التطرّف «القاعدي» ـ «الداعشي» يخلف النزاع الآيرلندي لدى أجهزة الأمن البريطانية

بعد اتفاقية «الجمعة العظيمة».. وأحداث «11 سبتمبر» 2001 و«7/7» 2005

التطرّف «القاعدي» ـ «الداعشي» يخلف النزاع الآيرلندي لدى أجهزة الأمن البريطانية
TT

التطرّف «القاعدي» ـ «الداعشي» يخلف النزاع الآيرلندي لدى أجهزة الأمن البريطانية

التطرّف «القاعدي» ـ «الداعشي» يخلف النزاع الآيرلندي لدى أجهزة الأمن البريطانية

دأبت السلطات الأمنية في بريطانيا بين 1970 و2000، لا سيما إبان فترة الأعياد الغربية - وعلى رأسها أعياد الميلاد ورأس السنة - على تكثيف إجراءات التحرّي والتفتيش في العديد من الأماكن العامة والحساسة. في تلك الحقبة كان الهاجس الأمني الأكبر يتصل بعمليات «الجيش الجمهوري الآيرلندي»، ومن ثم الجماعات المتشظّية عنه والمتطرفة في استهدافها الشخصيات والمباني وحتى الأفراد على امتداد الأراضي البريطانية. إلا أنه منذ حصول التوافق بين الأطراف الفاعلة والناشطة على الأرض في إقليم آيرلندا في أعقاب «اتفاقية الجمعة العظيمة»، التي أقرّت أسس السلام وتقاسم السلطة بين البروتستانت المتمسكين بالولاء للتاج البريطاني والكاثوليك الجمهوريين الطامحين لإعادة توحيد الجزيرة الآيرلندية، تراجع خطر العنف الإرهابي الآيرلندي. ولم يلبث أن ظهر بعد اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 خطر جديد هو تهديد الجماعات الإرهابية المتطرفة التي ترفع شعارات الإسلام، وفي مقدمتها «القاعدة» التي اتهمت بشن هجمات 7/7 - أو 7 يوليو (تموز) - 2005. أما اليوم فإن تنظيم داعش بات في صدارة الهموم الأمنية البريطانية، لا سيما مع توجه عدد من المسلمين البريطانيين للقتال في سوريا والعراق، والتخوف مما ستعنيه عودتهم إلى بريطانيا.

أطلقت الاستخبارات البريطانية نظاما لتصنيف التهديدات الإرهابية على الأمن القومي على موقع الداخلية البريطانية الإلكتروني منذ عام 2006. وقسمت الأخطار الإرهابية إلى نوعين: الأول، الأخطار الإرهابية الدولية التي تشمل تهديدات المتطرّفين من تنظيمات كـ«القاعدة» و«داعش».. والثاني، الأخطار الإرهابية من آيرلندا الشمالية. وتبعا للتطوّرات المستجدّة، وصف مستوى التأهب لهجمات متطرّفة النوع الأول بـ«العالي»، بينما هبط مستوى خطر أعمال الإرهاب المرتبطة بآيرلندا الشمالية إلى «المتوسط».
كذلك أشار تقرير صادر عن وزارة الداخلية البريطانية معني برصد الاعتقالات المتعلقة بالإرهاب، نشرته في ديسمبر (كانون الأول) المنصرم، إلى أن السلطات البريطانية أوقفت 315 شخصا على خلفية تهم الإرهاب خلال عام 2015، وكان 15 منهم تحت سن الثامنة عشرة، وأنه بعد محاكمة المعتقلين أدين 124 منهم وبرئت ساحة الـ115 الآخرين. كذلك - وفق التقرير - أوقفت الشرطة خلال الفترة حتى سبتمبر الماضي، 473 مشتبها به في شوارع مدن البلاد، معظمهم من أصول آسيوية. واللافت في التقرير أن عدد المعتقلين على خلفية الاشتباه بتنفيذ هجمات إرهابية «دولية» (والتي تعتبرها وزارة الداخلية البريطانية على صلة بجماعات كتنظيمي القاعدة وداعش) ارتفع بشكل ملحوظ، بينما هبطت كثيرا أعداد الموقوفين على خلفية هجمات مرتبطة بآيرلندا الشمالية. وحسب الأرقام، من إجمالي الموقوفين بتهم الإرهاب وصف 131 أنفسهم بأنهم مسلمون، كما كان 62 في المائة من الموقوفين من أصول آسيوية، مقابل 20 وصفوا أنفسهم بأنهم مسيحيون وكانوا من البريطانيين البيض.
