مع إشراقة صباح كل يوم، يخرج «إسلام. ف» من منزل عائلته وسط مدينة خان يونس، جنوب قطاع غزة، متجهًا إلى غربها نحو ساحل البحر الأبيض المتوسط، حيث يجلس ساعات طويلة متأملا مسار حياته التي باتت بلا جدوى، بعد أن بلغ التاسعة والعشرين من عمره، ولم يحصل على عمل بعد، يمكنه من تغيير حياته والزواج والاستقرار وتكوين عائلة.
يلتقي «إسلام» وهو خريج محاسبة منذ أكثر من 7 أعوام، مع بعض أصدقائه من العاطلين عن العمل مثله، ليثرثروا سويا حول همومهم أمام البحر، بينما يأملون أن يتمكنوا ذات يوم، من الخروج من السجن الكبير في غزة، عبر قارب صغير يقودهما إلى الأمل المنشود، في أقرب دولة يستطيعان وصولها، تمهيدا للانتقال إلى تركيا أو دول أوروبية طلبا للجوء.
ويمثل البحر بالنسبة لـ«إسلام» الأمل الوحيد بالنجاة من الغرق في مستنقع الحياة الصعبة داخل قطاع غزة. وهو ينظر إلى الشبان من جيله، وقد بنوا حياتهم من القليل الذي توفر إليهم، ولم يستطع هو أن يوفره.
يعيش «إسلام» الذي فقد والده منذ الصغر، مع عائلته المكونة من 8 أفراد، وهو الخامس من بين أشقائه، الآخرين الذين يعمل الثلاثة الآخرون منهم في أعمال صغيرة وغير دائمة، بحكم ارتباطها بواقع الأعمال في غزة ككل، كالسباكة والبناء، وبالكاد يستطيعون توفير مبالغ تصل إلى 250 دولارًا شهريًا، تذهب غالبيتها، مصاريف لزوجاتهم وأطفالهم، في البيت الذي يلم الجميع، ويكاد يتسع إليهم بصعوبة.
ويشير خريج المحاسبة من الجامعة الإسلامية في غزة بتفوق امتياز، إلى أنه بحث كثيرا عن عمل يساعده على الحياة، إلا أنه لم يجد نفسه سوى رهينةً للبطالة بالمشاركة في مشاريع بعمل مؤقت لعدة أشهر كان يتقاضى 200 دولار فقط، لا يكاد نصفها يكفي للمواصلات.
ويقول إسلام، «أتمنى لو أن معبر رفح البري مفتوح، أو أن هناك ثغرات في حدودنا البحرية. لو كان الأمر كذلك، لهاجرت فورا. لكن حتى أملنا بالهجرة والبحث عن مستقبلنا غير موجود، بفعل إغلاق المعابر». مشيرًا إلى أنه سجل منذ فترة طويلة في قوائم المسافرين، عبر معبر رفح، الذي بالكاد يفتح كل ستة أشهر ليومين متتاليين أو ثلاثة، لكن لا أمل بالسفر في ظل القوائم الطويلة من المواطنين الذين يستعدون للسفر أيضًا.
ولفت إسلام، إلى أن الإجراءات الأمنية الإسرائيلية المشددة على معبر بيت حانون «إيرز»، تحرمه من إمكانية السفر عبره، خاصة وأن الاحتلال يستخدمه كمصيدة لاعتقال العشرات من المواطنين والمرضى وحتى النساء.
وبحسب إحصائيات غير رسمية حصلت عليها «الشرق الأوسط»، من مراكز سفريات بغزة، فإن نحو ألفي شاب فلسطيني تتراوح أعمار غالبيتهم، بين 24 إلى 32 عاما، مسجلين ضمن قوائم السفر ويرغبون في ذلك، طمعا في الهجرة واستكمال تعليمهم بالخارج والبقاء إلى حيث يسافرون.
ويقول أبو محمد (53 عاما) أحد المشرفين على نفق تجاري توقف عن العمل، منذ أكثر من عام، إنه كثيرا ما يأتي شبان من مناطق مختلفة من غزة بحثًا عمن يستطيع تأمين خروجهم من حدود القطاع عبر الأنفاق إلى مصر. مشيرًا إلى أن هناك من ينسق لهم مع طرف آخر بمصر لاستقبالهم وتسهيل مهمة هجرتهم.
ويوضح أبو محمد لـ«الشرق الأوسط»، إن تشديد الإجراءات المصرية على طول الحدود، وإغراق الأنفاق، صعّب عمليات التهريب، سواء للأشخاص أو البضائع، مشيرًا إلى أنه قبيل بدء تدمير الأنفاق، كان العشرات من الشبان يتنقلون من غزة إلى مصر عبر الأنفاق، مقابل مبالغ مالية وصلت إلى ألفي دولار للشخص الواحد.
وتوفي ما لا يقل عن 17 فلسطينيا من سكان قطاع غزة في أوائل سبتمبر (أيلول) 2014، إثر حادثة غرق سفينة في طريقها إلى سواحل الإسكندرية ومن ثم مواصلة الرحلة إلى ليبيا، تمهيدا لنقلهم إلى أوروبا. فيما فقد أكثر من 60 آخرين، بينهم عائلات بأكملها، في منتصف الشهر نفسه، وما زال مصيرهم مجهولا وسط الحديث عن وفاة العشرات وإنقاذ آخرين واعتقالهم، وبين الحديث عن أنهم جميعا معتقلون في سجون مصرية، بعد إنقاذهم جميعًا أحياء، وهو ما لم يؤكد، ويبدو أنهم فقدوا في عرض البحر دون تحديد مكانهم أو مصيرهم أو العثور على جثثهم.
وتوفي في الشهر عينه أيضًا ما لا يقل عن 12 آخرين قبالة سواحل إيطاليا، منهم عائلة بأكملها، هي أم وطفليها، فيما أنقذ الأب «شاكر العسولي» من سكان خان يونس، جنوب قطاع غزة، بصعوبة بالغة وتعرض للعلاج لفترة طويلة.
وشهدت فترة ما بعد الحرب على غزة صيف 2014، ما يمكن وصفه بـ«الظاهرة» بمحاولات الآلاف من الفلسطينيين بغزة، الهجرة عبر الأنفاق وغيرها بتسهيل من تجار في القطاع والجانب المصري، بتكلفة مادية وصلت نحو 5 آلاف دولار للشخص الواحد، وحاولت حماس التصدي لتلك المحاولات بكثافة قبل أن تبدأ القوات المصرية حملة كبيرة على الأنفاق لتدميرها. ومنذ ذلك الحين، تصاعدت عمليات الهروب من غزة باتجاه إسرائيل بحثًا عن عمل، واعتقلت السلطات الإسرائيلية خلال عام 2015 ما يزيد عن 270 فلسطينيا، غالبيتهم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 17 إلى 25 عاما، فيما حاولت 3 عائلات بكامل أفرادها الفرار، ونجحت إحداها، واعتقلت الأخرتين من قبل أمن حماس الذي انتشر للتصدي لهذه «الظاهرة» الجديدة.
تنامي ظاهرة الشبان الراغبين في الهجرة هربًا من «جحيم غزة»
إغلاق المعابر وأمن حماس يقفان عائقين أمام تحقيق أحلامهم
فلسطينيات يتمشين على شاطئ البحر ويشاهدن قوس قزح في سماء غزة (أ.ف.ب)
تنامي ظاهرة الشبان الراغبين في الهجرة هربًا من «جحيم غزة»
فلسطينيات يتمشين على شاطئ البحر ويشاهدن قوس قزح في سماء غزة (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





