الغرب ومفهومه للحضارة ومسارها منذ عصر الأنوار

انطلق من بناء الذات وتحرير العقل وأظهر قيمه المعاصرة

غلاف كتاب «الحضارة ومضامينها»
غلاف كتاب «الحضارة ومضامينها»
TT

الغرب ومفهومه للحضارة ومسارها منذ عصر الأنوار

غلاف كتاب «الحضارة ومضامينها»
غلاف كتاب «الحضارة ومضامينها»

بمنهجه الأركيولوجي القائم على البحث والحفر في الأرشيفات يذكر فوكو في كتابه «المراقبة والعقاب»، الذي لدينا ترجمة له بالعربية من طرف: د. علي مقلد، ومراجعة د. مطاع صفدي، عن مركز الإنماء القومي سنة 1990، قصة ذلك الجندي الفرنسي «روبيرت فرنسوا داميان» في أواسط القرن الثامن عشر الذي هاجم الملك لويس الخامس عشر بسكين فأصابه بجرح خفيف، فتم القبض عليه وحكم عليه بالإعدام سنة1757 من أجل فهم جيد لمفهوم الحضارة، بكل معانيه التاريخية والفكرية والسياسية، في ظل الحمولات الآيديولوجية التي تعتمل داخله، لا بد من وضع المفهوم في الإطارات الفكرية التي أنتجته؛ لأن ربط الأشياء والمفاهيم بسياقاتها يتيح لنا فهما جيدا لها، بدل البقاء تائهين في ظل أطروحات وفهم متعدد، خاصة في عالمنا العربي الإسلامي، الذي لم يحدد بعد فهمه للحضارة ولمعانيها، لكي يتمكن من الانخراط بشكل فعال في مسارات التقدم والانعتاق، بدل البقاء خارج السياق، واجترار خطابات غير محددة، واستهلاك المفاهيم والشعارات بطريقة مشوهة، خاصة وأن المعرفة تنعكس على السلوكيات والمواقف والقناعات، ما قد يحرمنا من مواقف صحيحة تحرك عجلتنا المعطوبة.
هذا المقال، أقدم رؤية تاريخية وتأصيلية للمفهوم، كما جرى استحضاره والاشتغال عليه، وكما تأسس وتبلور في المرحلة الحديثة، وتطور في المرحلة المعاصرة.
الحضارة وعصر الأنوار
عندما نتحدث عن الحضارة، غالبا ما نربطها بشعب معين، وننسبها إلى حقبة تاريخية وأخرى جغرافية محددتين في الزمان والمكان. فنقول الحضارة المصرية، والحضارة اليونانية، والإسلامية وهكذا. ويتبادر إلى الأذهان، أن هذا المفهوم قديم جدا قدم تلك الحضارات. لكن الحقيقة، هي أن الحضارة مجرد مفهوم حديث ارتبط بعصر الأنوار، في القرن الثامن عشر. فقبل هذا التاريخ، لم يكن أي وجود للمفهوم، لم يجر استحضاره في أي كتابات أو تحليل. لكن علينا ألا نتجاهل أن جذور المفهوم ترجع إلى القدم، إلى التحضر في مقابل التوحش، والمدنية في التعارض مع الهمجية. لقد بني المفهوم على حمولات متعالية متعجرفة، تنظر إلى الأنا كقيمة عليا، وتنظر للآخر كبربري متوحش يجب غزوه وتخليصه من بربريته. وهذا ما ظهر واضحا في الحضارتين اليونانية والرومانية، وكذلك المصرية والإسلامية. يؤكد ذلك، بروس مازليش، في كتابه «الحضارة ومضامينها». سيتبلور مفهوم الحضارة بقوة، في العصر الحديث، وبالضبط مع عصر النهضة. فمعلوم أن النهضة عملت على بناء الحضارة الأوروبية، والتي حاولت الاستفادة من الحركة الفكرية والفلسفية والإصلاحية، وبعث الآداب والفنون اليونانية والرومانية، باعتبارها آدابا عملت على الاشتغال على الإنسان، وتغيير رؤاه وتمثلاته، في ظل سطوة دينية كبيرة، وكنيسة اهترأت أفكارها وقيمها، وأصبح من الضروري تجاوزها وبناء مجتمع أكثر وضوحا.
من هنا، سوف ينطلق الإنسان الغربي في عملية مستمرة طويلة، يجري العمل من خلالها، على بناء الذات وتحرير العقل. سوف تبدأ عملية التفكير في الذات وفي الآخر. وستظهر قيم معينة كاللطف، والتهذيب، والتعليم، والفن، والأدب، والتنازل عن العنف. وهذا ما عمل ستيفان غيغر على توضيحه في كتابه «أصول اللطف»، ووضحه نوربرت إلياس بقوله: «عندما يعلم مجتمع ما أفراده جيدا، إلى درجة تكون كل المجموعات فيه قادرة على تقديم هذا التنازل، عن العنف، آنذاك، يمكن الحديث عن الحضارة، وليس فقط عن المجتمع». وهذا ما أوضحه أيضا، الفيلسوف الألماني، إيمانويل كانط، في حديثه عن التحضر، حيث يقول: «عندما تبلغ ثقافتنا درجة عالية من الفن والعلوم، فإننا نتحضر إلى درجة نكون فيها مثقلين بكل أنواع اللياقة الاجتماعية والعفة (..) وأن فكرة الفضيلة تعد جزءا من الثقافة، ولكن تطبيق هذه الفكرة التي تنتج فقط عن مطابقة الفضيلة في حب الشرف وحشمته الخارجية، يؤدي حتما إلى التحضر».
ما دامت الحضارة في ارتباط جوهري مع المجتمع، فهي لن تعرف التقدم إلا عندما تعمل مجموعة من الفلاسفة، خاصة أصحاب الفلسفة السياسية، كتوماس هوبز، واسبينوزا، ولوك، وغيرهم. عندما ينظرون إلى المجتمع، باعتباره كيانا متغيرا يجري تشكيله من طرف البشر. هنا سوف يجري الحديث بشكل أعمق، عن الرأي العام والفضاء العام، والثورة على المستوى السياسي، وبناء الدولة والمجتمع، والاقتصاد، وتحسين أساليب الراحة، وإقرار التعليم، والتصرفات الأكثر تأدبا، وثقافة الفنون، والعلوم، والتنمية التجارية، والصناعة، والحصول على السلع المادية، وبلوغ أنواع الترف. وفي تحليلات مونتسكيو لدستور أمة، وما دعاه بروح أمة ما، هو ما نستطيع تسميته بالحضارة.
والخلاصة، هي أن مفهوم الحضارة هو نتاج للروح الإصلاحية لعصر الأنوار. إن اللحظة التاريخية التي تظهر فيها الكلمة «حضارة»، تسجل مجيء انعكاسية الذات، وانبثاق وعي يظن أنه يفهم طبيعة نشاطه الخاص، وأنه يدرك كيف تتطور الحقيقة الجماعية، وكيف ينبغي لها أن تنظم. لقد نشأ المفهوم عن وعي متغير، وعن رغبة إنسانية مستنيرة في معرفة ذاتها في شكل أكثر تطورا.
ثانيا: مآلات المفهوم في المرحلة المعاصرة
سوف يتغير معنى مفهوم الحضارة بشكل بالغ، في المرحلة المعاصرة، حيث يستحضر الوجه الخفي لها بشكل بالغ الوضوح. لا يمكن أن ننكر بأن مفهوم الحضارة، ظل في ارتباط تام بآيديولوجيا استعمارية متوحشة، انطلقت في العصر الحديث شرقا وغربا، مدافعة عن الحضارة الأوروبية، تحاول غزو العالم والشعوب الأخرى، وجعل العالم كله يعيش على النمط الغربي. وهذا ما حدث في الاكتشافات الجغرافية لأميركا والهند وأفريقيا، حيث جرى فرض النموذج الغربي فرضا، بطرق متوحشة وهمجية، وبعون من رؤى فكرية، خاصة الداروينية الاجتماعية، التي اعتبرت اللامساواة من طبيعة البشر. ما جعل من مفهوم الحضارة الذي كان الغرب ينادي به، محط سؤال ونقاش كبيرين، إلى الحد الذي سوف يدفع مونتين، في مقال له بعنوان «آكلو لحوم البشر»، إلى إطلاق الوصف على الأوروبيين الذين يفترض أنهم متحضرون، حيث يوصفون بالعنف والتوحش. وسوف يدعو روسو إلى العودة إلى حياة الطبيعة، باعتبار أن الحضارة هي مصدر كل الشرور.
لقد تعزز هذا الوصف بتقدم الدراسات الأنثربولوجية، التي عادت لتطرح سؤال الإنسان، بمعانيه الصحيحة. فإذا كان الغربي طرح السؤال حول ما هو الإنسان؟ وأجاب بمعاييره، واعتبر أن الآخر لم يصل بعد إلى مرتبته، وبالتالي، تنبغي إعادة صياغته. وهذا ما أوضحه الدكتور مصطفى حجازي بشكل بالغ، في كتابه سيكولوجية الإنسان المقهور، حين أكد أن الغرب صاغ نظريات في العلوم الإنسانية، اعتبرت الإنسان المستعمر، ناقصا بالضرورة، عنيفا بالطبع، متوحشا، يحتاج إلى من يقوده وينقله من وضعه إلى وضع آخر. لكن الفكر الأنثربولوجي، وخصوصا مع كلود ليفي شتراوس، سوف يعتبر أن من الصعب التمييز بين البشر، وأن كل إنسان يمتلك خاصية معينة من الثقافة، لا يمكن الإقرار بتقدم شعب عن شعب آخر.
ويرى فرويد، أن الحضارة عبء قمعي يجلب الشقاء، ما دامت تقوم على الإكراه وإنكار الغريزة. فالفرد ينمو ليبلغ مرحلة الرشد عن طريق قمع وتسام، وما شابه ذلك من الآليات النفسية، حيث تحل الغريزة محل العقل، والتعبير العنيف عن المشاعر محل التوافق الحذر في المصالح. وقد حكمت على الإنسان بالسخط والشقاء. فهي تحمل جانبا قاتما بالضرورة. وستقطع الصلة مباشرة بالتفوق الأوروبي المزعوم على نحو بعيد المدى. وهي ناقلة للتعاسة، وهو ما سوف يصل إلى حدوده القصوى في المرحلة المعاصرة، خاصة مع الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وبينما نتلقى الفلسفة الغربية، نكون مطالبين بالعمل على التحلي برؤية نقدية، تنظر للكأس من جوانبه المليئة والفارغة. فالوعي بالجانب الفارغ، هو ما بإمكانه أن يجعلنا نستفيد من الجوانب المليئة. فطبيعة الفكر البشري تحتمل النقص. ومن يرفض فكرة بأكملها لأنها تحمل نقصا معينا، يظل تفكيره ناقصا ويحرم من أفكار ثمينة. ومن مأساتنا أننا نرفق عملية النقد بالرفض. ولكن الغرب ينتقد ويستمر في بناء أسسه التي تشكل وجوده، والتي لا يمكنه بأي حال من الأحوال التفريط فيها.



محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended


رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