الجمارك السورية في قبضة الفرقة الرابعة.. وأتاوات لا تجد طريقها إلى الخزينة العامة

الجمارك السورية في قبضة الفرقة الرابعة.. وأتاوات لا تجد طريقها إلى الخزينة العامة

هي أحد الموارد المتبقية ولن يمسك بها إلا المقربون
الاثنين - 15 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 25 يناير 2016 مـ رقم العدد [ 13572]
صورة تعود لعام 2013 تظهر متسوقين يرتادون سوق الصالحية الشهير وسط العاصمة السورية دمشق (غيتي)

لم يؤثر استياء الأوساط التجارية في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام من ممارسات مديرية الجمارك وتدخل الفرقة الرابعة في ملاحقة التجار ومستوردي البضائع، في قرار رئيس مجلس الوزراء السوري وائل حلقي تعيين أحد المقربين من ماهر الأسد شقيق الرئيس السوري، مديرا عاما للجمارك السورية، الأمر الذي اعتبره البعض في الأوساط التجارية تنازل الحكومة عن إدارة الجمارك للفرقة الرابعة بشكل كامل وإطلاق يدها في تضييق الخناق على من بقي من التجار السوريين في الداخل.

وبحسب بيان رسمي صادر عن مجلس الوزراء، أعفى رئيس مجلس الوزراء وائل الحلقي مؤخرا مجدي حكمية من منصبه كمدير عام للجمارك وكلف فواز أسعد بدلا عنه. وذكر مصدر في رئاسة مجلس الوزراء أن إعفاء حكمية يأتي في إطار «تفعيل أداء العمل الحكومي».

إلا أن مصادر خاصة قالت لـ«الشرق الأوسط» بأن المدير الجديد الذي تم تعيينه «من المحسوبين على ماهر الأسد، وبهذا القرار باتت إدارة الجمارك تابعة للفرقة الرابعة، التي كانت تتدخل في ملاحقة البضائع المستوردة ومصادرة البضائع (المخالفة للشروط) وجباية أموال المخالفات من خلال دوريات مشتركة مع المكتب الثاني (السري) الخاص بمكافحة التهريب». وأشارت المصادر إلى أن عناصر الفرقة الرابعة ذات الصيت المرعب كانوا «يرهبون التجار المستوردين ويفرضون عليهم إتاوات بمبالغ هائلة كي لا تنظم مخالفات بحقهم».

وكان أول ظهور لتدخل الفرقة الرابعة في عمل الجمارك في مارس (آذار) 2014 في حادثة شهيرة قام فيها حاجز الفرقة الرابعة على بعد 3 كم من معبر (جديدة يابوس)، بتوقيف شحنة مهربة لصالح إيهاب مخلوف وأيهم الأسد، والأول هو ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد وشقيق رجل الأعمال المعروف رامي مخلوف، فيما الثاني هو ابن عم الرئيس السوري، علما بأن هذا الحاجز والذي يعد الأصعب والأشرس في التفتيش عن السلاح والمتفجرات في السيارات المغادرة والداخلة إلى ريف دمشق، وهو غير معني بالشحنات التجارية، لكن تبين لاحقا أن أمر توقيف الشحنة صدر من ماهر الأسد شخصيا. الأمر الذي اعتبر حينها إعلان وضع يده على هذا القطاع من الأعمال التي عادت لتنشط على نحو مزدهر في السنوات الخمس الأخيرة جراء فرض عقوبات دولية على سوريا، وظهرت شبكات جديدة من ضباط وموظفين مقربين من النظام في إدارات الجمارك في الموانئ والمعابر الحدودية التي ما تزال خاضعة لسيطرة النظام، تستغل الثغرات الإدارية البيروقراطية لجني الأموال غير المشروع.

ورغم ما يدفعه التجار سواء المهربين أو النظاميين من مبالغ كرشاوى لتمرير بضائعهم، فإن دوريات الجمارك لا تكف عن ملاحقاتها لهم، وضمن الحملة التي أطلقتها الحكومة العام الماضي وما تزال مستمرة تقوم دوريات بمداهمة مخازن البضائع والمحلات التجارية وحتى البسطات، بحجة أن «البيانات الصادرة مزورة».