وبعدما انضمت طائرات حربية بريطانية للمرة الأولى للحملة الجوية ضد مقاتلي «داعش» في سوريا أواخر العالم المنصرم، حذّر بعض الساسة من أن هذا القرار سيجعل بريطانيا هدفا لهجمات انتقامية، بيد أن رئيس الوزراء المحافظ ديفيد كاميرون أنكر ذلك، مذكرا بأن التنظيمات المتطرّفة المدّعية الإسلام سبق لها فعلا أن استهدفت البلاد. وبعد «مجزرة باريس» في فرنسا، التي قتل فيها 130 شخصا، أعلنت شرطة لندن أنها زادت عدد الضباط المسلحين القادرين على التعامل مع أحداث من هذا النوع. ووفق نائب قائد شرطة النقل البريطانية أدريان هانستوك فإن عدد الفرق المسلحة زيد بواقع الضعفين العام الماضي، وإن الشرطة رفعت عدد الضباط والدوريات في شبكة قطارات الأنفاق في لندن بعد الهجوم.
لكن خلال الأسبوع قبل الماضي - إبان زحمة إجازات الأعياد وفترة التسوق التي تلتها - هدّد «داعش» في شريط فيديو بـ«غزو» بريطانيا. وأثار مقطع الفيديو الذي أصدره التنظيم المتطرّف جدلا واسعا في الأوساط السياسية والأمنية، وذلك بعدما تبيّن أن المشتبه به الرئيسي في المقطع شاب لندني كانت ميوله المتشدّدة معروفة لدى أجهزة الأمن. كذلك، ازدادت حدة الضغوط على الحكومة، بعد تناقل وسائل إعلام محلية أنباء حول مغادرة 5 عناصر متطرّفة البلاد للانضمام إلى «داعش» خلال الأشهر الـ20 الماضية، رغم كونهم موقوفين سابقين أو على لوائح المراقبة الأمنية أو سحبت السلطات جوازات سفرهم.
إلى ذلك، شدّدت في لندن التدابير الاحترازية، وحسب كلام هانستوك لـ«الشرق الأوسط» فإن «سلامة ركاب المواصلات العامة والموظفين أولويتنا الكبرى». وتابع: «نشرنا عناصر من الشرطة في محطات قطار الأنفاق ليلا ونهارا، وسنستمر على تلك الإجراءات للمستقبل القريب. وجراء ذلك، سيلاحظ سكان العاصمة ازدياد أعداد عناصر الشرطة في محطات القطارات، وقد يحمل بعض هؤلاء السلاح». ثم قال: «لا يعني هذا أن لدينا معلومات استخباراتية معينة عن المحطات أو عن مكان وجود العناصر (المشبوهة)، لكننا نؤكد أننا في أقصى درجات التيقظ للتعامل مع أي طارئ». وأشار إلى أن حالة التأهب الحالية العالية في لندن لن تتغير في الوقت الراهن.
ومن جانبها، أفادت متحدثة باسم شرطة العاصمة «اسكوتلاند يارد» لـ«الشرق الأوسط» بأنه «درءا للهجمات الإرهابية داخل العاصمة نشرنا عناصر من الشرطة في مناطق التسوّق، تتولّى أيضا نصح أصحاب المتاجر الكبيرة والصغيرة حول كيفية حماية محلاتهم من الهجمات الإرهابية المحتملة، وتوفر لموظفي أمن تلك المتاجر التدريبات اللازمة».
