«آلام أوروبا» و«مخاوف الصين».. يطغيان على اليوم الثاني في دافوس

«آلام أوروبا» و«مخاوف الصين».. يطغيان على اليوم الثاني في دافوس

آراء متفائلة حول تعافي «قاطرة الشرق الاقتصادية».. ومزيد من التقارب حول اللاجئين
الجمعة - 12 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 22 يناير 2016 مـ رقم العدد [ 13569]
رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون خلال حديثه في المنتدى الاقتصادي العالمي بمنتجع دافوس بسويسرا أمس (إ.ب.أ)

استمرت أمس فعاليات اليوم الثاني من المنتدى الاقتصادي العالمي بمنتجع دافوس بسويسرا، والتي طغى على أجندتها المفعمة بالجلسات محوران رئيسيان، وأولهما مستقبل الصين الاقتصادي، بكل ما يحمله من تبعات كونه ثاني أكبر اقتصاد على مستوى العالم، وثانيهما النقاشات التي تناولت المشكلات الأوروبية، بدءًا من مشكلة اللاجئين، ومرورًا بالمواقف الأوروبية في المناطق الملتهبة في الشرق الأوسط، وصولاً إلى ما يتعلق بالقلق المتزايد فيما يخص التلويح البريطاني بالتخارج من الاتحاد الأوروبي.

واحتلت الصين مناقشة صباحية في المنتدى، والتي شهدت في عام 2015 عامًا مضطربًا، وبلغ معدل النمو أدنى مستوى له في ربع قرن بنسبة 6.9 في المائة، مقارنة بنسبة 7.3 في المائة خلال العام الأسبق، ليتوج هذا العام الصاخب من الأحداث بتضخم لتدفق رؤوس الأموال، وانخفاض العملة وانهيار الأسهم في الصيف الماضي.

ولم تكن السنة الجديدة تقل مأساوية عن الماضية، فمنذ ذلك الحين حدث مزيد من الهبوط في قيمة الأسهم، وتوالت «موجات الصدمة» المرسلة إلى الأسواق العالمية، فطرحت المناقشة في تلك الجلسة حول توقعات الآثار المترتبة على هذه البداية السيئة لعام 2016.

وفي حديثها خلال الجلسة قالت كريستين لاغارد، رئيسة صندوق النقد الدولي، إنها تتوقع أن يكون اقتصاد الصين مساهمًا رئيسيًا في النمو العالمي، وأن ينمو بنسبة 6.5 في 2016.. مشيرة إلى أنه «على الرغم من أن بكين حددت هدفا رسميا نحو 7 في المائة، فإنه يبقى أن تقود الدولة الاقتصاد القائم المعتمد على التصنيع، نحو آخر معتمد على الاستهلاك والخدمات». وأضافت «من المهم أن يوضع الانخفاض في النمو للاقتصاد الصيني في المنظور الصحيح، فكان معدل النمو في الصين في 2015 مساويًا لحجم الاقتصاد في سويسرا».


الهوس حول الصين:

ويصف الخبير الاقتصادي الأميركي نوربيل روبيني، ما يحدث في أسواق المال الصينية منذ بداية العام بأنه «العاصفة المثالية، وتميل إلى أن تشبه الهوس الاكتئابي؛ فالمستثمرون يذهبون من التشاؤم المفرط إلى التفاؤل المفرط».

وبينما يرى المراقبون أن الصين هي بمثابة «قاطرة الشرق الاقتصادية»، قال روبيني إن الوقت لم يصبح متأخرًا بعد لتحاشي الهبوط الصعب لـ«طائرة الاقتصاد الصيني»، ويرى أن «الاقتصاد الصيني لن يحظى بهبوط حاد أو ناعم؛ لكنه مليء بالمطبات، فمعدل النمو الصيني سيكون بما يقارب 6 في المائة هذا العام، والخبر الجيد أن الأسواق بالنهاية ستهدأ».

ووجه للمتحدثين سؤال حول كيف يمكن أن يتحسن الاقتصاد الصيني عبر تسارع النمو من دون أن يسفر ذلك عن «توقف ماكينة الاقتصاد»، فأجاب رئيس مجلس إدارة البنك الصناعي التجاري الصيني جيانغ جيانكينغ أنه لا يعتقد أن هناك تقلبات في الاقتصاد الصيني، لأن معدلات النمو جاءت كما تم التوقع لها بحدود 6.9 في المائة في 2015، موضحًا أن جميع المؤشرات تشير إلى أن الصين لا تزال تقود قاطرة النمو في الاقتصاد العالمي.

وأفاد جيانكينغ بأن الصين تحتاج إلى الشجاعة لمتابعة خطتها لتخفيض الطاقة المفرطة في بعض الصناعات، مثل صناعة الصلب.. قائلاً إن ذلك «سيكون مؤلمًا ومكلفًا، ولكن عند الانتهاء من هذا الإصلاح سوف تنجح الصين». وتابع: «أما عن الأسواق، فهناك عناصر من التقلبات، والناجمة جزئيًا عن تباطؤ النمو في الاقتصاد العالمي.. وفي الوقت ذاته ساهمت أسعار الفائدة في الولايات المتحدة والسياسة الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي أيضًا في هذا التقلب، كما تواجه السلع الأساسية ركودًا كبيرًا، لتتألف هذه العناصر لخلق وضع جديد بالنسبة للصين؛ وللعالم أيضًا».

وقال راي داليو، رئيس الاستثمار في بريدج ووتر أسوشيشن، إن «هناك سوء فهم في الغرب حول السوق الصينية، فالسوق تواجه تحديات رئيسية، كالتي حدثت مرارًا وتكرارًا في أجزاء أخرى من العالم على مر التاريخ.. فالولايات المتحدة أعادت تشكيل الاقتصاد وعانت كثيرًا من قضايا مرتبطة بالعملة»، مضيفًا أن الالتزام في إصلاحات السوق في الصين حقيقية، وأن التعديل الدوري للتحول الاقتصادي يتم بين 2 و3 سنوات، وأن هذا التحول يأتي في وقت سيئ بالنسبة للعالم.

من جانبه، أوضح فانغ شينغ هاي، نائب رئيس بوصة شنغهاي، أن الصين في خضم تحول كبير، وهناك أصول سيتم إعادة تقييمها، وهناك عامل آخر هو رفع أسعار الفائدة للاحتياطي الفيدرالي وضعف الأسواق الناشئة، وتشكل جميعها مزيجًا من العوامل الصينية والعالمية التي تسبب تقلبات الاقتصاد العالمي.

ويرى أن الصين لديها القدرة للتعلم، وأن هناك استراتيجية واضحة وهي الحد من الاستثمار وتوسيع الاستهلاك لتحويل المزيد من الدخل إلى الدولة، مؤكدًا أنه ليس لديه شك في أن «الصين لديها موهبة على التكيف، فما زالت الخدمات الحكومية والعامة تحمل تقدير عاليًا جدًا في الصين».


قضية تواصل

حول تلك النقاط، قالت لاغارد إنه على الحكومة الصينية تحسين وسائلها في توضيح خطواتها الاقتصادية للعالم، مشيرة إلى أن الاضطرابات الأخيرة في السوق العالمية تعود بصورة جزئية للتواصل غير الواضح بشأن جهود بكين للعمل على استقرار النمو الاقتصادي. وأضافت أن «هذه قضية تواصل»، موضحة أن «هذه أمور لا تحبها الأسواق، الغموض، وعدم معرفة ما هي السياسة بالضبط، وعدم معرفة العملة التي سوف يتم على أساسها تحديد قيمة العملة الصينية».

لكن لاغارد أعربت في ذات الوقت عن تفاؤلها بشأن إمكانية أن ينتقل ثاني أكبر اقتصاد في العالم من الصناعة للخدمات والاستهلاك. وتقول لاغارد إن ربط العملات بالدولار يجب أن ينتهي، فيجب أن يكون هناك سلة من العملات.

وتتوقع تشانغ شين، خبيرة الاقتصاد الصينية، أن ريادة الأعمال قد تدفع الاقتصاد في الصين، وأن تساهم الشركات الصغيرة والمتوسطة للحد من التقلبات والمساهمة في النمو.


جراح أوروبية

في الوقت الذي تتعافى فيه أوروبا من أطول ركود اقتصادي في تاريخها، سلطت جلسة أخرى بمنتدى دافوس الضوء على التنافر بين إدارة أزمة الديون في اليونان، والأساس السياسي بين دول الاتحاد الأوروبي لحل المشكلة.

غير أن غياب التضامن ظهر جليًا بين أعضاء الاتحاد الأوروبي في قدراتهم على صياغة حل مشترك لعدد كبير من اللاجئين الوافدين إلى الحدود الأوروبية، وهو الوضع الذي فاقمته الأسئلة التي أثارتها الهجمات الإرهابية على باريس حول قيم المجتمع الأوروبي والحسم في السياسة الخارجية.

وفي ظل تلك الأوضاع، ظهر قادة أوروبا خلال العام الماضي في وضع دائم «لرد الفعل وليس الفعل في مواجهة الأزمة»، بينما كانت ردود الفعل تلك غالبًا غير منسقة، بحسب ما يراه أغلب المحللين السياسيين الغربيين، والذين يشيرون إلى أنه حدث جديد على مستوى منطقة اليورو التي لم تشهد أي انقسامات فارقة منذ تاريخ نشأتها. ليترك ذلك سؤالاً مفتوحًا هامًا يتصل بكيفية تواؤم وإدارة الاتحاد الأوروبي للمشكلات التي يتعرض لها بشكل مباشر خلال العامين المقبلين، وكيف ستستقر القارة في العقود القادمة.

وبدأت الجلسة أمس بالنقاش حول صعود التطرف في المنطقة، خاصة بعد أحداث الإرهاب على باريس، وكيفية مواجهة أوروبا لخطر الإرهاب. وقال رئيس الوزراء الفرنسي، مانويل فالس، للجنة تبحث الشؤون الأوروبية في المنتدى: «نحن في حالة حرب ضد الإرهاب، ويجب أن نكون قادرين على مواجهة هذه المشكلة، ويجب على كل دول أوروبا أن تجد وسائل مشتركة لتبادل المعلومات والاستخبارات لمواجهة الإرهاب».


