الوكالة الدولية للطاقة الذرية تعطي الضوء الأخضر لتنفيذ «الاتفاق النووي» الإيراني

الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يعلنان رفع العقوبات.. وتنديد جمهوري بـ {تنازلات} أوباما > أمانو: إيران اتخذت كل الإجراءات النووية المطلوبة

وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع أليكسا ويسز سفيرة أميركا في النمسا لدى وصوله أمس إلى فيينا أمس (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع أليكسا ويسز سفيرة أميركا في النمسا لدى وصوله أمس إلى فيينا أمس (رويترز)
TT

الوكالة الدولية للطاقة الذرية تعطي الضوء الأخضر لتنفيذ «الاتفاق النووي» الإيراني

وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع أليكسا ويسز سفيرة أميركا في النمسا لدى وصوله أمس إلى فيينا أمس (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع أليكسا ويسز سفيرة أميركا في النمسا لدى وصوله أمس إلى فيينا أمس (رويترز)

أعطت الوكالة الدولية للطاقة الذرية مساء أمس الضوء الأخضر للبدء بتطبيق الاتفاق النووي بين إيران والقوى الكبرى. وقال الأمين العام للوكالة، يوكيا أمانو، في بيان نشر في فيينا إن «إيران أنجزت المراحل الضرورية لبدء تطبيق» الاتفاق الذي وقع في 14 يوليو (تموز) 2015. وإن طهران «أوفت بالتزاماتها» بهدف رفع العقوبات الدولية عنها.
وقال يوكيا أمانو أمس إن إيران اتخذت كل الإجراءات النووية المطلوبة منها بموجب الاتفاق النووي الذي أبرمته مع القوى العالمية الست في يوليو مما يمهد الطريق أمام تخفيف العقوبات عن طهران. وبعد لحظات من إصدار تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلن وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف وفيديريكا موغيريني في مؤتمر صحافي مشترك تنفيذ الاتفاق النووي رسميا بين طهران والدول 5+1 وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا بالإضافة إلى ألمانيا. وأعلن الاتحاد الأوروبي وأميركا أمس رفع العقوبات عن إيران، تلك المتعلقة بالملف النووي.
ويشمل تنفيذ الاتفاق رفع العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وتفكيك سلسلة من الإجراءات العقابية ضد طهران ويشمل ذلك رفع حظر الاتحاد الأوروبي على واردات النفط الإيراني (مما سيكون له تداعيات على أسواق النفط العالمية) والسماح للمصارف الإيرانية بمعاودة الاتصالات مع النظام المالي العالمي وفتح المجال للشركات الخاصة التي تسعى إلى عقد صفقات تجارية مع إيران إلى القيام بالأعمال دون خوف من إجراءات عقابية.
وقال مسؤول دبلوماسي أوروبي لـ«الشرق الأوسط» بأن المسؤولين من كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى جانب الدول دائمي العضوية بمجلس الأمن ومسؤولي الأمم المتحدة يعملون منذ عدة أيام لوضع خطط رفع العقوبات وبدء تنفيذ المسارات المتفق عليها في إطار يوم التنفيذ للاتفاق النووي.
وأشار الدبلوماسي الغربي أن الجانب الإيراني قام بتنفيذ الكثير من الخطوات في إطار الجدول الخاص بتقييد الأنشطة النووية وأن الإيرانيين متشوقون للإسراع في تنفيذ الاتفاق وبدء رفع العقوبات. وأشار الدبلوماسي أن هناك ارتياحا غربيا لالتزام إيران بالوفاء بالتزاماتها حيث قامت بالفعل بنقل الماء الثقيل من المفاعل النووي أراك وتم تجميد جزء من عمل المفاعل وهذا يعني أنه لا يمكن استخدام المفاعل في إنتاج سلاح نووي. وأكد الدبلوماسي الأوروبي أن مفتشي الوكالة قاموا على مدى سنة تقريبا في عمليات تفتيش لمواقع إيرانية للتأكد أن إيران لن تستطيع صنع قنبلة نووية وليس لديها ما يكفي من المواد الانشطارية.
وقد التقى وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع نظيره الإيراني جواد ظريف في فيينا صباح أمس السبت، لتسوية بعض التفاصيل النهائية، قبل إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران قد امتثلت بكافة التزاماتها وفقا للاتفاق النووي الإيراني. وأوضح مسؤول بالخارجية أن الوزيرين ناقشا كيفية تنفيذ الاتفاق والحفاظ على عملية المضي قدما، كما التقى وزير الخارجية الإيراني مع فيديريكا موغيريني منسقة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي.
وقال وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف بأن رفع العقوبات الاقتصادية الدولية على إيران سيبدأ السبت مع إقرار الوكالة الدولية للطاقة النووية بأن طهران قد امتثلت بالتزاماتها وفقا للاتفاق بين إيران والقوى العالمية (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا وألمانيا والصين) الذي تم توقيعه في 14 يوليو (تموز) 2015. ووافقت إيران بمقتضاه على وقف برنامجها النووي، وتقييد أنشطة تخصيب اليورانيوم، وإخضاع المنشآت النووية لتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عنها.