الهواجس الأمنية ليست جديدة تماما على لندن، إلا أن الحال اليوم يختلف عنه في القرن الماضي، ولم يكن «الإرهاب الدولي المتطرّف» التحدي الأكبر الذي يهدّد بريطانيا. فمنذ عام 1939، شن تنظيم «الجيش الجمهوري الآيرلندي» IRA - وهو منظمة شبه عسكرية تسعى لتحرير إقليم آيرلندا الشمالية من الحكم البريطاني وإعادة توحيده مع الجمهورية الآيرلندية - مئات الهجمات في كبريات المدن البريطانية.
وحول تلك الحقبة، تقول البروفسورة روزماري هوليس، أستاذة دراسات الشرق الأوسط بجامعة الـ«سيتي» في لندن ومديرة الأبحاث سابقا في المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس): «عشت في لندن منذ سبعينات القرن الماضي كطالبة، ثم كموظفة، وخلال تلك الفترة كانت هجمات (الجيش الجمهوري الآيرلندي) نشطة وملموسة». وتضيف: «أتذكر أن الذعر كان يسكن شوارع العاصمة وصارت حياة اللندنيين تتمحوَر حول التهديدات والهجمات المحتملة. وأذكر مرة أن الجيش حاول تفجير مقرّ سكن رئيسة الوزراء الراحلة مارغريت ثاتتشر آنذاك. ومع أن تلك العملية باءت بالفشل، فإن الأمن انتشر بكثافة وجرى التعامل مع الهجوم على أساس أنه حالة طوارئ عسكرية». ثم تستطرد: «في ذلك الحين كانت التهديدات المحتملة من (الجيش الجمهوري الآيرلندي) في لندن وبرمنغهام وغيرهما من مدن البلاد جزءا من حياتنا اليومية كبريطانيين».
ويوضح رافاييلو بانتوتشي، رئيس الدراسات الأمنية بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن: «كان الهدف من تفجيرات الحركيين الآيرلنديين عرقلة الحياة في لندن، وإجبار الحكومة البريطانية على التفاوض معهم من أجل منحهم الاستقلال، مع أن نتاج بعض الهجمات كان بشعا ودمويا». ويستدرك بانتوتشي: «هناك رأي شائع بأن حركيي (الجيش الجمهوري الآيرلندي) كانوا إرهابيين مقبولين أو شرعيين إلى حد ما، لأنهم ما كانوا يفجّرون بقصد المدنيين بل لشد انتباه الحكومة. وكما قلت، كانت غاية هؤلاء عرقلة الحياة العادية في لندن لكي توافق حكومتها.. ورغم دموية بعض عملياتهم فإنها لا تقارن مع هجمات المتطرّفين في باريس، على سبيل المثال، التي هي إرهابية ودموية بحتة وتتعمد قتل الناس بالدرجة الأولى».
الاعتداءات الإرهابية التي ارتكبها «مسلمون متشددون» لم تحدث في بريطانيا إلا مطلع القرن الحالي. وكانت البداية الأليمة هي تفجيرات وسائل النقل (الحافلات والقطارات) في لندن يوم الخميس 7 يوليو عام 2005، وهي سلسلة عمليات انتحارية متزامنة عرفت شعبيا باسم اعتداءات «7/7» (أي 7 يوليو)، ووقعت في لندن مستهدفة المواطنين أثناء ساعة الذروة.
صباح ذلك اليوم نفذّ أربعة من المتطرفين أربعة تفجيرات انتحارية، ثلاثة في قطارات الأنفاق (الأندرغراوند)، والرابع في حافلة نقل من طابقين. وأسفر التفجيرات الأربعة - التي تعد أسوأ عمليات انتحارية إرهابية تشهدها لندن - عن مقتل 50 شخصا وجرح ما يقرب من 700 آخرين. ولاحقا، كشفت التحقيقات القضائية الجنائية أن الإرهابيين المنفذين هم محمد صديق خان (30 سنة) وشاهزاد تنوير (22 سنة) وحسيب حسين (18 سنة) وجيرمين ليندسي (19 سنة)، وأنهم نفذوا جرائمهم الإرهابية بمتفجرات مصنعة منزليا.
