هادي سليمان.. أمير منقذ أم متمرّد على إرث الماضي

ليس دفاعا عنه.. لكن التاريخ يعيد نفسه

من عرض «سان لوران باريس» الأخير
من عرض «سان لوران باريس» الأخير
TT

هادي سليمان.. أمير منقذ أم متمرّد على إرث الماضي

من عرض «سان لوران باريس» الأخير
من عرض «سان لوران باريس» الأخير

أجمل ما في الموضة أنها موسمية، لا تبقى على حال، تفتح المجال للمتابعين، ليس بتغيير أسلوبهم فحسب، بل آرائهم أيضا. فقد لا تروق لك تشكيلة اليوم، وترى أنها سيئة لا تعبر عن الواقع فتشن عليها حملة شنعاء، لكن ما إن تلمسها بعد يوم أو أسبوع أو أشهر حين تصل إلى المحلات، وتعاين تفاصيلها من قرب حتى تغير رأيك. وليس ببعيد أن تشعر ببعض الخجل وأنك تسرعت وهاجمت مصممها، قبل أن تتأكد من كل التفاصيل والحيثيات. هذا القول ينطبق كثيرا على هادي سليمان، مصمم دار «سان لوران»، الذي كلما توالت المواسم، تتضح رؤيته من جهة، ورغبته الجادة في تطوير الدار ومنحها صبغة عصرية، من جهة ثانية. أمر كلفه الكثير، بالنظر إلى الانتقادات التي وجهت إليه ولا تزال، على أساس أنه تطاول على اسم المؤسس ولم يحترم إرثه. ويبدو أن الأيام، أو المواسم، وحدها كفيلة بتغيير هذه النظرة السلبية عنه. في لقاء خاص مع باميلا غولبين، أمينة متحف الفنون الزخرفية بـ«لو باليه دو لوفر» تطرق الحديث إلى هادي سليمان، وكان رأيها أن سبب الهجوم الشرس الذي تعرضت له في المواسم الماضية، نظرة سطحية وعدم معرفة عميقة بشخصية الدار. وأضافت أن «الغوص في تاريخها يؤكد أن هناك تشابها كبيرا بين إيف سان لوران وهادي سليمان، وكل ما قدمه هذا الأخير وقام به لحد الآن، ما هو إلا امتداد للماضي واحترام للمؤسس. بل، حتى الحملة التي شنت عليه في الموسم الماضي، تشبه إلى حد كبير تلك التي واجهها الراحل إيف سان لوران في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. فأنا أذكر أن الصحافة استنكرت تشكيلة أرسل فيها العارضات بعمامات، في إشارة إلى النساء اللاتي كن يتعرضن لحلق شعرهن لمجرد الشك في تعاملهن مع النازية، مثلا».
وتتابع باميلا: «يجب أن ننظر إلى المدى البعيد، فالمسألة ليست مسألة موسم واحد، بل عدة مواسم مقبلة. صحيح أن سليمان غير بعض الأشياء مثل الاسم والديكور وغيرها من التفاصيل، لكن رؤيته مستقبلية بعيدة المدى بلا شك، وهذا هو المهم، وأنا جد متحمسة لرؤية ما سيقدمه للمرأة في العرض المقبل».
في الأسبوع الماضي، قدم المصمم الشاب عرضه الثالث، وكان يعبق بإيحاءات من الماضي، وتحديدا بعبق الستينات والسبعينات، الحقبتين اللتين شهدت فيهما الدار أوجها. كان أيضا مطبوعا ببعض التحدي، فرغم الديكور العصري والبسيط، كان هناك إحساس بأن المصمم يريد إحداث صدمة وخوض المتعارف عليه غير عابئ بأي شيء آخر. ربما لأنه كان لا يزال منتشيا بما حققه من سبق في حفل توزيع جوائز الأوسكار، حيث اختار الكثير من نجوم هوليوود تصاميم من إبداعه، مثل جاريد ليتو، ومقدمة الحفل إلين دي جينيريز ومارغو روبي. ثلاثي يمكن أن يلخص تنوع أسلوبه من التفصيل الرجالي، على شكل تايورات توكسيدو، إلى الفساتين الطويلة، وهو أسلوب أكد نجاحا تجاريا ملموسا. فـ«سان لوران باريس» حاليا هي أقوى دار في مجموعة «كيرينغ»، التي تملك «غوتشي»، «إلكسندر ماكوين»، «ستيلا ماكارتني» وغيرها من بيوت الأزياء. فقد سجلت في العام الماضي ارتفاعا في المبيعات بنسبة 22 في المائة، بينما شهد الشطر الأخير من العام نفسه ارتفاعا بنسبة 42 في المائة، مما يؤكد أن عشاق أسلوب هادي سليمان في تزايد. والأهم من هذا، أن هناك فرقا بين ما يروق لوسائل الإعلام، وما يروق للزبونات، والمصمم المحظوظ هو الذي يحظى بإعجاب الاثنين، بينما المصمم الذكي هو الذي يحقق الربح من دون أن يتنازل عن رؤيته الخاصة، وهو ما ينطبق على هادي سليمان لحد الآن.
