فضل شاكر.. من «أمير الرومانسية» إلى «مطلوب للإعدام»

مسيرة الفنان اللبناني الشهير صاحب الصوت العذب.. انقلبت خلال سنتين رأسا على عقب

فضل شاكر.. من «أمير الرومانسية» إلى «مطلوب للإعدام»
TT

فضل شاكر.. من «أمير الرومانسية» إلى «مطلوب للإعدام»

فضل شاكر.. من «أمير الرومانسية» إلى «مطلوب للإعدام»

من «أمير الرومانسية» إلى «مطرب متطرف مطلوب للإعدام».. هكذا يمكن اختصار مسيرة الفنان اللبناني صاحب الصوت الراقي والعذب فضل شاكر.
هذا التحول الجذري في حياته جعله يترك بصمة صادمة لدى جمهوره ومحبيه في لبنان والعالم العربي، فهو الذي يجمع عارفوه على أنه كان بعيدا كل البعد عن العنف والتعصب الديني، تحول خلال سنتين إلى متطرف لا يفارق الشيخ السلفي أحمد الأسير الداعي إلى «نصرة أهل السنة»، رافعا لواء الدفاع عن الثورة السورية.
شيئا فشيئا، بدأت مواقف شاكر تتصاعد مذهبيا وسياسيا على طريق الأسير، لتصل إلى التصويب المباشر على حزب الله اللبناني وأمينه العام حسن نصر الله الذي يدعم النظام السوري. أما الصدمة الكبرى فكانت في يونيو (حزيران) الماضي، إثر المعارك التي شهدتها صيدا (في جنوب لبنان) بين عناصر الأسير والجيش اللبناني، والتي انتهت بفرار كل من الأسير وشاكر إلى جهة مجهولة، وتحولهما إلى مطلوبين للعدالة، إلى أن أصدر الأسبوع الماضي، قاضي التحقيق العسكري الأول رياض أبو غيدا، قراره الاتهامي بملف حوادث عبرا طالبا الإعدام لهما ولـ55 آخرين. وفي رد منه على هذا القرار، علق شاكر، المتواري عن الأنظار، عبر موقع «تويتر» قائلا: «هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. هذا افتراء وظلم ما بعده ظلم، لم أقاتل ولم أقتل أحدا يوما ما». وفيما ترجح بعض المعلومات هروب كل من الأسير وشاكر إلى مخيم عين الحلوة الفلسطيني في صيدا، بات مؤكدا مقتل شقيق شاكر، عبد الرحمن، الذي كان يشغل منصب المسؤول العسكري لدى الأسير، الذي كان له الدور الأبرز في التبدل الذي طرأ على حياة أخيه.
ومنذ أحداث صيدا، لا يزال ظهور شاكر مقتصرا على مواقع التواصل الاجتماعي لا سيما «تويتر». وقد أطلق في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أنشودة بمناسبة «عيد الميلاد»، وأصدر بعدها بيانا، معلنا فيه عدم صلته بالحسابات التي تحمل اسمه، باستثناء واحد، لا سيما أن المزيفة منها تظهره في صورة المحرض على القتل والتفجيرات ومحاربة الجيش اللبناني. وقال شاكر إن إطلاقه الأنشودة جاء لتوضيح ما يحمله الدين الإسلامي من احترام للدين المسيحي. وختم بيانه: «أنا لست إرهابيا أو تكفيريا.. أنا لبناني مسلم، وحقي أن أعيش فيه بكرامتي، رافضا الظلم من أحد أو على أحد».
هذا التحول الذي طرأ على حياة شاكر، والذي وإن لاقى ردود فعل سلبية من عدد كبير من عارفيه وأصدقائه في الوسط الفني والشعبي في لبنان والدول العربية، لا يزال يشكل صدمة بالنسبة لبعض من عمل معه.. «منذ بدايته الفنية عرف شاكر برقته وكرمه ومحبته لأصدقائه من مختلف الطوائف. لم تكن يظهر عليه أي إشارات أو سلوك يعكس تعصبه أو تطرفه»، بهذه الكلمات يصفه ناصر الأسعد، قائد أوركسترا شاكر السابق، الذي رافقه منذ عام 1995 حتى عام 2010. فيما يعد الموزع الموسيقي بلال الزين صورة شاكر التي أظهرته مجرما أنها لا تمت إلى حقيقة هذا الفنان بصلة، مؤكدا «لا يمكنه أن يقتل صرصورا».