بعدها شهد عام 2007 محاولتي اعتداء في لندن، الأولى بسيارتين مفخختين بقوارير غاز وكميات من البنزين والمسامير ركنتا في شارعي هايماركت وكوكسبور القريبين من دوّار بيكاديلي سيركس المزدحم بوسط لندن ليل 28 – فجر 29 يونيو (حزيران). وأبلغ عناصر من فرق الإسعاف الشرطة عن السيارة الأولى بعدما شاهدوا دخانا يتصاعد منها فتولّى خبراء المتفجرات تفكيك نظام تفجيرها يدويا. أما السيارة الثانية فكانت مركونة بطريقة مخالفة للقوانين فأزيلت من الشارع ولم تفحص إلا في وقت لاحق بسبب تصاعد روائح بنزين قوية منها، وقد فشل جهاز تفجيرها في العمل. ثم في يوم 3 يوليو فجرت الشرطة طردا مشبوها على مقربة من محطة هامرسميث لقطارات الأنفاق بغرب لندن.
ثم عام 2013، حوكم رجلان اعتنقا الإسلام بتهمة قتل الجندي لي ريغبي (25 سنة) الذي قتل بطريقة وحشية بسلاح أبيض في وضح النهار في أحد أحياء جنوب شرقي لندن أثناء عودته إلى ثكنته في حي وولويش تحت أنظار المارة الذين قام بعضهم بتصوير المشهد بهواتفهم الجوالة. أما الجانيان فهما البريطانيان من أصل نيجيري مايكل أديبولاجو (28 سنة) الذي طلب أن يطلق عليه اسم «مجاهد أبو حمزة» ومايكل أديبوال (22 سنة) الذي مثل تحت اسم «إسماعيل بن عبد الله»، وقد دفع الاثنان ببراءتهما.
وجاء أحدث الاعتداءات بعد فترة قصيرة من «مجزرة باريس» الأخيرة، إذ وجه محققون بريطانيون لرجل تهمة بالشروع في القتل بعدما نفذ هجوما بسكين في محطة لايتونستون لقطارات أنفاق بشرق لندن. وقال شهود إن المهاجم صاح في ما يبدو قائلا: «هذا من أجل سوريا». ولكن ذكر في ما بعد أن الرجل واسمه محيي الدين مير يعاني من أمراض نفسية وعصبية.
جهاز الاستخبارات البريطاني «إم آي 5» يرى أنه ما من طريقة سهلة لتحديد مَن تورّطوا في الإرهاب في بريطانيا، وذلك وفق وثيقة بحث داخلية سرّية تمثلت بتقرير عن التطرّف اطلعت عليه صحيفة «الغارديان» البريطانية الشهر المنصرم. ويستخلص التقرير المبني على مئات الحالات التي درسها الـ«إم آي 5» أنه ما من مسار محدّد يتبعه التطرّف العنيف «ومن المستحيل رسم نموذج موحّد للإرهابي البريطاني».
التقرير «السرّي» يحلل الكثير من الأفكار النمطية السائدة عن المتورّطين بالإرهاب، الذين يحمل معظمهم الجنسية البريطانية وليسوا مهاجرين غير شرعيين. ولقد درست «وحدة علم السلوك» في الجهاز بصورة معمقة حالات «بضع مئات ممن نعرف أنهم متورطون في النشاط المتطرف العنيف أو يرتبطون به»، علما بأن هذا النشاط يمتد من جمع التبرعات إلى التخطيط للتفجيرات الانتحارية في بريطانيا. وتختلف الأسباب والانتماءات والغايات وراء الأعمال الإرهابية.
