من التاريخ: تاريخ النظام الاقتصادي الدولي

من التاريخ: تاريخ النظام الاقتصادي الدولي
TT

من التاريخ: تاريخ النظام الاقتصادي الدولي

من التاريخ: تاريخ النظام الاقتصادي الدولي

لا خلاف على أن جذور النظام السياسي الدولي كانت أوروبية من حيث النشأة والتطور منذ القرن السادس عشر الميلادي، سواء من حيث قيمه أو إدارته على مدار قرون من الزمان، إلى أن بدأت العولمة تؤثر مباشرة في شكل هذا النظام وقيمه.
والملاحظ أيضًا أن النظام الاقتصادي العالمي الذي نعيش فيه اليوم قد نحا منحى النظام السياسي العالمي نفسه منذ نشأته بشكل مقارب للغاية، بل يكاد يكون بشكل متوازٍ. وأثر تطور النظامين (السياسي والاقتصادي) أحدهما في الآخر منذ القرن الخامس عشر، وكان ظهورهما إيذانًا بتغير النظام الدولي بشكل عام على مدار قرون تالية. وهذا ما أثر أيضًا في شكل وقيم وطرق حياة الدول، وهو أمر طبيعي ومفهوم بالنظر إلى العلاقة التبادلية بين عوامل الاقتصاد والسياسة والاجتماع وتفاعلها الطبيعي لخلق المنظومة الجديدة على مستوى الدولة ثم القارة ثم على المستوى الدولي.
ولقد قبضت القارة الأوروبية على إدارة النظام الاقتصادي الدولي حتى الحرب العالمية الثانية، وبعدها انتقلت إدارته إلى الولايات المتحدة الأميركية بشكل منفرد لقرابة حقبتين من الزمان، ومن ثم مع دخول عصر العولمة ظهرت إدارة دولية جديدة عقب دخول لاعبين آخرين من الدول والتكتلات الاقتصادية الدولية. ولكن ما يهمنا إبرازه هنا هو نشأة النظام الاقتصادي الدولي وخروجه من زيّه التقليدي، المرتبط بالتجارة المحدودة نسبيًا، والعلاقات المنغلقة من حيث الشكل والمضمون، إلى الانفتاح الدولي الذي نراه اليوم.
واقع الأمر أن عناصر التغيّر في النظام الاقتصادي الدولي لم تظهر إلا في مطلع القرن الخامس عشر، وارتبطت بشكل كبير بالتوسّع التجاري. وكانت المدن الإيطالية هي الباعث الحقيقي لهذا التغيّر من خلال حركة التجارة البرية إلى الشرق، ولقد تناولنا في مقال سابق قصة حياة الرحّالة ماركو بولو ودوره المهم في توسيع نطاق التجارة الإيطالية شرقًا، مما فتح المجال أمام توسيع رقعة التبادل التجاري على مستوى القارات بما خلق نشاطًا اقتصاديًا مكثفًا وموسعًا. أدى ذلك إلى تراكم نسبي لرأس المال في هذه الدويلات الإيطالية دفعها إلى توسيع طرق التجارة ومعه صار القرن الخامس عشر «قرن الاستكشافات الجغرافية»، والبحث عن طرق تجارة جديدة تسمح بتوسيع رقعة التجارة التي أصبحت أداة الرفاهية الجديدة للقادرين على مزاولة هذه المهنة، فضلاً عما وفرته من فرص عمل للدويلات الإيطالية.
أدّى ذلك بطبيعة الحال إلى ظهور بداية توسّع أوروبي على المستوى الدولي، خصوصًا بعد اكتشاف كريستوف كولومبوس القارة الأميركية وبداية عصر المستعمرات الأوروبية على طرق التجارة خلال القرنين السادس والسابع عشر، وهو ما جعل التجارة تتحول من مشروع على مستوى الدولة إلى مشروع دولي. ومن ثم، بدأت المدن الساحلية المهمة تظهر مثل أمستردام ولشبونة وليفربول على الساحة الدولية، وكان من نتاج التوسع الدولي في التجارة ظهور المستعمرات وحركة الاستيطان الأوروبي في العالم الجديد وفي القارة الآسيوية والأفريقية بعد الأميركيتين. هذا التحرك بدوره أدى إلى ظهور عدد من العوامل التي أثرت مباشرة في تغيير دفة النظام الاقتصادي في الدول الأوروبية ذاتها، فتحوّلت تدريجيًا من النظام الاقتصادي الجامد والمحدود إلى النظام الرأسمالي، خصوصًا بعد تراكم رأس المال الناجم عن التجارة من ناحية، وتدفق الذهب والفضة والمعادن النفيسة من المستعمرات الجديدة وعلى رأسها كيانات أميركا اللاتينية من ناحية أخرى.