«شينغن» مقابل «دبلن» أم خطة «مارشال»:

على صعيد آخر، تناولت الجلسة «اتفاقية شينغن» الأوروبية بصفتها أمرًا بالغ الأهمية. ويرى مارك روته رئيس وزراء هولندا أن «الحدود المفتوحة قد أفادت أوروبا، وهناك أيضًا نظام دبلن.. ولكن لإيقاف العمل بشينغن، علينا أولا أن نصلح نظام دبلن».

وقال روته: «أمامنا من ستة إلى ثمانية أسابيع فقط لإحكام السيطرة على تدفقات اللاجئين من مناطق الحروب في الشرق الأوسط ومناطق أخرى.. فخلال الأسابيع الثلاثة الأولى من هذا العام، عبر ما يقرب من 35 ألف شخص من تركيا واليونان؛ هذا في الشتاء.. والربيع قادم وسيحمل أعدادا أكبر. ويتعين على الاتحاد الأوروبي الاتفاق على آلية تحل محل نظام دبلن الذي يقضي بأن يطلب المهاجرون اللجوء في أول دولة من دول الاتحاد يدخلونها».

ومن جانبه، أشار الرئيس الوزراء اليوناني، أليكسيس تسيبيراس إلى أن «اليونان حققت خلال السنوات الأخيرة جهودًا كبيرة للتعامل مع أزمة الاقتصاد والمهاجرين. وهو ما نحاول أن نفعله في بحر إيجه.. فالناس يفقدون حياتهم في البحر لأن المهربين يعملون دون عوائق وما نسعى إليه في إيجاد آلية من شأنها أن تساعد انتقال اللاجئين في بقية أنحاء أوروبا وفي كل الاتحاد الأوروبي». وأضاف تسيبيراس أن «اليونان تحتاج إصلاحات جديدة، لإيجاد ميزانية متوازنة».

ويرى فولفانغ شويبله، وزير المالية الألماني، أن الشرق الأوسط بحاجة إلى «خطة مارشال» لتعامل مع أزمة اللاجئين، وفي سؤال عن إمكانية أن تتعامل ألمانيا مع مزيد من اللاجئين، رد شويبله قائلاً: «إن تدفق اللاجئين إلى ألمانيا هائل، ولكن السؤال كيف يمكننا أن نحد من الضغوط على الحدود الأوروبية.. يجب علينا أن نستثمر المليارات في تلك المناطق التي يتدفق منها اللاجئون»، مشددًا على أن الأزمات والصراعات في أفريقيا والشرق الأوسط هي أيضًا مشكلة أوروبية، «فأي خلل يحدث هناك لا يصب في الولايات المتحدة أو أستراليا؛ بل في أوروبا».

وأكد شويبله أنه تبين أن الخلاف داخل الاتحاد الأوروبي بشأن آليات توزيع اللاجئين «غير مثمر»، وأنه يدعو لذلك لإنشاء «تحالف الراغبين»، الذي يضم الدول القادرة على المساهمة بأموال في إعاشة اللاجئين في المنطقة. وقال إن ألمانيا لديها الآن متسع مالي أكثر، مضيفًا: «أدعو في بلدي لأن نستثمر في المنطقة مع دول أوروبية أخرى كل ما نمتلكه».


انفصال بريطانيا

حول الجدل القائم عن احتمالية انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، قال شويبله إن «بقاء بريطانيا في مصلحتها، ومصلحة الاتحاد الأوروبي، معًا»، فيما أكد مانويل فالس أن «التضامن عنصر هام في أوروبا، وقد اتفق أعضاء الهيئة على الحفاظ على الوحدة السليمة للاتحاد الأوروبي.. فلا يمكن أن يسمح لكل من اليونان أو المملكة المتحدة بالمغادرة، وسيكون خطأ تاريخيًا لأوروبا لو سمحت لليونان بالمغادرة من منطقة اليورو. وبالنسبة للمملكة المتحدة، ستكون مأساة لو خرجت من الاتحاد، وأنا أقول هذا كفرنسي، وعلينا أن نفعل كل ما بوسعنا لنجعل بريطانيا تبقى». واتفق على ذلك روته، قائلاً إن «نفوذ المملكة المتحدة كبير داخل وخارج أوروبا، وسنكون جميعًا في وضع سيئ إذا غادرت الاتحاد. غير أني متفائل بأن استفتاء فبراير (شباط) القادم سيكون دائمًا في مصلحة أوروبا كقارة، والاتحاد الأوروبي ككيان واحد». وقال تسيبيراس إن «هذا ليس الوقت المناسب للحديث عن مخارج، سواء كانت بريكست (خروج بريطانيا) أو غريكست (خروج اليونان).. فلا مزيد من التمايز الآن، بل هو وقت التضامن».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة