عودة سينما الغرب الأميركي بحلة جديدة

30 فيلمًا في 3 أعوام تؤكد أن الوسترن لم يمت

من «المنبعث»: البقاء للأقوى  -  سكوت إيستوود في «ديابلو»
من «المنبعث»: البقاء للأقوى - سكوت إيستوود في «ديابلو»
TT

عودة سينما الغرب الأميركي بحلة جديدة

من «المنبعث»: البقاء للأقوى  -  سكوت إيستوود في «ديابلو»
من «المنبعث»: البقاء للأقوى - سكوت إيستوود في «ديابلو»

لا تذكر أمام المخرج أليخاندرو غونزاليز إيناريتو أن فيلمه الذهبي «المنبعث» هو فيلم وسترن. لن يغضب منك، لكنه سينفي بشدّة ويؤكد لك أنه لا ينتمي إلى تلك السينما. لا ينتمي إلى أي نوع محدد، فهو دراما عن السعي للبقاء وهذا يمكن له أن يقع في أي مكان وفي أي زمان.
لكن «المنبعث» يسرد أحداثًا تقع في ولاية غربية هي وايومنغ. صحيح أنه لا يدور في بلدة يحكمها «شريف» ولا هو عن عصابة من القتلة يستأجرها أحد كبار قاطنيها لكي يطرد المزارعين من الأراضي التي يريد الاستيلاء عليها، ولا هو عن بطل يواجهه أو يسعى انتقامًا، لكنه يقع في الزمن الصحيح لسينما الغرب، فيه هنود، وفيه رجال مسلّحون بل فيه قلعة كتلك التي كنا نشاهدها في أفلام العسكر والهنود الحمر القديمة.
صحيح أن معالجة إيناريتو لسيناريو يحتوي على ذلك السعي الحثيث للبقاء حيّا في المجهول وعلى قمم جبال ثلجية تعيش فيها الذئاب والدببة والهنود الحمر، مختلفة عما يقدم عليه مخرج آخر يريد تحقيق فيلم نمطي من أفلام الوسترن، لكن المعالجة لا تحدد، إلا بقدر، لأي صنف يستطيع الفيلم أن ينتمي إليه. كذلك فإن هذه الخصائص المذكورة (هنود حمر، ثلج، جبال، دببة، ذئاب) وردت، على سبيل المثال، في فيلم سيدني بولاك «جيراميا جونسون» (1972) بطولة روبرت ردفورد والفيلم كان وسترن.
* ابن إيستوود
مع ظهور هذا الفيلم يصاحبه فيلم وسترن (لا نقاش فيه) هو «الكارهون الثمانية» لعاشق العصر كوينتين تارانتينو، يمكن ملاحظة وجود ردّة صوب هذا النوع من الأفلام التي كانت، إلى الستينات، خبز وملح السينما الأميركية. هناك عشرة أفلام وسترن عرضت في العام الماضي وبعضها يعرض حاليًا، إلى جانب أربعة أفلام نعلم أنها تنتظر العرض من النوع ذاته. وإذا ما شئنا التمحيص، فإن عام 2014 عرف سبعة أفلام وسترن وأحدى عشر فيلما تم إنتاجها وعرضها في عام 2013 ولو أن بعضها تم توزيعه في مطلع السنة التالية.
هذا مجموعه 32 فيلما (حصيلة ما نعرف) أغلبها وسترن غير مدموج مع أي نوع آخر، كالكوميديا أو الرعب، ينضح بحب للنوع مع سوء استخدامه في بعض الأحيان.
«المنبعث» و«الكارهون الثمانية» نفسهما، مصاحبان حاليًا بفيلم عنوان «السخفاء الستة» لفرانك كوراسي مع أدام ساندلر وتايلور لوتنر في البطولة. يدور حول رجل اكتشف أن لديه خمسة أخوة من خمس أمهات مختلفات كلهن من قبيلة هندية فيسعى معهم للبحث عن أبيهم. كعادة أفلام هذا النوع فإن المزيج يهدف لجذب جمهورين في آن واحد.
وهناك فيلم وسترن جاد آخر معروض بعنوان «ديابلو» من إخراج لورنس رووِك مع سكوت إيستوود في البطولة. سكوت إيستوود ليس سوى ابن كلينت إيستوود الذي بنى ما بناه من شهرة على سلسلة أفلام وسترن بدأت بمخرجين آخرين، من بينهم سيرجيو ليوني ودونالد سيغال وجون ستيرجز، ثم تخللتها أفلام وسترن من إخراجه هو حتى عام 1992 عندما أخرج وأنتج كما قام ببطولة «غير المسامَح».
«ديابلو» قريب في دكانة نبرته وحكايته من فيلم «جوال السهول العالية» (High Plains Drifter) سنة 1973 (كان أكثر أفلام إيستوود خروجًا عن صورة البطل المعهودة). في «ديابلو» حكاية مجند سابق في رحلة انتقام فوق ربوع كولورادو بحثًا عن ثلاثة مكسيكيين خطفوا زوجته. الأحداث ستؤكد أن هذا ليس إلا في باله، وأنه في الواقع قاتل ملبوس بالشر وذلك من خلال نقلة مفاجئة تودي الفيلم في متاهة خاسرة. بقدر ما بداية الفيلم جيّدة وقوية، بقدر ما النهاية بشعة وعدمية تلغي معظم حسنات الفيلم.
* غرب المسيسيبي
الثلوج سمة مشتركة بين «المنبعث» و«الكارهون الثمانية» و«ديابلو»: كم كبير منها في الأفلام الثلاثة و«المنبعث» و«ديابلو» تم تصويرهما في ولاية ألبرتا الكندية (جزئيًا بالنسبة لفيلم إيناريتو) التي مثلت ولاية وايومينغ في الفيلم الأول وكولورادو في الفيلم الثاني.
الأفلام الثلاثة المذكورة من تصوير عمالقة في ميدانهم: إيمانويل لوبيزكي («المنبعث») وروبرت رتشردسون («الكارهون الثمانية») ودين كَندي («ديابلو»)، وما تنجح هذه الأفلام في بعثه هو إلقاؤها نظرة على العالم الذي توقفنا عن التعرّف إليه منذ أن لعبت هوليوود بنوع «الوسترن» وصاغته مدموجًا بأعمال كوميدية ورعب («كاوبويز ومصاصو دماء») وحتى خيال علمي («كاوبويز وغرباء فضاء»).
المحاولة كانت نصف جادة وهدفت إلى تعزيز النوع المتراجع في الشعبية (الوسترن) بالنوع الرائج شعبيًا (الرعب والكوميديا خصوصًا) وبقي هذا المنوال سائدًا حتى السقوط الكبير الذي أنجزه فيلم غور فبربينسكي «ذا لون رانجر» قبل عامين عندما حدا التفاؤل بهوليوود لتمويل فيلم ضخم الإنتاج بميزانية 215 مليون دولار (كانت تكفي في الأربعينات لصنع 215 فيلما جيدا) لمجرد أن فربينسكي أنجز إيرادات كبيرة في سلسلة مُعادة بدورها هي «قراصنة الكاريبي». النتيجة ليست قرار الاستوديو المنتج «وولت ديزني» اعتبار الفيلم خاسرًا أكيدًا فقط، بل وبالاً على الممثل جوني دَب الذي كان من بين الطامحين لإضافة نجاح جديد فوق نجاحاته السابقة.
لكن النتيجة المادية لهذا الفيلم (وهو رديء فنيًا أيضًا) لا علاقة لها بعودة الوسترن من عدمها، لأن السبب في أنه لم يمت (ولو أنه في بعض الأحيان يبدو كما لو أنه يلفظ أنفاسه) هو وجود حلم لدى كثير من المخرجين الذين شاهدوا هذه الأفلام وهم صغار أو أدركوا ما احتلته من أهمية غابرة حين قرروا ذات يوم دخول العمل السينمائي. إن تحقق فيلم وسترن اليوم هو كل ما بقي من نوستالجيا حانية لا للغرب ذاته فقط، بل للنوع السينمائي بحد ذاته.
الكلمة ذاتها عنت منذ البداية كل ما هو غرب نهر المسيسيبي، لذلك فإن أفلام الأربعينات والخمسينات التي تداولت المعارك بين البريطانيين والفرنسيين في شرق وشمالي شرق أميركا، مثل «آخر الموهيكانز» (نقلت أربع مرات من الرواية إلى السينما آخرها سنة 1992 على يدي المخرج مايكل مان) لا تعتبر، تصنيفًا، أفلام وسترن.
وفي حين أن التضاريس الجغرافية والطبيعية شاركت في منح أفلام الغرب هذا الاسم، فإن الحكايات التي وردت في مجملها سبب آخر للتمييز. هذه هي أميركا البكر التي لم يتم اكتشافها كاملة إلا من بعد نحو 150 سنة على الاستقلال. الخرائط القديمة الأولى كانت تُظهر ولايات الشرق الأميركي وأعلاه الشمالي حتى نهر المسيسيبي الكبير. غرب ذلك النهر عبارة «أرض غير مكتشفة» وفي بعضها «أرض مجهولة». الانتقال إلى غربي النهر كان انفلاتًا من الشرق المثقّف صوب الغرب المتحرر وبأثمان باهظة مثل الحروب التي قضت على شعوب من المستوطنين الأصليين بكاملها، ومثل العصابات التي استولت على حياة المدن وأولئك الأفراد الذين واجهوها.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز