دول الجوار المستقبلة للاجئين السوريين تعيد طردهم

المشاعر المعادية للاجئين تسللت إلى النظام السياسي اللبناني الهش

الطفلة تسنيم فايدو (8 سنوات) من مخيم للاجئين السوريين في إقليم هاتاي جنوب تركيا تحمل رسمها الذي يبين بكاء أم على ابنتها المجروحة (رويترز)
الطفلة تسنيم فايدو (8 سنوات) من مخيم للاجئين السوريين في إقليم هاتاي جنوب تركيا تحمل رسمها الذي يبين بكاء أم على ابنتها المجروحة (رويترز)
TT

دول الجوار المستقبلة للاجئين السوريين تعيد طردهم

الطفلة تسنيم فايدو (8 سنوات) من مخيم للاجئين السوريين في إقليم هاتاي جنوب تركيا تحمل رسمها الذي يبين بكاء أم على ابنتها المجروحة (رويترز)
الطفلة تسنيم فايدو (8 سنوات) من مخيم للاجئين السوريين في إقليم هاتاي جنوب تركيا تحمل رسمها الذي يبين بكاء أم على ابنتها المجروحة (رويترز)

بيروت – بعد استقبال أكثر من مليون لاجئ سوري على أراضيها، عمدت لبنان في هدوء إلى تغيير سياساتها حيالهم خلال الشهور الأخيرة، فبدأت في مطالبة اللاجئين السوريين بالعودة إلى سوريا - حيث يواجهون خطر الاضطهاد وربما الموت - أو البقاء هناك بصورة غير مشروعة، مما يعرضهم لخطر الاستغلال وسوء المعاملة.
يثير الوضع في لبنان الاهتمام، في الوقت الذي بدأت فيه تركيا والأردن في تشديد إجراءات وسياسات دخول اللاجئين إلى أراضيهما. وحذر تقرير صادر عن «هيومان رايتس ووتش» نشر الثلاثاء من أن الإجراءات اللبنانية الجديدة قد «مهدت الطريق لانفجار الأوضاع بالنسبة للاجئين السوريين».
وحتى مع تدهور الأوضاع في الداخل السوري للعام الخامس على التوالي، أعاد لبنان، قسرا، 407 لاجئين سوريين الأسبوع الماضي ممن تقطعت بهم السبل في مطار بيروت بعدما شددت تركيا من القيود المفروضة على إصدار تأشيرات الدخول مع إشعارات قليلة. ويعتبر الترحيل القسري الأخير هو الأكبر من نوعه حتى الآن. ووصفت منظمة العفو الدولية الإجراء اللبناني بأنه «خرق كبير للالتزامات الدولية اللبنانية»، والذي يستلزم منها عدم إعادة اللاجئين المعرضين للأخطار إلى مناطق الصراع المشتعلة.
يقول أحد اللاجئين السوريين (34 عاما) من مدينة الرقة رفض الإفصاح عن اسمه خشية الترحيل والإبعاد، والذين يتكسب رزقه من العمل كبواب لإحدى البنايات في بيروت: «ليس للسوريين ثمن هنا. لقد أغلقوا أبوابهم دوننا».
وعمد لبنان في عام 2015 إلى تغيير سياسة الباب المفتوح طويلة الأجل والتي سمح بموجبها للاجئين السوريين بالدخول للبلاد والاستقرار فيها من دون موانع تقريبا. وعلى أدنى تقدير، يتعين على اللاجئين حاليا سداد 200 دولار مقابل تصريح الإقامة الذي يمتد بين 6 و12 شهرا، والذي يتم الحصول عليه عبر عملية بيروقراطية طويلة ومرهقة تصاحب كل طلب إقامة مقدم.
يقول نديم حوري، نائب مدير مكتب الشرق الأوسط في منظمة «هيومان رايتس ووتش»، إن أغلب اللاجئين فقدوا حق الإقامة القانوني في البلاد خلال العام الماضي بسبب اللوائح والإجراءات الجديدة. ويضيف: «إذا لم تكن لديك وضعية قانونية، فلن تتمكن من عبور أي نقطة تفتيش أمنية بأي حال. وبالتالي لن يستطيع الكثير من الرجال مغادرة منازلهم». وتابع حوري بقوله: «ويعني ذلك إجبار الأطفال على العمل بدلا من الرجال، لأنهم لا يتم إيقافهم في غالب الأحيان من قبل السلطات. كما يعني الأمر أيضا أنه إذا تعرضت النساء لحادثة تحرش ما، فلن يمكنهن إبلاغ الشرطة، لأنها سوف تلقي القبض عليهن لعدم وجود وضعية قانونية لهن في البلاد».
