فكرة المطعم.. من أرياف الصين إلى العالم والجدل لا يزال قائمًا

نمو المدن ساهم في تطور المطاعم والثورة الفرنسية أسست الحديثة منها

فكرة المطعم.. من أرياف الصين إلى العالم والجدل لا يزال قائمًا
TT

فكرة المطعم.. من أرياف الصين إلى العالم والجدل لا يزال قائمًا

فكرة المطعم.. من أرياف الصين إلى العالم والجدل لا يزال قائمًا

عندما يتحدث الكثير من الناس عن تاريخ المطعم والمطاعم يعودون إلى مصادر المطعم الحديث، خصوصا إلى فرنسا، باريس والثورة الفرنسية وماري أنطوانيت، خصوصا السيد بولانغر Boulanger الذي يقال إنه كان أول من استخدم كلمة «مطعم» (restaurant). ورغم تضاربها، تقول الكثير من المصادر إنه افتتح هو وزوجته مطعمهما في شارع اللوفر عام 1765 وكانت المقادم أو الكراعين بالصلصة البيضاء أولى وجباته.
وقد نشر الكثير من طباخي الطبقات العليا والغنية الذين خسروا وظائفهم بعد الثورة الفرنسية نهاية القرن الثامن عاشر، ظاهرة المطاعم الخاصة وقائمة الطعام اللاكارت (À la carte) التي تعني على الأرجح «وفقا للقائمة»، وبالتالي الطعام الفاخر (طعام الذواقة) أو ما يعرف بفاين دايننيغ (fine dining)، وحسب هذه الظاهرة وحسب اللاكارت تكون الأطعمة على القائمة منفصلة ويكون للفرد خيار الانتقائية وتكون الأسعار أرخص بشكل عام، أي على النقيض من القوائم التقليدية القديمة أو ما يعرف بـ«الجدول» (table d›hôte) حيث تكون الخيارات محدودة أو معدومة وبأسعار ثابتة. وقد كانت معظم المطاعم القديمة في الكثير من البلدان ذات قوائم ثابتة ووجبات محددة وقليلة لدرجة أنه يمكن القول إن أي مقهى حديث وصغير يملك خيارات أكثر من أي مطعم قديم.
وعلى هذا الأساس يخلط الكثير من الناس بين تاريخ ظهور المطعم وتاريخ ظهور قائمة الطعام الحديثة؛ إذ إن تاريخ المطعم يعود إلى قديم الزمان ومنذ أن بدأت حاجة الناس إلى الأكل خارج المنزل ومنذ أن بدأ تأسيس المدن على نطاق واسع. ويبدو في هذا الإطار أن تاريخ التمدن وانتقال الناس من الريف إلى المدينة لم يساهم في انتشار الكثير من الأطعمة قط، بل ساهم في انتشار ظاهرة المطاعم وتطويرها. وكما تقول الكاتبة البريطانية لوري ميلي إنه «ليس مصادفة أن نمو المطاعم عبر التاريخ ارتبط بنمو المدن».
فالحاجة إلى أماكن يأكل فيها الناس تعود إلى الصين القديمة والإمبراطورية الرومانية؛ أي عندما بدأ الناس بجلب خيراتهم من القرى إلى أسواق المدن، وعندما بدأ الناس بتأسيس مطاعمهم في الريف على الطرقات لخدمة المسافرين وحجاج الأماكن الدينية، حيث كان الطباخ هو من يختار الوجبة المتوفرة لا الزبون أو الفرد العادي.
كما بدأت ظاهرة المطاعم قديما عندما بدأت العائلات بتأسيس مطاعمها الصغيرة الخاصة لخدمة الجنود وموظفي الإمبراطوريات في الأماكن المزدحمة والمرافئ في المدن. وقد بدأ الناس بتأسيس مطاعم المأكولات السريعة في آسيا والصين منذ زمن طويل لبيع شتى الأنواع بأسعار رخيصة وخلال وقت قصير؛ أي أثناء عبور الناس في الشوارع وعلى الجسور والأسواق المزدحمة.
وعلى هذا الأساس، كانت معظم المآكل مآكل فلاحين ومزارعين، وظل الأمر على هذا الحال إلى القرون الوسطى؛ حيث كانت مآكل «الاستراحات» الإسبانية ومآكل البلدان الأوروبية الأخرى مآكل بسيطة وفلاحية الطبع من آيرلندا وفرنسا إلى روسيا.
