أوكرانيا.. من يدفع الثمن؟

خيارات أميركا وأوروبا في التعامل مع طموحات {الدب} الروسي

أوكرانيا.. من يدفع الثمن؟
TT

أوكرانيا.. من يدفع الثمن؟

أوكرانيا.. من يدفع الثمن؟

لا أحد يعرف كيف يمكن أن تتطور الأزمة الأوكرانية، المتفائلون يعزفون على وتر الحلول الدبلوماسية والضغوط الأميركية والأوروبية ومجموعة العقوبات الاقتصادية التي يمكن أن تكون رادعا قويا لرد طموحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتجبره على التراجع عن مزيد من التحركات العسكرية وإشاعة الإضرابات في أوكرانيا.
والمتشائمون يرون أن الأزمة التي تعد الأسوأ أوروبيا، منذ حرب البوسنة والهرسك، يمكن أن تعيد مرة أخرى أجواء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وروسيا، بل يمكن أن تشعل لهيب حرب بين البلدين قد تتصاعد لحرب نووية حيث يملك كل من الولايات المتحدة وروسيا نحو 16.700 سلاح نووي.
وفي نظر المتشائمين يمكن أن تؤدي حرب نووية بين البلدين إلى نهاية العالم وانقراض الجنس البشري. لكن من غير المرجح أن ينتهي الأمر بحرب نووية أو تقليدية كما يقول أصحاب الرأي الوسط، لكن بزيادة جرعة التعاون بين روسيا وأوروبا والولايات المتحدة لتحقيق السلام في المنطقة.
ووسط هذه الأجواء تشتعل حرب التصريحات المتبادلة بين الجانبين والتهديدات والتأهب العسكري واستعراض القوة العسكرية، والتلويح بإجراءات رادعة، وكلها أمور تفتح الباب أمام سيناريوهات سيئة.
الأمر المؤكد حاليا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يجيد اللعب بأوراق التاريخ والجغرافيا والسياسة بطرق تضمن له تحقيق أطماعه التوسعية وضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا. فهو يتحكم إلى حد كبير في قواعد اللعبة، فالتصويت المقرر في السادس عشر من مارس (آذار) الجاري من المرجح أن يأتي لصالح ضم القرم لروسيا حيث يسيطر نواب من أصول روسية على نسبة كبيرة من البرلمان في شبه جزيرة القرم.
ومن المرجح أيضا أن يتلاعب بوتين في النتيجة لصالح ضم القرم إلى روسيا، والتي كانت جزءا من روسيا حتى نقل رئيس الوزراء السوفياتي (الأوكراني الأصل) نيكيتا خروتشوف تبعيتها لأوكرانيا عام 1954.
وتتوقع واشنطن هذه التطورات واستبقتها بعدة تصريحات عن مسؤولين أميركيين بأن التصويت لن يكون شرعيا بموجب القانون الدولي. وهدد الرئيس أوباما بأن أي تصويت بانفصال القرم من أوكرانيا والانضمام إلى روسيا سيكون خرقا للقانون الدولي.
والسؤال ماذا ستفعل واشنطن إذا صوت برلمان القرم لصالح الانضمام لروسيا، هل سيكون لواشنطن خيارات عسكرية تدرسها، وكيف تقنع بها الرأي العام والكونغرس. من جانب آخر فإن القيام بخطوة عسكرية أميركية من شأنه تعزيز ادعاءات بوتين - الذي يحظى بشعبية كبيرة بين القوميات الروسية في أوكرانيا - أنه يدافع عنهم ضد التدخل الغربي.
* المخاوف الأميركية الأوروبية
من المهم تحديد الهدف في التعامل مع الأزمة الأوكرانية، كما يرى خبراء السياسة، لأن استفزازات بوتين يمكن أن تؤدي إلى تقسيم أوكرانيا كحل لإنهاء الصراع حيث تخضع الأجزاء الشرقية لأوكرانيا (الموالية لروسيا) لسيطرة روسيا وتخضع الأجزاء الغربية (الموالية لأوروبا) للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، لكن مخاطر هذا السيناريو كارثية حيث يعيد مشهد مواجهة بين القوات الأميركية والروسية عند حدود تم تقسيمها بفرض الأمر الواقع.