وتشير الإحصائيات المتاحة إلى أن رصيد الذهب في القارة الأوروبية تضاعف خمسة أضعاف خلال القرن السادس عشر وحده بسبب هذه التدفّقات، وهو ما ساهم بشكل مباشر في تراكم رأسمالي لم تشهده أوروبا أو أي قارة من قبل، وهو ما أدّى إلى نتيجتين أساسيتين: الأولى، توسيط الذهب في عمليات التجارة، بحيث أصبحت مبنية على أسس التبادل الحر على أساس قيمي بدلاً من المبادلة أو الصفقات المتكافئة. والثانية - والأكثر خطورة - كانت وضع اللبنة الحقيقية لهيكل النظم الرأسمالية في الدول الأوروبية ذاتها، وبالتالي، كان من الطبيعي بداية ظهور البنوك والمصارف بشكل موسّع، من أجل تمويل حركة التجارة من ناحية وتطوير النظام الاقتصادي الداخلي في الدولة الأوروبية من ناحية أخرى.
وعلى الرغم من أن فكرة البنوك ظهرت بادئ الأمر في إيطاليا، وارتبطت شهرتها من خلال أسرة ميديتشي الشهيرة، فإن هذه الظاهرة بدأت تستشري في أوروبا، وأسهمت بشكل كبير في تغيير نمط الإنتاج الأوروبي من نظام الورش المحدودة أو الـ«Guild System» إلى نظام المصانع الصغيرة، خصوصًا في مجال المنسوجات بعد اكتشاف عجلات الغزل. وكانت وراء الصناعات التي تطوّرت بفضل الثورة الصناعية الأولى ثم الثانية مصانع، يقودها رجال أعمال، وبات هؤلاء هم الطبقة الجديدة التي بدأت تظهر في أوروبا تدريجيًا جراء هذا التغيّر.
هكذا بدأ وجه أوروبا الاقتصادي يتبدّل تدريجيًا، وأخذت القارة تخرج من المنظور الضيق للاقتصاد المتجمّد الذي اتسمت به النظم الإقطاعية في أوروبا إلى نظام رأسمالي. وفي هذا السياق اندفعت الدول في أواخر القرن السابع عشر إلى تبنّي مفاهيم المصارف المملوكة للدولة، فكانت السويد هي أول دولة تؤسس مصرفًا مركزيًا وطنيًا في عام 1656، تلتها إنجلترا في عام 1694 ثم باقي الدول. لقد كان من الطبيعي في خضم هذه المتغيّرات أن يبدأ زحف طبقة رجال الأعمال، مدفوعة بالفرص والتحديات إلى صياغة أنظمة جديدة ومتنوعة لتطوير أوضاعها الاقتصادية والتجارية. وحقًا، نشأت إذ ذاك فكرة الشركات المساهمة Joint Stock Companies لمواكبة المتغيرات الدولية المتتالية، بحيث أصبح شراء الأسهم وسيلة لتوسيع الشركة ومجهوداتها الدولية لزيادة الربحية، فضلاً عن كونها أداة لتراكم رأس المال على المستوى الشعبي. ثم أعقب تكوين هذه الشركات إقدام الدول الأوروبية على تخصيص مناطق ضمن مستعمراتها لتجارة هذه الدول، وكانت على رأسها «شركة الهند الشرقية».
وبعد ذلك، واكب هذا التطور صكّ الدول الأوروبية تدريجيًا العملات المحلية للاستخدام في الداخل وليس وسيلة للتجارة الدولية، وهو ما ساهم بشكل كبير في تيسير التبادلات التجارية والاقتصادية داخل الدولة الواحدة بما سمح بتوسيع رقعة هذه التبادلات وسبل تقييمها.