وتعمل طهران على استخدام الأموال التي ستحصل عليها من أصولها المجمدة في إطلاق مشاريع للبنية التحتية التي من شأنها أن تؤدي إلى تحفيز النمو الاقتصادي بعد سنوات من الركود الاقتصادي الذي عانى منه الاقتصاد الإيراني بسبب العقوبات الاقتصادية. وقد أعلنت طهران خططها لشراء 114 من طائرات إيرباص فور رفع العقوبات وفقا لوكالة الأنباء الإيرانية.
وفي طهران، أعلنت قوات الأمن حالة التأهب القصوى ترقبا لنزول مئات آلاف من الإيرانيين إلى الشوارع بحسب وسائل إعلام إيرانية فيما نقلت وكالة إيسنا عن مكتب الرئيس الإيراني حسن روحاني تأجيل كلمته التلفزيونية بعد تأجيل الإعلان البدء الرسمي لتنفيذ الاتفاق النووي.
وقال بيتر ويتنغ السفير الألماني لدى الولايات المتحدة للصحافيين في مؤتمر صحافي مساء الجمعة بأن رفع العقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في عدة حسابات مصرفية أجنبية لن يكون فوريا مشيرا إلى أن عملية فك تجميد الأصول المجمدة تستغرق وقتا طويلا.
ومع رفع العقوبات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني فإن العقوبات المفروضة بسبب سجل إيران في مجال انتهاكات حقوق الإنسان وفي تمويل الأنشطة الإرهابية ستبقى دون تغيير.
من جانبه، قال وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف «اليوم هو يوم جيد للشعب الإيراني مع العقوبات التي سترفع اليوم ويوم جيد للمنطقة» ونشر على حسابه على «تويتر» قائلا: «نحن في طريقنا إلى يوم التنفيذ Implementation day والدبلوماسية تتطلب الصبر لكننا نعلم جميعا أنها أفضل من كافة البدائل الأخرى».
مع رفع العقوبات سيتاح للجمهورية الإيرانية الحصول على نحو 100 مليار دولار من أصولها المجمدة في الخارج كما ستتمكن من فتح أبوابها أمام التجارة العالمية والتعامل مع الشركات العالمية.
وتقول طهران بأنها تعتزم رفع صادراتها النفطية في غضون أسابيع لتضيف نصف مليون برميل يوميا بحيث يصل إجمالي صادرات النفط الإيراني إلى مليون برميل يوميا. ويأتي الإعلان الإيراني في وقت تنخفض فيه أسعار النفط في الأسواق العالمية إلى أقل من 30 دولارا للبرميل للمرة الأولى منذ 12 عاما. ويقول الخبراء بأن سعي إيران لضخ نصف مليون برميل إضافي من النفط يوميا قد يدفع الأسواق العالمية للنفط إلى مزيد من الانخفاض ليصل سعر البرميل إلى 20 دولارا.
من جانب آخر، أشارت تقارير صحافية أن إدارة الرئيس أوباما تراجعت عن فرض عقوبات جديدة على إيران بعد إقدام إيران على تجارب صواريخ باليستية خوفا من أن يؤدي فرض العقوبات الجديدة إلى عرقلة صفقة تبادل الأسرى التي يتفاوض عليها الجانبان سرا منذ عدة أشهر.
وأوضح تقرير لوكالة رويترز أن المسؤولين في الإدارة الأميركية قرروا تأجيل عقوبات بعد تجربة إيران للصواريخ الباليستية القادرة على حمل رؤوس نووية. وأشار التقرير أنه خلال الأسبوعين الأخيرين من ديسمبر (كانون الأول) الماضي حيث كان الرئيس أوباما يقضي إجازته في هاواي كان وزير الخارجية الأميركي جون كيري وكبار مساعدي الرئيس أوباما في اتصالات مكثفة مع المسؤولين الإيرانيين للتفاوض حول الإفراج عن الأميركيين المحتجزين لدى طهران.
ويعد بدء تنفيذ الاتفاق النووي مع إيران أكبر انتصار للسياسة الخارجية للرئيس باراك أوباما. وفي المقابل اتهم الجمهوريون الإدارة الأميركية بأنها لم تفعل ما يكفي لضمان عدم قدرة إيران على امتلاك قنبلة نووية في المستقبل ولم تقدم تطمينات كافية لحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط من أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار ودعمها للمجموعات الإرهابية.



مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.


وزير الدفاع الإسرائيلي: «قد نضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
TT

وزير الدفاع الإسرائيلي: «قد نضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)

قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الخميس، إن الدولة العبرية «قد تضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران لضمان ألا تهدد طهران بلاده.

ورأى كاتس، في بيانٍ أصدره مكتبه، أن «الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بالتنسيق مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يقود الجهود لتحقيق أهداف الحملة، لضمان أن إيران لن تُشكّل مجدداً في المستقبل تهديداً لإسرائيل والولايات المتحدة والعالم الحُر».

وتابع، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نحن نُدعم هذا الجهد ونقدم الدعم اللازم، لكن من الممكن أن نضطر قريباً للتحرك مجدداً لضمان تحقيق هذه الأهداف».