يبدو أن بوتين يختبر تحركات واشنطن في رقعة شطرنج يملك فيها اليد العليا، وإذا نجحت خطته في السيطرة على شبه جزيرة القرم فإنه من المرجح أن يتحرك نحو أجزاء أخرى من أوكرانيا. وقد سبق لروسيا القيام بنفس التصرفات في جورجيا عام 2008 ووقتها قامت إدارة الرئيس بوش بإرسال البوارج الأميركية إلى البحر الأسود ومنعت موسكو من تحقيق أهدافها بالإحاطة بالحكومة المنتخبة في جورجيا.
مهلا.. يشير المحللون في واشنطن إلى أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي يملكون الكثير من أوراق اللعب لكن عليهم أولا الاتفاق على استراتيجية للتعامل مع هذه الأوراق. أولى تلك الأوراق هي الترسانة الأميركية المتنامية في إمدادات الطاقة والتي من المتوقع أن تجعل الولايات المتحدة أكبر مصدر للطاقة بحلول عام 2020. وبالاتفاق على خطة لتخفيض اعتماد الدول الأوروبية وبصفة خاصة أوكرانيا على الغاز الروسي فإن النفوذ الروسي سيتلاشى كما سيتأثر الاقتصاد الروسي بانخفاضات أسعار النفط والغاز إذا تبدل اعتماد أوروبا على استيراد الطاقة من الولايات المتحدة.
ويصف المحللون ورقة الطاقة بأنها ستقلب المائدة على بوتين الذي يستخدم ورقة الطاقة كسلاح للضغط على الدول الأوروبية وبصفة خاصة ألمانيا.
ويشير الخبراء إلى أوراق ضغط أخرى مثل فرض عزلة دبلوماسية على روسيا وتجميد الأصول وفرض قيود على منح تأشيرات سفر لطبقة رجال الأعمال الروس الذين يملكون مشاريع واستثمارات ضخمة في أوروبا
ويشير بعض المحللين إلى ضرورة أن تتماشى خطط العقوبات مع خطط لمساعدة أوكرانيا اقتصاديا، وخطط لإجراء مناورات عسكرية تعزيز الدفاع الجوي مع دول البلطيق.
وفي مقابلة تلفزيونية ببرنامج «واجه الصحافة» شدد ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي السابق على ضرورة قيام إدارة أوباما بالإبقاء على الخيارات العسكرية على الطاولة ردا على غزو روسيا لشبه جزيرة القرم. وقال «أشعر بالقلق عندما نبدأ في التعامل مع الأزمات وأول شيء نقوم به هو إسقاط خيارات من على الطاولة». وأضاف «عندما يقول (أوباما) لا خيار عسكريا في أوكرانيا فإن هناك خيارات عسكرية لا تنطوي على وضع قوات على الأرض في شبه جزيرة القرم».
واقترح تشيني استئناف العمل على أنظمة دفاع صاروخية في بولندا وجمهورية التشيك التي بدأتها إدارة الرئيس السابق جورج بوش، وأوقفتها إدارة أوباما منذ بضع سنوات، والقيام بمناورات عسكرية مشتركة في المنطقة وتوفير التدريب والمعدات للقوات الأوكرانية.
وأشار تشيني إلى قدرة الولايات المتحدة على مد أنابيب الغاز «كيستون اكي إل» دون تكلفة كبيرة مما يدعم صادرات الغاز الأميركي إلى أوروبا ويخفض من اعتماد الدول الأوروبية على الغاز الروسي.
