة، والدعابات المرحة، ولمحات الوفاء، تلك الثلاثية التي يعتمرها في قلوب المواطنين والضيوف منذ أن تبوّأ الوظيفة العامة في منتصف القرن الماضي، مما يُغبط عليه من المناقب الواضحة فيه، وحين يستذكر في لقاءاته شراكة الآباء والأجداد في الأسرة والقبيلة والبادية من أدنى البلاد إلى أقصاها في بناء الدولة، جنبا إلى جنب مع من استخلصهم والده من المستشارين العرب، في جهودهم المقدّرة للإسهام في صنع الوحدة وتأسيس الكيان.
ثم ماذا يمكن، في ضوء هذه الإضاءات العشر، أن يقال عن عامه الأول في الحكم متّكئا على استحقاقات رجل الدولة، وعلى قدراته المعرفية الخاصة التي اكتسبها خلال خمسين عاما ونيّف أميرا لمنطقة العاصمة، ثم وزيرا للدفاع، فوليّا للعهد ونائبا لرئيس مجلس الوزراء، وقد صارت الثقافة والاطلاع جزءا من مؤهلاته ومكوّنات سيرته، واتّشح اسمه بالتلازم الوثيق مع مجتمع الفكر والمعرفة ومحيط الإدارة، والمشاركة الدائمة في المناسبات والندوات والمؤتمرات العلمية، والتواصل المباشر مع العلماء والأدباء والمثقفين، إلا أن تكتسي شخصيّته بملامح غير معتادة من التميّز والتفرّد بين القيادات السياسية السائدة؟
إن من يطّلع عن كثب على سيرته أميرا، لن يُفاجأ بما شهده المجتمع في اثني عشر شهرا أمضاها في سُدّة الحكم، من قرارات تُعزّز الحزم والشفافية والنزاهة والإصلاح، وتجسّد خصائصه وخبراته التراكمية من وعي بمحيطه، وفهمٍ لمجتمعه، واستيعابٍ لواقعه العربي، فلقد تفتّقت قريحته ملكا عن إصرار على تجديد كيان الدولة بدماء شابّة، وعلى تحديث بيئة القضاء والتعليم والأمن ومفاصل الإدارة والخدمات بروح وثّابة وبطاقات غير متثائبة، وعلى الإقدام في اتخاذ قرارات جريئة تحافظ على هيبة الدولة وأمن الوطن، وعلى توجّه نحو تغيير المعادلة التقليدية وموازين القوة في المنطقة، وهو ما يبشّر بالتفاؤل بإذن الله، بأن المجتمع الجديد قد صار بالفعل أمام عهد مضيء للتحوّل الوطني، نحو تنمية طموحة مبنيّة على قواعد اقتصادية متينة متنوّعة، وعلى بنيان متكامل وثيق يرتقي في جانبه المعرفي بالمكانة العلمية والفكرية للمؤسسات التعليمية وتنشيط برامجها الحوارية والثقافية والمنبرية، والعمل على تحقيق مشروع معرفي راقٍ يرتكز على مبادئ الماضي وتباشير المستقبل.
* موجز محاضرة في جامعة بيشة بمنطقة عسير جنوب السعودية (الثلاثاء 2016/1/26)



كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين
TT

كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين

في الأدب تحدث لحظات فريدة تغيّر الكتاب والمثقفين من حال إلى حال آخر. ومن الممكن وصف تلك اللحظة بأنها انفجار داخلي عظيم يغيّر الذات كلياً حتى الانفعالات تتغير هي الأخرى لتنسجم مع التغير الحاصل. حدث هذا الأمر عند طه حسين حين تحول إلى مثقف ديكارتي في فترة مبكرة جداً من حياته. ولن أبالغ لو قلت إن هذا التحول الدرامي في حياة عميد الأدب وفكره كان مهماً جداً ويشبه ثورة ذوقية وفكرية كبرى لو قُدر لها النجاح.