وتبرر إدارة الجمارك والحكومة تلك الممارسات بأنها حملة واسعة لمكافحة التهريب بعدما غزت الأسواق البضائع المهربة وغير الخاضعة للرقابة الصحية، وأن الهدف من الحملة «حماية القطاع الصناعي الوطني وتجفيف منابع التهريب وليس مجرد تحصيل الأموال»، بحسب تصريحات مسؤولين في الحكومة والجمارك للإعلام المحلي الذي يفيد بأن إيرادات المديرية العامة للجمارك بلغت (396.‏63) مليار ليرة سورية في الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2015. إلا أن تلك الأرقام لا تظهر الرقم الحقيقي الذي يتم جبايته أيضا كرشاوى وإتاوات من قبل المكتب الثاني والفرقة الرابعة إتاوات لا تجد طريقها إلى الخزينة العامة.

ويشير أحد المستوردين رفض الكشف عن اسمه أن «هناك أربع أمانات جمركية فقط تعمل الآن ميناء في اللاذقية وميناء طرطوس ومعبر جديدة يابوس على الحدود مع لبنان ومطار دمشق الدولي، ورؤساء تلك الأمانات جميعهم من الساحل السوري. وهو أمر ليس مصادفة بل يشير إلى أن هذا المورد المالي الذي يعد أحد الموارد المتبقية للخزانة العامة لن يمسك به إلا المقربون. ويتابع مضيفًا من الطبيعي في ظروف الحرب القائمة ونشاط تجار الأزمات وأمراء الحرب أن تسعى الفرقة الرابعة لوضع يدها على هذا المورد الهام، لافتا إلى أن التجار والصناعيين اشتكوا أكثر من مرة لغرف الصناعة والتجارة من تجاوز موظفي الجمارك رغم وضوح البيان الجمركي وتوصيف السلع وإطلاق يد دوريات الجمارك لملاحقة التجار وتغريمهم واتهامهم بالتزوير بغرض الابتزاز.

من جانبه قال تاجر دمشقي فرّ مؤخرا إلى تركيا: «إن فساد موظفي الجمارك وأساليب الابتزاز التي يمارسونها بلغت حدا غير مسبوق، فهم يتجاوزون على كل شيء» ويقول: «قامت دورية مشتركة من الجمارك والفرقة الرابعة والجهاز الأمني المسؤول عن المنطقة وسط دمشق التي يقع فيها محلي التجاري بمداهمة المحل، وكأنهم يداهمون وكر عصابة مسلحة تتاجر بالمخدرات، وراحوا يقلبون البضائع قطعة.. قطعة. ولما تبين أنه لا شيء غير قانوني قالوا: إن البيان مزور وهددوني بتنظيم مخالفة بأكثر من ثلاثين مليون ليرة. وبعد مفاوضات طويلة دفعت ثلاثة ملايين، وأحدهم قال لي (اعتبرها تبرع لجيش الوطن الذي يحميك)».

أضرت تلك المداهمات بالحركة التجارية التي باتت رهنا لمديرية الجمارك والفرقة الرابعة، ولم يؤثر ارتفاع أصوات التجار والصناعيين خلال اجتماعاتهم مع الحكومة في الحد من الضرر الذي لحق بهم والذي انعكس على الأسعار فارتفعت بشكل جنوني، عدا عن هروب الكثير من التجار والصناعيين إلى خارج البلاد العام الماضي، رغم تأكيدات الحكومة بأن التجار والصناعيين والمستوردين «غير مستهدفين بإجراءات الكشف الجمركي بل المستهدف هم أصحاب مستودعات فيها بضائع مهربة». واتبعت الحكومة تلك التأكيدات بالتوعد بإجراءات صارمة ستتخذ بحق الجمركيين الذين يثبت فسادهم وابتزازهم للتجار.

وتعليقا على مدير الجمارك الجديد توقع التاجر الدمشقي «أن يقوم كسابقه بتنقلات وإقالات لعدد من الموظفين الكبار المحسوبين على الإدارة السابقة بزعم مكافحة الفساد وتعيين جماعته من المقربين، بالتزامن مع تعزيز الشائعات حول الدعم اللامحدود الذي يتلقاه من شقيق الرئيس بحيث لا يجرؤ أحد على الاعتراض، والشكوى لا بل سيبادر الجميع لكسب رضاه».

وبحسب التاجر الدمشقي يتهافت المدعومون من أصحاب الواسطات على العمل في الجمارك لأن معدل الدخل اليومي للموظف الجمركي في مطار دمشق الدولي، يوميا، نحو 50 ألف ليرة سورية (110 دولارات) نحو 3300 دولار في الوقت الذي بلغ فيه متوسط دخل العاملين في الدولة، شهريا، بعد تدني قيمة الليرة نحو 30 ألف ليرة أي 80 دولارا شهريا.

ملحوظة من المصحح: أرجو مراجعة الموضوع للمواءمة السياسية


اختيارات المحرر

فيديو