وحذر نائب الرئيس الأميركي السابق من أن تردد إدارة أوباما في التعامل مع الأزمة السورية جعل الحلفاء أكثر تشككا في القدرة على الاعتماد على الولايات المتحدة والمشاركة معها في جهود دولية، وقال تشيني «لقد خلقنا صورة من الضعف والتردد (لأميركا) في جميع أنحاء العالم وليس فقط أمام الروس».
يقول الأستاذ بجامعة ميتشغان ملفين ليفيتسكي الدبلوماسي الأميركي السابق والخبير في العلاقات الأميركية الروسية إن روسيا انتهكت التزاماتها وفقا لميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر توجيه ضربات عسكرية من جانب واحد، وانتهكت اتفاق عام 1994 مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة الذي يحظر استخدام القوة في أوكرانيا مقابل تخلي أوكرانيا عن الأسلحة النووية السوفياتية.
وحول السياسة التي يمكن للولايات المتحدة اتباعها يقول ليفيتسكي «أعتقد أن الروس لديهم موقف أفضل من أوروبا الغربية والولايات المتحدة خاصة وهم ينظرون إلى الولايات المتحدة بعد أن خاضت حربين في العراق وأفغانستان ولا تريد خوض حر أخرى وقد بدا ذلك واضحا في الخط الأحمر الذي رسمه الرئيس أوباما بشأن سوريا. ويعتقد الروس أنهم يمكنهم الإفلات».
ويضيف «تستند الإجراءات التي اتخذها بوتين إلى إحساس خاطئ بالفخر والانتصار واستعادة أمجاد روسيا ويجب أن تأخذ واشنطن ذلك في حسبانها خاصة أن تطورات الأحداث تعرض حلفاء مثل جورجيا ومولدوفا والحكومة الأوكرانية الجديدة لمزيد من المخاطر ويجب أن تكون تلك الدول على استعداد للمواجهة، وتعتمد الحكومة الروسية على استراتيجية استفزاز لزيادة وتيرة التوتر العرقي في أوكرانيا، وإذا صعدت الولايات المتحدة الموقف بإرسال سفن حربية إلى البحر الأسود، أو وضعت خطا أحمر فإن تورطها في هذا الصراع سيصبح واجبا وليس مجرد خطوات استراتيجية».
وتشير الباحثة بالشؤون الأوروبية جودي ديمبسي بمعهد كارنيجي إلى أن قادة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عاجزون عن وقف روسيا ودفعها للتفاوض مع الحكومة المؤقتة في كييف خاصة بعد أن تجاهلت روسيا كافة الجهود الدبلوماسية الأوروبية.
وتقول «إن بوتين يسعى لكسب مزيد من الوقت لترسيخ قبضته على شبه جزيرة القرم والتمادي إلى ما هو أكثر من ذلك؛ إلى بولندا ودول البلطيق والسويد، ويمكن للاتحاد الأوروبي مقاطعة قمة دول الثماني وفرض قيود على تأشيرات السفر للمسؤولين الروس، وهي في أحسن الأحوال تدابير رمزية لكنها لن تغير الحقائق على أرض الواقع، والأفضل هو تجميد الأصول الروسية في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة».
وتؤكد الباحثة على ضرورة النظر بجدية لمثل هذه العقوبات وتحرك القادة الأوروبيين لتطبيقها بسرعة قبل أن تضيع شبه جزيرة القرم.
وفي مقال بصحيفة «واشنطن بوست» قال وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر (1973 - 1977) «كل المناقشات حول أزمة أوكرانيا تركز على المواجهة، لكننا لا نعرف أين نحن ذاهبون، وقد رأيت في حياتي أربع حروب بدأت بحماسة كبيرة وتأييد شعبي وجميعها لم نكن نعرف كيف ننهيها، وثلاث حروب منها انسحبنا من جانب واحد، والاختبار الحقيقي للسياسة هو الخاتمة وليس البداية».