بكل تأكيد لم يتوقع أحد أن الشاب الأزهري الحاصل على إجازة الدكتوراه في الأدب من الأزهر الذي غادر للدراسة في فرنسا عام 1914سيعود شخصاً آخر بكل معنى الكلمة. بعبارة أدق، سافر طه حسين أزهرياً وعاد لمصر ديكارتياً. الشاب الأزهري عاد شخصاً آخر، وعياً وموقفاً. ويمكن القول إن تأثير ديكارت في طه حسين لا يقل عن تأثير أبي العلاء المعري فيه. فهذان العملاقان صنعا من طه حسين مثقفاً ثائراً شاكاً يفكر دوماً في البحث عن إثارة الأسئلة والشك الذي لا يكاد يطفئه يقين.

ديكارت

لنضف إلى الصورة حدثاً آخر هو: اختيار طه حسين أن يعلن أنه ديكارتي في أروقة الجامعة المصرية التي كان يدرس بها. هل يتخيل أحد هذا الأمر. داخل الجامعة، حيث يتعلم الطلبة منهج البحث العلمي، ويدرسون نماذج من الشعر العربي والموروث المبجل، يقوم طه حسين بإلقاء محاضرات يكشف فيها أنه ديكارتي المنهج، ثم يحاول من خلال محاضراته أن يشك في الغالبية العظمى من الشعر الجاهلي لأنه «شعر موضوع ومنتحل في العصرين الأموي والعباسي». ويذكر بعض ناقدي طه حسين أنه شك في بعض القضايا الدينية في محاضراته تلك والتي نشرها في عام 1926 بعنوان «في الشعر الجاهلي». وكما هو معروف، أثار الكتاب ضجة كبيرة في مصر عرضت مؤلفه إلى المساءلة والتهديد بالقتل. سُحب الكتاب من الأسواق، وأُعيد طبعه بعنوان آخر هو «في الأدب الجاهلي» بعد رفع أربعة فصول منه. هذا يعني أن الكتاب نظف من أثر الشك - عدا لمسة تتعلق بالشعر الجاهلي - كي تتقبله أذواق المؤسسة الرسمية وبعض المحافظين الحالمين بعالم ساكن مألوف يبتعد عن منغصات تؤرق الذوق العام الراكد.

كيف إذن يمكننا تأويل شك طه حسين أو كيف نفهم محاولته الفكرية التي صرح بها أمام طلبته وحراس التقليد جميعاً يوم قرر أن يبدي وجهة نظر مختلفة ومغايرة لما هو سائد؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه. أدرك طه حسين بحدسه العميق سر قوة الشك في أن تتحول إلى عمل منهجي يقلب الأسس التي شيدها يقين طويل من التكرار. بهذا المعنى سيكون الشك أداة لا تقل أهمية عن يقين نسلم به. الشك هو وقفة مهمة لفهم ما يجري. وإذا كان اليقين يمنح العقل هدوءاً مريحاً ثم ترتبط الانفعالات بهدوء العقل فإن الشك يقلب كل شيء ويغيره. وهذا ما حدث عند نشر كتاب «الشعر الجاهلي». ولعل هياج الغاضبين وانزعاجهم يدل على أن العقل قد تعرض لصدمة ورجّة كبيرة حين أحس بأنه سيفقد منظومته المتكونة من تكرار معرفي لمعلومات جعلت العقل يهدأ ومنحت الانفعال طاقة محدودة يحس بها من يقرأ قصيدة لشاعر جاهلي.

تمثال المعري للنحات عاصم باشا

فكّك الشك المنهجي عملية عقلية كاملة لو قدر لها النجاح لغيرت تعاملنا مع الموروث بأكمله. على هذا الأساس لم تكن قضية كتاب الشعر الجاهلي مجرد جرأة نقدية لنسف الشعر الجاهلي بأكمله تقريباً وإنما كانت لحظة فارقة هددت هدوء العقل وهويته التي تكونت عبر سنوات وسنوات. فجأة أحس المتزمتون وممن يعشقون الموروث دون فحص أنهم تعرضوا لحالة اعتداء عقلي قام بها أستاذ من لحمهم ودمهم. الاعتداء العقلي هو تعريض بعض الثوابت للشك. لا يعني الشك هنا سخرية من الآخر بل يعني طرح أسئلة من الصعب تقبلها أو مناقشتها. هذا ما صنعه كتاب «في الشعر الجاهلي». لكن أهم ما يمكن أن نؤكد عليه بعد كل هذه العقود هو لحظة التحول المعرفي التي غيرت وجهة نظر عميد الأدب العربي. كيف حدثت؟ وفي أي لحظة؟ وما الإحساس الذي اعتراه حينها؟ هل أحس بنشوة عميقة حررته من ثقل معرفته التقليدية؟ هل أشعرته لحظة التغيير بأنه أدرك بوضوح معنى أن يكون خارج هويته التي يشترك بها مع الآخرين؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه

من المؤسف إذ لم ينتبه أحد إلى حقيقة وجوهر تجربة عميد الأدب العربي مع ديكارت. كما أن هذا الرجل الضرير عاش واتُّهم وهوجم وهُدد. وهناك في سيرته التي كتبتها زوجته إشارات كثيرة لقلقه ويأسه وانفعاله. وما فات الجميع ولم ينتبهوا له هو كيف جمع طه حسين رؤيتين متناقضتين كل التناقض أثرتا فيه تأثيراً كبيراً، أعني حبه وتأثره بالمعري وتمسكه بمنهج الفيلسوف الفرنسي ديكارت في الوقت نفسه. المعري متشائم ويائس وغاضب من كل شيء وديكارت عقلاني يبحث عن يقين ثابت لا يمكن إنكاره. كيف عاش عميد الأدب مع هاتين الرؤيتين حتى موته. هذا الجانب الإنساني الخاص به لم يخضع للدراسة ولم يفسر جيداً. أتساءل هل كان لطه حسين حساباته الذكية لأنه لم يكتفِ بحل المعري حين اعتزل الناس أو أن يتحول إلى مجرد أستاذ أكاديمي يتقاعد وينسى؟

الأهم من هذا السؤال هو: كيف استطاع عميد الأدب أن يخفي تأثره الكبير بالمعري حتى إن القارئ لا يشعر إلا بمثقف عقلاني يبحث عن الحقيقة قبل كل شيء؟


دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين
TT

دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي. وهي عمل سردي يستكشف العلاقة المعقدة بين الذاكرة والهوية والكتابة، عبر بناء روائي متعدد المستويات يمزج بين السرد النفسي والاستقصاء التاريخي والتخييل الذاتي.

تدور الرواية حول شخصية «الكهل»؛ رجل فاقد للذاكرة يقيم في مصحّة غامضة تحت إشراف طبيب عسكري، بينما تراقبه سلطة غامضة يمثلها «العقيد». بالتوازي، يتتبع العمل مسار «سمير»، الكاتب الذي يعاني عجزاً إبداعياً قبل أن يتلقى دعوة للانضمام إلى «دائرة الكُتّاب المجهولين»، وهي فضاء سري يسعى إلى تحرير المبدعين من فشلهم. ومع تداخل هذين المسارين، تتقاطع الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، ويتحوّل البحث عن الماضي إلى مساءلة لحقائق السرد ذاته.

سمير قسيمي روائي جزائري عمل محامياً ومحرّراً ثقافياً وأدبياً في عدّة منابر عربيّة. صدرت له عدة أعمال سردية، من بينها «يوم رائع للموت» و«حبّ في خريف مائل» و«الحماقة كما لم يروِها أحد».

في ما يلي مقتطف حصري من الرواية:

دائرة الكُتّاب المجهولين

أخبرتُ الطبيب بكلّ ذلك، أو ربّما كان قد قرأه في أوراقي قبل أن يزورني. كنتُ قد هيّأتُ نفسي لأجيبه عن سؤال أعرف أنّه على طرف لسانه: «كيف تتحدّث عن كلّ ذلك كأنّه حقيقة؟ أنت لا تعرف اسمك، لا تذكر وجه أمّك ولا شكل أبيك. لا تعرف لمَ أنت هنا، ولا حتّى من أحضرك».

هيّأتُ نفسي لأجيبه، لكنّه لم يسأل.