ويقول الأسعد لـ«الشرق الأوسط»: «فضل من أكرم وأطيب الأشخاص الذين عرفتهم في حياتي، لكنني أعتقد أنه ضحية الوضع السياسي والطائفي المتردي في لبنان. كان محبا وصادقا وصدوقا مع كل من حوله. معظم أصدقائه المقربين منه كانوا مسيحيين، ومدير أعماله كان كذلك. رغم أنه إنسان مؤمن، فإنه لم يكن يتعامل بطائفية أو تعصب مع أحد»، مضيفا: «التحول الأكبر في حياة شاكر بدأ يظهر في عام 2010، حين أعلن في برنامج (تاراتاتا) أنه سيعتزل الفن عندما ينتهي تعاقده مع شركة (روتانا)». ولا يخفي الأسعد انزعاجه وتأثره من هذا التحول في حياة صديقه وكذلك اعتزاله، وهو ما سبق له أن عبر له عنه مرارا خلال اللقاءات التي كانت تجمعهما، لافتا إلى أنه بقي على تواصل دائم مع شاكر، وكان آخر اتصال بينهما قبل ثلاثة أيام من أحداث صيدا، لكن شاكر كان يبدو مقتنعا وواثقا بما يقوم به رافضا كل ما هو عكس ذلك.
ويعزو سبب التطرف الذي وصل إليه شاكر في الفترة الأخيرة، إلى تأثير وضغوط نفسية ومعنوية ومذهبية تعرض لها من الذين حوله. وبتأثر وحزن يعبر الأسعد عن صدمته من رؤية صديقه في مشاهد لا تعكس حقيقة هذا الإنسان، وفق تعبيره، لا سيما تلك التي ظهر فيها حاملا السلاح، واصفا الفيديو الذي ظهر فيه يعلن عن مقتل اثنين من حزب الله، بـ«الخطأ الكبير».
بلال الزين، الموزع الموسيقي الذي تعاون مع شاكر في أعمال كثيرة حققت نجاحات مميزة، يقول: «ما وصل إليه شاكر هو نتيجة لما يحصل في لبنان، ومن الظلم تصويره مجرما بهذه الطريقة. لا يمكن الحكم على ما حصل انطلاقا من وجهة نظر شخصية، بل الأمر يتطلب تحقيقا شفافا لإظهار الحقيقة». واستنكر الزين الأصوات التي علت متهمة شاكر بـ«المجرم»، كما أبدى استغرابه من الصورة التي ظهر فيها شاكر وكأنه يفاخر بقتل شخصين، واصفا إياه بـ«الحساس والهادئ، وهو ليس عنيفا، ولا يمكن أن يكون كذلك». ويعرب عن اعتقاده أن «أمورا كثيرة أدت إلى استفزاز شاكر وإلى هذا التحول في تفكيره وحياته، لكن ما يمكنني قوله هو أن شهرته وامتلاكه المال انعكس عليه سلبا، ووقع في حفرة حفرت له».
وعلى الرغم من أن شاكر لم يكن عضوا في نقابة الموسيقيين أو الفنانين، فإن نقيبة الفنانين المحترفين في لبنان سميرة بارودي رأت أن «الفنان كأي شخص آخر حر في تصرفاته وخياراته السياسية والدينية. كما تعتزل بعض الفنانات وترتدي الحجاب، قرر شاكر الاعتزال، لكن ما نرفضه هو حمل السلاح»، مضيفة: «بصفتنا مواطنين لبنانيين نحن ضد أي شخص يحمل السلاح في لبنان، وهذا الأمر لا يمكن تبريره. فحماية الناس هي مسؤولية الدولة والجيش، وعلينا تركهما يقومان بمهمتهما كما يجب».
ويبدو واضحا أن نشأة شاكر (45 عاما) وتربيته في مخيم عين الحلوة في صيدا ساهمت إلى حد كبير في هذا التبدل، فهو الذي ولد من أم فلسطينية وترعرع بين أحياء المخيم مغنيا على أسطح مبانيه وفي أعراسه الشعبية، عاد وبعدما اعتلى أهم المسارح العربية والعالمية إلى بيئته الأولى، متخليا عن نجوميته وممتلكاته، وأهمها مطعم «ألحان» الذي كان يملكه في صيدا، ومنزله الفخم، ليسكن في إحدى الشقق فيما عرف بـ«المربع الأمني» التابع للأسير. وقبل «اختفائه» بفترة قصيرة، كان قد بدأ بحملة لمساعدة المدمنين على المخدرات في منطقته وتقديم الدعم المادي لهم ومعالجتهم في مراكز متخصصة.
حتى زواجه لم يكن عاديا، فهو الفنان الرومانسي.. اختار أن يطلب يد الفتاة التي كانت حاضرة في إحدى حفلاته بأن تطلب أغنية لجورج وسوف كموافقة منها على الزواج به، وكان له ذلك في عام 1989، وهو في سن العشرين.
حياته وتربيته الفقيرة التي سبق لشاكر أن تكلم عنها، شكلت في ما بعد مادة دسمة لمعارضي مواقفه السياسية، لا سيما المتطرفة منها، مما جعل بعض الأصوات ترتفع لإدانته، بحجة أنه فلسطيني ولا يحق له التدخل في السياسة اللبنانية، وهو ما نفاه مرات عدة، مؤكدا أنه لبناني ولكن له الشرف أن يكون فلسطينيا، وهو الأمر الذي جعل الرئيس الفلسطيني محمود عباس يمنحه جنسية فخرية، لتعود بعدها وتظهر مطالبات بسحبها منه.
ظهور شاكر للمرة الأولى بصورته الجديدة «ملتحيا سلفيا» كانت في شتاء عام 2012، وهو ما فاجأ الجميع، واستدعى ردود فعل متناقضة تبعتها شائعات كثيرة تفيد باعتزال شاكر، ليعود بعدها وينفيها، مؤكدا أن لديه رسالة عليه تأديتها، وبأنه سيغني للحصول على المال ودعم الثورة السورية. ولم يتردد في الدفاع عن السلفيين بالقول: «أؤيد السلفيين وأنا معهم، هم مسلمون ليسوا متشددين، بل تابعون للسلف الصالح وللنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)»، مضيفا: «كنت قد أعلنت أنني سأعتزل الفن لأنه محرم، لكن أؤمن بأنني أحمل رسالة لا بد من إيصالها قبل الاعتزال، وسأدعم الثورة السورية والنازحين السوريين وكل شخص مضطهد».
ومنذ ذلك الحين، توالت إطلالات شاكر، ومنها تلك التي أكد فيها اعتزاله، عبر حسابه الشخصي على موقع «تويتر»، قائلا: «انتصارا لنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، واعتذارا منا لتقصيرنا بحقه، أعلن اعتزالي من دون تردد أو رجوع، وذلك قربةً إلى الله عز وجل».
وفي نهاية يناير (كانون الثاني) 2013 أطل شاكر على قناة «روتانا خليجية»، عبر برنامج «لقاء الجمعة» متحدثا بشكل صريح ومباشر عن اعتزاله الفن، ومواقفه السياسية والدينية، مشيرا إلى أنه سيوظف صوته الجميل في الأناشيد الدينية، وشاركه في الحلقة الشيخ الأسير الذي قال إن فضل كان ولا يزال الداعم الأساسي والمباشر له ولأنصاره.
وفي الإطلالة نفسها لم يسلم الوسط الفني من انتقادات شاكر واصفا إياه بـ«الوسخ» وبأن قلوب الفنانين سوداء وأن الغيرة تسيطر على العلاقات فيما بينهم. وذكر أنه وصل إلى مرحلة صار يعد نفسه فيها شريكا في الدعوة إلى الإثم لإيقاع الناس بالمعصية، كونه كان يدعو في أغانيه إلى الحب والغرام. وأقسم بأن رصيده من أموال الفن بلغ 400 أو 500 ألف دولار، صرفت بشكل كامل، مشيرا إلى أن «أموال الفن تخلو من البركة»، وأكد أنه باع جميع العقارات التي كان يملكها من مدخول الفن باستثناء عقار واحد. وفي إطلالة ثانية على «قناة الرحمة»، في مارس (آذار) 2012، أعلن أن قرار الاعتزال كان نتيجة تردده على مسجد بلال بن رباح، والاستماع الجيد للشيخ الأسير، كاشفا عن تعرضه لعمليات تهديد من قبل النظام السوري ومن الموالين له في لبنان.
علاقة «شاكر - الأسير» تعمقت أكثر فأكثر مع التحركات السياسية و«الترفيهية» التي قام بها الأخير، حاملا لواء «الانفتاح على الآخر» ومواجهة سلاح حزب الله ودعم المعارضة السورية في الوقت عينه، قبل أن تصيبهما سهام الشائعات التي تمحورت حول خلافات مالية و«نسائية»، لافتة إلى خلاف بين الطرفين، وعزز هذه الفرضية مشاركة شاكر في مهرجان نظمته الجماعة الإسلامية في صيدا، الأمر الذي نفاه شاكر لاحقا، وأكده المسؤول السياسي لدى الجماعة الإسلامية في صيدا بسام حمود لـ«الشرق الأوسط»، قائلا: «علاقتنا بشاكر لم تتعد مشاركته في مهرجان صيدا حيث كان أحد المنشدين فيه». وفي حين أكد حمود ألا معلومات لديه عن مصير شاكر والأسير، لفت إلى أنه التقى شاكر مرة واحدة، وكان واضحا من سلوك الأخير أنه لا يملك الثقافة السياسية ويتكلم بعفوية بعيدا عن أي عمق أو خلفية سياسية، مضيفا: «وقدمت حينها نصيحة له بعدم التهور واعتماد أسلوب الإهانات الذي قد يؤدي به إلى الملاحقة القانونية، مهما كان الخلاف السياسي كبيرا مع أي طرف كان، وأبدى حينها تجاوبا، إلى أن فوجئنا بما حصل في عبرا».
وكان شاكر يتباهى بعلاقته مع الأسير من خلال نشره على مواقع التواصل الاجتماعي، عددا من الصور التي تجمعهما في مناسبات عدة، وهي تعكس مدى العلاقة التي كانت تربط هذا الثنائي. وكما في الاعتصامات واللقاءات السياسية في عدد من المناطق اللبنانية، كانت هذه الصور تظهر الاثنين وهما يلعبان «بينغ بونغ»، كما في رحلة التزلج إلى «فاريا» التي حملت بدورها علامات استفهام وأدت إلى مواجهات بين الأسير وأنصاره من جهة والقوى الأمنية وبعض أهالي المنطقة الذين وصفوا الزيارة بـ«الاستفزازية»، إضافة إلى ذهابهما إلى طرابلس في شمال لبنان، في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2012، لاستقبال جثامين اللبنانيين الذين سقطوا فيما عرف بـ«كمين تلكلخ» في سوريا.
ومن ضمن المواقف المؤيدة للثورة التي وصلت إلى أقصاها خلال الأشهر الأولى من عام 2013، كان مقطع الفيديو الذي ظهر فيه معلنا «عن تشكيل كتائب مقاومة حرة لنصرة أهل سوريا وتجهيز الشباب المسلم الذي يريد الدفاع عن أعراض المسلمات في سوريا»، مطالبا «الراغبين في تقديم الدعم المعنوي والمادي للجهاد في سوريا بالتواصل معه على بريده الإلكتروني».
لكن وفي شهر مايو (أيار) الماضي، خرق مطرب الرومانسية قرار اعتزاله بمشاركته في مهرجان « موازين» المغربي، معتليا المسرح ومغنيا العديد من أغنياته، من دون أن يتخلى عن «قضيته» في دعم المعارضة السورية، فإذا به يطلب فجأة من جمهوره أن يردد بعده «آمين» على بعض الأدعية التي أطلقها ضد بشار الأسد، مكررا مرات عدة «منك لله يا بشار» و«الله يدمر الأسد».
ومما لا شك فيه أنه كان لهذه المواقف الهجومية نتائجها السلبية على شاكر الذي لم يكن يتنقل في الفترة الأخيرة من دون مرافقين، وبدا ذلك واضحا من خلال الاعتداء الذي تعرض له منزله في صيدا، إثر معارك عبرا الأولى التي وقعت في 18 يونيو (حزيران) الماضي، بين حزب الله وأنصار الأسير، واتهم شاكر حزب الله وحركة أمل بتدبير هذا الاعتداء، وتوعد بالانتقام إذا لم يجر رد المقتنيات التي قال إنها تقدر بمليون دولار أميركي.
ورغم أنه كان قد عرض هذه الفيللا للبيع ليدعم بثمنها المعارضة السورية، فإنها لم تصمد طويلا، وأخذت نصيبها من الإحراق يوم اشتباكات عبرا في 23 يونيو الماضي، بعدما كانت قد صدرت بحقه في 8 يونيو الماضي، مذكرة توقيف بتهمة محاولته مع شقيقه قتل رجل الدين السني الموالي لحزب الله ماهر حمود، في مدينة صيدا.
أما ردود فعل جمهور شاكر لبنانيا وعربيا، فكان تناقضها واضحا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.. ففي حين لقي دعم جزء منهم، واصفين إياه بـ«البطل»، كان الجزء الأكبر له بالمرصاد، واصفين إياه بـ«الإرهابي»، بينما ردد بعضهم عبارة: «من التأثير إلى الأسير ونهايته الأسر».
لكن، ومهما كانت ردود الفعل حول تحول هذا الفنان الرومانسي إلى مقاتل، فإن مسيرته الفنية و«الاعتزالية» ستبقى، على خلاف غيره، راسخة في أذهان جمهوره؛ كل حسب وجهة نظره. فهو نجح على امتداد نحو 20 عاما، أن يرسم هوية خاصة به لم يستطع أحد منافسته عليها، وعندما قرر أن يتوقف عن الغناء لم يكن أيضا اعتزاله عاديا.. هو القائل: «فني لم يعد يشرفني»، وطالب جمهوره بعدم سماع أغنياته لأنه يشعر أنه يشارك في الإثم، ولا تكاد صورته ممسكا بيد الفنانة يارا في «فيديو كليب» أغنية «خذني معك»، تغيب عن ذاكرة محبي أغنياته الرومانسية وهم يشاهدون مطربهم في صورته الجديدة.



الحدود العراقية ــ السورية... وذكريات صيف 2014

شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)
شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)
TT

الحدود العراقية ــ السورية... وذكريات صيف 2014

شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)
شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)

شأن معظم دول المنطقة والإقليم، تسببت الأزمة السورية المتصاعدة في تراجع الاهتمام الرسمي والشعبي العراقي بالحرب التي تشنّها إسرائيل على غزة ولبنان، بعد أن كانت تحظى بأولوية قصوى، خصوصاً بعد التهديدات الإسرائيلية بتوجيه ضربات عسكرية ضد الفصائل المسلحة العراقية التي استهدفتها بأكثر من 200 هجمة صاروخية خلال الأشهر الماضية. وأظهر رئيس الوزراء محمد شيّاع السوداني، موقفاً داعماً للحكومة السورية في ظروفها الحالية منذ اليوم الأول للهجوم الذي شنَّته الفصائل السورية المسلحة وتمكّنت من السيطرة على محافظة حلب ومدن أخرى، إذ أجرى اتصالاً بالرئيس السوري بشار الأسد وكذلك الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وأكد دعمه لدمشق.

أعلن رئيس الحكومة العراقي محمد شيّاع السوداني، يوم الثلاثاء الماضي، موقفاً أكثر وضوحاً بالنسبة لدعم نظام دمشق، وذلك خلال اتصال - مماثل لاتصاليه مع القيادتين السورية والإيرانية - أجراه مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان.

ومما قاله السوداني إن «العراق لن يقف متفرجاً على التداعيات الخطيرة الحاصلة في سوريا، خصوصاً عمليات التطهير العرقي للمكوّنات والمذاهب هناك»، طبقاً لبيان حكومي.

كذلك شدّد الزعيم العراقي على أنه سبق لبلاده أن «تضرّرت من الإرهاب ونتائج سيطرة التنظيمات المتطرّفة على مناطق في سوريا، ولن يُسمَح بتكرار ذلك»، مؤكداً «أهمية احترام وحدة سوريا وسيادتها، وأن العراق سيبذل كل الجهود من أجل الحفاظ على أمنه وأمن سوريا».

محمد شياع السوداني (آ ف ب)

السوداني كان قد انهمك بسلسلة اتصالات خلال الأيام القليلة الماضية مع عدد من قادة الدول، بخصوص الوضع في سوريا؛ من «أجل دعم الاستقرار في المنطقة، وعدم حصول أي تداعيات فيها، خصوصاً مع ما تشهده من حرب إجرامية صهيونية مستمرة منذ أكثر من عام» بحسب بيان حكومي.

وأظهرت قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية موقفاً مماثلاً وداعماً لحكومة السوداني في مواقفها حيال سوريا، لكنها أعربت خلال اجتماع، الثلاثاء الماضي أيضاً، عن قلقها جراء الأوضاع في سوريا بعد «احتلال الإرهابيين مناطق مهمة» طبقاً لبيان صدر عن الاجتماع. وعدّت «أمن سوريا امتداداً للأمن القومي العراقي للجوار الجغرافي بين البلدين، والامتدادات المختلفة لذلك الجوار».

الحدود المشتركة مؤمّنة

للعلم، مع الشرارة الأولى لاندلاع الأزمة السورية، اتخذت السلطات العراقية على المستوى الأمني إجراءات عديدة «لتأمين» حدودها الممتدة لأكثر من 600 كيلومتر مع سوريا. وصدرت بيانات كثيرة حول جاهزية القوات العراقية وقدرتها على التصدّي لأي محاولة توغّل داخل الأراضي العراقية من قبل الفصائل المسلحة من الجانب السوري، مثلما حدث صيف عام 2014، حين تمكَّنت تلك الجماعات من كسر الحدود المشتركة والسيطرة على مساحات واسعة من العراق.

اللواء يحيى رسول، الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، أوضح (الثلاثاء) أبرز الإجراءات المُتَّخذة لتحصين الحدود مع سوريا. وقال في تصريحات صحافية إن «الحدود مؤمَنة ومُحكمة بشكل كبير من تحكيمات وتحصينات، وهناك وجود لقوات الحدود على خط الصفر الذي يربطنا مع الجارة سوريا مدعومة بالأسلحة الساندة والجهد الفني، المتمثل بالكاميرات الحرارية وأبراج المراقبة المحصّنة». وأضاف رسول: «لا خوف على الحدود العراقية، فهي مؤمّنة ومحكمة ومحصّنة، وأبطالنا منتشرون على طولها»، مشيراً إلى أنه «تم تعزيز الحدود بقطاعات من الألوية المدرعة وهي موجودة أيضاً عند الحدود».

أيضاً، وصل وفد أمني برئاسة الفريق أول قوات خاصة الركن عبد الأمير رشيد يارالله، رئيس أركان الجيش، يوم الأربعاء، إلى الشريط الحدودي العراقي - السوري. وذكر بيان عسكري أن «هدف الزيارة جاء لمتابعة انتشار القطعات الأمنية وانفتاح خطوط الصد».

غموض في الموقف

إلا أنه حتى مع المواقف الحكومية الداعمة لدمشق في أزمتها الراهنة، يبدو جلياً «الالتباس» بالنسبة لكثرة من المراقبين، وبالأخص لجهة شكل ذلك الدعم وطبيعته، وما إذا كانت السلطات الحكومية العراقية ستنخرط بقوة لمساعدة نظام الأسد عسكرياً، أم أنها ستبقى عند منطقة الدعم السياسي والدبلوماسي، تاركة أمر الانخراط والمساعدة الميدانية للفصائل المسلحة.

وهنا يلاحظ إياد العنبر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، وجود «التباس واضح حيال الموقف من الحدث السوري، وهذا الالتباس نختبره منذ سنوات، وليس هناك تمييز واضح بين العراق الرسمي وغير الرسمي». وتابع العنبر لـ«الشرق الأوسط» أن «مستويات تفعيل المساهمة العراقية في الحرب غير واضحة، وإذا ما قررت الحكومة البقاء على المستوى الدبلوماسي بالنسبة لقضة دعم سوريا، أم أن هناك مشاركة عسكرية».

غير أن إحسان الشمري، أستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، يعتقد بأن «العراق الرسمي عبَر عتبة التردّد، وبات منخرطاً في الأزمة السورية». وفي لقاء مع «الشرق الأوسط» بنى الشمري فرضيته على مجمل المواقف الرسمية التي صدرت عن رئيس الوزراء، والناطق الرسمي، وزعماء «الإطار التنسيقي»، وشرح قائلاً إن «هذه المواقف بمجملها كسرت مبدأ الحياد وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى الذي يتمسّك به العراق، إلى جانب كونها انخراطاً رسمياً عراقياً بالأزمة السورية».

نتنياهو غير مضمون

ولكن، بعيداً عن الانشغال الراهن بالأزمة السورية، ما زالت التهديدات الإسرائيلية بين أهم القضايا التي تشغل الرأي العام ببعدَيه السياسي والشعبي. وحتى مع الترحيب العراقي بقرار وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله»، ما زالت مخاوف البلاد من ضربة إسرائيلية محتملة قائمةً.

ولقد قال الناطق باسم الحكومة باسم العوادي، الأربعاء قبل الماضي، في تصريحات صحافية، إنه «مع عملية وقف إطلاق النار في لبنان، نحن أنهينا الجزء الأسهل، فالمعركة انتهت والحرب لم تنتهِ، فالأصعب أنك ستدخل بالمخططات غير المعلومة. ونحن (العراق) واقعون في المنطقة الحرام، لكن السياسة العقلانية المتوازنة استطاعت أن تجنبنا الضرر».

وأجاب، من ثم، عن طبيعة الرد العراقي إذا ما هاجمت إسرائيل أراضيه، بالقول: «إلى حد أيام قليلة كانت تأتي نتائج جيدة من المعادلات التي اشتغل عليها رئيس الوزراء، لكن رغم ذلك فلا أحد يضمن ما الذي يدور في بال حكومة نتنياهو، وما هو القادم مع الإدارة الأميركية الجديدة، وكيف سيتصرف نتنياهو».

وتابع العوادي، أن «الإسرائيليين عملوا على تفكيك الساحات، وتوجيه ضربات إلى اليمن وسوريا، لكن الطرف العراقي هو الوحيد الذي لم يستطيعوا الوصول إليه بفضل المعادلة... وقد يكونون وضعونا للحظات الأخيرة أو الأيام الأخيرة بنوع ما، وهذا وارد جداً، وتتعامل الحكومة العراقية مع ذلك».

شبح هجوم إسرائيلي

وحقاً، لا يزال شبح هجوم إسرائيلي واسع يخيم على بغداد، إذ تناقلت أوساط حزبية تحذيرات جدية من شنِّ ضربات جوية على العراق. وفي وقت سابق، قال مصدر مقرّب من قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية، لـ«الشرق الأوسط»، إنَّ «مخاوف الأحزاب الشيعية من جدية التهديد دفعتها إلى مطالبة رئيس الحكومة للقيام بما يلزم لمنع الهجمات». وأكَّد المصدر أنَّ «فصائل عراقية مسلّحة لجأت أخيراً إلى التحرك في أجواء من التكتم والسرية، وقد جرى بشكل مؤكد إبدال معظم المواقع العسكرية التابعة لها».

وفي سياق متصل، تتحدَّث مصادر صحافية عمَّا وصفتها بـ«التقديرات الحكومية» التي تشير إلى إمكانية تعرّض البلاد لـ«300 هجوم إسرائيلي». وفي مطلع الأسبوع الماضي، شدَّدت وزارة الخارجية العراقية، في رسالة إلى مجلس الأمن، على أهمية «تدخل المجتمع الدولي لوقف هذه السلوكيات العدوانية لإسرائيل».

كما أنَّه حيال التهديدات الجدية والخشية الحقيقية من عمل عسكري إسرائيل ضد البلاد، اهتدت بعض الشخصيات والأجواء المقرّبة من الحكومة والفصائل إلى «رمي الكرة» في الملعب الأميركي، مستندين بذلك إلى اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» المُوقَّعة منذ عام 2011، بين بغداد وواشنطن، وهو العام الذي خرجت فيه القوات الأميركية من العراق.

التهديدات الإسرائيلية من أهم القضايا التي تشغل الرأي العام العراقي

هادي العامري (رووداو)

العامري يلوم واشنطن

أيضاً، وجد هادي العامري، زعيم منظمة «بدر»، بنهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، الفرصة ليحمّل واشنطن مسؤولية حماية الأجواء العراقية، بعدما شنَّت إسرائيل هجوماً عسكرياً ضد إيران، مستخدمةً الأجواء العراقية في هجماتها. ويومذاك، حمّل العامري الجانب الأميركي «المسؤولية الكاملة» على انتهاك إسرائيل سيادة الأجواء العراقية في طريقها لضرب إيران. وقال، إن «الجانب الأميركي أثبت مجدّداً إصراره على الهيمنة على الأجواء العراقية، وعمله بالضد من مصالح العراق وشعبه وسيادته، بل سعيه لخدمة الكيان الصهيوني وإمداده بكل ما يحتاج إليه لممارسة أساليبه العدوانية، وتهديده للسلام والاستقرار في المنطقة».

وأضاف العامري: «لهذا باتت الحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى لإنهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق بأشكاله كافة». وللعلم، فإن منظمة «بدر» - التي يقودها العامري - وردت ضمن لائحة المنظمات التي اتهمتها إسرائيل بشنِّ هجمات ضدها خلال الشكوى التي قدمتها إلى مجلس الأمن في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وبناءً على تصريحات العامري السالفة، وتصريحات أخرى لشخصيات مقرّبة من الفصائل المسلحة وقوى «الإطار التنسيقي» الشيعية، تبلورت خلال الأسبوع الأخير، قناعة داخل أوساط هذه القوى مفادها، بأن واشنطن «ملزمة وبشكل مباشر بحماية الأجواء العراقية» من أي هجوم محتمل من إسرائيل أو غيرها، أخذاً في الاعتبار الاتفاقية الاستراتيجية الموقعة و«سيطرتها على الأجواء العراقية».

وبالتوازي، سبق أن حمّل فادي الشمري، المستشار السياسي لرئيس الوزراء، الولايات المتحدة، أيضاً وفقاً لـ«اتفاقية الإطار الاستراتيجي والاتفاقية الأمنية»، مسؤولية «الردع، والرد على أي هجمات خارجية تمسّ الأمن الداخلي العراقي».

الرد الأميركي قاطع

في المقابل، تخلي واشنطن مسؤوليتها حيال هذا الأمر. ورداً على المزاعم العراقية المتعلقة بـ«الحماية الأميركية»، قالت ألينا رومانوسكي، السفيرة الأميركية في بغداد، صراحةً إن بلادها غير معنية بذلك. وأردفت رومانوسكي، خلال مقابلة تلفزيونية سابقة، أن التحالف الدولي دُعي إلى العراق لـ«محاربة (داعش) قبل 10 سنوات، وقد حققنا إنجازات على مستوى هزيمة هذا التنظيم، لكنه ما زال يمثل بعض التهديد، ودعوة الحكومة العراقية لنا تتعلق بهذا الجانب حصراً. أما اتفاقية الإطار الاستراتيجي فتلزمنا ببناء القدرات العسكرية العراقية، لكنها لا تتطرق لمسألة حماية الأجواء والدفاع بالنيابة». ونفت السفيرة أن تكون بلادها قد «فرضت سيطرتها على سماء العراق».

والاثنين قبل الماضي، قالت رومانوسكي، خلال لقاء «طاولة مستديرة» لعدد من وسائل الإعلام: «أود أن أكون واضحة جداً، ومنذ البداية، بأن الإسرائيليين وجّهوا تحذيرات ردع للميليشيات المدعومة إيرانياً والموجودة هنا في العراق، التي تعتدي على إسرائيل». وأضافت: «هذه الميليشيات هي التي بدأت الاعتداء على إسرائيل. ولأكون واضحة جداً في هذه النقطة، فإن الإسرائيليين حذّروا حكومة العراق بأن يوقف هذه الميليشيات عن اعتداءاتها المتكررة والمستمرة على إسرائيل... إن رسالتنا إلى حكومة العراق هي أن تسيطر على هذه الميليشيات المنفلتة، والتي لا تعتد بأوامر الحكومة وأوامر القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء. إن إسرائيل دولة لها سيادتها، وهي سترد على أي اعتداء من أي مكان ضدها».

جدعون ساعر (آ ف ب)

 

حقائق

قلق عراقي جدّي من التهديدات الإسرائيلية مع مطالبة واشنطن بالتدخّل

خلال الأسبوع قبل الماضي، بعث وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر رسالةً إلى مجلس الأمن تكلّم فيها عمّا أسماه بـ«حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، وحمّل فيها الحكومة العراقية المسؤولية عن الهجمات التي تشنها الفصائل العراقية عليها، داعياً مجلس الأمن للتحرك والتأكد من أن الحكومة العراقية تفي بالتزاماتها. ساعر اتّهم بالتحديد «عصائب أهل الحق» و«كتائب حزب الله» و«ألوية بدر» وحركة «النُّجباء» و«أنصار الله الأوفياء» و«كتائب سيد الشهداء»، بمهاجمة إسرائيل، ومعظم هذه الفصائل مشاركة في الحكومة العراقية الحالية ولها نفوذ كبير داخلها. هنا، تجدر الإشارة إلى أنه سبق لرئاسة الوزراء العراقية توجيه وزارة الخارجية لمتابعة ملف التهديدات الإسرائيلية في المحافل الأممية والدولية وأمام هيئات منظمة الأمم المتحدة، واتخاذ كل الخطوات اللازمة، وفق مبادئ القانون الدولي، لحفظ حقوق العراق وردع تهديدات إسرائيل العدوانية. كذلك طالبت رئاسة الوزراء بـ«دعوة جامعة الدول العربية إلى اتخاذ موقف حازم وموحّد ضد تهديدات سلطات الكيان المحتل، يتضمن إجراءات عملية تستند إلى وحدة المصير والدفاع المشترك». وهذا بجانب «مطالبة مجلس الأمن الدولي بالنظر في الشكاوى المقدمة من جمهورية العراق ضد سلطات الكيان المحتل، واتخاذ إجراءات رادعة تكفل تحقيق الاستقرار والسِّلم الإقليمي والدولي»، وباتخاذ الولايات المتحدة مع العراق، من خلال الحوارات الأمنية والعسكرية ضمن إطار القسم الثالث من «اتفاقية الإطار الاستراتيجي»، خطوات فعالة «لردع سلطات الكيان المحتل» مع دعوة «التحالف الدولي والدول الأعضاء فيه إلى كبح هذه التهديدات والحدّ من اتساع رقعة الحرب».