يقول كيسنجر إن النقاش ليس هل تنضم أوكرانيا إلى الشرق أم إلى الغرب وإنما كيف يمكن بقاء أوكرانيا على قيد الحياة وأن تكون جسرا بين الشرق والغرب، مشيرا إلى أن أوكرانيا كانت جزءا من روسيا لعدة قرون وتملك تاريخا معقدا وتركيبة سكانية متعددة اللغات وأي محاولة من جناح واحد من أوكرانيا السيطرة على الآخرين من شأنها أن تؤدي إلى حرب أهلية وتعرقل أي احتمال لجلب روسيا والغرب إلى نظام دولي تعاوني.
ويضيف كيسنجر «على بوتين أن يدرك أن سياسة الإملاءات العسكرية من شأنها أن تنتج الحرب الباردة مرة أخرى وعلى واشنطن التعامل بصبر لفرض القواعد».
واقترح كيسنجر خطة يكون لأوكرانيا فيها حق الانضمام بحرية إلى التجمعات الاقتصادية والسياسية وحرية تشكيل حكومة يتوافق عليها الشعب الأوكراني تحقق سياسة المصالحة بين مختلف أجزاء البلاد، والضغط على روسيا للاعتراف بسيادة أوكرانيا على شبه جزيرة القرم، وإزالة أي غموض حول أسطولها في البحر الأسود. ورفض كيسنجر انضمام أوكرانيا لحلف الناتو.
ويرى زيباغو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق (1977 - 1981) أن مصير الأزمة الأوكرانية يعتمد على ما سيفعله فلاديمير بوتين في الأيام المقبلة، وتقديراته لما سيقوم به حلف الناتو والولايات المتحدة، وحساباته لرد فعل الشعب الأوكراني ضد تكرار أي عدوان روسي، وأيضا مدى ثقة الأوكرانيين في الاعتماد على الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.
ويقول بريجنسكي إن نجاح بوتين في ضم شبه جزيرة القرم قد يغريه بالتقدم أكثر في أوكرانيا واستغلال الاضطرابات السياسية في تحقيق مزيد من التقدم للقوات الروسية لقلب نظام الحكم في كييف، وستكون نتيجة مماثلة لما قام به هتلر في ميونيخ عام 1938 واحتلال براغ وتشيكوسلوفاكيا أوائل عام 1939.
ويؤكد مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق أن الأمر يتوقع على قدرة الغرب في إقناع «ديكتاتور الكرملين» أن حلف الناتو لا يمكن أن يقف صامتا إذا اندلعت حرب في أوروبا، لكن هذا لا يعني أن الغرب أو الولايات المتحدة ينبغي أن تهدد بالحرب لكن ينبغي الضغط على روسيا لكي تعترف بالحكومة الحالية لأوكرانيا وعلى الغرب مساعدة الجيش الأوكراني بما يعزز قدراته الدفاعية وألا يكون هناك مجال للشك أن أي هجوم روسي ضد أوكرانيا سيؤدي إلى اشتباك طويل ومكلف.
ويطالب بريجنسكي حلف شمال الأطلسي بالاستعداد بخطط طوارئ، ورفع حالة التأهب وإقامة جسور جوية لوحدات أميركية لأوروبا مما سيكون له مغزى سياسيا وعسكريا، وألا يكون هناك أي غموض لدى الكرملين أن أي تحرك سيكون مغامرة باستخدام القوة في وسط أوروبا، على أن يتوازى ذلك بجهود لتفادي أي حسابات خاطئة يمكن أن تؤدي إلى حرب والتأكيد على رغبة الغرب في إقامة علاقات هادئة مع روسيا ومساعدة أوكرانيا على التعافي اقتصاديا واستعادة الاستقرار سياسيا وطمأنة روسيا أن الغرب لا يسعى لضم أوكرانيا إلى الناتو أو تحويلها ضد روسيا.