وعن الفارق في دوافع الهجمات الإرهابية للجيش الجمهوري الآيرلندي عن إرهاب المتطرّفين باسم الإسلام، لا بد من التساؤل عما إذا كانت هجمات الآيرلنديين ولدت كراهية طائفية وعرقية تجاههم بحالة العداء - أو «الإسلاموفوبيا» - التي تتعرّض لها أوساط المجتمع المسلم في بريطانيا. وهنا، تقول الدكتورة هوليس: «كان زوجي بريطانيا من أصول آيرلندية كاثوليكية ومن خلال ذلك تفتحت عيناي على الانقسامات بين الإنجليز والآيرلنديين خلال الأزمة.. فهمنا الأزمة من جانب اجتماعي واقتصادي وقبلي بالدرجة الأولى». ثم توضح: «الأزمة لم تكن طائفية تماما، والتعاريف المذهبية البروتستانتية والكاثوليكية كانت غطاء للانقسامات والمشاكل الحقيقية التي هي في الأساس قبلية. المرء يترعرع منذ نعومة أظفاره وهو ينتمي لمجموعة ما. وتصبح هويته هي هذا الانتماء ورفض الانتماء للآخر في الوقت ذاته. أي إذا كان الآيرلندي كاثوليكيا، إذن فتعريف هويته أنه ليس بروتستانتيا، والعكس صحيح». أما بانتوتشي فيقول: «صحيح أن التهديدات الإرهابية الآيرلندية تغلغلتها بعض الخطابات الطائفية، لكنها في الجوهر قدّمت نفسها للعالم على أنها حركة وطنية وشعبية تطالب باستقلال آيرلندا وحكم ذاتي، وهذا مطلب مفهوم». ويضيف: «لكن عند سماع رسالة المتطرفين والراديكاليين الرافعين ألوية الإسلام، كعناصر (القاعدة) أو (داعش)، فهم ينشدون خلافة إسلامية.. وتحويل العالم كله إلى (دولة خلافة) كما يرونها، وبالتالي فرض تفكيرهم المتطرف على الجميع. هذه أمور غير واقعية ولا يمكن أن تتقبلها بريطانيا».
لكن على الرغم مما سبق لم يتقبل الأمن البريطاني آنذاك بعض المظاهرات الآيرلندية السلمية برحابة صدر. إذ توضح هوليس أنه قابل «المظاهرات السلمية بالعنف، وظهر ذلك بقوة (يوم الأحد الدامي) عام 1972 حين وقعت مجزرة في مدينة ديري بآيرلندا الشمالية فقتل 14 شخصا من المدنيين العزّل ضمن حشد من المتظاهرين كانوا يتظاهرون ضد قانون الاعتقال الاحترازي الذي اعتزمت السلطات البريطانية تطبيقه على الناشطين الآيرلنديين». وتتابع هوليس: «استغرق الأمر سنوات قبل أن تقر السلطات البريطانية بأنها كانت المسؤولة عن العنف». في هذا السياق «لبس عنف الشباب الآيرلندي بالنسبة له لباس مقاومة الاضطهاد وانتماء لوطنية أو قومية. وتجسد أيضا في قتل أناس من الطرف الآخر لإثبات الوفاء لـ«القبيلة» التي ينتمي إليها (هذا الطرف أو ذاك)».
من ناحية أخرى، كان رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون قد أعلن خلال العام الماضي عن استراتيجية جديدة لمحاربة التطرّف على مدى خمس سنوات، قائلا إن «المعركة ربما تكون الفاصلة لهذا القرن». وتضمنت استراتيجية حكومته مقترحات للقضاء على التطرف من خلال تحفيز زيادة الاندماج في المدارس وإعادة هيكلة آلية توزيع السكن لتفادي عزل المسلمين أو عزل أحيائهم، إلا أن هذه الاستراتيجية قوبلت بانتقادات من المجتمع الإسلامي والبريطاني عامة. وحول ذلك، تقول هوليس: «السلطات البريطانية اختارت ألا تتعلم من أخطائها السابقة.. فالسياسيون يبحثون عن تفاسير للقضايا بالطريقة التي تبرر اختيارهم حلولا معينة، ومثل هذه التدابير قد لا تكون الأمثل». وتضيف: «إنهم يتهمون الإسلاميين بكره القيم البريطانية، لكنني لا أعتقد ذلك، بل باعتقادي أن الساسة يلجأون لسياسات انتقائية تجاه الإسلاميين تبرر ردود فعلهم».