والوضع في الأردن يشبه ذلك، وهو الذي يصر على أنه أبقى حدوده الوطنية مفتوحة للاجئين السوريين منذ اندلاع الصراع في أول الأمر عام 2011، لكنه شدد من إجراءات الدخول على نحو متزايد.
كانت المنطقة الصحراوية النائية ما بين سوريا والأردن منفذ الدخول الوحيد بالنسبة للاجئين السوريين منذ منتصف عام 2013. وخلال الشهور الأخيرة، احتشدت مجموعة كبيرة من اللاجئين في منطقة ما بالقرب من أحد الحواجز الحدودية في انتظار السماح لهم بالدخول. وقال محمد المومني، المتحدث الرسمي باسم الحكومة الأردنية، في وقت سابق من هذا الأسبوع، إن نحو 16 ألف لاجئي سوري قد تجمعوا في هذه المنطقة. وأضاف أنه يُسمح بدخول نحو 50 إلى 100 لاجئ يوميا، والأولوية للنساء والأطفال وكبار السن والمرضى، مضيفا أن «الأمن يعتبر الأولوية الأولى لنا».
وبدأت تركيا، التي تضم أكثر من مليوني لاجئ، الأسبوع الماضي في تطبيق قيود على إصدار التأشيرات بالنسبة للسوريين الذين يدخلون البلاد في جزء من جهودها لوقف تدفقات المهاجرين إلى أوروبا عبر أراضيها. وذلك القرار، الذي بات ينطبق على السوريين الذين يصلون إلى تركيا عبر الجو أو البحر من دول ثالثة، يعتبر ارتدادا عن الاتفاقية طويلة الأجل التي سمحت بالدخول من دون تأشيرة بالنسبة للسوريين في أول الأمر. ولا ينطبق القرار المذكور على السوريين الذين يعبرون الحدود البرية فرارا من الصراع.
ويجب على السوريين في لبنان حاليا الاعتماد على وضعهم غير المستقر بوصفهم لاجئين مسجلين بالأمم المتحدة، أو العثور على مواطن لبناني لرعايتهم. وتقول منظمة «هيومان رايتس ووتش» إن العقبات التي تواجه الأمم المتحدة في لبنان دفعت بالكثير من السوريين للاتجاه إلى تجارة الرعاية الغامضة، والتي وصفها حوري بأنها «وصفة لسوء المعاملة والاستغلال». وتسللت المشاعر المعادية للاجئين إلى النظام السياسي اللبناني الهش مع استمرار الحرب الأهلية السورية. وفي أكتوبر (تشرين الأول) عام 2014، أي قبل شهور من دخول الإجراءات الجديدة حيز التنفيذ، صوتت الحكومة اللبنانية لصالح عدم استقبال المزيد من اللاجئين، وفي يناير (كانون الثاني) 2015، منعت الحكومة اللبنانية مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من تسجيل أي لاجئين جدد.
أحد اللاجئين السوريين في بيروت، والذي عرف نفسه باسم مستعار هو أبو علي حتى يظل بعيدا عن عيون السلطات اللبنانية، يقول إنه وصل إلى لبنان في عام 2012، وفقد حق الإقامة في العام الحالي بسبب الإجراءات الجديدة. يقول أبو علي متحدثا من أحد محلات الطعام في بيروت حيث يعمل: «لا أستطيع أن ألحق ابنتي بالمدرسة، لأننا حاليا نقيم بصورة غير قانونية في لبنان».
وتحاول بعض العائلات السورية، بسبب قلة الخيارات المتاحة في لبنان، جمع ما يمكنها من موارد لإرسال الزوج أو الابن إلى تركيا، حيث يمكنهم الانطلاق منها إلى أوروبا، طلبا لحق اللجوء السياسي.
ونفى أحد المسؤولين عن الأمن العام في لبنان، وهو المسؤول عن الهجرة ومراقبة الحدود، أن الإجراءات الجديدة تهدف إلى إجبار السوريين على العودة إلى بلادهم. وقال المسؤول اللبناني مفضلا عدم ذكر هويته اتساقا مع اللوائح: «كانت هناك ضغوط رهيبة على حدود البلاد، وكان لزاما علينا تنظيم معايير الدخول. وهي ليست موجهة لإجبار الناس على الرحيل».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.