وأعلن الناتو أول من أمس، إرسال طائرات استطلاع من نوع «أواكس» للقيام بمهمات استكشافية في أجواء بولندا ورومانيا، في إطار «مراقبة» الأزمة في أوكرانيا.
ويقول مسؤول في الحلف في بروكسل إن مجلس الحلف الأطلسي الذي يضم سفراء الدول الـ28 الأعضاء «قرر القيام بطلعات استطلاعية لطائرات (أواكس) فوق بولندا ورومانيا.. ستعزز قدرة الحلف على مراقبة الوضع» في أوكرانيا. و«ستجري فقط فوق أراضي» الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي، وبالتالي لن تحلق فوق أوكرانيا.
ويشعر الاتحاد الأوروبي بالقلق إزاء التطورات المتسارعة للأزمة في أوكرانيا، وما تقوم به روسيا وخاصة فيما يحدث حاليا في شبه جزيرة القرم.
وهناك أسباب كثيرة لهذا القلق، منها ما يتعلق بعوامل اقتصادية أو أمنية أو سياسية أو اجتماعية، ولكن في الوقت نفسه لا يزال يراهن التكتل الأوروبي الموحد على إمكانية إيجاد حل دبلوماسي للأزمة من خلال عملية تفاوضية سواء عبر التفاوض الثنائي بين روسيا وأوكرانيا أو من خلال آلية متعددة الأطراف.
وفي تصريحات لـ«الشرق الأوسط» تقول مايا كوسيانتيش المتحدثة باسم منسقة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي «نحن لا نزال نشعر بالقلق وسط تزايد التصعيد على الأرض، وتزايد الحشود الروسية العسكرية في شبه جزيرة القرم».
وتضيف «هناك تقارير تشير إلى عمليات ضرب واعتقالات وخطف لصحافيين وناشطين مدنيين وأيضا قطع قنوات التلفزة الأوكرانية من البث المباشر، إلى جانب عرقلة وصول مراقبين عسكريين غير مسلحين إلى شبه جزيرة القرم». وحول التعامل الأوروبي مع تلك التطورات تقول المتحدثة باسم كاثرين أشتون، إن هناك إصرارا على الحاجة إلى دخول روسيا في حوار مع أوكرانيا من أجل التفاوض بشأن حلول للخروج من الأزمة في ظل الاحترام الكامل للقانون الدولي وسلامة الأراضي الأوكرانية سواء كانت تلك المفاوضات في إطار ثنائي أو في إطار متعدد الأطراف. و«نحن في أوروبا مستعدون للمشاركة في هذه الآليات من أجل تحقيق نتائج ملموسة وتهدئة الوضع».
وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس حذر بفرض عقوبات جديدة على روسيا قد تبدأ خلال الأسبوع الحالي، في حال عدم تجاوب القيادة الروسية مع الاقتراحات الغربية لوقف التصعيد الأوكراني، ومن أبرزها إلغاء الاستفتاء على انضمام شبه جزيرة القرم إلى روسيا والمقرر له يوم الأحد المقبل.
فابيوس قال متحدثا لإذاعة «فرانس إنتر» «أرسلنا عبر (وزير الخارجية الأميركي) جون كيري اقتراحا للروس من أجل (وقف التصعيد) في أوكرانيا»، دون أن يوضح تفاصيل هذا المقترح. وتابع أن الروس «لم يردوا بعد وإن ردوا إيجابا، فسوف يتوجه جون كيري إلى موسكو، وعندها لن تكون العقوبات فورية. وإذا لم تحدث استجابة أو كان الرد سلبيا، فستكون هناك مجموعة عقوبات قد يجري فرضها اعتبارا من هذا الأسبوع».
وقال إن هذه العقوبات «ستتضمن تجميد أموال شخصية بحق روس وأوكرانيين وعقوبات تستهدف التنقلات على صعيد تأشيرات الدخول».
