لم يكن اسمه معروفًا لدى عموم الرأي العام، وربما بين كثير من القوى السياسية، قبيل الانتخابات البرلمانية التي جرت في مصر، على مدار الأشهر القليلة الماضية، فهو ليس لديه انتماء حزبي، كما أنه مُقلٌّ في الظهور الإعلامي. غير أن هذا المأخذ الذي وُصف به الدكتور علي عبد العال، رئيس مجلس النواب الجديد، كان أحد الأسباب الرئيسية في التوافق عليه لقيادة مجلس يشكل المستقلون أكثر من ثلثيه، ويفتقد حزبًا سياسيًا مهيمنًا كما كان معتادًا في البرلمانات السابقة.
فاز الدكتور علي عبد العال، أستاذ القانون الدستوري المخضرم برئاسة مجلس النواب في انتخابات داخلية أجريت مع عقد أولى جلساته في 10 يناير (كانون الثاني) الحالي، وذلك إثر حصوله على 401 صوت من أصل 585 صوتًا، في ظل منافسة من 6 أعضاء آخرين، ليصبح رئيسًا لأول برلمان منتخب عقب ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013، والتي أطاحت بحكم «الإخوان المسلمين».
وجاء انتخاب الرئيس الجديد الذي يعد بمثابة «مايسترو» المجلس التشريعي، كمرشح عن ائتلاف «دعم مصر»، صاحب الأغلبية البرلمانية داخل المجلس بأكثر من 380 عضوًا، والذي يقوده اللواء السابق بالمخابرات سامح سيف اليزل، إذ توافق الائتلاف على تقديم رئيس للمجلس من بين الأعضاء المنتخبين شعبيًا، وليس المعينين من قبل رئيس الجمهورية، حتى لا يقال إن رئيس الجمهورية هو من عين رئيس السلطة التشريعية، وإن كان القانون يبيح للعضو المعين رئاسة المجلس أيضًا.
أيضًا بدا للجميع أن اختيار شخصية قانونية تفقه في الأمور الدستورية هو الأنسب، حتى يتمكن من إدارة مجلس بصدد إصدار تشريعات هامة تتعلق بمستقبل البلاد، التي عاشت لنحو ثلاث سنوات بلا برلمان.
وخلال جلسته الأولى للمجلس حاول عبد العال، صاحب البشرة السمراء، أن يظهر صرامة «غير متوقعة»، عبر علو صوته ونهره للنواب المخالفين للتعليمات، حتى يفرض الهدوء تحت قبة البرلمان، لكن بمرور الوقت تبين أنها أيضًا «غير كافية» للسيطرة على مجلس مضطرب ما زال يتحسس ملامحه.
قال عبد العال، في أول كلمة له عقب إعلان فوزه برئاسة البرلمان، إنه يتعهد بأن يكون عند حسن الظن به، وأن يكون دائمًا مدافعًا عن الديمقراطية والمبادئ التي نادت بهما ثورتا 25 يناير و30 يونيو». وأضاف أن «الفصل التشريعي الذي يأتي مواكبًا لمرحلة تحول جديدة في العمل الوطني يتطلب بذل الجهود لإنجاز مجموعة من التشريعات التي أناط بها الدستور الجديد مجلسكم الموقر في كل المجالات من أجل إطلاق قوي الإنتاج. وتابع: «سأعمل على أن يكون مجلسكم منبرًا لحوار ديمقراطي راقٍ وعلينا أن نقدم نموذجًا من أجل مصلحة هذا الوطن الغالي».
اسمه بالكامل، علي عبد العال سيد أحمد (67 سنة)، وهو من مواليد 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1948، وتعود أصوله إلى محافظة أسوان (جنوب مصر). ويتمتع رئيس البرلمان الجديد بخبرة قانونية علمية وعملية كبيرة، فقد حصل على ليسانس الحقوق من جامعة عين شمس عام 1972، ثم دبلوم القانون العام عام 1973، ودبلوم القانون الجنائي عام 1974، ثم حصل على درجة الدكتوراه في القانون العام من جامعة باريس الأولى - بانثيون سوربون (السوربون) عام 1984.
بدأ عبد العال ممارسة عمله وكيلاً للنائب العام عام 1973، ثم عمل معيدًا بقسم القانون العام بكلية الحقوق جامعة عين شمس، ومدرسًا مساعدًا بقسم القانون العام، وملحقًا ثقافيًا لمصر في باريس. وبعدها عمل خبيرًا دستوريًا بمجلس الشعب عام 1992، وشارك في المؤتمر الدولي لوضع النصوص الأولى للدستور الإثيوبي عام 1993. كذلك عمل مستشارًا للديوان الأميري لدولة الكويت من عام 1993 إلى 2011.
وتتضمن أبزر مؤلفات الدكتور عبد العال، القانون الإسلامي عام 2014، والقضاء الدستوري عام 2014، والحريات العامة عام 2014.
يمكن أن يطلق عليه لقب «فقيه دولة» ما بعد 30 يونيو، بالنظر إلى دوره البارز ومشاركته في معظم اللجان القانونية التي تم تشكيلها لصياغة القوانين التي صدرت في غيبة البرلمان، منذ حل مجلس الشعب السابق عام 2012. وكذلك عضويته في لجنة الخبراء العشرة، التي أعدت المسودة الأولى للدستور المعدل في عهد الرئيس السابق عدلي منصور، بعد 3 يوليو (تموز) 2013. ويذكر له أيضًا أنه لعب دورًا مهمًا في وضع قوانين الانتخابات الثلاثة الأخيرة (تنظيم مباشرة الحقوق السياسية، ومجلس النواب، وتقسيم الدوائر الانتخابية)، وما صحابها من تعديلات بعد أن أبطلت المحكمة الدستورية العليا نسختها الأولى.
وإزاء ذلك أبدى عبد العال، من خلال حديثه لأعضاء البرلمان أثناء الجلسات المعدودة الماضية، ثقة كبيرة في أن معظم قراراته الإجرائية تتوافق مع نصوص القانون والدستور. ولقد ظهر ذلك في ترديده أكثر من مرة عبارة «أنا اللي كتبت الدستور» لحسم أي جدل قانوني داخل المجلس.
كما أنه (عبد العال) لا يتخوف من حل المجلس من خلال الطعن دستوريًا في القوانين المشكلة له. فقد أكد في تصريح سابق له أن «الأمر واضح.. المحكمة الدستورية بينت نقاط العوار في تلك القوانين وتم الالتزام بتعديلها قبل إجراء الانتخابات ومن ثم لا مجال للقلق من مصير المجلس».
تاريخيًا يعد عبد العال الرئيس الـ50 في قائمة رؤساء البرلمان منذ بدء الحياة النيابية المصرية في عهد الخديو إسماعيل، والـ11 منذ إلغاء الملكية وقيام النظام الجمهوري عام 1953، حيث سبقه كل من (عبد اللطيف البغدادي وأنور السادات، والدكتور لبيب شقير)، في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. و(حافظ بدوي وسيد مرعي والدكتور صوفي أبو طالب) في عهد الرئيس الراحل أنور السادات. و(محمد كامل ليلة، ورفعت المحجوب، وفتحي سرور) في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك. وأخيرًا سعد الكتاتني، في عهد الرئيس الأسبق محمد مرسي.
ويؤخذ على رئيس البرلمان الجديد ولاؤه المفرط للرئيس السيسي، بحسب معارضين، الأمر الذي قد يؤثر على تطبيقه مبدأ الفصل بين السلطات، أو أن يتجاوز في أداء مهمته الأساسية وهي مراقبة السلطة التنفيذية.
في الانتخابات الأخيرة خاض عبد العال انتخابات مجلس النواب على رأس قائمة «في حب مصر» بقطاع الصعيد عن محافظة أسوان. وتشكلت القائمة من شخصيات عامة من ضباط شرطة وعسكريين ووزراء سابقين وأساتذة جامعات، إضافة إلى أحزاب جديدة جميعها من مؤيدي الرئيس السيسي. ووجه إلى عبد العال، ضمن تلك القائمة التي تحولت إلى ائتلاف «دعم مصر» داخل البرلمان، اتهامات تتعلق بفوزهم عبر دعم الدولة وأجهزتها الأمنية ليكونوا ظهيرًا سياسيًا للرئيس السيسي. غير أنه رفض ذلك واصفًا القائمة في أحد البرامج التلفزيونية بأنها «دعم للدولة»، وأكد أن «الوضع في مصر مختلف عما سبق، ويتطلب ظهيرًا سياسيًا لتطبيق برنامج السيسي، ولن أقول إن القائمة هي ظهير السيسى، لكن ستكون الظهير السياسي فيما يحقق استقرار مصر». وعقب انتخابه رئيسًا للبرلمان بدأ مهمته بإرسال برقية تأييد لرئيس الجمهورية، قال فيها: «إن مجلس النواب في ظل الظروف التاريخية وما يواجه الوطن العربي، يؤازر منهجكم في محاربة الإرهاب، وتوحيد الصف العربي، فسر على بركة الله يا سيادة الرئيس وقلوبنا معكم، وشعب مصر يؤيد خطاكم».
وأضاف عبد العال: «نحن في مستهل العام الثاني لولايتك، كانت ثمارها تحقيق مزيد من الاستثمار، وآفاقًا جديدة للتنمية.. ويعلن المجلس تأييده لقيادتكم الحكيمة في التصدي للإرهاب، وتصديكم للمخططات الخبيثة». وتابع: «باسمكم جميعًا (النواب) أتقدم بخالص الشكر والتقدير لقائد المسيرة الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي ساند ثورة الشعب وتصدى لتحقيق آماله وطموحاته، تحية إعزاز لرجال القضاء واللجنة العليا للانتخابات ورجال الجيش حماة الوطن، والشرطة حراس الأمن الأوفياء، وترحمًا على (شهدائهم) الأبرار».
ونظرًا لحداثة مهمته تعرض عبد العال لانتقادات حادة بشأن إدارته للجلسات الأولى للبرلمان، وقال البعض إن أداءه غير الحازم بالشكل الكافي وعدم تطبيقه لائحة المجلس على وجه الدقة تسبب في خلافات حادة وحالة من الفوضى خلال الجلسات الأولى لمجلس النواب، مما فتح الباب لتعليقات لاذعة من المتابعين، تقرر على أثرها وقف بث جلسات المجلس على الهواء مباشرة.
وفي خلفية الاحتجاج على حالة الفوضى التي سادت الجلسات الأولى للمجلس تقدم النائب كمال أحمد باستقالته، معلنًا رفضه للطريقة التي تدار بها الجلسات، كما وجه النائب سري صيام، رئيس مجلس القضاء الأسبق، انتقادات حادة لعبد العال. وقال النائب المستقيل، قبل أن يتراجع لاحقًا عن استقالته، إنه استقال اعتراضًا على طريقة إدارته (البرلمان)، وتصرفات كثير من النواب، واصفا جلسة يوم الاثنين الماضي بأنها كانت «شادر بطيخ، وليست مجلس نواب». كذلك هدد أعضاء حزب المصريين الأحرار بالانسحاب لرفض رئيس المجلس إعطاءهم الكلمة أكثر من مرة، متهمينه بتهميش حزب الأكثرية (65 مقعدًا) لصالح ائتلاف الأغلبية الذي ينتمي إليه. وانتقد نواب خارج ائتلاف الأغلبية قيامه (عبد العال) باتخاذ قرارات دون الرجوع إلى النواب في أكثر من مناسبة، ومنها محاولته تشكيل 6 لجان نوعية لدراسة القوانين الصادرة في غيبة البرلمان، قبل أن يتراجع في القرار بسبب حالة الغضب التي عمت في المجلس.
ورد عبد العال على تلك الاتهامات قائلاً إن «بعض وسائل الإعلام روجت لفكرة أن الكلمة داخل المجلس يتم منحها لأشخاص بعينهم وهذا غير صحيح لأني لا أتلقى تعليمات من أحد»، مضيفًا: «محدش بيديني تعليمات وعمري ما أخدت تعليمات من حد، ومعنديش استعداد لكده، كما يروج البعض بنية سيئة». وتابع عبد العال، تعقيبًا على اعتراض النواب على عدم الانضباط في الجلسات: «نحن مضغوطون بسبب مدة الـ15 يومًا، وإذا لم ننتهِ من القوانين خلال هذه المدة سيتم حل المجلس»، قائلاً: «للأسف هناك بعض النواب يستغل هذه الضغوط ويدفع لإسقاط المجلس».
هذا، ويلزم الدستور البرلمان بالنظر في القوانين التي صدرت في غيبته وإقرارها أو رفضها خلال 15 يومًا من انعقاده، وفي حال عدم عرض تلك القوانين على المجلس تعد لاغية ويزول ما كان لها من قوة القانون بأثر رجعي. ولقد أصدر الرئيسان عدلي منصور والسيسي أكثر من 300 قانون منذ يوليو 2013، يتوجب على المجلس النظر فيها خلال 12 يومًا. ومن بين هذا العدد الضخم يوجد نحو 10 قوانين هي الأكثر إثارة للجدل على رأسها قانون التظاهر وقانون الخدمة المدنية، وقانون الإرهاب.
عبد العال قال إن قراره وقف البث المباشر للجلسات راعى أهمية إنجاز تلك القوانين، مؤكدًا أنه لا يستطيع أن يتحمل الآثار المترتبة على عدم إنجاز هذه المهمة في ضوء المسؤولية التاريخية التي تقع عاتقه. وأضاف: «لو كانت القرارات بقوانين متعلقة بقوانين اجتماعية أو صحية كان من الممكن إسقاطها وإعداد غيرها، لكنها متعلقة ببناء المؤسسات الدستورية، وبالأخص مؤسسة الرئاسة، ومجلس النواب». وتابع: «المجموعة الثانية من القرارات بقوانين متعلقة بكيان الدولة، حيث إن قانون الإجراءات الجنائية والعقوبات يأتي ضمن هذه المجموعة، وإذا لم يتم إقرارها سيتم الإفراج فورًا عن كل من ارتكب جرائم إرهابية، ولا أستطيع أن أتحمل هذه الآثار.. هذه مسؤولية تاريخية على المستوى الشخصي».
وحول أبرز القضايا الملحة على المجلس في بداية انعقاده يرى عبد العال أنه بالإضافة إلى مراجعة القوانين السابقة، يبغي التعجيل بتعديل اللائحة الداخلية للمجلس لكي تتوافق مع الدستور الجديد، وتشكيل اللجان النوعية. وأيضًا «هناك قانونان أساسيان يجب الانتهاء منهم مع بداية مجلس النواب، أولهما قانون تنظيم بناء الكنائس والثاني قانون العدالة الانتقالية».
وسيظل عبد العال، الذي يعول على خبرته القانونية ولم يثبت أن دخل في أي أمور خلافية أو معارك سياسية، في اختبار ومراقبة لمدة خمسة أعوام، هي عمر البرلمان الحالي، الأهم في تاريخ مصر الحديث.