القرون الوسطى شهدت تطورين كبيرين أو إذا صح التعبير زلزالين رئيسيين على صعيد الطعام والمطاعم حول العالم، الأول يتمثل في اكتشاف كولومبوس لأميركا (التبادل الكولومبي) وتغيير خريطة التجارة العالمية، وانتشار الكثير من أنواع الفاكهة والخضار والحبوب وشتى أنواع الخيرات في العالم. وقد جاء معظم هذه الخيرات من أميركا الجنوبية والمكسيك كالبندورة والبطاطا والفستق واللوبياء والقرع والذرة والأفوكادو والفروالة والفلفل وعلى الأخص الكاكاو (الشوكولاته) والفانيليا والتبغ والقهوة والشاي.
كما ساهمت الحروب الصليبية بتغيير المطبخ الأوروبي مرة وإلى الأبد من جلب الجنود وقادتهم الكثير من الخبرات والأطعمة والتوابل وغيرها. ويقال في هذه الإطار إن تطورات العصور الوسطى على صعيد المطبخ أرست أسس المطبخ الأوروبي الحديث الذي نعرفه الآن - كما سبق وذكرنا بالعودة إلى باريس.
وكانت الحبوب إلى جانب الخبز والكثير من الخضار واللحم الغالي الثمن والسمك المملح المواد الرئيسية التي تنعم بها المطاعم والاستراحات. كما ساهمت تقنيات التخليل والتدخين والتجفيف والتمليح بنقل الأطعمة من أماكن بعيدة كما هو الحال شرق المتوسط وأوروبا الشمالية وإنتاج أطعم جديدة في المطاعم. ولذا يستخدم البعض تعبير النفوذ الأجنبي عند الحديث عن طعام الأغنياء والطبقات المتوسطة العليا، لأن معظمه يأتي من مناطق بعيدة وغالي الثمن ونتيجة للحروب الخارجية.
ولعدم توفر الكثير من المطابخ في المدن لازدحامها، كانت المطاعم المكان الوحيد للحصول على الطعام للكثير من الناس الذي عادة ما كانوا يؤمنون المواد الرئيسية للمطعم.
وقبل انتشار المطاعم في باريس قبل الثورة الفرنسية بعشرين عاما مع بولانغر، كان الناس بشكل عام، إما يأكلون في بيوتهم وإما في الصالونات الخاصة أو يجلبون طباخهم الخاص بهم.
وتقول الكاتبة البريطانية لوري ميلي بهذا الإطار عندما ذهب كل من «ماري أنطوانيت ولويس السادس عشر إلى المقصلة، ذهبت الطرق القديمة في المجتمع الفرنسي معهم». وجدد الطباخون المسرحون من القصور ومنازل الأغنياء طبيعة المطبخ والمطاعم كما سبق وذكرنا في البداية.
وحتى استخدام تعبير «مطعم» ريستورانت (restaurant) هو تعبير فرنسي لوصف المرق الغني أو المكثف لترطيب الأرواح واتقاء الأمراض على حد تعبيرها. ولا يزال العالم كله يستخدم نفس التعبير وهو دلالة على قوة تأثير الثورة الفرنسية وفرنسا في انتشار المطعم الحديث.
وبهذا بدا الناس في فرنسا ينعمون في المطاعم بالأدوات المنزلية الممتازة والفوط والقوائم اللاكارت المتنوعة وغيرها ومن هناك انتشرت هذه المطاعم الحديثة في أوروبا وشتى أنحاء العالم الحديث.
كما ساعد على تأسيس المطعم الحديث و«الفاين دايننيغ»، إضافة إلى ذلك، انتشار السياحة وخطوط سكك الحديد التي ربطت بين المدن والمناطق والدول؛ مما ساهم في ارتفاع وتيرة التنافس وتنوع المطاعم. كما ارتفع عددها من أقل من خمسين مطعما قبل الثورة إلى عدة آلاف خلال ربع قرن على بدايتها عام 1789 مع وصول الإيطاليين وبدأ توفير المراحيض في المطاعم بأسعار مختلفة.
وظلت فرنسا وباريس محج الطامحين إلى تناول المأكولات الطيبة والفاخرة بعد هزيمة نابليون والحرب العالمية الثانية على حد سواء. وتواصلت وتيرة ارتفاع عدد المطاعم وتنوعها واختلاطها بالمقاهي. وهذا النوع من المطاعم التي رأينا انتشارها في الولايات المتحدة الأميركية، وهي المطاعم المقاهي التي تقدم الأكل على البار أو «الكاونتر» (counter) لا الطاولات الخاصة، حيث يخدم الزبائن أنفسهم بشكل عام.
