تونس.. خريطة التحالفات الجديدة

الأحزاب السياسية تستعد مبكراً للاستحقاقات الانتخابية

تونس.. خريطة التحالفات الجديدة
TT

تونس.. خريطة التحالفات الجديدة

تونس.. خريطة التحالفات الجديدة

مؤشرات عديدة توحي بأن خريطة جديدة للتحالفات السياسية في تونس هي الآن قيد التشكل استعدادا للاستحقاقات الانتخابية المقبلة. والحديث عن تحالفات انتخابية محتملة أصبح يطرح باستمرار، حيث دخلت أهم الأحزاب مرحلة الإعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة في ما يشبه حملة انتخابية مبكرة، باعتبار أن موعد الانتخابات لم يتحدد بعد.
ويجري اليوم في تونس حراك كبير داخل مختلف العائلات السياسية الرئيسة حول إمكانيات التحالف استعدادا للانتخابات المقبلة. وتعيش العديد من المدن التونسية خاصة العاصمة كل يوم أحد (وهو يوم العطلة الأسبوعية في تونس) حالة من التفاعل السياسي بتنظيم اجتماعات عامة كبرى للأحزاب السياسية لكسب ود الناخبين من الآن، وغالبا ما يقع التعرض خلال هذه الاجتماعات لمسألة الحلفاء المحتملين لهذا الحزب أو لذاك خلال المرحلة المقبلة.
خلفت انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2011 استنتاجات عديدة سواء بالنسبة للفائزين بها أو الذين حققوا فيها نتائج متواضعة، وحتى عند الذين لم يشاركوا فيها ويستعدون للمشاركة في الانتخابات المقبلة. ويمكن القول إن مختلف القوى تحاول اليوم الاستفادة من دروس انتخابات أكتوبر 2011.

* التركيز على جمع الأصوات المشتتة
يرى بعض المراقبين للوضع السياسي في تونس تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» أن سببين أساسيين سيدفعان عديد الأحزاب إلى التقارب وربما التحالف الانتخابي خلال الانتخابات المقبلة، أولهما النتائج التي أفرزتها انتخابات 23 أكتوبر 2011، والتي أظهرت أن نحو مليون ونصف المليون ناخب (ما يمثل ثلث عدد الذين اقترعوا في تلك الانتخابات) «ذهبت أصواتهم أدراج الرياح» بسبب العدد الكبير للقوائم التي خاضت غمار هذه الانتخابات سواء من الأحزاب أو من المستقلين، مما تسبب في تشتت الأصوات، علما بأن حركة النهضة الإسلامية التي فازت بهذه الانتخابات بحصولها على 89 مقعدا في المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان التونسي) من جملة 217 مقعدا، حصل مرشحوها على نحو مليون ونصف المليون ناخب، وهو نفس عدد الأصوات التي وصفت بأنها «ذهبت أدراج الرياح».
وظاهرة تشتت الأصوات هذه خلال الانتخابات السابقة هي واحد من الأسباب التي علل بها الباجي قائد السبسي، رئيس الحكومة الأسبق، قراره بعث «حزب نداء تونس» (ليبرالي) الذي لم يكن موجودا قبل انتخابات أكتوبر 2011، ليصبح هذا الحزب اليوم المنافس الرئيس لحركة النهضة، وفق ما تبينه مختلف عمليات سبر الآراء التي تنشر كل شهر في تونس، بنسب متقاربة جدا بينهما في نوايا التصويت للانتخابات المقبلة.
أما السبب الثاني الذي يتحدث عنه المراقبون فيتعلق بتطورات الوضع السياسي بالبلاد خاصة الأزمة الحادة التي عاشتها تونس عقب اغتيال محمد البراهمي عضو المجلس الوطني التأسيسي والقيادي في التيار الشعبي (حزب عربي قومي) في 25 يوليو (تموز) 2013. وهي الحادثة التي جعلت عددا من أبرز قوى المعارضة التونسية تلتقي على أرضية المطالبة باستقالة حكومة علي العريض وتعويضها بحكومة كفاءات مستقلة.
وقد برز حينها «الاتحاد من أجل تونس»، وهو عبارة عن جبهة سياسية تتكون من خمسة أحزاب من عائلات سياسية مختلفة، هي «حزب نداء تونس» وثلاثة أحزاب ذات توجهات يسارية هي «حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي»، و«حزب العمل الوطني الديمقراطي» و«الحزب الاشتراكي اليساري»، و«الحزب الجمهوري» (وسطي) الذي انسحب قبل أيام من هذا الاتحاد بسبب خلافات داخلية.
وقد كون «الاتحاد من أجل تونس» مع الجبهة الشعبية (تجمع لأحزاب يسارية وقومية عربية)، وعدد من جمعيات المجتمع المدني، ما يسمى بـ«جبهة الإنقاذ» التي بادرت الصيف الماضي بتنظيم ما يعرف بـ«اعتصام الرحيل»، للمطالبة باستقالة حكومة علي العريض.
السؤال المطروح اليوم يتعلق بما إذا كان «الاتحاد من أجل تونس» سيتحول من جبهة سياسية إلى جبهة انتخابية.. ولئن لم تحسم هذه المسألة بعد بشكل نهائي ورسمي فإن الاحتمال الأقرب هو أن تقدم الأحزاب المكونة لهذا الاتحاد قوائم موحدة، وهو أكده محسن مرزوق القيادي في «حزب نداء تونس» بقوله في تصريح إعلامي إن «الاتحاد من أجل تونس هو فعلا جبهة انتخابية». وأكثر من ذلك فإن هناك من يدفع باتجاه توسيع هذه الجبهة الانتخابية لتكوين حلف أكبر بين «الاتحاد من أجل تونس» و«الجبهة الشعبية». لكن عديد المراقبين يرجحون أن تخوض «الجبهة الشعبية» غمار الانتخابات المقبلة بمفردها.