ظلّ صامتاً للحظة، ثمّ قال بصوتٍ لم يعد يشبه صوته المعتاد:

– قلتَ إنّ تلك الدعوة وصلتك في لحظة انهيارٍ صامت. ماذا تقصد بذلك؟

– لأنّها وصلتني بعد عودتي من رحلة عملٍ قادتني إلى الشارقة. فقد انتدبني مديري لأمثّل شركتنا في ملتقى دوليٍّ هناك، وهو يتوقّع منّي أن أعتذر، فأنا لا أحبّ السفر. أراه مضيعةً للوقت في عصرٍ يمكنك فيه زيارة العالم من شاشة حاسوبك دون مغادرة أريكتك. لكنّني هذه المرّة قبلت، هرباً من واقعٍ عجزت عن مواجهته بشجاعة، واقع رحيل زوجتي إلى أهلها، رغبةً في التفكير في مستقبلنا معاً.

سبق لها أن فعلت ذلك، ترحل لكنّها تعود إليَّ بعد أيّام، لتعتذر وتقول لي إنّها في لحظة ضعفٍ استسلمت لوساوسها، وساوس الوحدة القاتلة، وإنّها بعدما فكّرت مليّاً أدركت أنّنا، بعدما تجاوز كلانا الخمسين، لم نعد معنيّين بمستقبلٍ لا يعنينا. كانت تقصد، دون أن تذكر ذلك صراحة، عجزنا عن الإنجاب، واستحالة أن نتمكّن من تبنّي طفل وقد أصبحنا في عمرٍ لا يسمح لنا برعايته كما يستحقّ.

هذه المرّة، لم تعُد. تسعة أشهر مرّت دون أن تردّ على مكالماتي المتكرّرة، وإذا حدث والتقينا صدفة، تُشعرني بأنّني أتحدّث إلى غريبةٍ لا أعرفها، كأنّ روحها هاجرت من جسدها وحلّت محلّها روحٌ أخرى.

– سافرت إذن إلى الشارقة وحضرت الملتقى؟

– سافرت، لكنّني لم أحضر الملتقى. لقد كان مجرّد قناعٍ أرتديه أمام العالم، وأمام نفسي. لم أقرأ ورقتي البحثيّة المملّة التي أعددتها على عجل، ولم أحضر جلساته التي بدت كطقوسٍ جنائزيّة لعقولٍ محنّطة.

بعد اليوم الأول، أعلمتُ المنظّمين ببرودٍ مصطنع أنّني سأقدّم مداخلتي مكتوبة، مدّعياً التهاباً حادّاً في الحلق يمنعني من الكلام، ويجبرني على البقاء في غرفتي الفندقيّة الفاخرة والموحشة كقبرٍ مُكيّف. كذبةٌ صغيرة استمتعت بها، ربّما لأنّها كانت الشيء الوحيد الذي اخترته بإرادتي الحرّة منذ زمن.

تخلّصت من التزامات الملتقى، وبقي أمامي يومٌ كامل قبل موعد العودة؛ يومٌ بدا لي أطول من حياةٍ بأكملها، فارغ كصفحة بيضاء تنتظر كلمة لن تُكتب. فكّرت في البداية أن أقضيه في الفندق، محدّقاً في السقف المزخرف بسخافة، أو متابعاً قنواتٍ إخباريّةً تردد نفس الكوارث بنفس الوجوه الشاحبة. لكنّ معرض الكتاب كان قد افتتح أبوابه للتوّ، فقرّرت، بدافعٍ من عادةٍ قديمة لم أستطع التخلّص منها، أو ربّما من يأسٍ مقنّع يبحث عن أيّ قشّة، أن أذهب لأستمع لكتّابٍ يقدّمون تجاربهم، كأنّني ما زلت أبحث عن تلك الوصفة السحريّة للكتابة.

حضرت ندوتين، لم أستفد منهما شيئاً سوى الشعور بالمزيد من الإحباط والضآلة، ثمّ رحت أجول في أروقة المعرض المزدحمة والصاخبة، أتصفّح أغلفة الكتب الجديدة بعينين متعبتين، أبحث لاشعورياً عن كتبٍ تشرح الكتابة للمبتدئين أو تعلّم الإبداع بخطواتٍ سهلة ومضمونة. وجدت الكثير، بعضها يَعِد بتحويلك إلى روائي عالمي في ستّة أشهر، وأخرى في شهرين، كأنّها وصفات طبخٍ سريعة لطبقٍ معقّد. لم أشترِ شيئاً، وفضّلت العودة إلى عزلتي في الفندق، إلى صمت الغرفة الذي بدا لي أرحم من ضجيج الآمال الكاذبة.

