«سبوتلايت» و«حقيقة» يستعيدان سينما الصحافة في السبعينات

«سبوتلايت» و«حقيقة» يستعيدان سينما الصحافة في السبعينات

فيلمان جديدان عن صراع الإعلام والسياسة
الجمعة - 12 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 22 يناير 2016 مـ
كيت بلانشيت في «حقيقة» - مايكل كيتون (يسارًا) ومارك روفالو في «سبوتلايت»

عندما يجد روبرت ردفورد نفسه محاصرًا بالمخاطر، يتصل بمدير ذلك القسم في «المخابرات المركزية الأميركية» (CIA) الذي دبّر عملية اغتياله ورفاقه ويهدده بأنه سوف يرسل بمعلوماته وشهادته إلى الصحف. المدير (كليف روبرتسون) يفاجأ بالأمر. هو صاحب سُلطة نافذة في الوكالة، لكنه لا يستطيع بسط سلطته لتشمل الصحافة. يتراجع ويحتفظ ردفورد بحياته.
ورد هذا في فيلم سيدني بولاك «ثلاثة أيام من الكوندور» سنة 1975، العام الذي تلا قيام المخرج آلان ج. باكولا بتقديم فيلم آخر عن سُلطة الصحافة عنوانه «المنظر المختلف» (The Parallax View) بطولة وورن بيتي. وورن بيتي وروبرت ردفورد من أعمدة الممثلين اليساريين في تلك الحقبة وسيجد المهتم عددًا ملحوظًا من أفلامهما في الستينات والسبعينات التي تكشف عن ذلك، لكنّ هذين الفيلمين يتناقضان عند نقطة مفصلية: فيلم سيدني بولاك ينتهي والصحافة (مغيّبة في الأحداث إلا من ذكرها في المشهد أعلاه) وقد انتصرت، أو بالأحرى ساعدت موظف الوكالة المطارَد على الانتصار. لكن «ذا بارالاكس فيو» يكشف عن هوانها حيال القوّة: هناك من يعمل على قتل شهود على قضايا فساد سياسي. صحافي لا يعرفه أحد (بيتي) في جريدة محلية محدودة الدخل يحقق. يُطلب منه أن يكف عن التحقيق. لا يفعل. يتم تسميم رئيس تحريره ثم تدبير مكيدة ليقع هو فيها. النهاية مظلمة.


* وجها العملة الواحدة
هناك حاليًا فيلمان جديدان يتعاملان والإعلام بصورة عامّة هما «سبوتلايت» و«حقيقة». كلاهما مأخوذ عن وقائع حقيقية ويعملان، تلقائيًا، على إعادة السينما الأميركية إلى حيث حفلت بكثير من الأفلام التي دارت حول علاقة الصحافة بالسياسة والإعلام بكشف الحقائق.
«سبوتلايت» لتوم مكارثي مأخوذ من ملفات صحيفة «بوسطن غلوب» في أحداث عاينتها في أواخر التسعينات في القرن الماضي ولعدة سنوات من بداية القرن الحالي عندما تم اكتشاف فضائح جنسية يمارسها رهبان وقساوسة كاثوليكيون تزيد عن مجرد حالات فردية لتشمل وضعًا عامًا وخطيرًا.
«حقيقة» (Truth) لجيمس فاندربيلت يتناول أحداثًا مهمّة دارت في خلفية البرنامج السياسي المعروف «60 دقيقة» الذي كان يقدّمه الإعلامي الشهير دان راذر. الورطة، التي أدت إلى قيام راذر بتقديم استقالته وأحالت المنتجة ماري مابس وأعوانها، وبل بعض كبار محطة «CBS» الشهيرة، هي تقديم حلقة تؤكد أن الرئيس السابق جورج و. بوش زوّر تاريخه العسكري قبل أن يفاجأ أرباب المحطة والبرنامج معًا بتراجع الشهود عن شهاداتهم ما جعل البرنامج الأكثر نجاحًا بين أترابه من البرامج السياسية التحليلية يبدو كما لو زوّر الشهادات ولفّق القضية.
كما الحال في «ثلاثة أيام من الكوندور» يدل «سبوتلايت» على قوّة الصحافة وقدرتها، وكما الحال في «المنظر المختلف»، ينتهي «حقيقة» وقد خسر الإعلام معركته ضد القوى الأعلى.
«حقيقة» مأخوذ عن مذكرات المنتجة ماري مابس المنشورة في كتاب عنوانه الكامل «حقيقة وواجب: الصحافة، الرئيس وامتيازات السُلطة» وتقوم بها على الشاشة كايت بلانشيت في حين يقوم روبرت ردفورد (ثانية) بتشخيص دان راذر ويشترك معهما نخبة جيدة من الممثلين المساندين بينهم درموت مولروني وستايسي كيتش وبروس غرينوود وإليزابيث موس ودنيس كوايد.
كايت بلانشيت تقود بجدارتها المهنية المعروفة. تؤدي شخصية المنتجة التلفزيونية الحريصة على إتقان عملها وجمع معلوماتها الصحيحة في الوقت الذي تعرف فيه قيمة السبق الإخباري. حين تجمع شهادة البعض لتزوّد الإعلامي راذر بالمادة التي سيستخدمها في مقابلاته، تحرص ومساعدوها على التأكد من المعلومات المتوفرة. تجمع وثائق وتسجل أحاديث، لكن الذي يحدث لاحقًا هو تراجع من أدلى بها أو نفيه لها أساسًا، وذلك بعدما وصل بوش إلى الحكم فعلاً.
لا يحتاج المشاهد إلى محلل آخر ليربط بين الوصول إلى الرئاسة وبين الانقضاض على السُلطة الرابعة كنتيجة. وهذا الانقضاض لم يكن من الخارج فقط، بل - وكما يشرح الفيلم - من داخل المؤسسة الإعلامية ذاتها التي قررت الاستغناء عن الفريق بكامله.