لخريف 2014 وشتاء 2015، قدم 54 قطعة تحتفل بالشباب وتخاطب فتاة صغيرة، وطبعا نحيفة، تريد أزياء للنهار، لكن تناسب المساء أيضا في حالة تلقت دعوة مفاجئة إلى ناد ليلي مع صديقاتها. كانت هناك أيضا قطع مفصلة تتوجه لشابة أكثر نضجا، تتمثل في جاكيتات مفصلة على شكل توكسيدو ومعاطف تأخذ أشكال «كابات» واسعة وكل قطعة بياقة تعقد على شكل وردة. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل حقيقة أن التنورة القصيرة كانت البطلة بلا منازع، إلى جانب الألوان المعدنية والبراقة بالترتر والخرز والأحذية عالية الرقبة. هذا لا يعني أن هادي سليمان غير أسلوبه، فهو لا يزال يتجاهل شريحة من الزبونات وصلن إلى مرحلة عمرية معينة، ويركز على جيل جديد منهن، يحابي الصغيرات ويغرف بشراهة من ثقافة الشارع وحقبة الستينات، من دون أن ينسى أن يعرج إلى حقبة السبعينات، الفترة التي كانت فيها الدار تريد أن تصدم أكثر من أن تنال الرضا، بينما غابت حقبة الثمانينات التي ظهرت في تشكيلته من قبل، وحلت محلها لمسة «روك آند رول» واضحة يتقنها المصمم الشاب وجعلته واحدا من أهم المصممين الشباب.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن المصمم ليس دخيلا على الدار، بل العكس، فهو يعرفها حق المعرفة، وحصل على فرصته الأولى فيها، وتحديدا في قسم التصميم الرجالي، عندما آثار انتباه بيير بيرجيه، في عام 1996. لم تمر سوى بضعة أشهر، حتى أثبت نفسه وعين مصمما فنيا لهذا الجانب محققا الكثير من النجاح، إلى حد أن سوزي مانكيس، من صحيفة «الهيرالد تريبيون» آنذاك، كتبت أنه حقق ثورة. رغم النجاح، ترك إيف سان لوران في عام 2001 عندما حصل على فرصة أكبر في دار «ديور»، التي تركها في عام 2007 ليتفرغ لهواية التصوير. حينها، أعاد البعض السبب إلى أنه كان يريد أن يطلق خطا نسائيا إلا أن «ديور» رأت في الأمر تضاربا مع خطها النسائي وما كان يقدمه لها جون غاليانو. إذا كان هذا صحيحا، فقد تحقق حلمه في عام 2012. عندما فتحت له دار «إيف سان لوران» أبوابها، خصوصا أن علاقته بها وطيدة، وعاطفية إن صح القول، إذ شهدت بدايته، من جهة، وتعانق مثله ثقافة الشارع وكل ما هو فني وشبابي، من جهة ثانية. بدورها، هللت أوساط الموضة لخبر تعيينه واستبشرت خيرا، لا سيما بعد أن بارك الاختيار بيير بيرجيه، شريك إيف سان لوران وحامي مفاتيح داره. كانت التوقعات كبيرة، وترقب الجميع أن يكتب فصلا جديدا أكثر إثارة وقوة من كل المصممين الذين توالوا على الدار، ليعيد إليها أمجادها حين كان إيف سان لوران يكسر المألوف ويتحدى التابوهات ويقدم تحفا ثورية. بيد أنه عندما قدم عرضه الأول، قوبلت التشكيلة بهدوء، أقرب إلى الفتور المشوب بالإحباط. وعد هؤلاء أنه يحتاج إلى وقت أطول لكي يستقر ويبدع. ثم قدم تشكيلته الثانية، فقامت الدنيا ولم تقعد، ورأى هؤلاء أنه أخذ وقتا كافيا ليظهر إمكاناته، وفي المقابل، لم يحترم جينات الدار ولا اسم مؤسسها، لتنهال الانتقادات على صفحات التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت، بل وحتى في الصحف الرزينة. انتقادات على «تويتر» مثل «يا إلهي، هل هذا توقيع (سان لوران) أم هي أزياء فتاة عادية تتسوق من محلات الموضة.. أريد أن أبكي»، أو «بماذا كان يفكر هادي سليمان؟»، أو «ماذا حدث لـ(إيف سان لوران)؟» وانتقادات أخرى مشابهة. وما زاد الطين بلة، قرار سليمان تغيير اسم الدار إلى «سان لوران باريس» من دون إيف، إضافة إلى تجديده ديكورات كل المحلات واضعا بصمته الخاصة عليها. وهكذا، بين ليلة وضحاها تحول المصمم الشاب، من الأمير المنقذ إلى شبه عدو، بالنظر إلى الانتقادات القاسية التي انهالت عليه.
كانت حملة شرسة إلى حد أن البعض شبهها بتلك التي واجهها الفنان ماتيس حين عرض لوحاته في «لوغران باليه» في عام 1905، وقوبلت أعماله بالرفض والاستنكار لاستعماله ألوانا صارخة وغير متناغمة بعضها مع بعض، متهمين إياه بأنه حول المكان إلى «قفص وحوش». في خضم هذه الحملة، ظل سليمان صامتا يرفض أن يجري أي لقاءات صحافية يشرح فيها وجهة نظره الفنية، تاركا للزمن هذه المهمة. وربما هذا ما زاد من حجم الغضب عليه، لأنه كمن يقول لهم «الكلاب تنبح والقافلة تسير»، متسلحا بأن المبيعات لم تتأثر، بل العكس. فرغم كل الانتقادات، كانت تشكيلاته تحقق النجاح على المستوى التجاري. فالمشتريات التقطن بحسهن لغتها العصرية وأنها تخاطب جيلا جديدا من الزبونات، فضلا عن تقنياتها العالية وقوة تصميمها عند معاينتها ولمسها من قرب. بعض وسائل الإعلام وحدها ظلت وفية للماضي، أو بالأحرى لـ«إيف سان لوران»، لا تريد أن تنساه، ولا تقبل أن يمس أحد باسمه. وتعلق باميلا غولبين، أمينة متحف الفنون الزخرفية بباريس على هذا الأمر بقولها: «لو عاد هؤلاء إلى نقطة البداية، حين بزغ نجم شاب اسمه إيف سان لوران في عالم الموضة في الخمسينات من القرن الماضي، لوجدوا عدة قواسم مشتركة بينه وبين خليفته الحالي، وأن الاتهامات الموجهة للمصمم الشاب ظالمة. فالراحل بدوره تعرض لعدة انتقادات ولم تكن كل تشكيلاته مقبولة أو مفهومة لأنها كانت جديدة تخاطب شريحة جديدة من الزبائن في الستينات والسبعينات».
التشكيلة التي قدمها مثلا في يناير (كانون الثاني) من عام 1971 بعنوان «ليبرآسيون دو باريه» (تحرير باريس)، أثارت حفيظة وسائل الإعلام، إلى حد أن صحيفة «الهيرالد تريبيون» وصفتها بالانتحارية، بينما كتبت صحيفة «لوفيغارو» بأن المصمم ارتكب هفوة لا تغتفر. كل هذه التعليقات وردود الفعل تتشابه مع تلك التي وردت في الصحف والمجلات ومواقع الإنترنت حول ما قدمه هادي سليمان في الموسم الماضي، لربيع وصيف 2014.
أما عدم اجتراره لما قدمه المؤسس وغرفه من الأرشيف بشكل حرفي، فيجري في جينات الدار، بدليل أن إيف سان لوران، وعندما وجد نفسه فجأة على رأس دار «ديور» بعد وفاة السيد كريستيان ديور المفاجئ، لم يكرر أسلوبه. بعد فترة وجيزة من مسكه زمامها، اختفى «ذي نيو لوك» الذي حدد فترة الخمسينات، وتميز بخصر مشدود وتنورات مستديرة واسعة، وحلت محله فساتين قصيرة تبتعد عن الخصر وتنسدل عن الجسم بحرية وشقاوة فنية، لم ترق للزبونات القديمات، وحددت موضة الستينات بعد أن عانقتها الشابات. وهذا يعني أنه لم ير أن مهمته تقتصر على العودة إلى الأرشيف وإعادة صياغته في كل مرة بشكل ولون، بل تطويرها حسب تغيرات العصر، وهذا ما يدركه هادي سليمان، أي إن احترام المؤسس هو احترام لأفكاره وفلسفته في العمل ونظرته إلى الإبداع كشكل من أشكال قراءة العصر، وليس التقيد بأسلوبه الخاص وألوانه.
وهذا يعني أيضا أن التاريخ يعيد نفسه في الدار التي أتحفت المرأة بقطع من خزانة الرجل وحققت ثورات اجتماعية، فضلا عن دمقرطتها الموضة بتوسعها إلى مجال الأزياء الجاهزة عندما كان الراحل أول من أطلق خطه «سان لوران ريف غوش». الوقت وحده كفيل بأن يصحح الوضوح ويظهر لنا إمكانات هادي سليمان الحقيقية، التي جعلت منه واحدا من أهم المؤثرين في ساحة الموضة الرجالية.
* بين إيف سان لوران وهادي سليمان
* قواسم مشتركة وإبداع يتلخص في قراءة تغيرات العصر
* عندما توفي المصمم كريستيان ديور فجأة إثر سكتة قلبية في عام 1957، كان شاب في بداية العشرينات اسمه إيف سان لوران هو من خلفه. تلقى عالم الموضة خبر تعيينه بالفرح، واستقبل استقبال الملوك عندما ظهر على بلكونة الدار لكي يحيي الناس لأول مرة. بعد مواسم قليلة، أثار حفيظة الزبونات المخلصات، اللاتي رأين أنه بدأ يحيد عن إرث الدار بمعانقته ثقافة الشباب. كان من الصعب عليهن تقبل التصاميم المنسدلة التي تبتعد عن الخصر وتخاطب الشابات، مما أدى إلى استغناء «ديور» عنه واستبدال مارك بوهان به.
- على العكس من الكثير من المصممين الشباب الذين التحقوا ببيوت أزياء عريقة، وحافظوا على إرثها، بالعودة إلى الأرشيف لصياغته وترجمته في كل موسم بطريقة مختلفة، عبر هادي سليمان عن احترامه لإرث إيف سان لوران بقراءة التغيرات الاجتماعية وعدم التقيد بالتفاصيل الصغيرة، تماشيا مع رؤية المؤسس، الذي لم يغرف من إرث «ديور» وفضل أن يحمل الدار إلى المستقبل بطريقته.
- في الستينات، ومع كل التغييرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي شهدتها هذه الحقبة، وكان عنوانها العريض هو الديمقراطية، الشباب والتمرد، شعر المصمم الراحل بحسه بأن الأزياء الجاهزة ستكون أقوى من الـ«هوت كوتير»، فما كان منه إلا أن افتتح محلا خاصا بها في عام 1966 أطلق عليه «سان لوران ريف غوش». ربما هذا ما يحاول هادي سليمان القيام به: مخاطبة جيل جديد من الزبائن واستقطاب شرائح وأسواق جديدة ومن جنسيات مختلفة بلغة عصرية.
- من التغييرات التي قام بها هادي سليمان وأثارت حفيظة البعض، نقله الاستوديو الخاص به إلى لوس أنجليس عوض باريس. وهي نقلة ليست غريبة، كما يتبادر للذهن للوهلة الأولى، لأن الإبداع يمكن أن يولد في أي مكان، وإيف سان لوران أبدع بعض أجمل أعماله في مراكش وليس في باريس. إضافة إلى هذا، فإن الدار بعد أن توقفت عن إصدار خط الـ«هوت كوتير» تحتاج إلى هوليوود ومناسبات السجاد الأحمر كمنصة عرض لا تقدر بثمن لأزيائها.
- أما بالنسبة لإلغائه اسم إيف واكتفائه بـ«سان لوران باريس»، فإن نظرة سريعة إلى تاريخ الدار تؤكد أن خط الأزياء الجاهزة كان يحمل أساسا اسم «سان لوران ريف غوش» في عهد الراحل، مما يجعل التسمية الجديدة مقبولة والتخلص من ريف غوش مفهوم. ثم إن الكثير من بيوت الأزياء تخلت عن الاسم الأول للمؤسس مثل «ديور»، «بالنسياجا»، «شانيل ولانفان». الفكرة من إلغاء الاسم الأول للمؤسس تعني أنها علامة أو مؤسسة قائمة بحد ذاتها يمكن أن تستمر من دون شخص معين. فهذا قد يتقاعد أو يغيبه الموت، لكن الدار تبقى قائمة تعبق بروحه، لكن تتنفس هواء جديدا.



«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)

وصل الفائزون بجائزة «فاشن تراست أرابيا» لعام 2025 إلى لندن مؤخراً. جاؤوا من بلدانهم يحملون معهم أحلامهم الكبيرة وطموحات تتجاوز حدودها المحلية. لكن لندن هنا ليست مجرد محطة احتفالية عابرة، بل جزء من خُطَّة استراتيجية تسعى إلى ربط المواهب الناشئة في المنطقة العربية وصناعة الأزياء العالمية عبر مزيج من الإرشاد المهني، وفرص البيع بالتجزئة والانخراط المباشر مع شبكة الفاعلين في القطاع.

انطلقت الفعاليات بحفل استقبال جمع الفائزين بعدد من الأسماء المبدعة والمؤثرة في مجالات الأزياء والتصميم والثقافة، مثل إميليا ويسكتيد وديفيد كوما وغيرهم من المصممين. لقاء لم يكن مجرد مناسبة اجتماعية، بل مساحة عمل ممتدة، كون هذا الحفل الافتتاحي فقط تمهيداً لثلاثة أيام من الجلسات المهنية ركَزت على بناء العلامة التجارية لكل واحد منهم، من خلال فهم استراتيجيات التجزئة والقيادة والتواصل وريادة الأعمال. فالنجاح حالياً لا يقتصر على التطوير الإبداعي، وبالتالي لا تكتفي «فاشن تراست أرابيا» منذ تأسيسها في عام 2018 بدعم هذا الجانب وحده ولا على تسليط الضوء على المواهب العربية، بل تسعى لتوفير أدوات عملية ولوجستية تساعدهم على تطوير مشاريع قابلة للاستمرار والنمو، ومع الوقت بناء علامات تتحول إلى حضور عالمي يتنافس مع الكبار.

وهذا ما تؤكده تانيا فارس، الشريكة المؤسسة لـ«فاشن تراست أرابيا» قائلةً: «إن دعم المواهب العربية لا يقتصر على الظهور الإعلامي والمظاهر الاحتفالية، بل يقوم على توفير أدوات فعالة تُمكِّنهم من تطوير مشاريع مستدامة»، مشيرةً إلى أهمية الجمع بين الإرشاد وخلق الفرص التجارية ضمن بيئة واحدة.

فمن أبرز التحديات التي تواجه المصممين في بداياتهم القدرة على اختراق منافذ تسويقية تؤمن بموهبتهم وتمنحهم مساحة للعرض. هنا تلعب المبادرات الداعمة دوراً حاسماً، عبر إدخال المواهب الناشئة مبكراً في شبكة من العلاقات المهنية. بالنسبة إلى «فاشن تراست أرابيا» نجحت في ربط شراكة مع متجر «هارودز» بلندن، عمرها قبل أربع سنوات.