إلى ذلك، تؤكد هوليس أن بريطانيا اليوم «في أمسّ الحاجة للتخلي عن ازدواجية (نحن والآخر) لكسر الحواجز بين المسلمين وغير المسلمين في البلاد». وتقول إن ما يحتاجه البريطانيون اليوم «نظرة مستقبلية تشمل جميع البريطانيين ذات جاذبية ومردود للجميع»، لكنها تأسف مشيرة إلى أن «هذا الحال لأن العقيدة البريطانية حاليا تركز على البريطانيين البيض فقط والسبب يعود إلى أن صنّاع القرار في بريطانيا ليسوا على تواصل مع الشعب بجميع مكوناته وماذا يريد.. يجب أن يكون القرار من الشعب ليعرف ما يري هويته كبريطاني ولا يُفرض عليه، وهذا أمر قد يزيل بوادر التطرف والإسلاموفوبيا في بريطانيا اليوم».



«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».


ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)

عندما وصف رجل ألماني في شريط على «يوتيوب» سوسن شبلي، السياسية الألمانية الشابة من أصل فلسطيني، والتي تنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي، بأنها: «دمية متحدثة باسم الإسلاميين»، ظنت أن محكمة ألمانية سترد لها حقها بعد «الإهانة» التي تعرضت لها، ولكنها فوجئت عندما حكمت المحكمة بأن هذه الصفة وغيرها من التي ألصقها بها الرجل، هي «ضمن حرية التعبير التي يصونها القانون الألماني»، وليست إهانة ولا تحريضاً على الكراهية.

في الواقع، لم تكن تلك المرة الأولى التي تتعرض لها شبلي لتوصيفات عنصرية كهذه. فهي وغيرها من السياسيين المسلمين القلائل في ألمانيا، والسياسي الأسود الوحيد كرامبا ديابي، معتادون على سماع كثير من الإهانات، بسبب ديانتهم ولونهم فقط؛ حتى أنهم يتلقون تهديدات عبر البريد الإلكتروني والاتصالات، تصل أحياناً لحد التهديد بالقتل.
ورغم أن هذه التهديدات التي يتعرض لها السياسيون المسلمون في ألمانيا تجلب لهم التضامن من بقية السياسيين الألمان، فإن أكثر من ذلك لا يُحدث الكثير.
في ألمانيا، تصنف السلطات ما يزيد على 12 ألف شخص على أنهم من اليمين المتطرف، ألف منهم عنيفون، وهناك خطر من أن ينفذوا اعتداءات داخل البلاد.
يشكل اليمينيون المتطرفون شبكات سرية، ويتواصلون عادة عبر الإنترنت، ويتبادلون الأحاديث داخل غرف الـ«تشات» الموجودة داخل الألعاب الإلكترونية، تفادياً للمراقبة.
وفي السنوات الماضية، ازداد عنف اليمين المتطرف في ألمانيا، وازداد معه عدد الجرائم التي يتهم أفراد متطرفون بارتكابها. وبحسب الاستخبارات الألمانية الداخلية، فإن اعتداءات اليمين المتطرف زادت خمسة أضعاف منذ عام 2012.
وفي دراسة لمعهد «البحث حول التطرف» في جامعة أوسلو، فإن ألمانيا على رأس لائحة الدول الأوروبية التي تشهد جرائم من اليمين المتطرف، وتتقدم على الدول الأخرى بفارق كبير جداً. فقد سجل المعهد حوالي 70 جريمة في هذا الإطار بين عامي 2016 و2018، بينما كانت اليونان الدولة الثانية بعدد جرائم يزيد بقليل عن العشرين في الفترة نفسها.
في الصيف الماضي، شكل اغتيال سياسي ألماني يدعى فالتر لوبكه، في حديقة منزله برصاصة أطلقت على رأسه من الخلف، صدمة في ألمانيا. كانت الصدمة مضاعفة عندما تبين أن القاتل هو يميني متطرف استهدف لوبكه بسبب سياسته المؤيدة للاجئين. وتحدث كثيرون حينها عن «صرخة يقظة» لأخذ خطر اليمين المتطرف بجدية. ودفن لوبكه ولم يحدث الكثير بعد ذلك.