* عين على تحالفات الخصوم
في الجهة المقابلة ورغم تأكيد عدد من قيادات حركة النهضة التي فازت بانتخابات أكتوبر 2011، فإن الحديث عن التحالفات الانتخابية «يظل سابقا لأوانه» خاصة أنه «لم تقع بعد المصادقة على القانون الانتخابي، ولا تحديد موعد الانتخابات المقبلة»، كما صرح بذلك مؤخرا نور الدين العرباوي القيادي بالحركة للقناة التلفزيونية الرسمية الأولى. فإن هذه القيادات أكدت أيضا أن «مجلس الشورى لحركة النهضة بصدد النظر في هذا الموضوع»، وفق ما قاله عبد الكريم الهاروني وزير النقل السابق والقيادي بالحركة، خلال اجتماع شعبي للحركة انتظم الأحد الماضي بمدينة «دوز» من محافظة «قبلي» أقصى جنوب العاصمة التونسية. كما أن الحركة أوحت أكثر من مرة على لسان بعض قيادييها بأن «احتمال التحالف مع أحزاب وسطية يبقى واردا».
بعض المراقبين الذين تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» يرون أنه أن «أحد هواجس حركة النهضة هو مراقبة ما يجري في الجبهة المقابلة بين خصومها السياسيين ومتابعة التحالفات التي قد تقام في مواجهتها». ويضيف هؤلاء أن استراتيجية «النهضة» قامت على «مد جسور التواصل مع كل الأحزاب التي لها إشعاع نسبي على الساحة السياسية وحضور إعلامي ولم تدخل في تحالفات معادية لها». تجدر الإشارة من جهة أخرى إلى أن الحركة عضو في «الائتلاف الوطني لإنجاح المسار الديمقراطي» الذي تم بعثه في سبتمبر (أيلول) الماضي، ويتكون من 12 حزبا جلها غير ممثل في المجلس الوطني، وقد يكون من بين هذه الأحزاب من ستتحالف معه الحركة في الانتخابات المقبلة، ليس من خلال تكوين قوائم مشتركة معها، بل مجرد دعم شخصيات في هذه الأحزاب خلال الانتخابات.
أما السؤال الأهم فيبقى حول موقف الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، وما إذا كانت ستدخل غمار الانتخابات أم أنها ستدعم قوائم النهضة خاصة أن أغلبها لم يكشف إلى حد الآن عن شكل مشاركته في الانتخابات المقبلة بصفة علنية، ولم يتحدث عن احتمال تحالفه مع حركة النهضة من عدمه رغم التقارب الفكري مع الحركة.
سؤال آخر يطرح نفسه بالنسبة لحركة النهضة، ويتعلق بكيفية تعاملها المستقبلي مع الأحزاب التي تحالفت معها بعد انتخابات أكتوبر 2011، وكونت معها الائتلاف الحاكم خاصة «حزب المؤتمر من أجل الجمهورية» الذي كان يتزعمه حينها المنصف المرزوقي الذي عاد إليه بموجب هذا التحالف منصب رئاسة الجمهورية. وكذلك «حزب التكتل من أجل العمل والحريات» الذي يتزعمه مصطفى بن جعفر الذي يترأس المجلس الوطني التأسيسي بفضل هذا التحالف أيضا، في حين عادت بموجب هذا التحالف رئاسة الحكومة التي تحتكر أهم الصلاحيات في السلطة التنفيذية لحركة النهضة قبل استقالة حكومة علي العريض وتعويضها بحكومة مهدي جمعة المستقلة.
في هذا الصدد يمكن القول إنه وإلى حد الآن لا تزال العلاقة بين حركة النهضة وهذين الحزبين جيدة ومتماسكة. كما أن التشاور بينهم تواصل في العديد من المسائل التي طرحت على الساحة السياسية، ولم يقم كل من حزب المؤتمر وحزب التكتل من أجل العمل والحريات حتى الآن بأي خطوة للتقارب مع «خصوم النهضة»، وهو ما يعتبره العديد من الملاحظين «مؤشرا على أن يساعد هذه الأحزاب على الالتقاء من جديد قبل الانتخابات المقبلة أو بعدها».
وتجدر الإشارة إلى أن حركة النهضة غالبا ما قدمت تجربة تحالفها مع أحزاب علمانية (حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب العمل من أجل الحوار والحريات) بعد انتخابات أكتوبر 2011 لحكم تونس على أنها تجربة فريدة من نوعها، وأنها مستعدة لإعادة التجربة سواء مع هذين الحزبين أو أحدهما أو مع أحزاب أخرى. لكن العديد من الملاحظين يرون أن هذا الأمر سيتحدد على ضوء النتائج التي سيحققها هذان الحزبان أو الأحزاب الأخرى التي لا «تعادي» النهضة.

* لا مفر من التحالفات قبل الانتخابات
هناك إجماع اليوم وسط الطبقة السياسية في تونس على أنه لا يوجد حزب سياسي يمكنه أن يحكم البلاد مستقبلا بمفرده. وقد أكدت هذا الانطباع مختلف عمليات سبر الآراء حول نوايا التصويت في الانتخابات المقبلة، والتي تبين أنه ليس هناك حزب في تونس يمكنه أن يحصل على الأغلبية بمفرده، وأنه لا مفر للأحزاب الكبرى من التحالف مع قوى أخرى سواء قبل الانتخابات أو بعدها لتكوين ائتلاف يحكم البلاد. كما تبين هذه الاستطلاعات أن بعض الأحزاب ورغم إشعاعها الإعلامي ووجود زعامات معروفة على رأسها لن تحقق نتائج جيدة في الانتخابات المقبلة بسبب تشتت الأصوات، وأن مهمة هذه الأحزاب قد تزداد صعوبة بسبب حالة الاستقطاب الثنائي بين كل من حركة النهضة وحزب نداء تونس والأحزاب القريبة منهما، وهو ما فرض على عدد من هذه الأحزاب التفكير في إقامة تحالفات سياسية وحتى انتخابية والحديث عن خيار ثالث.
وتجرى اليوم مشاورات بين عدد من هذه الأحزاب التي تصنف عادة على أنها وسطية للنظر في إمكانية تشكيل قطب ثالث لكسر حالة الاستقطاب الثنائي. ويتعلق الأمر بالخصوص بحزب التحالف الديمقراطي الذي يتزعمه محمد الحامدي، والحزب الجمهوري بقيادة كل من مية الجريبي وأحمد نجيب الشابي، والتيار الديمقراطي بقيادة محمد عبو، وحزب آفاق بقيادة ياسين إبراهيم وزير النقل في حكومة الباجي قائد السبسي، وعدد من الحركات السياسية الأخرى الأقل إشعاعا.
كما تحاول مجموعة من الأحزاب التي تصنف نفسها على أنها أحزاب من العائلة دستورية أو البورقيبية نسبة للزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الذي أسس الحزب الاشتراكي الدستوري للالتقاء في جبهة انتخابية موحدة. وتترأس بعض هذه الأحزاب شخصيات عملت مع بورقيبة وزين العابدين بن علي، مثل حامد القروي الوزير الأول الأسبق لـ«بن علي»، ونائب رئيس التجمع الدستوري الديمقراطي الذي وقع حله بعد يناير (كانون الثاني) 2011، والذي شغل أيضا مناصب وزارية مع بورقيبة. وكذلك كمال مرجان آخر وزير خارجية لتونس في عهد بن علي والذي يترأس «حزب المبادرة»، ومحمد جغام زعيم «حزب الوطن» والذي شغل عدة مناصب وزارية في عهد بن علي، فضلا عن بروز عدد من الحركات والأحزاب الدستورية الأخرى الأقل حجما والتي تضم بدورها شخصيات معروفة تحملت مسؤوليات سواء حكومية أو حزبية في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي أو بورقيبة. علما وأن «حزب نداء تونس» الذي يقوده الباجي قائد السبسي يقوم بدوره بمحاولة استمالة عدد من هذه الأحزاب البورقيبية أو الدستورية إما للانصهار في الحزب أو الالتحاق بتحالف «الاتحاد من أجل تونس». وتشهد الساحة السياسية التونسية هذه الأيام صراعا خفيا بين الباجي قائد السبسي وحامد القروي، عكسته التصريحات الإعلامية للرجلين أو للمقربين منهما والتي جاء بعضها في شكل تشكيك في «بورقيبية» أو «دستورية» هذا الطرف أو ذاك، وحتى في شكل اتهامات، حيث رأت قيادات من حزب نداء تونس في تحركات حامد القروي لتكوين جبهة من الأحزاب الدستورية أنها «موجهة بالأساس ضد حزب نداء تونس» ولـ«خدمة أجندات أحزاب أخرى» فهم العديد أن المقصود منها هي حركة النهضة.
وعموما يمكن القول إن الانتخابات المقبلة ستشهد تنافسا قويا بين قطبين رئيسين هما حركة النهضة وحزب نداء تونس، سواء خاض هذه الانتخابات بمفرده أو في إطار تحالف الاتحاد من أجل تونس، وثلاثة أقطاب أخرى من الصف الثاني إذا صح التعبير تمثلها الجبهة الشعبية والأحزاب الدستورية ذات المرجعية البورقيبية، وقطب ثالث يتكون من الأحزاب التي تسمى بالوسطية.
كما تجدر الملاحظة إلى أن هذه الحركية في مستوى الأحزاب السياسية للبحث عن تحالفات وتكوين جبهات تجري بالتزامن مع نظر لجنة التشريعات في المجلس الوطني التأسيسي في مشروع القانون الانتخابي الجديد الذي سيجري الاقتراع المقبل على أساسه، علما بأن هناك توجها لمعالجة ظاهرة تشتت الأصوات التي عرفتها الانتخابات السابقة، وسيكون ذلك خاصة على حساب ترشح المستقلين والأحزاب الصغرى، وهو ما سيدفع بالكثير منها إلى الدخول في تحالفات.
ويجري كذلك حديث كثير عن الفوارق المادية بين مختلف الأحزاب في الساحة السياسية التونسية وكذلك موضوع تمويل الأحزاب خلال الحملات الانتخابية، إذ يعتبر العديد من الملاحظين أن الإمكانيات المادية للأحزاب ستكون من بين العوامل الحاسمة في الانتخابات المقبلة، ويطرحون بالمناسبة وجوب الاعتماد على آليات قانونية واضحة لمراقبة مصادر تمويل الأحزاب والأموال التي ستنفقها في الحملات الانتخابية وتلك قضية أخرى مهمة في ملف الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في تونس.

* عدد قياسي من الأحزاب السياسية نخرت بعضها الانقسامات
* تونس: «الشرق الأوسط»
* يبلغ عدد الأحزاب السياسية اليوم في تونس أكثر من 150 حزبا. ولم يكن عدد الأحزاب القانونية قبل 14 يناير (كانون الثاني) 2011 تاريخ سقوط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي يتجاوز العشرة أحزاب.
ويبلغ عدد الأحزاب الممثلة في المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان التونسي) الذي وقع انتخاب أعضاءه في انتخابات 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، 26 حزبا، كثير منها ممثل في هذا المجلس بنائب واحد أو اثنين. ولا يتجاوز عدد الأحزاب الحاضرة بنشاطها المستمر على الساحة السياسية التونسية - ولو بشكل متفاوت - أكثر من عشرين حزبا أهمها حزب حركة النهضة (إسلامي)، الذي يتزعمه راشد الغنوشي والذي فاز بالمرتبة الأولى في انتخابات أكتوبر 2011 بحصوله على 89 مقعدا في المجلس التأسيسي من جملة 217 مقعدا وحزب نداء تونس الذي أسسه الباجي قائد السبسي بعد انتخابات أكتوبر 2011، وحزب التكتل من أجل العمل والحريات برئاسة مصطفى بن جعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي كان يرأسه محمد المنصف المرزوقي قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية، والحزب الجمهوري الذي تقوده مية الجريبي بصحبة أحمد نجيب الشابي، وحزب المسار الديمقراطي الاجتماعي (الحزب الشيوعي التونسي سابقا) ويقوده أحمد إبراهيم، وعدد من الأحزاب اليسارية والقومية التي كونت ما يعرف اليوم بالجبهة الشعبية وعلى رأسها حزب العمال الذي يترأسه حمة الهمامي فضلا عن عدد من الأحزاب الأخرى ذات المرجعية الإسلامية.
وتجدر الإشارة إلى أن عددا من الأحزاب التي حققت نتائج جيدة في انتخابات أكتوبر 2011 شهدت بعد ذلك انقسامات كثيرة. ويأتي على رأس هذه الأحزاب حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية»، حيث خرج من هذا الحزب القيادي عبد الرؤوف العيادي الذي أسس «حركة وفاء» وكذلك محمد عبو الذي كون حزب «التيار الديمقراطي». وكذلك الحزب الديمقراطي التقدمي، والذي أصبح يسمى اليوم بالحزب الجمهوري بعد أن غادره محمد الحامدي ليؤسس التحالف الديمقراطي، وكذلك مغادرة كثير من الأسماء المعروفة لحزب التكتل من أجل العمل والحريات والالتحاق بأحزاب أخرى وخصوصا بحزب نداء تونس، هذا فضلا عن تشتت كثير من الكتل النيابية الأخرى وخصوصا منها العريضة الشعبية التي يتزعمها الهاشمي الحامدي، القيادي السابق في حركة الاتجاه الإسلامي والتي أصبحت تسمى بـ«تيار المحبة».



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».