* متاعب المدينة
هذا لا يحدث في وقائع فيلم «سبوتلايت» (أحد الأفلام المرشّحة للأوسكار). مثل «60 دقيقة»، هناك فريق خاص يعمل داخل صحيفة بوسطن غلوب مؤلّف من رئيس اسمه وولتر (مايكل كيتون) وثلاثة محررين هم مايك (مارك روفالو) وساشا (راتشل ماكأدامز) ومات (برايان دارسي جيمس). تبعًا لتقاليد بعض الصحف العريقة، مثل هذا الفريق يعمل بشكل مستقل. ليس مطلوبًا منه تحقيق صحافي كل يوم أو حتى كل أسبوع، لكنه يُسأل فقط عما يعمل عليه من قضايا راهنة، وهذا أول ما طلب الناشر الجديد مارتي (لييف شرايبر) معرفته قبل أن يترك الكرة مجددًا لملعب الفريق.
القضية التي يعمل الفريق عليها بدأت بوصول إشارات لوجود عدّة قضايا انتهاكات واعتداءات جنسية يمارسها بعض القساوسة في المدينة ذات الغالبية الكاثوليكية. ما إن ينطلق الجميع للبحث والتقصي حتى يتبدّى له أن المسألة أبعد بكثير من مجرد حالات فردية منفصلة. هناك، حسبما يرد في الفيلم المكتوب مباشرة للسينما ولو عن أحداث حقيقية، 86 قضية مماثلة في كنائس المدينة. فجأة تقع أحداث 2001 ويتم تحويل كل الطاقات لمتابعتها، ما يوقف حركة العمل على تلك الفضيحة، لكن أعضاء الفريق يعاودون العمل لكشف الموضوع ويحصلون، بعد خلافات تهدد سير القضية، على الاعترافات والوثائق التي يوفرونها للمحكمة لملاحقة المتورطين.
«سبوتلايت» و«حقيقة» فيلمان بالغا الجودة في كل أطراف ومستويات العمل، كتابة وتمثيلاً وإخراجًا وتصويرًا. لكن الأول خطف الانتباه أكثر ولو أن كلا الفيلمين اعتبر عودة إلى سينما التحقيقات السياسية التي شهدتها السبعينات وارتبط اسم كل منهما بفيلم ثالث من بطولة روبرت ردفورد هو «كل رجال الرئيس» (إخراج آلان ج. باكولا أيضًا) الذي تعامل وقضية كشف فضيحة ووترغيت على أيدي الصحافيين بوب وودوورد (ردفورد) وكارل برنستين (دستين هوفمن) اللذين كانا يعملان في صحيفة «ذا واشنطن بوست».
من يبحث يجد عشرات الأفلام التي دارت حول العلاقة بين السياسة والإعلام والنزاع الدائم بينهما.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة