هادي سليمان.. أمير منقذ أم متمرّد على إرث الماضي

ليس دفاعا عنه.. لكن التاريخ يعيد نفسه

من عرض «سان لوران باريس» الأخير
من عرض «سان لوران باريس» الأخير
TT

هادي سليمان.. أمير منقذ أم متمرّد على إرث الماضي

من عرض «سان لوران باريس» الأخير
من عرض «سان لوران باريس» الأخير

أجمل ما في الموضة أنها موسمية، لا تبقى على حال، تفتح المجال للمتابعين، ليس بتغيير أسلوبهم فحسب، بل آرائهم أيضا. فقد لا تروق لك تشكيلة اليوم، وترى أنها سيئة لا تعبر عن الواقع فتشن عليها حملة شنعاء، لكن ما إن تلمسها بعد يوم أو أسبوع أو أشهر حين تصل إلى المحلات، وتعاين تفاصيلها من قرب حتى تغير رأيك. وليس ببعيد أن تشعر ببعض الخجل وأنك تسرعت وهاجمت مصممها، قبل أن تتأكد من كل التفاصيل والحيثيات. هذا القول ينطبق كثيرا على هادي سليمان، مصمم دار «سان لوران»، الذي كلما توالت المواسم، تتضح رؤيته من جهة، ورغبته الجادة في تطوير الدار ومنحها صبغة عصرية، من جهة ثانية. أمر كلفه الكثير، بالنظر إلى الانتقادات التي وجهت إليه ولا تزال، على أساس أنه تطاول على اسم المؤسس ولم يحترم إرثه. ويبدو أن الأيام، أو المواسم، وحدها كفيلة بتغيير هذه النظرة السلبية عنه. في لقاء خاص مع باميلا غولبين، أمينة متحف الفنون الزخرفية بـ«لو باليه دو لوفر» تطرق الحديث إلى هادي سليمان، وكان رأيها أن سبب الهجوم الشرس الذي تعرضت له في المواسم الماضية، نظرة سطحية وعدم معرفة عميقة بشخصية الدار. وأضافت أن «الغوص في تاريخها يؤكد أن هناك تشابها كبيرا بين إيف سان لوران وهادي سليمان، وكل ما قدمه هذا الأخير وقام به لحد الآن، ما هو إلا امتداد للماضي واحترام للمؤسس. بل، حتى الحملة التي شنت عليه في الموسم الماضي، تشبه إلى حد كبير تلك التي واجهها الراحل إيف سان لوران في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. فأنا أذكر أن الصحافة استنكرت تشكيلة أرسل فيها العارضات بعمامات، في إشارة إلى النساء اللاتي كن يتعرضن لحلق شعرهن لمجرد الشك في تعاملهن مع النازية، مثلا».
وتتابع باميلا: «يجب أن ننظر إلى المدى البعيد، فالمسألة ليست مسألة موسم واحد، بل عدة مواسم مقبلة. صحيح أن سليمان غير بعض الأشياء مثل الاسم والديكور وغيرها من التفاصيل، لكن رؤيته مستقبلية بعيدة المدى بلا شك، وهذا هو المهم، وأنا جد متحمسة لرؤية ما سيقدمه للمرأة في العرض المقبل».
في الأسبوع الماضي، قدم المصمم الشاب عرضه الثالث، وكان يعبق بإيحاءات من الماضي، وتحديدا بعبق الستينات والسبعينات، الحقبتين اللتين شهدت فيهما الدار أوجها. كان أيضا مطبوعا ببعض التحدي، فرغم الديكور العصري والبسيط، كان هناك إحساس بأن المصمم يريد إحداث صدمة وخوض المتعارف عليه غير عابئ بأي شيء آخر. ربما لأنه كان لا يزال منتشيا بما حققه من سبق في حفل توزيع جوائز الأوسكار، حيث اختار الكثير من نجوم هوليوود تصاميم من إبداعه، مثل جاريد ليتو، ومقدمة الحفل إلين دي جينيريز ومارغو روبي. ثلاثي يمكن أن يلخص تنوع أسلوبه من التفصيل الرجالي، على شكل تايورات توكسيدو، إلى الفساتين الطويلة، وهو أسلوب أكد نجاحا تجاريا ملموسا. فـ«سان لوران باريس» حاليا هي أقوى دار في مجموعة «كيرينغ»، التي تملك «غوتشي»، «إلكسندر ماكوين»، «ستيلا ماكارتني» وغيرها من بيوت الأزياء. فقد سجلت في العام الماضي ارتفاعا في المبيعات بنسبة 22 في المائة، بينما شهد الشطر الأخير من العام نفسه ارتفاعا بنسبة 42 في المائة، مما يؤكد أن عشاق أسلوب هادي سليمان في تزايد. والأهم من هذا، أن هناك فرقا بين ما يروق لوسائل الإعلام، وما يروق للزبونات، والمصمم المحظوظ هو الذي يحظى بإعجاب الاثنين، بينما المصمم الذكي هو الذي يحقق الربح من دون أن يتنازل عن رؤيته الخاصة، وهو ما ينطبق على هادي سليمان لحد الآن.
لخريف 2014 وشتاء 2015، قدم 54 قطعة تحتفل بالشباب وتخاطب فتاة صغيرة، وطبعا نحيفة، تريد أزياء للنهار، لكن تناسب المساء أيضا في حالة تلقت دعوة مفاجئة إلى ناد ليلي مع صديقاتها. كانت هناك أيضا قطع مفصلة تتوجه لشابة أكثر نضجا، تتمثل في جاكيتات مفصلة على شكل توكسيدو ومعاطف تأخذ أشكال «كابات» واسعة وكل قطعة بياقة تعقد على شكل وردة. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل حقيقة أن التنورة القصيرة كانت البطلة بلا منازع، إلى جانب الألوان المعدنية والبراقة بالترتر والخرز والأحذية عالية الرقبة. هذا لا يعني أن هادي سليمان غير أسلوبه، فهو لا يزال يتجاهل شريحة من الزبونات وصلن إلى مرحلة عمرية معينة، ويركز على جيل جديد منهن، يحابي الصغيرات ويغرف بشراهة من ثقافة الشارع وحقبة الستينات، من دون أن ينسى أن يعرج إلى حقبة السبعينات، الفترة التي كانت فيها الدار تريد أن تصدم أكثر من أن تنال الرضا، بينما غابت حقبة الثمانينات التي ظهرت في تشكيلته من قبل، وحلت محلها لمسة «روك آند رول» واضحة يتقنها المصمم الشاب وجعلته واحدا من أهم المصممين الشباب.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن المصمم ليس دخيلا على الدار، بل العكس، فهو يعرفها حق المعرفة، وحصل على فرصته الأولى فيها، وتحديدا في قسم التصميم الرجالي، عندما آثار انتباه بيير بيرجيه، في عام 1996. لم تمر سوى بضعة أشهر، حتى أثبت نفسه وعين مصمما فنيا لهذا الجانب محققا الكثير من النجاح، إلى حد أن سوزي مانكيس، من صحيفة «الهيرالد تريبيون» آنذاك، كتبت أنه حقق ثورة. رغم النجاح، ترك إيف سان لوران في عام 2001 عندما حصل على فرصة أكبر في دار «ديور»، التي تركها في عام 2007 ليتفرغ لهواية التصوير. حينها، أعاد البعض السبب إلى أنه كان يريد أن يطلق خطا نسائيا إلا أن «ديور» رأت في الأمر تضاربا مع خطها النسائي وما كان يقدمه لها جون غاليانو. إذا كان هذا صحيحا، فقد تحقق حلمه في عام 2012. عندما فتحت له دار «إيف سان لوران» أبوابها، خصوصا أن علاقته بها وطيدة، وعاطفية إن صح القول، إذ شهدت بدايته، من جهة، وتعانق مثله ثقافة الشارع وكل ما هو فني وشبابي، من جهة ثانية. بدورها، هللت أوساط الموضة لخبر تعيينه واستبشرت خيرا، لا سيما بعد أن بارك الاختيار بيير بيرجيه، شريك إيف سان لوران وحامي مفاتيح داره. كانت التوقعات كبيرة، وترقب الجميع أن يكتب فصلا جديدا أكثر إثارة وقوة من كل المصممين الذين توالوا على الدار، ليعيد إليها أمجادها حين كان إيف سان لوران يكسر المألوف ويتحدى التابوهات ويقدم تحفا ثورية. بيد أنه عندما قدم عرضه الأول، قوبلت التشكيلة بهدوء، أقرب إلى الفتور المشوب بالإحباط. وعد هؤلاء أنه يحتاج إلى وقت أطول لكي يستقر ويبدع. ثم قدم تشكيلته الثانية، فقامت الدنيا ولم تقعد، ورأى هؤلاء أنه أخذ وقتا كافيا ليظهر إمكاناته، وفي المقابل، لم يحترم جينات الدار ولا اسم مؤسسها، لتنهال الانتقادات على صفحات التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت، بل وحتى في الصحف الرزينة. انتقادات على «تويتر» مثل «يا إلهي، هل هذا توقيع (سان لوران) أم هي أزياء فتاة عادية تتسوق من محلات الموضة.. أريد أن أبكي»، أو «بماذا كان يفكر هادي سليمان؟»، أو «ماذا حدث لـ(إيف سان لوران)؟» وانتقادات أخرى مشابهة. وما زاد الطين بلة، قرار سليمان تغيير اسم الدار إلى «سان لوران باريس» من دون إيف، إضافة إلى تجديده ديكورات كل المحلات واضعا بصمته الخاصة عليها. وهكذا، بين ليلة وضحاها تحول المصمم الشاب، من الأمير المنقذ إلى شبه عدو، بالنظر إلى الانتقادات القاسية التي انهالت عليه.
كانت حملة شرسة إلى حد أن البعض شبهها بتلك التي واجهها الفنان ماتيس حين عرض لوحاته في «لوغران باليه» في عام 1905، وقوبلت أعماله بالرفض والاستنكار لاستعماله ألوانا صارخة وغير متناغمة بعضها مع بعض، متهمين إياه بأنه حول المكان إلى «قفص وحوش». في خضم هذه الحملة، ظل سليمان صامتا يرفض أن يجري أي لقاءات صحافية يشرح فيها وجهة نظره الفنية، تاركا للزمن هذه المهمة. وربما هذا ما زاد من حجم الغضب عليه، لأنه كمن يقول لهم «الكلاب تنبح والقافلة تسير»، متسلحا بأن المبيعات لم تتأثر، بل العكس. فرغم كل الانتقادات، كانت تشكيلاته تحقق النجاح على المستوى التجاري. فالمشتريات التقطن بحسهن لغتها العصرية وأنها تخاطب جيلا جديدا من الزبونات، فضلا عن تقنياتها العالية وقوة تصميمها عند معاينتها ولمسها من قرب. بعض وسائل الإعلام وحدها ظلت وفية للماضي، أو بالأحرى لـ«إيف سان لوران»، لا تريد أن تنساه، ولا تقبل أن يمس أحد باسمه. وتعلق باميلا غولبين، أمينة متحف الفنون الزخرفية بباريس على هذا الأمر بقولها: «لو عاد هؤلاء إلى نقطة البداية، حين بزغ نجم شاب اسمه إيف سان لوران في عالم الموضة في الخمسينات من القرن الماضي، لوجدوا عدة قواسم مشتركة بينه وبين خليفته الحالي، وأن الاتهامات الموجهة للمصمم الشاب ظالمة. فالراحل بدوره تعرض لعدة انتقادات ولم تكن كل تشكيلاته مقبولة أو مفهومة لأنها كانت جديدة تخاطب شريحة جديدة من الزبائن في الستينات والسبعينات».
التشكيلة التي قدمها مثلا في يناير (كانون الثاني) من عام 1971 بعنوان «ليبرآسيون دو باريه» (تحرير باريس)، أثارت حفيظة وسائل الإعلام، إلى حد أن صحيفة «الهيرالد تريبيون» وصفتها بالانتحارية، بينما كتبت صحيفة «لوفيغارو» بأن المصمم ارتكب هفوة لا تغتفر. كل هذه التعليقات وردود الفعل تتشابه مع تلك التي وردت في الصحف والمجلات ومواقع الإنترنت حول ما قدمه هادي سليمان في الموسم الماضي، لربيع وصيف 2014.
أما عدم اجتراره لما قدمه المؤسس وغرفه من الأرشيف بشكل حرفي، فيجري في جينات الدار، بدليل أن إيف سان لوران، وعندما وجد نفسه فجأة على رأس دار «ديور» بعد وفاة السيد كريستيان ديور المفاجئ، لم يكرر أسلوبه. بعد فترة وجيزة من مسكه زمامها، اختفى «ذي نيو لوك» الذي حدد فترة الخمسينات، وتميز بخصر مشدود وتنورات مستديرة واسعة، وحلت محله فساتين قصيرة تبتعد عن الخصر وتنسدل عن الجسم بحرية وشقاوة فنية، لم ترق للزبونات القديمات، وحددت موضة الستينات بعد أن عانقتها الشابات. وهذا يعني أنه لم ير أن مهمته تقتصر على العودة إلى الأرشيف وإعادة صياغته في كل مرة بشكل ولون، بل تطويرها حسب تغيرات العصر، وهذا ما يدركه هادي سليمان، أي إن احترام المؤسس هو احترام لأفكاره وفلسفته في العمل ونظرته إلى الإبداع كشكل من أشكال قراءة العصر، وليس التقيد بأسلوبه الخاص وألوانه.
وهذا يعني أيضا أن التاريخ يعيد نفسه في الدار التي أتحفت المرأة بقطع من خزانة الرجل وحققت ثورات اجتماعية، فضلا عن دمقرطتها الموضة بتوسعها إلى مجال الأزياء الجاهزة عندما كان الراحل أول من أطلق خطه «سان لوران ريف غوش». الوقت وحده كفيل بأن يصحح الوضوح ويظهر لنا إمكانات هادي سليمان الحقيقية، التي جعلت منه واحدا من أهم المؤثرين في ساحة الموضة الرجالية.
* بين إيف سان لوران وهادي سليمان
* قواسم مشتركة وإبداع يتلخص في قراءة تغيرات العصر
* عندما توفي المصمم كريستيان ديور فجأة إثر سكتة قلبية في عام 1957، كان شاب في بداية العشرينات اسمه إيف سان لوران هو من خلفه. تلقى عالم الموضة خبر تعيينه بالفرح، واستقبل استقبال الملوك عندما ظهر على بلكونة الدار لكي يحيي الناس لأول مرة. بعد مواسم قليلة، أثار حفيظة الزبونات المخلصات، اللاتي رأين أنه بدأ يحيد عن إرث الدار بمعانقته ثقافة الشباب. كان من الصعب عليهن تقبل التصاميم المنسدلة التي تبتعد عن الخصر وتخاطب الشابات، مما أدى إلى استغناء «ديور» عنه واستبدال مارك بوهان به.
- على العكس من الكثير من المصممين الشباب الذين التحقوا ببيوت أزياء عريقة، وحافظوا على إرثها، بالعودة إلى الأرشيف لصياغته وترجمته في كل موسم بطريقة مختلفة، عبر هادي سليمان عن احترامه لإرث إيف سان لوران بقراءة التغيرات الاجتماعية وعدم التقيد بالتفاصيل الصغيرة، تماشيا مع رؤية المؤسس، الذي لم يغرف من إرث «ديور» وفضل أن يحمل الدار إلى المستقبل بطريقته.
- في الستينات، ومع كل التغييرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي شهدتها هذه الحقبة، وكان عنوانها العريض هو الديمقراطية، الشباب والتمرد، شعر المصمم الراحل بحسه بأن الأزياء الجاهزة ستكون أقوى من الـ«هوت كوتير»، فما كان منه إلا أن افتتح محلا خاصا بها في عام 1966 أطلق عليه «سان لوران ريف غوش». ربما هذا ما يحاول هادي سليمان القيام به: مخاطبة جيل جديد من الزبائن واستقطاب شرائح وأسواق جديدة ومن جنسيات مختلفة بلغة عصرية.
- من التغييرات التي قام بها هادي سليمان وأثارت حفيظة البعض، نقله الاستوديو الخاص به إلى لوس أنجليس عوض باريس. وهي نقلة ليست غريبة، كما يتبادر للذهن للوهلة الأولى، لأن الإبداع يمكن أن يولد في أي مكان، وإيف سان لوران أبدع بعض أجمل أعماله في مراكش وليس في باريس. إضافة إلى هذا، فإن الدار بعد أن توقفت عن إصدار خط الـ«هوت كوتير» تحتاج إلى هوليوود ومناسبات السجاد الأحمر كمنصة عرض لا تقدر بثمن لأزيائها.
- أما بالنسبة لإلغائه اسم إيف واكتفائه بـ«سان لوران باريس»، فإن نظرة سريعة إلى تاريخ الدار تؤكد أن خط الأزياء الجاهزة كان يحمل أساسا اسم «سان لوران ريف غوش» في عهد الراحل، مما يجعل التسمية الجديدة مقبولة والتخلص من ريف غوش مفهوم. ثم إن الكثير من بيوت الأزياء تخلت عن الاسم الأول للمؤسس مثل «ديور»، «بالنسياجا»، «شانيل ولانفان». الفكرة من إلغاء الاسم الأول للمؤسس تعني أنها علامة أو مؤسسة قائمة بحد ذاتها يمكن أن تستمر من دون شخص معين. فهذا قد يتقاعد أو يغيبه الموت، لكن الدار تبقى قائمة تعبق بروحه، لكن تتنفس هواء جديدا.



الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
TT

الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

«من بين أكثر ما لفت الانتباه في أسابيع الموضة الأخيرة، عودة الإكسسوارات إلى الواجهة. ليس كمجرد تفصيل يضاف إلى الإطلالة في الأخير، بل كعنصر أساسي في الإطلالة». هذا ما قاله جاستن دوغترز، المدير العام لدى «بيرغانزا»، المتخصصة في المجوهرات العتيقة «الأنتيكات» والقِطع النادرة، لـ«الشرق الأوسط».

تعليقه تؤكده صور العارضات في عروض كثيرة؛ من بينها «بالنسياغا» و«شانيل» و«غوتشي» و«فالنتينو» وآخرون، وهُن يتخايلن على المنصات بأقراط متدلية تمتد حتى الكتفين وما بعدهما، وقلادات تغطي كل العنق أحياناً، بعضها مُستوحى من الفنون الباروكية، وبعضها من لوحات كلاسيكية تحتاج إلى ثقة لارتدائها. ما يُحسب لها أنها يمكن أن تُغير شخصية أي زي، مهما كان بسيطاً، وتعد خياراً آخر لموضة رص الإكسسوارات فوق بعضها البعض، التي تنتشر منذ سنوات.

التأثير الباروكي في عرض «فالنتينو» (فالنتينو)

ويرى جاستن أن هذا التحول على منصات العرض يظهر أولاً في الثقة التي تتعامل بها دُور الأزياء حالياً مع الإكسسوارات عموماً، والحنين إلى التصميمات التاريخية خصوصاً، الأمر الذي يفسر جرأة ألوانها ووضوح أحجامها. في «فالنتينو» مثلاً، جاءت العقود الذهبية بطابع باروكي إلى جانب أقراط لؤلؤية لا تخفى عن العين. الأمر نفسه ينطبق على بيوت أزياء أخرى، مثل «زيمرمان» و«غوتشي» وغيرهما، في حين أخذ كل من «ديور» و«دريس فان نوتن» اتجاهاً مختلفاً اعتمدتا فيه على أقراط ضخمة وغير متطابقة، وأحياناً منفردة.

في عرض «ديور» كانت الإكسسوارات لافتة بنعومتها وعدم تناسقها (ديور)

أما ما يجمع كل هذه الاقتراحات على اختلافها، فهو صبغتها الاحتفالية، وفي الوقت نفسه نكهتها الحداثية التي تستمدّها من الأزياء والطريقة التي نُسّقت بها. فالكورسيهات والدانتيل والألوان القوية تجعلها تعكس اللحظة الراهنة.

هذا «التباين المتناغم»، برأي دوغترز، هو درس يتجاوز منصة العرض؛ نظراً لقدرته على تحقيق تغيير كامل «فقطعة واحدة مصوغة بشكل لافت يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه».

ويشير دوغترز إلى أن هذا الكم الهائل من الإكسسوارات ليس جديداً، فهذه التصميمات كانت دائماً حاضرة كإضافات مهمة للزينة، لكن الجديد هنا أن المصممين باتوا يتعاملون معها كجزء من تكوين الأزياء نفسها.

من عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

فالعقد بأشكاله الحالية، بغضّ النظر عن خامته، قد يُغيّر شكل الياقة أو طريقة تنسيقها مع باقي القطع، كما يمكن أن يُغير الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية، أو العكس، والقرط الواحد يمكن أن يُبدل تناظر الوجه، كل هذا يسهم في إضفاء صورة بصرية لا تستمدّ بريقها من الأحجار الكريمة، وإنما من الحجم والشكل واللون والمادة، وهو ما يؤكده دوغترز مستشهداً بعرض «فالنتينو» قائلاً إنه «يُذكّرنا بأن مجوهرات المنصة لا تحتاج إلى الألماس كي تُعبر عن الفخامة، فالتصميم له دور مهم». ويضيف: «العقود ذات الطابع الباروكي التي ظهرت في العرض مثلاً تحمل إحساساً بالوزن والثراء، بغضّ النظر عن قيمتها المادية».

الأقراط غير المتناظرة كما ظهرت في عرض ديور (ديور)

ما ينطبق على العقود ينطبق على الأقراط، فهي، برأيه، واحدة من أكثر عناصر المجوهرات ارتباطاً بفكرة التناظر: قرط على اليمين، وآخر على اليسار، ما يخلق التوازن، لكن عندما يُكسر هذا التوازن بأقراط غير متطابقة، يتغير حضور الإطلالة فوراً، «ربما لأن العين تضطر لبذل جهد أكبر لفهم ما تراه»، وهو ما حدث في عرض «ديور»، الذي قُدمت فيه أقراط متدلية بشكل مُبالغ فيه على شكل أزهار وأشرطة، وأحياناً كأقراط منفردة. «كلوي» أيضاً اعتمدت أقراطاً منفردة في عرضها.

لكن عدم التطابق وحده لا يكفي لجذب الانتباه والإعجاب، وفق جاستن، «فثمة فرق بين قرطين لا يتطابقان وقرطين يتحاور أحدهما مع الآخر، فلا بد أن تكون هناك علاقة بينهما، سواء من خلال الحجم أم الخامة أم اللون أم الحركة».

الإكسسوارات الأنيقة عوضت أي مجوهرات ثمينة في عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

ويضيف أنه في سوق المجوهرات العتيقة قد لا تصل الأقراط القديمة إلى الحاضر في أزواج مكتملة أحياناً، حيث قد يُفقد أحد القرطين أو ينفصل عن الآخر. كان الأمر معقداً في الماضي، وربما غير مقبول، لكنه، اليوم، مرحَّب به، الأمر الذي يمنح الأقراط المنفردة وغير المتطابقة حياة جديدة، «إذ يمكن لقرط متدلٍّ من العصر الجيورجي أو الفيكتوري أن يبدو خياراً مقصوداً، لا قطعة غير مكتملة»، وفق قوله.

ويختتم اللقاء معبراً عن تحفظه على اختزال الأمر في عبارة «موضة الإكسسوارات الضخمة عادت»؛ لأن ما حصل في عروض ربيع وصيف 2027 كان تفضيلاً لتصميماتها التي تمتلك وجهة نظر واضحة وشخصية قوية تقوم بدور وظيفي.


أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
TT

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

تتوالى المواسم وتتغيَّر الصيحات، ويستمر بحث المرأة عن ذلك الحذاء الذي يجمع بين الراحة والأناقة، ليُواكب إطلالتها ويمنحها ثقة في كل خطوة. لكن ما الوصفة السحرية التي تجعل تصميماً معيناً يحقق نجاحات مستمرة في عالم الموضة ويُبقي الإقبال عليها مشتعلاً؟

سؤال لا يتبادر إلى ذهن المستهلك أو المتابع فحسب، بل يشغل أيضاً بال صُنّاع الموضة، وعلى رأسهم المصممون أنفسهم: ما الذي يجعل بعض التصاميم تعيش طويلاً، فيما تختفي أخرى بعد مواسم قليلة؟ أحياناً يلعب الحظ دوره إلى حد يُدهش حتى مبتكر التصميم، وأحياناً تكون الجودة والتميز العامل الحاسم في ترسيخ استمراره؛ فكم حذاء أثار ضجة لحظة ظهوره، وأخذ حيِّزاً كبيراً على صفحات المجلات وواجهات المتاجر، ثم اختفى بعد مواسم قليلة وكأنه لم يكن؟

الممثلة روز بيرن في نيويورك بحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

تصاميم أخرى حافظت على جاذبيتها لعقود، من دون أن تبدو قطعاً من الماضي. منها ما اعتمد على أشكال هندسية وتشريح الأقدام بحساب لمنحها الراحة، ومنها ما اعتمد على الألوان وفنية الكعوب والترصيعات وما شابه. رغم أن بعضها وُلد قبل عقود، مثل حذاء «شانيل» ثنائي اللون، و«بيل فيفييه» من روجيه فيفييه، و«فارا» من سالفاتوري فيراغامو، وبعضها أحدث نسبياً، مثل «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» و«روكستاد» من «فالنتينو»، فإن القاسم المشترك لنجاحها واستمراريتها أنها لم تكن مجرد أشكالاً أنيقة، بل تمتلك تفصيلات بصرية وأفكاراً تصميمية تحوّلت إلى هوية تخدم مصممها، كما تخدم المرأة أياً كان أسلوبها أو مكانتها.

صورة أرشيفية لحذاء «لابيغال» (كريستيان لوبوتان)

صحيح أن تصاميم مبتكرة ظهرت في السنوات الأخيرة وبدأت تفرض مكانتها، مثل «لابيغال» من «كريستيان لوبوتان» وتصاميم أمينة معادي بكعوبها المميزة وتصاميم «جيمي تشو»، إلا أنها لا تزال طور الاختبار من ناحية استمراريتها على مدى عقود مقبلة، لتبقى التصاميم الأيقونية العابرة للزمن والأجيال التي لا تزال تحقق نجاحات تجارية محددة، نذكر منها على سبيل المثال:

1- حذاء «شانيل» ثنائي اللون:

حذاء «شانيل» ثنائي اللون (موقع شانيل)

قدمته غابرييل شانيل عام 1957، ولم تكن تعرف حينها أنها تصنع واحداً من أكثر التصاميم صموداً في تاريخ الموضة. طوَّرته مع صانع الأحذية الفرنسي رايمون ماسارو بلونين متباينين: بيج يغطي الجزء الأكبر، وأسود في المقدمة مع حزام يلتف خلف الكاحل. وراء هذا التصميم فكرة ذكية.

فالبيج، القريب من لون الجلد، يمنح الساق امتداداً بصرياً أطول، بينما تجعل المقدمة السوداء القدم تبدو أصغر. وحتى اللون الأسود لم يكن للزينة فقط؛ فقد كان عملياً أيضاً، لأنه يخفي آثار الاستخدام في أكثر أجزاء الحذاء تعرضاً للاحتكاك. أما الحزام الخلفي من دون إبزيم والكعب المعتدل فمنحا التصميم راحة وعملية.

الممثلة أوليفيا دين في إطلالة من «شانيل» من ضمنها حذاء ثنائي اللون بالأبيض والأسود (شانيل)

الآن يعتبر هذا الحذاء واحداً من أيقونات الدار الفرنسية مثله مثل التويد والحقيبة المبطنة، ما جعل الدار تعود إليه في عهد كل من الراحل كارل لاغرفيلد وخليفته فيرجيني فيار، ومؤخراً ماثيو بلازي في مجموعته الأخرى. أعادت الدار تفسيره بكعوب مختلفة وخامات وألوان متنوعة لكن دائماً من دون المساس بأساسياته.

2- حذاء «بيل فيفييه» من دار روجيه فيفييه:

حذاء «بيل فيفييه» تتغير ألوان وخاماته ويبقى شكله المميز ( موقع روجيه فيفييه)

ظهر في منتصف الستينات، وحصل على دفعة قوية بعد ظهور النجمة كاثرين دونوف به في فيلم «Belle de Jour» للويس بونويل عام 1967. لم يكن الحذاء بحاجة إلى ذلك الظهور كي يكون ناجحاً، لكنه حصل بفضله على واحدة من أثمن الصفات في عالم الموضة: صورة وقصة. لم يكن الكعب المنخفض والشكل البسيط نسبياً أكثر ما يميزه؛ كانت القوة في المشبك المعدني الأمامي ذي الشكل الهندسي، الذي منح التصميم شخصية يمكن التعرف عليها من النظرة الأولى.

حذاء «بيل فيفييه» تضفي عليه الدار في السنوات الأخيرة ألواناً تخاطب الجيل الجديد ( موقع روجيه فيفييه)

منذ ذلك الحين، لا تتعامل دار «روجيه فيفييه» معه كقطعة أرشيفية محفوظة في الماضي، بل تعيد تفسيره في كل موسم بشكل وبألوان وخامات وارتفاعات مختلفة، مع الإبقاء على ذلك التفصيل الذي صنع هويتها. أما الإقبال عليه من قبل جيل جديد فيؤكد أنه لا ينتمي إلى الماضي وحده.

3- حذاء «فارا» من «سالفاتوري فيراغامو»:

حذاء «فارا» من الجلد المبطن (موقع سالفاتوري فيراغامو)

بعد نحو عقدين، وفي عام 1978 تحديداً وُلد هذا التصميم. صممته فياما فيراغامو ابنة المؤسس سالفاتوري في وقت كانت تبحث فيه الدار عن نموذج يجمع بين الأناقة والاستخدام اليومي المريح الذي أرساه المؤسس. الفكرة لم تبدأ باستعراض تقني أو بكعب أنثوي عالٍ، بل بشكل مريح ذي مقدمة مستديرة وكعب منخفض. ثم أضيفت إليه تلك اللمسة التي ستصبح لاحقاً علامته الفارقة: عقدة على شكل فيونكة.

حذاء «فارا» بنسخة جديدة (موقع سالفاتوري فيراغامو)

والطريف أن الفيونكة نفسها لم تكن، في البداية، نتيجة خطة تسويقية ضخمة، إذ كان هناك نموذج أولي أضيفت إليه قطعة من شريط في مشغل الدار، ثم حدث سوء فهم، أو خطأ، أثناء التنفيذ، فبقيت من شريط نسيجي بدلاً من الجلد، وبالتالي ما كان تفصيلاً صغيراً تحول إلى هوية.

ربما لبساطة تصميمه، يبدو مختلفاً عن كثير من الأحذية الفاخرة. فلا كعب دراماتيكي، ولا زخرفة ثقيلة، ولا شعار كبير، ولا أي محاولة للفت الأنظار، ومع ذلك تتعرف عليه من النظرة الأولى. إنتاجه لا يزال مستمراً إلى حد الآن، لا سيما أنه يحقق مبيعات تُقدر بالملايين. فالمرأة بغض النظر عن عمرها ترتديه مع بدلة أو بنطال جينز، في النهار أو المساء، وفي كل مرة تحصل على التميز والراحة المطلوبَيْن.

4- «هانغيسي» من «مانولو بلانيك»

حذاء «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» أصبح ماركة مسجلة في قاموس الدار (موقع مانولو بلانيك)

احتاج هذا التصميم في المقابل إلى شيء مختلف تماماً وتفصيل لافت لكي يصنع مكانته في مجال مزدحم بالابتكارات.

ظهر للمرة الأولى ضمن مجموعة ربيع وصيف 2008، بألوان الوردي والأسود والأخضر. واستُلهم تصميمه من أكثر من مرجع، من مارلين ديتريش ومن جوزفين بونابرت، وأحذية البلاط الأوروبية، لكن أكثر ما لفت الأنظار فيه وساهم في انتشاره، مشبكه الكريستالي المربع وسط مقدمة الحذاء.

الممثلة سارة جيسيكا باركر وحذاء «هانغيسي» (غيتي)

ومثل «بيل فيفييه»، ساهمت ممثلة في نشره إلى العالم وتعريف العالم باسمه. كان ذلك عندما ظهرت به سارة جيسيكا باركر في السلسلة التلفزيونية «سيكس أند ذي سيتي»، التي لعبت فيها شخصية كاري برادشو. كان من السهل أن يرتبط بالمسلسل، إلا أن وهجه لم يخفت بعد انحسار وهج المسلسل ليؤكد أنه أقوى منه. والفضل يعود إلى تميز مشبكه الذي أصبح مرتبطاً باسم «مانولو بلانيك» في عالم الترف. مثل باقي بيوت الأزياء، لم تجمده الدار في شكله الأول، بل أعادت إنتاجه بأكثر من 100 خامة ولون، وبسبعة ارتفاعات مختلفة للكعب لحد الآن.

5- حذاء «روكستاد» من دار «فالنتينو»:

حذاء «روكستاد» بشكله المتميز ومساميره (فالنتينو)

ظهر في بداية العقد الثاني من الألفية، واجتاح عالم الموضة بمساميره الهرمية الصغيرة التي اصطفت على الأحزمة والحواف ليحقق للدار أرباحاً منقطعة النظير. كان جديداً بفكرته التي تحمل الكثير من التناقض؛ فـ«فالنتينو» ارتبطت طويلاً بالرومانسية والفساتين الحالمة بينما كان التصميم أقرب إلى لغة البانك والروك أند رول. وربما كان هذا التناقض مكمن الجاذبية.