في طريقي إلى المخرج، وكالمُنوَّم مغناطيسيّاً، وجدت نفسي أقف أمام جناح دار نشرٍ طالما حلمت بالوصول إليها، دار نشرٍ كانت تمثّل لي القمّة البعيدة، الحلم المستحيل. كنت قد أرسلت إليهم عشر مخطوطات على مدى أعوام، وكلّها رُفضت برسائل نمطيّةٍ باردة كأنّها كُتبت بواسطة آلة. كتبها لا تصل إلى الجزائر إلّا نادراً، وبأسعارٍ خياليّة.

لحظة جنونٍ عابرة، أو ربّما شجاعة وُلدت من رحم اليأس المطبق، دفعتني للتفكير: ماذا لو تحدّثت إلى صاحبها؟ لعلّه يخبرني، وجهاً لوجه، بسرّ هذا الرفض المتكرّر، بالعيوب الحقيقيّة التي لم تجرؤ لجان القراءة على تسميتها. لعلّي أستدرك أخطائي، أو ربّما أتوقّف عن هذه المهزلة نهائيّاً.

اشتريت روايتين من الجناح بشكلٍ عشوائي، إحداهما مترجمة لكاتبٍ لم أسمع به من قبل، والأخرى لكاتبةٍ ناشئة بدا غلاف كتابها حزيناً كوشاح أرملة. ثمّ سألت الشابّ الذي كان يقف خلف طاولة البيع عن صاحب الدار، فدلّني عليه بإشارةٍ مقتضبة من رأسه، دون أن يرفع عينيه عن هاتفه.

تقدّمت نحوه بخطواتٍ متردّدة، أثقل من خطوات سجينٍ يُساق إلى حبل المشنقة. كان يقف منتصب القامة، أنيقاً في بدلته الدكناء، يتحدّث بابتسامةٍ محترفة ومصقولة مع رجلٍ يبدو من هيئته أنّه شخصيّةٌ مهمّة. انتظرت على بعد خطوات، أشعر بالغرابة والخجل، كأنّني متسوّلٌ يقف على باب قصرٍ فخم، لا ليطلب صدقة، بل ليطلب اعترافاً بفشله. انتظرتُ حتّى انصرف الرجل المهمّ، فاقتربت، وقلبي يدقّ ببطءٍ مقلق، كأنّه يستعدّ للتوقّف. شعرت ببرودةٍ في أطرافي، وبجفافٍ في حلقي.

حين التقت نظراتنا، رفعت صوتي قليلاً لأتغلّب على الضجيج المحيط:

– مساء النور، أستاذ.

ومددت يدي لأصافحه. يدٌ باردة ورطبة قليلاً. أضفت بسرعة، كمن يلقي اعترافاً أخيراً قبل أن يغيّر رأيه:

– في الحقيقة، كنت منصرفاً، لكنّني رأيت جناح دار نشركم، فتوقفت. اشتريت هذين الكتابين، وخطر لي أن أتعرّف إليك شخصيّاً.

قلتها بلهجتي الجزائريّة، متعمّداً هذه المرّة، لا بكبرياء زائفة، بل كإعلانٍ عن هويّتي الضائعة في هذا المكان الغريب. كثيرٌ من كتّابنا يتحاشون لهجتنا في المحافل العربيّة، ليس ليفهمهم الجميع، فالفصحى تكفي لذلك، بل لشعورٍ دفين بالنقص يدفعهم لاستعارة لهجات تبدو لهم أكثر «رقيّاً» أو «عروبة».

توقّعت أن يطلب ترجمة، أو أن يبتسم بسخريةٍ خفيفة، أو أن يتجاهلني ببساطة. لكنّه فهم، أو تظاهر بالفهم ببراعة. قال مبتسماً ابتسامةً مدرّبة كشفت عن أسنانٍ ناصعة البياض بشكلٍ مبالغ فيه:

– آه، جزائري! يا أهلاً وسهلاً! مرحباً بك، يسعدني التعرّف إليك. أتمنّى أن تجد في كتبنا ما يمتعك ويثري تجربتك.