فيما بعد اغتياله بأشهر، اعتقل رجل يميني متطرف في ولاية هسن، الولاية نفسها التي اغتيل فيها السياسي، بعد أن قتل شخصين وهو يحاول الدخول إلى معبد لليهود، أثناء وجود المصلين في الداخل بهدف ارتكاب مجزرة. أحدثت تلك المحاولة صرخة كبيرة من الجالية اليهودية، وعادت أصوات السياسيين لتعلو: «لن نسمح بحدوثها مطلقاً مرة أخرى»، في إشارة إلى ما تعرض له اليهود في ألمانيا أيام النازية. ولكن لم يحدث الكثير بعد ذلك.
وقبل بضعة أيام، وقعت مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة في مدينة هاناو في الولاية نفسها، استهدفا من قبل يميني متطرف لأن من يرتادهما من المسلمين. أراد الرجل أن يقتل مسلمين بحسب رسالة وشريط فيديو خلَّفه وراءه بعد أن قتل 9 أشخاص، ثم توجه إلى منزله ليقتل والدته، ثم نفسه. أسوأ من ذلك، تبين أن الرجل كان يحمل سلاحاً مرخصاً، وينتمي لنادي الرماية المحلي.
بات واضحاً بعد استهداف هاناو، أن السلطات الألمانية لم تولِ اليمين المتطرف اهتماماً كافياً، وأنها لا تقدر حقيقة خطره على المجتمع، رغم أنها كشفت قبل أيام من جريمة هاناو عن شبكة يمينية متطرفة، كانت تعد لاعتداءات على مساجد في أنحاء البلاد، أسوة بما حصل في كرايستشيرش في نيوزيلندا.
وجاء الرد على اعتداء هاناو بتشديد منح رخص السلاح، وبات ضرورياً البحث في خلفية من يطلب ترخيصاً، على أن يرفض طلبه في حال ثبت أنه ينتمي لأي مجموعة متطرفة، ويمكن سحب الترخيص لاحقاً في حال ظهرت معلومات جديدة لم تكن متوفرة عند منحه. كما يبحث وزراء داخلية الولايات الألمانية تأمين حماية للمساجد وللتجمعات الدينية للمسلمين واليهود.
ولكن كل هذه الإجراءات يعتقد البعض أنها لا تعالج المشكلة الأساسية التي تدفع باليمين المتطرف لارتكاب أعمال عنف. وفي كل مرة تشهد ألمانيا اعتداءات، يوجه سياسيون من اليسار الاتهامات لحزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، بالمسؤولية عنها بشكل غير مباشر. ويواجه الحزب الذي دخل البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى عام 2018، وبات أكبر كتلة معارضة، اتهامات بأنه «يطبِّع سياسة الكراهية»، وبأنه يحرض على العنف ضد اللاجئين والمهاجرين، من خلال ترويجه لخطاب الكراهية. وحتى أن البعض ذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى حظر الحزب للتصدي للعنف المتزايد لليمين المتطرف.
والواقع أن مشكلة اليمين المتطرف تزداد منذ أن دخل «البديل لألمانيا» إلى «البوندستاغ». فهو - كما حملته الانتخابية - يركز خطابه على مواجهة سياسة اللاجئين التي اعتمدتها حكومة المستشارة أنجيلا ميركل. وكثير من الأسئلة التي يتقدم بها نوابه في البرلمان تهدف لإثبات خطأ هذه السياسة، وعدم قدرة اللاجئين على الاندماج. ورغم أن نوابه في البرلمان يحرصون على عدم تخطي القانون في خطاباتهم، فإن كثيراً من السياسيين المنتمين لهذا الحزب؛ خصوصاً في الولايات الشرقية، لا يترددون في الحديث بلغة لا يمكن تمييزها عن لغة النازيين. أبرز هؤلاء السياسيين بيورغ هوكيه الذي لم يستطع أعضاء في حزبه تمييز ما إذا كانت جمل قرأها صحافي لهم، هي مقتطفات من كتاب «كفاحي» لهتلر، أم أنها أقوال لهوكيه.
