مفوضية اللاجئين تحذر من تدهور حالة ملايين اللاجئين في سوريا واليمن

شددت على أهمية الدور الذي تلعبه السعودية في العمل الإنساني

نبيل عثمان ممثل المفوضية
نبيل عثمان ممثل المفوضية
TT

مفوضية اللاجئين تحذر من تدهور حالة ملايين اللاجئين في سوريا واليمن

نبيل عثمان ممثل المفوضية
نبيل عثمان ممثل المفوضية

حذرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من وقوع كارثة إنسانية وتدهور حالة ملايين اللاجئين في سوريا واليمن، ممن لم تتمكن المفوضية من الوصول إليهم في الداخل، وتقديم المساعدات الإغاثية التي تشمل الخدمات الطبية والطعام لهم، وذلك بسبب عدم وجود وعود من أطراف النزاع تسمح بدخول المساعدات بشكل آمن.
وقالت المفوضية إن «الواقع في اليمن، وتحديدا مدينة تعز التي تحاصرها ميليشيا الحوثيين والحرس الجمهوري الموالي لعلي صالح، لا يختلف كثيرا عنه في سوريا، فهناك أكثر من مليوني نازح، وقرابة 250 ألف لاجئ قادم من القرن الأفريقي، إضافة إلى الحصار المفروض على تعز، التي تعاني من النقص الحاد في المواد الغذائية وغير الغذائية».
وشددت مفوضية اللاجئين على أهمية الدور الذي تلعبه السعودية في العمل الإنساني، والتزامها الدائم بتقديم المساعدات المالية والعينة للمفوضية السامية على المستوى الإقليمي والدولي، وقدمت ملايين الدولارات لدعم اللاجئين في اليمن، إضافة إلى المساعدات عن طريق الحملة الوطنية، والمفوضية، للاجئين السوريين منذ بدء الأزمة، حيث تعد السعودية أولى الدول التي دفعت الأموال اللازمة للمفوضية لوضع اللاجئين في بيوت جاهزة في الأردن، كما أنها أنقذت أعمال المنظمة بنحو 88 مليون دولار لتقديم المساعدات العاجلة قبل عام للنازحين العراقيين.
وقال نبيل عثمان الممثل الإقليمي بالإنابة لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لدى دول مجلس التعاون الخليجي لـ«الشرق الأوسط»: «إن عدد اللاجئين والنازحين، وما يسمى من دون جنسية، بلغ قرابة 60 مليون شخص حول العالم، استحوذت الدول الإسلامية والعربية على النسبة الأكبر بواقع 60 في المائة منهم».
وأضاف: «إن ارتفاع أعداد اللاجئين والنازحين في الآونة الأخيرة، شكل أعباء على الدول المضيفة في المنطقة العربية، خصوصا أن الدول المضيفة مقدراتها الاقتصادية لا تسمح باستيعاب أعداد كبيرة من اللاجئين، ومنها لبنان التي يوجد بها قرابة 1.2 مليون لاجئ سوري، وفي الأردن 800 ألف لاجئ سوري، كما أنها تستضيف لاجئين عراقيين ويمنيين، والأوضاع الاقتصادية أثرت بشكل مباشر مع انخفاض أسعار البترول على عملية الدعم».
وأشار عثمان إلى أن خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين السوريين مع نهاية عام 2015، لم تكن في المستوى، حيث بلغت نسبة التمويل 53 في المائة، وهو ما شكل أعباء على منظمات الأمم المتحدة ومفوضية اللاجئين في تقديم المساعدات اللازمة، إضافة إلى تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين، من لبنان، وتركيا، وسوريا، باتجاه أوروبا، تجاوزت 940 ألف شخص، منهم أكثر من نصف مليون لاجئ سوري.
ولفت إلى أن المشكلة في الداخل السوري لا تتمحور فيما يحدث في «مضايا، وكفرايا»، فهناك أكثر من أربعة ملايين محاصرين يعانون نقصًا في المواد الأساسية، ولم تستطع الأمم المتحدة الوصول إليهم، بسبب النزاع العسكري، وتعدد الجهات من النظام السوري والجماعات المسلحة، الأمر الذي يصعب على المفوضية الوصول إلى هذه الأعداد، إن لم تفتح الحواجز أمام المنظمات كي تتمكن من إدخال المساعدات للمتضررين الذين لا دخل لهم في الواقع العسكري أو السياسي الذي تشهده سوريا.
وعن الوضع الإنساني في اليمن، قال عثمان: «إن الصورة تنطبق على واقع اليمن الذي يوجد فيه أكثر من مليوني نازح، و250 ألف لاجئ قادم من القرن الأفريقي، وهناك مشكلات عدة تواجه المفوضية في اليمن، منها النازحون، واللاجئون، والمهاجرون الاقتصاديون، حيث ما زال المهربون يستغلون الوضع منذ سبع سنوات في إرسال الكثير من المهاجرين الاقتصاديين لليمن لأنهم يستخدمون اليمن كمعبر لدول الخليج العربي، خاصة السعودية، وما زالت عملية المهاجرين مستمرة إذ رصد نحو 40 ألف في العام الماضي وصلوا إلى اليمن».
وشدد عثمان على أن منظمة الأمم المتحدة تريد إرسال المساعدات العاجلة إلى تعز بأسرع وقت، ويجب إيجاد الحلول العاجلة بالاتفاق مع جميع الأطراف للسماح بتقديم المساعدات الإنسانية، ومنها المواد الصحية، والمواد الإغاثية من طعام ومشرب وملبس، وكل عائلة لها احتياجات خاصة، موضحا أن منظمات الأمم المتحدة لديها المواد وجاهزة لإيصالها إلى جميع المستفيدين في تعز والمتضررين من الحصار الذي طال أمده، ونرجو من جميع الأطراف عدم تعقيد الأمور والسماح بدخول المساعدات.
وأوضح الممثل الإقليمي لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أن هناك الكثير من التحديدات التي تواجه المفوضية، ومنها الاقتصادية، والتحدي السياسي في عدم وجود حل سياسي، يمكّن ممثل المفوضية من إدخال المساعدات، لذا ننادي بضرورة وجود حل سياسي للأزمة السورية واليمنية، وإن لم يكن هناك حل سياسي سيبقى تدفق اللاجئين في ازدياد باتجاه الدول المجاورة، أو المناطق الأخرى.
وحول الدعم السعودي، قال عثمان: «إن السعودية لها دور تاريخي في تقديم المساعدات منذ بداية مخيم (رفحة) رغم أن السعودية لم توقع على اتفاقية 1951 للاجئين، لكن استقبلت الكثير من اللاجئين العراقيين لمدة 17 سنة وقدمت المساعدات، كما أصدرت السعودية مع انطلاق الأزمة السورية مرسوما بالسماح كما وصفتهم بـ(الإخوة العرب) وليس اللاجئين، بتمديد إقامتهم والسماح لهم بالعمل واستخدام المرافق التعليمية والطبية وكذلك ما حدث مع المواطنين اليمنيين من تصحيح أوضاع أكثر من 450 ألف يمني، وهذا على جانب المبادرات الداخلية».
واستطرد عثمان بأن الدور السعودي على المستوى الخارجي كبير ومهم، ويتمثل في تأسيس مركز الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي قدم المساعدات العاجلة عن طريق منظمات الأمم المتحدة العاملة في اليمن، ومساعدات مباشرة للمتضررين في اليمن، وقدمت المساعدات عن طريق الحملة الوطنية، والمفوضية، للاجئين السوريين منذ بدء الأزمة، والسعودية تعد أول دولة أعطت المفوضية المبالغ اللازمة لوضع اللاجئين في بيوت جاهزة في الأردن.
وقال إن هناك الكثير من المساعدات المالية التي قدمت للمفوضية التي يصعب حصرها، ومنها ما تبرعت به للنازحين العراقيين قبل عام بنحو 500 مليون دولار، وكان نصيب المفوضية منها نحو 88 مليون دولار، لتقديم المساعدات العاجلة للنازحين العراقيين، التي جاءت في الوقت المناسب والمنقذ الوحيد لعمل منظمات الأمم المتحدة، لافتا إلى أن السعودية ملتزمة مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بكل ما تحتاج إليه، وما يُرفع إليها من احتياج للمفوضية. وحول التنسيق مع مركز الملك سلمان، قال عثمان: «إن المفوضية وقعت في وقت سابق اتفاقية مع المركز حول النازحين اليمنيين، بنحو 13 مليون دولار، وهناك تنسيق دائم في موضوع المساعدات الإنسانية المقدمة لليمن، وخطة قدمت للمركز في عقد دورات وبناء قدرات العاملين في المركز وننتظر الموافقة للبدء فيها».
وفي هذا السياق، أكد رشيد خاليكوف مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشراكة الإنسانية في الشرق الأوسط ووسط آسيا، أن هيئة الأمم المتحدة تنوه وتشيد بالدور الكبير الذي تقوم به السعودية من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والعمل الإنساني وهي جهود مقدرة ونبيلة ومحل امتنان الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وسنعمل جاهدين على التعاون اللصيق والوثيق مع السعودية المانح الأكبر والسخي من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة لتحديد الأدوار والمسؤوليات لتطوير منظومة العمل الإنساني.
وقدم خاليكوف شكره لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، على ما تقدمه حكومة السعودية من دعم لا محدود لمختلف مجالات العمل الإنساني على الصعيد العربي والدولي، وإلى الأمير محمد بن نايف ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، على ما يقدمه من دعم للأمن بمفهومه الشامل وللعمل الإنساني، من خلال جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية التي تؤدي رسالة مهمة ودورًا رائدًا في مجال العمل الإنساني ومجالات مكافحة الجريمة المنظمة.
وأوضح خاليكوف الذي كان يلقي محاضرة في جامعة الأمير نايف العربية للعلوم الأمنية تحت عنوان «دور الأجهزة الأمنية في منظومة العمل الإنساني»، أن هناك الكثير من التحديات التي تواجه العمل الإنساني حول العالم، خاصة في ظل الاضطرابات التي تعم العالم وتغير المناخ وندرة الموارد، وهو ما يدعو إلى ضرورة تطوير التعاون الدولي والعمل الإنساني، لمواجهة الآثار الكارثية للعنف الذي تنشط في ظله مختلف أنواع الجرائم كتهريب المخدرات والأسلحة والاتجار بالبشر، الأمر الذي يتطلب التأهب لمواجهة الكوارث والأزمات، وأهمية تدابير التأهب في الحد من فقدان آلاف الأرواح.
وأشار خاليكوف إلى أهمية القمة العالمية للعمل الإنساني التي ستعقد في إسطنبول وستناقش جدول أعمال العمل الإنساني مستقبلاً، في إطار الفعالية والإنسانية والحد من العنف وتلبية احتياجات البشر في حال النزاعات، داعيا إلى ضرورة تعزيز مشاركة الدول العربية التي أظهرت دورها الفاعل الذي لا غنى عنه، مؤكدا أهمية تعزيز الشراكة مع جامعة نايف التي يتبوأ خريجوها مواقع قيادية في الدول العربية في مجال العمل الإنساني.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.