بموجب هذه الشراكة، توفِّر «هارودز» منصة عرض ثابتة للفائزين، بشكل حصري سواء داخل المتجر أو عبر المنصة الرقمية الخاصة به، إضافةً إلى الترويج لهم عبر باقي قنواته التسويقية. الآن وأكثر من أي وقت مضى تزيد أهمية هذه الشراكة بالنظر إلى الوضع الاقتصادي العالمي غير المستقر نسبياً، حيث أصبحت فرص الظهور الدولي للمصممين الناشئين مرتبطة بالشراكات الكبيرة وبدور الأزياء العالمية، فيما يعاني المصممون المستقلون والشباب من شُح الفرص.

إلى جانب البُعد الذي توفره الشراكات مع متاجر مثل «هارودز»، فإن تأثير «فاشن تراست أرابيا» لا يقتصر على فتح أبواب العرض أو خلق فرص للبيع فحسب، بل يمتد إلى كشف المهارات التي تتوفر في المنطقة العربية من خلال مصممين يتمتعون بخيال خصب ورغبة في التفوق. وكالعادة، عكس الفائزون في دورة 2025، تبايناً في أساليبهم ومدارسهم الإبداعية. القاسم المشترك بينهم كان التشبث بالهوية. في أعمال المصرية فرح رضوان، مؤسِّسة علامة «RYR» ظهر جلياً تعاملها مع المجوهرات كمساحة للذاكرة أكثر من كونها امتداداً للتراث. ورغم استلهامها من تقاليد الصاغة في مصر القديمة، فإنها لا تُقدِّمها بترجمة حرفية أو بنزعة حنين إلى الماضي بل كإعادة صياغة داخل سياق معاصر يجمع روح باريس والقاهرة. هذا التداخل الجغرافي في عملية الإنتاج، والجمع في القطعة الواحدة بين الحرفة اليدوية والمواد الحديثة مثل الفضة الإسترليني والذهب عيار 18 قيراطاً والجلود والأحجار المختارة، هو ما يمنح أعمالها طبقة من التميز.

المغربية ليلي روكني، في المقابل، وهي مؤسسة «TALEL»، تتحرك في اتجاه مختلف. فهي تميل إلى خضِّ الهدوء البصري ولا تؤمن بإعادة تفسيره. عملية التصميم بالنسبة إليها تقوم على إدخال عناصر غير متوقعة في البنية الشكلية، سواء عبر النسب أو المواد أو العلاقة بين الأجزاء، بحيث تُصبح الحقيبة كتلة معمارية صغيرة مستلهَمة أحياناً من الفن المغربي وأحياناً من المدرسة الفرنسية. مشاركتها في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» كانت لهدف واضح: «أتوق إلى تنمية علامتي عالمياً وتعزيز الجانب التجاري، وفي الوقت ذاته أتوق إلى اختبار أفكار جديدة ومبتكرة».

في جانب الأزياء الجاهزة، لا يختلف المغربي يوسف إدريسي، مؤسِّس علامة «لات فور وورك Late for Work»، كثيراً عن ليلى في رغبته في خض المتعارف عليه وخلق مقاربة تستند إلى تفكيك التصاميم التقليدية وإعادة تركيبها من الداخل. فالعلامة، وفق تصريحه، تنطلق من حس نقدي تتحول فيه التناقضات، بل حتى ما يعدّه البعض «عيوباً»، إلى جزء من اللغة التصميمية. يُوظِّف القصَّات غير المكتملة، والخطوط غير المتوازنة كعناصر تفاعلية مع الجسد. حسب قوله: «إنها نوع من العبثية المقصودة والبنية المدروسة».

في المقابل، ينتمي السعودي زياد بوعينين، الفائز بجائزة أفضل مصمم لأزياء المساء والسهرة، إلى مدرسة مختلفة تميل إلى التصاميم الكلاسيكية بلغة معاصرة بدل تفكيكها. يستمد خبرته وأفكاره من تنقلاته بين الخُبر وطوكيو ونيويورك وميلانو ولندن، وهو ما يمنح تصاميمه نكهة عالمية. يقول إنه عندما أطلق علامته بشكل رسمي عام 2021، انطلق من فكرة دمج الفن والثقافة بمرونة وانسيابية، مع مراعاة مفهوم الاستدامة كجزء أساسي من عملية التصميم المعاصر. ويؤكد بوعينين أن الاستدامة لا تتعارض مع الفخامة، بل هي جزء لا يتجزأ من خط الـ«هوت كوتور» بحكم أنه قائم على الحرفية العالية كما على عنصر توارث الأجيال للقطعة. رغم ما حققه من نجاح يتمثل في لائحة مهمة من الزبونات المهمات، فإن فوزه بجائزة أفضل مصمم في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» هذا العام، فتح له أبواباً جديدة «من العلاقات مع صناع موضة ومؤثرين لهم وزن». فكلما توسَعت دائرة المعارف زادت المعرفة، وفق رأيه.


هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
TT

هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)

لا يختلف اثنان أن لندن تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على زخمها التجاري في مرحلة ما بعد «بريكسيت» وعدم استقرار الاقتصاد العالمي. صناعة الموضة لم تسلم من تبعات هذه المرحلة لكنها لم تستسلم لها، وتعمل على إيجاد حلول مستدامة. تاريخها يشهد لها بقدرتها على الصمود ومواجهة التحديات. كانت دائما الحلقة الأضعف بين العواصم العالمية: نيويورك، ميلانو، باريس، إلا أنها كانت تتفوق عليهم بخصوبتها في إنجاب مُبدعين شباب. جعلت من دمائهم الفائرة وجموحهم المجنون للابتكار ورقتها الرابحة دائماً، بحيث كانت تُصدِرهم لهذه العواصم لإنعاش ما يمكن إنعاشه من بيوت أزياء عريقة، وليس أدل على هذا من جون غاليانو في «ديور» سابقاً وألكسندر ماكوين في «جيفنشي» وفيبي فيلو في «سيلين» وستيلا ماكارتني في «كلوي» و«لويز تروتر» حالياً في دار «بوتيغا فينيتا»، وهلم جراً، من الأسماء التي تركت بصماتها في باريس وميلانو.

من عرض علامة «لابروم» (موقع لابروم)

فهذه الدماء الشابة جعلت من أسبوع لندن في فترة من الفترات أقوى من ميلانو ونيويورك من ناحية الابتكار. لكن شتان بين الأمس واليوم. فالأوضاع الاقتصادية في بريطانيا عموماً ووضع صناعة الموضة في لندن خصوصاً، ليسا في أفضل حالاتهما هذه الأيام. صحيح أن لندن لم تفقد روحها الإبداعية، إلا أن محاولات ترويض هذا الإبداع لإرضاء الجانب التجاري باتت ملموسة. ثم جاءت الأزمة الاقتصادية العالمية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ثم الحروب المتتالية، لتزيد الوضع تعقيداً. لهذا كان لا بد من البحث عن منفذ يفتح أماما مصمميها أبواب الأسواق العالمية بشكل مستدام. وهنا أعلن المجلس البريطاني للأزياء التزامه بتعزيز منصة «London Show Rooms» التي تقام خلال أسبوع الموضة الرجالي في باريس بين 25 و30 يونيو (حزيران) الحالي، وذلك لأربع سنوات قادمة، في محاولة لتوفير مساحة أكثر تركيزاً خلال واحدة من أكثر الفترات أهمية في روزنامة الموضة العالمية: أسبوع الموضة الرجالية.

من تصاميم «بالمر هاردينغ» (موقع مجلس الأزياء)

شرحت لورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس الفكرة قائلة إن البرنامج «يهدف إلى تعميق حضورنا في الأسواق العالمية الرئيسية عبر توفير فرص مستدامة لنمو أعمال المصممين البريطانيين وتعزيز مرونتهم التجارية، وباريس تُمثّل محوراً أساسياً في هذه الرؤية. فهي بوابة مهمة للتوسع الدولي وتمكين المصممين من الوصول إلى جماهير جديدة وشراكات وفرص عالمية».

اختار المجلس للمشاركة في هذا المعرض عدداً من الأسماء الواعدة مثل كليو بيبيات، يودون تشوي، لابروم لندن، نيكولاس دايلي، بالمر أند هاردينغ، توندولو، وآخرين.

أغلب المشاركين في المعرض من خريجي برامج داعمة للشباب الواعدين (موقع مجلس الأزياء)

أغلبهم استفادوا من برامج دعم المواهب التابع للمجلس البريطاني للأزياء «نيو جين» و«فاشن إيست» ويأتي هذا التوسع ضمن برنامج «بي.إف.سي إنترناشيونال» أحد المحاور الرئيسية لاستراتيجية المجلس «BFC 2030: Access, Creativity, Growth» التي تركز على تعزيز فرص الوصول إلى الأسواق الدولية ودعم الإبداع وتحقيق نمو مستدام للمصممين البريطانيين الشباب. وبحسب المجلس، فإن الخطوة تُمثّل مرحلة جديدة لتطوير معرضها الباريسي كمنصة تستقبل حضوراً عالمياً أوسع، مع خطط مستقبلية لإطلاق صيغ عرض جديدة وشراكات وأنشطة تسويقية تهدف إلى ربط المصممين البريطانيين بأسواق وفرصة دولية إضافية.


حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر
TT

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، حيث تتمازج حرارة المدرجات بشغف الساحرة المستديرة، لم تكتفِ النجمة الكولومبية شاكيرا بإشعال الحماس عبر أغنية المونديال الرسمية «داي داي»، بل خطفت الأضواء بـ«ضربة معلم» في عالم الموضة الرياضية.

تحول حذاء النجمة على العشب الأخضر من مجرد تفصيل متمم للإطلالة إلى بيان فني صاخب يعيد تعريف أزياء الملاعب، ويمزج بكبرياء بين التمرد الأنثوي ومتطلبات الأداء الحركي الفائق في افتتاح كأس العالم 2026.

شاكيرا تألقت في تقديم الحفل الموسيقي (رويترز)

هندسة الجاذبية على المستطيل الأخضر

في وقت كان العالم يترقب فيه دوران الكرة، اختارت شاكيرا أن تؤسس لمنطقها الخاص في الحركة، حيث اعتلت المسرح بحذاء رياضي ضخم ذي منصة مرتفعة (Platform) من العلامة النيويوركية المتمردة R13.

الحذاء، الذي ينتمي إلى طراز «Riot High-Top» والمصنوع من الجلد الأبيض الناصع، جاء بكعب شاهق يصل إلى 4.45 سنتيمتر مدعوماً بقاعدة سميكة بارتفاع 3.8 سنتيمتر.

هذا الخيار الاستثنائي شكّل تحدياً صارخاً للقواعد التقليدية لملابس الملاعب، مانحاً النجمة قامة ممشوقة وثباتاً راسخاً تناغم بدقة مع لوحات فرقتها الراقصة.

من ثورة «الحفاء» إلى صخب الـ «غرانج» (Grunge) النيويوركي

شاكيرا تقدمت الفنانين في حفل افتتاح كأس العالم 2026 (رويترز)

تاريخياً، ارتبطت هوية شاكيرا المونديالية بالتحرر، ففي نسخة جنوب أفريقيا 2010 وأغنيتها الشهيرة «واكا واكا»، آثرت الغناء حافية القدمين لتكريس اتصالها العضوي بالأرض.

أما في مكسيكو سيتي، فقد عكس الحذاء الرياضي المستوحى من كلاسيكيات كرة السلة تحولاً جذرياً نحو جماليات الـ«Grunge» المعاصرة.

لقد كان هذا التصميم بمثابة درع ذكي، أمن لركبتيها وكاحليها الحماية القصوى أثناء أداء رقصاتها المعقدة والسريعة، لتثبت للعالم أن الأناقة الرفيعة لا تقصي الكفاءة البدنية.

فلسفة اللون وتناغم الإيقاع البصري

لم يكن اختيار الحذاء الأبيض معزولاً عن سياقه الفني، بل جاء بتنسيق مبتكر صممته دار Off-White بالتعاون مع منسق أزيائها نيكولاس برو. وتمثلت اللمسة الذكية في استبدال الأربطة التقليدية بأخرى ذات لون أصفر فوسفوري مشع تحاكي روح العلم الكولومبي وتتناغم مع بدلتها الرياضية، بينما أضفت نظارات بالنسياغا Balenciaga المستقبلية هالة من الغموض الثوري. هذا المزيج المدروس يعكس كيف تحول الرموز الفنية «المستطيل الأخضر» إلى منصة عرض أزياء عالمية تحاكي جيل الحداثة.