كل هذا خلق أجواء سلبية ضد المسلمين في ألمانيا، وحوَّل كثيرين من الذين ولدوا لأبوين مهاجرين إلى غرباء في بلدهم. في هاناو، يقول كثيرون من الذين فقدوا أصدقاءهم في المجزرة، بأنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان، ولا بأنهم جزء مقبول من المجتمع. وبعضهم يرى أنه ما دام حزب «البديل لألمانيا» مقبولاً بين الأحزاب الأخرى، فإن خطاب الكراهية سيستمر، والجرائم كالتي حصلت في هاناو ستتكرر.
ما يزيد من هذه المخاوف ومن الشبهات، أن السلطات الألمانية لم تأخذ خطر اليمين المتطرف على محمل الجد طوال السنوات الماضية. وهناك فضائح متتالية داخل المؤسسات الأمنية تظهر أنها مليئة بمؤيدين أو متعاطفين مع اليمين المتطرف؛ خصوصاً داخل الشرطة والجيش. ويواجه رئيس المخابرات الداخلية السابق هانس يورغ ماسن اتهامات بأنه متعاطف مع اليمين المتطرف، وهو ما دفع جهازه لغض النظر عن تحركاتهم طوال السنوات الماضية، والتركيز عوضاً عن ذلك على خطر الإسلام المتطرف. ومنذ مغادرته المنصب، أصدرت المخابرات الداخلية تقييماً تقول فيه بأن خطر اليمين المتطرف بات أكبر من خطر الإسلام المتطرف في ألمانيا.
وطُرد ماسن الذي ينتمي للجناح المتطرف في حزب ميركل (الاتحاد المسيحي الديمقراطي) من منصبه، بعد اعتداءات كيمنتس في صيف عام 2018، بسبب رد فعله على التطورات هناك. وعارض ماسن ميركل في قولها بأن شريط فيديو من هناك أظهر ملاحقة نازيين جدد للاجئين، شتماً وضرباً. وخرج ماسن ليقول بأنه لم يتم التثبت من الشريط بعد، ويشكك في وجود نازيين جدد هناك. وكانت تظاهرات كبيرة قد خرجت ضد لاجئين في كيمنتس، بعد جريمة قتل ارتكبها لاجئان (عراقي وسوري) بحق أحد سكان البلدة.
وتعرض كذلك لانتقادات بعد جريمة هاناو لقوله بأن الرجل يعاني من اضطرابات عقلية، وهو الخط نفسه الذي اتخذه حزب «البديل لألمانيا» عندما رفض طبع المجرم بأنه يميني متطرف؛ خصوصاً أن الأخير تحدث في شريط الفيديو عن «التخلص» من جنسيات معينة من دول عربية ومسلمة.
ويعيد ماسن صعود عنف اليمين المتطرف لموجة اللجوء منذ عام 2015، إلا أن ألمانيا شهدت عمليات قتل وملاحقات عنصرية قبل موجة اللجوء تلك. ففي عام 2011 كشف عن شبكة من النازيين الجدد عملت بالسر طوال أكثر من 12 عاماً، من دون أن يكشف أمرها، ما سبب صدمة كبيرة في البلاد. ونجح أفراد هذه الشبكة في قتل تسعة مهاجرين لأسباب عنصرية بين عامي 2000 و2007، إضافة إلى تنفيذهم 43 محاولة قتل، و3 عمليات تفجير، و15 عملية سرقة.
وقبل اكتشاف الخلية، كانت الشرطة تستبعد أن تكون عمليات القتل ومحاولات القتل تلك تتم بدوافع عنصرية، رغم أن جميع المستهدفين هم من أصول مهاجرة. وعوضاً عن ذلك، كانت التخمينات بأن الاستهدافات تلك لها علاقة بالجريمة المنظمة والمافيات التركية.
ورغم أن الكشف عن ارتباط هذه الجرائم باليمين المتطرف زاد الوعي الألماني لخطر هذه الجماعات، وأطلق نقاشات في الصحافة والمجتمع والطبقة السياسية، فإن التعاطي مع الجرائم التي لحقت، والتي اشتبه بأن اليمين المتطرف وراءها، لم يكن تعاطياً يحمل كثيراً من الجدية.