الحدود العراقية ــ السورية... وذكريات صيف 2014

شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)
شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)
TT

الحدود العراقية ــ السورية... وذكريات صيف 2014

شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)
شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)

شأن معظم دول المنطقة والإقليم، تسببت الأزمة السورية المتصاعدة في تراجع الاهتمام الرسمي والشعبي العراقي بالحرب التي تشنّها إسرائيل على غزة ولبنان، بعد أن كانت تحظى بأولوية قصوى، خصوصاً بعد التهديدات الإسرائيلية بتوجيه ضربات عسكرية ضد الفصائل المسلحة العراقية التي استهدفتها بأكثر من 200 هجمة صاروخية خلال الأشهر الماضية. وأظهر رئيس الوزراء محمد شيّاع السوداني، موقفاً داعماً للحكومة السورية في ظروفها الحالية منذ اليوم الأول للهجوم الذي شنَّته الفصائل السورية المسلحة وتمكّنت من السيطرة على محافظة حلب ومدن أخرى، إذ أجرى اتصالاً بالرئيس السوري بشار الأسد وكذلك الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وأكد دعمه لدمشق.

أعلن رئيس الحكومة العراقي محمد شيّاع السوداني، يوم الثلاثاء الماضي، موقفاً أكثر وضوحاً بالنسبة لدعم نظام دمشق، وذلك خلال اتصال - مماثل لاتصاليه مع القيادتين السورية والإيرانية - أجراه مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان.

ومما قاله السوداني إن «العراق لن يقف متفرجاً على التداعيات الخطيرة الحاصلة في سوريا، خصوصاً عمليات التطهير العرقي للمكوّنات والمذاهب هناك»، طبقاً لبيان حكومي.

كذلك شدّد الزعيم العراقي على أنه سبق لبلاده أن «تضرّرت من الإرهاب ونتائج سيطرة التنظيمات المتطرّفة على مناطق في سوريا، ولن يُسمَح بتكرار ذلك»، مؤكداً «أهمية احترام وحدة سوريا وسيادتها، وأن العراق سيبذل كل الجهود من أجل الحفاظ على أمنه وأمن سوريا».

محمد شياع السوداني (آ ف ب)

السوداني كان قد انهمك بسلسلة اتصالات خلال الأيام القليلة الماضية مع عدد من قادة الدول، بخصوص الوضع في سوريا؛ من «أجل دعم الاستقرار في المنطقة، وعدم حصول أي تداعيات فيها، خصوصاً مع ما تشهده من حرب إجرامية صهيونية مستمرة منذ أكثر من عام» بحسب بيان حكومي.

وأظهرت قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية موقفاً مماثلاً وداعماً لحكومة السوداني في مواقفها حيال سوريا، لكنها أعربت خلال اجتماع، الثلاثاء الماضي أيضاً، عن قلقها جراء الأوضاع في سوريا بعد «احتلال الإرهابيين مناطق مهمة» طبقاً لبيان صدر عن الاجتماع. وعدّت «أمن سوريا امتداداً للأمن القومي العراقي للجوار الجغرافي بين البلدين، والامتدادات المختلفة لذلك الجوار».

الحدود المشتركة مؤمّنة

للعلم، مع الشرارة الأولى لاندلاع الأزمة السورية، اتخذت السلطات العراقية على المستوى الأمني إجراءات عديدة «لتأمين» حدودها الممتدة لأكثر من 600 كيلومتر مع سوريا. وصدرت بيانات كثيرة حول جاهزية القوات العراقية وقدرتها على التصدّي لأي محاولة توغّل داخل الأراضي العراقية من قبل الفصائل المسلحة من الجانب السوري، مثلما حدث صيف عام 2014، حين تمكَّنت تلك الجماعات من كسر الحدود المشتركة والسيطرة على مساحات واسعة من العراق.

اللواء يحيى رسول، الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، أوضح (الثلاثاء) أبرز الإجراءات المُتَّخذة لتحصين الحدود مع سوريا. وقال في تصريحات صحافية إن «الحدود مؤمَنة ومُحكمة بشكل كبير من تحكيمات وتحصينات، وهناك وجود لقوات الحدود على خط الصفر الذي يربطنا مع الجارة سوريا مدعومة بالأسلحة الساندة والجهد الفني، المتمثل بالكاميرات الحرارية وأبراج المراقبة المحصّنة». وأضاف رسول: «لا خوف على الحدود العراقية، فهي مؤمّنة ومحكمة ومحصّنة، وأبطالنا منتشرون على طولها»، مشيراً إلى أنه «تم تعزيز الحدود بقطاعات من الألوية المدرعة وهي موجودة أيضاً عند الحدود».

أيضاً، وصل وفد أمني برئاسة الفريق أول قوات خاصة الركن عبد الأمير رشيد يارالله، رئيس أركان الجيش، يوم الأربعاء، إلى الشريط الحدودي العراقي - السوري. وذكر بيان عسكري أن «هدف الزيارة جاء لمتابعة انتشار القطعات الأمنية وانفتاح خطوط الصد».

غموض في الموقف

إلا أنه حتى مع المواقف الحكومية الداعمة لدمشق في أزمتها الراهنة، يبدو جلياً «الالتباس» بالنسبة لكثرة من المراقبين، وبالأخص لجهة شكل ذلك الدعم وطبيعته، وما إذا كانت السلطات الحكومية العراقية ستنخرط بقوة لمساعدة نظام الأسد عسكرياً، أم أنها ستبقى عند منطقة الدعم السياسي والدبلوماسي، تاركة أمر الانخراط والمساعدة الميدانية للفصائل المسلحة.

وهنا يلاحظ إياد العنبر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، وجود «التباس واضح حيال الموقف من الحدث السوري، وهذا الالتباس نختبره منذ سنوات، وليس هناك تمييز واضح بين العراق الرسمي وغير الرسمي». وتابع العنبر لـ«الشرق الأوسط» أن «مستويات تفعيل المساهمة العراقية في الحرب غير واضحة، وإذا ما قررت الحكومة البقاء على المستوى الدبلوماسي بالنسبة لقضة دعم سوريا، أم أن هناك مشاركة عسكرية».

غير أن إحسان الشمري، أستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، يعتقد بأن «العراق الرسمي عبَر عتبة التردّد، وبات منخرطاً في الأزمة السورية». وفي لقاء مع «الشرق الأوسط» بنى الشمري فرضيته على مجمل المواقف الرسمية التي صدرت عن رئيس الوزراء، والناطق الرسمي، وزعماء «الإطار التنسيقي»، وشرح قائلاً إن «هذه المواقف بمجملها كسرت مبدأ الحياد وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى الذي يتمسّك به العراق، إلى جانب كونها انخراطاً رسمياً عراقياً بالأزمة السورية».

نتنياهو غير مضمون

ولكن، بعيداً عن الانشغال الراهن بالأزمة السورية، ما زالت التهديدات الإسرائيلية بين أهم القضايا التي تشغل الرأي العام ببعدَيه السياسي والشعبي. وحتى مع الترحيب العراقي بقرار وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله»، ما زالت مخاوف البلاد من ضربة إسرائيلية محتملة قائمةً.

ولقد قال الناطق باسم الحكومة باسم العوادي، الأربعاء قبل الماضي، في تصريحات صحافية، إنه «مع عملية وقف إطلاق النار في لبنان، نحن أنهينا الجزء الأسهل، فالمعركة انتهت والحرب لم تنتهِ، فالأصعب أنك ستدخل بالمخططات غير المعلومة. ونحن (العراق) واقعون في المنطقة الحرام، لكن السياسة العقلانية المتوازنة استطاعت أن تجنبنا الضرر».

وأجاب، من ثم، عن طبيعة الرد العراقي إذا ما هاجمت إسرائيل أراضيه، بالقول: «إلى حد أيام قليلة كانت تأتي نتائج جيدة من المعادلات التي اشتغل عليها رئيس الوزراء، لكن رغم ذلك فلا أحد يضمن ما الذي يدور في بال حكومة نتنياهو، وما هو القادم مع الإدارة الأميركية الجديدة، وكيف سيتصرف نتنياهو».

وتابع العوادي، أن «الإسرائيليين عملوا على تفكيك الساحات، وتوجيه ضربات إلى اليمن وسوريا، لكن الطرف العراقي هو الوحيد الذي لم يستطيعوا الوصول إليه بفضل المعادلة... وقد يكونون وضعونا للحظات الأخيرة أو الأيام الأخيرة بنوع ما، وهذا وارد جداً، وتتعامل الحكومة العراقية مع ذلك».

شبح هجوم إسرائيلي

وحقاً، لا يزال شبح هجوم إسرائيلي واسع يخيم على بغداد، إذ تناقلت أوساط حزبية تحذيرات جدية من شنِّ ضربات جوية على العراق. وفي وقت سابق، قال مصدر مقرّب من قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية، لـ«الشرق الأوسط»، إنَّ «مخاوف الأحزاب الشيعية من جدية التهديد دفعتها إلى مطالبة رئيس الحكومة للقيام بما يلزم لمنع الهجمات». وأكَّد المصدر أنَّ «فصائل عراقية مسلّحة لجأت أخيراً إلى التحرك في أجواء من التكتم والسرية، وقد جرى بشكل مؤكد إبدال معظم المواقع العسكرية التابعة لها».

وفي سياق متصل، تتحدَّث مصادر صحافية عمَّا وصفتها بـ«التقديرات الحكومية» التي تشير إلى إمكانية تعرّض البلاد لـ«300 هجوم إسرائيلي». وفي مطلع الأسبوع الماضي، شدَّدت وزارة الخارجية العراقية، في رسالة إلى مجلس الأمن، على أهمية «تدخل المجتمع الدولي لوقف هذه السلوكيات العدوانية لإسرائيل».

كما أنَّه حيال التهديدات الجدية والخشية الحقيقية من عمل عسكري إسرائيل ضد البلاد، اهتدت بعض الشخصيات والأجواء المقرّبة من الحكومة والفصائل إلى «رمي الكرة» في الملعب الأميركي، مستندين بذلك إلى اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» المُوقَّعة منذ عام 2011، بين بغداد وواشنطن، وهو العام الذي خرجت فيه القوات الأميركية من العراق.

التهديدات الإسرائيلية من أهم القضايا التي تشغل الرأي العام العراقي

هادي العامري (رووداو)

العامري يلوم واشنطن

أيضاً، وجد هادي العامري، زعيم منظمة «بدر»، بنهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، الفرصة ليحمّل واشنطن مسؤولية حماية الأجواء العراقية، بعدما شنَّت إسرائيل هجوماً عسكرياً ضد إيران، مستخدمةً الأجواء العراقية في هجماتها. ويومذاك، حمّل العامري الجانب الأميركي «المسؤولية الكاملة» على انتهاك إسرائيل سيادة الأجواء العراقية في طريقها لضرب إيران. وقال، إن «الجانب الأميركي أثبت مجدّداً إصراره على الهيمنة على الأجواء العراقية، وعمله بالضد من مصالح العراق وشعبه وسيادته، بل سعيه لخدمة الكيان الصهيوني وإمداده بكل ما يحتاج إليه لممارسة أساليبه العدوانية، وتهديده للسلام والاستقرار في المنطقة».

وأضاف العامري: «لهذا باتت الحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى لإنهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق بأشكاله كافة». وللعلم، فإن منظمة «بدر» - التي يقودها العامري - وردت ضمن لائحة المنظمات التي اتهمتها إسرائيل بشنِّ هجمات ضدها خلال الشكوى التي قدمتها إلى مجلس الأمن في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وبناءً على تصريحات العامري السالفة، وتصريحات أخرى لشخصيات مقرّبة من الفصائل المسلحة وقوى «الإطار التنسيقي» الشيعية، تبلورت خلال الأسبوع الأخير، قناعة داخل أوساط هذه القوى مفادها، بأن واشنطن «ملزمة وبشكل مباشر بحماية الأجواء العراقية» من أي هجوم محتمل من إسرائيل أو غيرها، أخذاً في الاعتبار الاتفاقية الاستراتيجية الموقعة و«سيطرتها على الأجواء العراقية».

وبالتوازي، سبق أن حمّل فادي الشمري، المستشار السياسي لرئيس الوزراء، الولايات المتحدة، أيضاً وفقاً لـ«اتفاقية الإطار الاستراتيجي والاتفاقية الأمنية»، مسؤولية «الردع، والرد على أي هجمات خارجية تمسّ الأمن الداخلي العراقي».

الرد الأميركي قاطع

في المقابل، تخلي واشنطن مسؤوليتها حيال هذا الأمر. ورداً على المزاعم العراقية المتعلقة بـ«الحماية الأميركية»، قالت ألينا رومانوسكي، السفيرة الأميركية في بغداد، صراحةً إن بلادها غير معنية بذلك. وأردفت رومانوسكي، خلال مقابلة تلفزيونية سابقة، أن التحالف الدولي دُعي إلى العراق لـ«محاربة (داعش) قبل 10 سنوات، وقد حققنا إنجازات على مستوى هزيمة هذا التنظيم، لكنه ما زال يمثل بعض التهديد، ودعوة الحكومة العراقية لنا تتعلق بهذا الجانب حصراً. أما اتفاقية الإطار الاستراتيجي فتلزمنا ببناء القدرات العسكرية العراقية، لكنها لا تتطرق لمسألة حماية الأجواء والدفاع بالنيابة». ونفت السفيرة أن تكون بلادها قد «فرضت سيطرتها على سماء العراق».

والاثنين قبل الماضي، قالت رومانوسكي، خلال لقاء «طاولة مستديرة» لعدد من وسائل الإعلام: «أود أن أكون واضحة جداً، ومنذ البداية، بأن الإسرائيليين وجّهوا تحذيرات ردع للميليشيات المدعومة إيرانياً والموجودة هنا في العراق، التي تعتدي على إسرائيل». وأضافت: «هذه الميليشيات هي التي بدأت الاعتداء على إسرائيل. ولأكون واضحة جداً في هذه النقطة، فإن الإسرائيليين حذّروا حكومة العراق بأن يوقف هذه الميليشيات عن اعتداءاتها المتكررة والمستمرة على إسرائيل... إن رسالتنا إلى حكومة العراق هي أن تسيطر على هذه الميليشيات المنفلتة، والتي لا تعتد بأوامر الحكومة وأوامر القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء. إن إسرائيل دولة لها سيادتها، وهي سترد على أي اعتداء من أي مكان ضدها».

جدعون ساعر (آ ف ب)

 

حقائق

قلق عراقي جدّي من التهديدات الإسرائيلية مع مطالبة واشنطن بالتدخّل

خلال الأسبوع قبل الماضي، بعث وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر رسالةً إلى مجلس الأمن تكلّم فيها عمّا أسماه بـ«حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، وحمّل فيها الحكومة العراقية المسؤولية عن الهجمات التي تشنها الفصائل العراقية عليها، داعياً مجلس الأمن للتحرك والتأكد من أن الحكومة العراقية تفي بالتزاماتها. ساعر اتّهم بالتحديد «عصائب أهل الحق» و«كتائب حزب الله» و«ألوية بدر» وحركة «النُّجباء» و«أنصار الله الأوفياء» و«كتائب سيد الشهداء»، بمهاجمة إسرائيل، ومعظم هذه الفصائل مشاركة في الحكومة العراقية الحالية ولها نفوذ كبير داخلها. هنا، تجدر الإشارة إلى أنه سبق لرئاسة الوزراء العراقية توجيه وزارة الخارجية لمتابعة ملف التهديدات الإسرائيلية في المحافل الأممية والدولية وأمام هيئات منظمة الأمم المتحدة، واتخاذ كل الخطوات اللازمة، وفق مبادئ القانون الدولي، لحفظ حقوق العراق وردع تهديدات إسرائيل العدوانية. كذلك طالبت رئاسة الوزراء بـ«دعوة جامعة الدول العربية إلى اتخاذ موقف حازم وموحّد ضد تهديدات سلطات الكيان المحتل، يتضمن إجراءات عملية تستند إلى وحدة المصير والدفاع المشترك». وهذا بجانب «مطالبة مجلس الأمن الدولي بالنظر في الشكاوى المقدمة من جمهورية العراق ضد سلطات الكيان المحتل، واتخاذ إجراءات رادعة تكفل تحقيق الاستقرار والسِّلم الإقليمي والدولي»، وباتخاذ الولايات المتحدة مع العراق، من خلال الحوارات الأمنية والعسكرية ضمن إطار القسم الثالث من «اتفاقية الإطار الاستراتيجي»، خطوات فعالة «لردع سلطات الكيان المحتل» مع دعوة «التحالف الدولي والدول الأعضاء فيه إلى كبح هذه التهديدات والحدّ من اتساع رقعة الحرب».