وعلى ما ذكرنا، فإن تطور قطاع السياحة من القرن التاسع عشر حتى الآن ساهم بشكل كبير في تطور المطابخ ووسائل الطبخ وتنوع أنواع المطاعم وقوائم مآكلها. ومن المطاعم التقليدية والفاخرة شهدنا نقلة كبيرة إلى ظاهرة سلاسل المطاعم Chain)) ومطاعم الترخيصات (Franchise) في الولايات المتحدة وحول العالم حاليا.
وفي القرن العشرين، القرن الماضي، وخلال الخمسينات نمت ظاهرة مطاعم المأكولات السريعة من الولايات المتحدة وأوروبا باتجاه القارات الأخرى (البيتزا والهوت دوغز مثالا) وفي الستينات انتعشت ظاهرة المطاعم العائلية ومعظمها من سلاسل المطاعم والشركات المعروفة. ونتيجة للتطورات العلمية والاهتمام العام بالصحة واكتشاف العلاقة بين النظافة والصحة انتشرت ظاهرة سلاسل مطاعم الهامبرغر التي تعتمد على ديكورات بيضاء لتطمين الزبائن بصحة المكان.
وقد بدأت شركة هورن آند هاردارت بانكينغ في فيلادلفيا في الولايات المتحدة باستخدام المطاعم الأوتوماتيكية عام 1902. ووصل عدد المطاعم في الولايات المتحدة نفسها في الخمسينات إلى مائتي ألف مطعم؛ أي مطعم لكل 800 شخص آنذاك وبستين مليون وجبة يوميا.
ومنذ ذلك الحين تعتبر ظاهرة الماكدونالدز وما تبعها من «كنتاكي فرايد تشيكن» و«بيتزا هات» من أهم الظواهر والتغييرات التي طرأت على عالم الطعام والمطاعم.
وفي الثمانينات والتسعينات تطورت المطاعم لخدمة العائلات التي تريد تناول طعامها خارج المنزل، ولاحقا تغيرت المطاعم بعد ضغوط الجهات الصحية لتقديم الوجبات الصحية والقوائم الخاصة بوجبات الأطفال، وبعدها انقسمت المطاعم إلى مطاعم نباتية ومطاعم تقليدية وغيرها مثل المطاعم التي تقدم الأغذية العضوية (organic food) مع انتشار الوعي الصحي لانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت بشكل عام.
ولا يزال الجدل متواصلا حول أقدم المطاعم في العالم، فهناك من يقول إنه مطعم بولانغر الباريسي نهاية القرن الثامن عشر (1765)، وهناك من يقول إنه مطعم «يونيون أويستر هاوس» (The Union Oyster House) في بوسطن بأميركا الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى عام 1826، لكن مطعم «ذو بلو آنكور تافيرن» (The Blue Anchor Tavern) في فيلادلفيا أقدم من ذلك بكثير؛ إذ يعود تاريخه إلى نهاية القرن السابع عشر؛ أي عام 1680. وحسب كتاب غينس للأرقام القياسية، فإنه مطعم «بوتين» (Botin) في مدريد في إسبانيا الذي بدأ العمل عام 1725، لكن مطعم «زوم فرانزيكنر» (Zum Franziskaner) السويدي في العاصمة استوكهولم يعد تاريخه إلى بداية القرن الخامس عشر عام 1421 ومطعم «ستيفتسكيلير» (Stiftskeller St. Peter) في سالزبورغ في النمسا يعود إلى بداية القرن التاسع أي عام 803.
وبالعودة إلى موسوعة غينس للأرقام القياسية، فيبدو أن مطعم بوابة دمشق الذي يقع بين مطار دمشق الدولي ومدينة دمشق القديمة (جنوب شبعا وعقربا في الغوطة الشرقية) هو أكبر مطاعم العالم؛ إذ إن المطعم الشهير الذي تملكه عائلة شاكر السمان كلف 40 مليون دولار ويضم 6012 كرسيا. وخلال الموسم السياحي يعمل في المطعم أكثر من 1800 موظف وتبلغ مساحته 54 ألف متر مربع وتبلغ مساحة المطبخ 2500 متر مربع. كما يستقبل المطعم يوميا بين 2000 و4000 زبون وفيه حجر نيزكي فريد من نوعه جئ به من سيبيريا منتصف القرن الماضي.
ويقال إن الطاهي الواحد في المطعم قادر على تحضير 25 طلبية على الأقل في الدقيقة مثل الحمص والفول والأطباق الشعبية المعروفة.



«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».