الممثلة ناعومي واتس وحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

فالمسامير جعلت الحذاء حداثياً وقابلاً للتعرف إليه فوراً. نجاحه فتح شهية الدار على الانتقال بهذه المسامير من حدود الحذاء إلى الصنادل والحقائب، حتى أصبح الاسم نفسه جزءاً من قاموس الدار الإيطالية. لحد الآن تعود إليه كرمز من رموزها القوية في نسخ جديدة لا تبدو عالقة في الماضي. فالمسامير تتغير من حيث العدد والشكل، ما يمنح المرأة سبباً للعودة إليها بدليل ظهوره بنسخة معاصرة في الجزء الثاني من فيلم «الشيطان يرتدي برادا».


«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
TT

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

غابت حقيبة «بيركين» من منصة عرض هيرميس لربيع وصيف 2027، ولم تغب من الذاكرة، ولا عن المشهد بحضورها محمولة بأيدي المدعوات. يبدو أن الدار اختارت في هذا الموسم تسليط الضوء على تصاميم أخرى، فيما تظل «بيركين» بمنأى عن الحاجة إلى حضور منتظم على المنصة كي تحافظ على موقعها كواحدة من أكثر حقائب الدار شهرة، وتأثيراً.

حقائب متنوعة ظهرت في عرض «هيرميس» لربيع وصيف 2027 (أ.ف.ب)

اكتسبت هذا التأثير من هالتها كمنتج نادر يصعب الحصول عليه، ومن مكانة تجعل الوصول إليها امتيازاً محدوداً على قلة من المقتدرين. ما يؤكد أن مكانتها لا تزال راسخة أن حقيبة «بيركين» الأصلية التي صُنعت خصيصاً لجاين بيركين في عام 1985 بيعت في مزاد سوذبيز مؤخراً مقابل 8.5825 مليون يورو، أي نحو 10.1 مليون دولار، لتصبح أغلى حقيبة تُباع في مزاد على الإطلاق. لكن هذه الحقيبة التي استغرقت المزايدة عليها نحو عشر دقائق لم تكن مجرد حقيبة من الجلد، بل كانت القصة كلها.

فمنذ أن ظهرت في منتصف الثمانينات، بعد اللقاء الشهير بين الفنانة جاين بيركين ورئيس Hermès آنذاك جون لويس ديما، على متن طائرة، وهي تتحدى الفكرة التي وُلدت منها، وهي حاجة عملية لمتطلبات امرأة وأم وسيدة أعمال. لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى رمز عالمي للفخامة، والمكانة المتميزة.

الندرة والحلم

ما صنع أسطورتها لم يكن التصميم وحده، ولا الحرفية، والمواد، بل صعوبة الحصول عليها. فهي لم تكن معروضة في متاجرها للبيع، وعلى من تريدها أن تُسجل اسمها ضمن لائحة انتظار قد تمتد لعدة أشهر. كانت هذه العملية جزءاً من قيمتها، وذكاء تسويقياً يُحتذى به، لأنه رفع من أسهمها، وجعلها حلماً بالنسبة لملايين من عشاق الموضة.

حقيبة «بيركين» بلون الفستق (هيرميس)

لكن ندرتها أصبحت في خطر بالنسبة لشريحة من الزبائن، كانوا إلى الأمس القريب ينتمون إلى نادٍ خاص جداً، من الأثرياء والذواقة على حد سواء. لكن في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الحقيبة منتشرة بشكل بدأ يصيبهم بالتخمة من مشاهدتها. فهي حاضرة الآن في فيديوهات على «التيك توك»، حيث تخضع للتشريح، والتمحيص من الخارج، والداخل، وأيضاً متوفرة بشتى الألوان والأحجام في محلات متخصصة في إعادة بيعها لمن لم تستطع إليها سبيلاً بالطرق التقليدية. ثم أصبحنا نراها على يد مؤثرات ومؤثرين في جولات التسوق كما في المناسبات المهمة، لأنها وبكل بساطة لم تعد مجرد رمز لمكانة اجتماعية معينة، بل تحوَّلت إلى محتوى.

بين الوفرة والنُّدرة

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والنُّدرة لكي يحافظ على بريقه؟

حقيبة آل «بيركين» الأيقونية أصبحت خارج المنافسة بالنسبة للعديدين (من الأرشيف)

أرقام المبيعات تؤكد أن ذلك لم يؤثر فيها حتى الآن. ربما لم تعد المرأة الثرية تحملها بالوتيرة نفسها التي اعتدناها، مفضِّلة عليها حقائب أكثر هدوءاً، وخالية من الشعارات، إلا أن الراغبات في دخول هذا النادي الخاص ما زلن يسعين إليها، ويواصلن تغذية الطلب عليها.

أما تأثير المؤثرين والمؤثرات على صورة الحقيبة، فالإجابة عنه أكثر تعقيداً. ربما ساهموا في تبديد شيء من الحلم، وفي تقليص هالتها كحقيبة بعيدة المنال، لكنهم في المقابل حوَّلوها إلى جزء من الثقافة البصرية المعاصرة، فنقلوها من منتج نادر لا يُرى إلا في أيدي قلة، إلى موضوع للاستهلاك البصري، والمعرفة، عبر استعراض تفاصيل حرفيتها وقصتها أمام جمهور واسع.