أضاف وهو يصافحني بحرارةٍ وقوّة كادت تسحق عظام يدي:

– أحبّ لهجتكم كثيراً، مزيجٌ فريد ورائع من التاريخ والجغرافيا، من الفرنسيّة والإسبانيّة والإيطاليّة والتركيّة والعربيّة طبعاً، وحتّى بعض الأمازيغيّة أحياناً. مزيجٌ غير متجانسٍ تماماً، أعترف، لكنّه ساحر في تركيبته. دائماً ما أقول لأصدقائي العرب ممّن يزعمون أنّها غير مفهومة: إنّها تحتاج فقط إلى بعض الثقافة والقلب المفتوح للاستمتاع بها، كقطعة موسيقى جاز معقّدة.

ابتسمت ابتسامةً باهتةً، مقدّراً لباقته المصطنعة، لكنّني لم أصدّق حرفاً واحداً خرج من فمه، فقد شعرت بكلماته كأنّها جزءٌ من نصٍّ محفوظ يلقيه على مسامع كلّ جزائريٍّ محتمل.

قلت معلّقاً بصوتٍ خافت، كأنّني أحدّث نفسي: «من ذوقك الراقي». ثمّ استجمعت شجاعتي الباقية وقدّمت نفسي:

– أنا كاتب، أو بالأحرى... أحاول يائساً أن أكون كاتباً. كتبت عشر روايات، سبق أن أرسلتها إليكم على مدى سنوات.

اتّسعت عيناه بدهشةٍ مصطنعة ومبالغٍ فيها. قال وهو يتقدّم نحوي بخطوة:

– عشر روايات؟ يا إلهي! واو! هذا إصرارٌ مذهل! عددٌ هائل بالفعل!

– عشر روايات، وكلّها رفضتها لجنتكم الموقّرة للقراءة.

قلتها بمرارة لم أستطع إخفاءها هذه المرّة، مرارة تسرّبت إلى صوتي رغماً عنّي.

انكمش وجهه قليلاً، كقناعٍ مطّاطي فقد بعض الهواء، لكنّ ابتسامته المحترفة لم تتلاشَ تماماً.

سأل بهدوءٍ حذر، كمن يسير في حقل ألغامٍ يعرف مكان كلّ لغمٍ فيه:

– وتعتقد أنّنا أخطأنا في تقييم أعمالك؟ أنّنا ظلمناك ربّما؟

– على العكس تماماً... أظنّ أنّها كانت غير صالحةٍ للنشر. ربّما كانت مجرّد أصداءٍ باهتة لكتّاب آخرين أحببتهم وقرأتهم حتّى حفظت إيقاع جملهم.

أجبت بلا تردّد، بصدقٍ فاجأني أنا نفسي، صدقٍ نابع من قاع اليأس.

ضحك هذه المرّة بصوتٍ أعلى، ضحكة بدت حقيقيّةً للحظةٍ خاطفة، كشرارةٍ في عتمة، ثمّ تماسك بسرعة، ودعاني للجلوس إلى طاولةٍ صغيرة منعزلة في زاوية الجناح، كأنّه يخشى أن يسمع أحدٌ حديثنا.

بادرني وهو يشير لنادلٍ افتراضي لم يكن موجوداً:

– أصدقائي الجزائريّون يفضّلون القهوة القويّة، السوداء، بلا سكّر. وأنت؟ قهوة أم شاي؟

– لا هذه ولا تلك، شكراً جزيلاً.

أضفتُ شارحاً: لا أحبّ المنبّهات. أفضّل عقلاً يعمل بإيقاعه الطبيعي، أو على الأقلّ، لا يعمل بفعل منبّهٍ خارجي يملي عليه ما يجب أن يشعر به.

ابتسم شابكاً أصابع يديه:

– قد تكون أول كاتبٍ ألتقيه يفضّل عقله هكذا، صافياً. وبلا شكّ، أنت أول كاتبٍ أعرفه لا يغضب كالثور الهائج إذا أُخبر أنّ كتابه سيّئ.


قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ
TT

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة، وهو عمل يجمع بين أدب الرحلة والتحليل الحضاري والرؤية التنموية، مسلطاً الضوء على إقليم شينجيانغ في الصين، بوصفه نموذجاً مركزياً في التحولات المعاصرة.

الكتاب لا يكتفي بوصف الجغرافيا الممتدة من جبال تيان شان المكسوة بالثلوج إلى صحراء تاكلامكان الذهبية، بل ينفذ إلى عمق التجربة الإنسانية في منطقة تشكّل نحو سدس مساحة الصين. إنه قراءة في المكان كهوية، وفي الإنسان كحامل لذاكرة حضارية، وفي التنمية كخيار استراتيجي.

من خلال زياراته إلى أورومتشي وكاشغر، يرصد المؤلف مشاهد الحياة اليومية: الأسواق التقليدية، والحرف اليدوية، والموسيقى الشعبية، وثقافة الضيافة، وحضور المساجد والعمارة التاريخية... ويبرز كيف استطاعت القوميات المختلفة - الأويغور والكازاخ والهوي وغيرهم - الحفاظ على خصوصياتها الثقافية ضمن إطار دولة حديثة تسعى إلى تعزيز الوحدة الوطنية والاستقرار الاجتماعي.

غير أن الكتاب يتجاوز البعد الثقافي إلى قراءة أعمق في التحول التنموي الذي شهده شينجيانغ. فهو يتناول مسار تحديث البنية التحتية، من شبكات الطرق والسكك الحديدية إلى المناطق الصناعية الجديدة... ويضيء على سياسات التنمية الريفية وتحسين التعليم والرعاية الصحية، في سياق الجهود الوطنية الصينية للقضاء على الفقر وتعزيز العدالة الاجتماعية.ويضع المؤلف هذه التحولات ضمن رؤية سياسية أوسع تقودها الدولة الصينية، تقوم على الربط بين التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي، وبين النمو والاندماج الوطني. ففي إطار مبادرة «الحزام والطريق» التي أطلقها الرئيس الصيني شي جينبينغ عام 2013، برز شينجيانغ كبوابة استراتيجية للصين نحو آسيا الوسطى والشرق الأوسط، ومحور لوجيستي يعيد إحياء الروابط التاريخية لـ«طريق الحرير»، ولكن بروح تنموية معاصرة.

ويعالج الكتاب سؤالاً محورياً في التجربة الصينية: كيف يمكن تحقيق الازدهار في منطقة متعددة الأعراق والثقافات دون المساس بالهوية؟ وكيف تتحول التنمية إلى أداة للتماسك الاجتماعي لا مصدر للتوتر؟ في هذا السياق، يقدّم المؤلف قراءة عربية لتجربة شينجيانغ بوصفه مختبراً حياً لإدارة التنوع في إطار دولة مركزية قوية.

ويتضمّن الكتاب تقديمين؛ الأول للدكتور شوي تشينغ قوه (بسام)، أستاذ الدراسات العربية في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، والثاني للإعلامي حسين إسماعيل نائب رئيس تحرير الطبعة العربية لمجلة «الصين اليوم»، ما يمنح العمل بعداً أكاديمياً وإعلامياً يعزّز موقعه في سياق الحوار الثقافي العربي - الصيني.

وارف قميحة هو باحث في الشأن الصيني، ورئيس جمعية طريق الحوار اللبناني - الصيني، ورئيس الرابطة العربية - الصينية للحوار والتواصل، وأحد الأصوات العربية البارزة في مجال تعزيز الحوار الحضاري وبناء الجسور المعرفية بين العالم العربي والصين.

ويأتي هذا الإصدار في لحظة يتزايد فيها اهتمام القارئ العربي بالنموذج التنموي الصيني، ليقدّم قراءة عربية مباشرة لتجربة شينجيانغ، حيث يتقاطع جمال الطبيعة، وعمق التقاليد، ومسار القضاء على الفقر، مع رؤية سياسية وتنموية تسعى إلى بناء مجتمع مستقر ومزدهر في إطار دولة حديثة متعددة الثقافات.