من جهتها تقول روسيا إن السلطات الأوكرانية الجديدة وصلت إلى الحكم بانقلاب على السلطة الشرعية، وإن واشنطن لم تبد الاستعداد للانضمام إلى المساعي الدبلوماسية التي من شأنها فتح قنوات حوار مباشر بين كييف وموسكو.
وتقول ألمانيا إن عدم استعداد الحكومة الروسية لتقديم تنازلات بخصوص الأزمة الأوكرانية سيؤدي إلى فرض مزيد من العقوبات ضد موسكو.
وذكر وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير في تصريح صحافي أن «روسيا إذا لم تكن مستعدة لتقديم تنازلات في الأزمة الأوكرانية فإن ذلك سيؤدي بالتأكيد إلى الوصول إلى مرحلة العقوبات». وأشار شتاينماير إلى أن العقوبات ستشمل قرارات بحظر السفر على شخصيات سياسية متورطة في الأزمة الأوكرانية بالإضافة إلى تجميد حسابات بنكية لهؤلاء الأشخاص.
ويرى الكثير من المراقبين والمحللين في بروكسل أن أوروبا تريد أن تظهر بصورة المراقب للموقف من بعيد وأنها لم تلعب أي دور في الأحداث فيما عدا دور الوساطة.
في غضون ذلك تواصل القوات الموالية لروسيا تعزيز سيطرتها على شبه جزيرة القرم الأوكرانية دون أي مقاومة، ويواصل الغرب والولايات المتحدة تحقيق التقارب مع حكام أوكرانيا الجدد، من خلال لقاء مرتقب لرئيس الوزراء الأوكراني الجديد أرسيني ياتسينيوك اليوم الأربعاء مع الرئيس باراك أوباما تلبية لدعوة من البيت الأبيض، دعوة تقول واشنطن إنها اعتراف بالدور المسؤول الذي لعبته الحكومة الجديدة في أوكرانيا.
وما زال الرئيس الأوكراني المخلوع فيكتور يانوكوفيتش يؤكد أنه الرئيس الشرعي لأوكرانيا والقائد الأعلى للقوات المسلحة، قائلا إنه يعتقد أنه سيتمكن من العودة قريبا إلى كييف.
ولا تبدي بعض المصادر الأوروبية الكثير من التفاؤل بإمكانية تراجع موسكو عن مواقفها، «هناك من يعتقد في أوروبا أن موسكو ستبذل كل جهدها لمنع أي تقارب مستقبلي لأوكرانيا سواء مع الاتحاد الأوروبي أو مع حلف شمال الأطلسي»، وعبرت عن قناعتها بأن الروس قد يلجأون إلى كافة الوسائل لتحقيق غرضهم، ولو كان ذلك على حساب وحدة أراضي أوكرانيا.

* احتجاجات أوكرانيا
* اندلعت المظاهرات في نوفمبر (تشرين الثاني) بدءا من كييف، بعدما رفض الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش اتفاقية تؤمن المزيد من التقارب الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي لصالح التقارب مع روسيا. لكن للأزمة جذورها، فأوكرانيا بلد متعدد الإثنيات والأعراق والأديان واللغات. وهو منقسم بين شرق يتكلم سكانه الروسية ويرون في روسيا بلدهم الأم، ويانوكوفيتش واحد من هؤلاء، وبين غرب يتكلم اللغة الأوكرانية ويدعو إلى الانضمام لأوروبا.
الانقسام إذن سياسي ثقافي اقتصادي ويجد عمقه في أزمة الهوية التي يعيشها البلد الذي نال استقلاله في عام 1991 بعد سقوط الاتحاد السوفياتي السابق.
ماذا لو اجتاحت روسيا أوكرانيا؟
من الصعب التكهن بما ستؤول إليه الأمور.. ولكن الحقائق على الأرض تقول الآتي:
* تَمد روسيا بـ31 في المائة من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز، 27 في المائة من واردات البترول الخام، 24 في المائة من واردات الفحم، و30 في المائة من واردات اليورانيوم. كما أن روسيا ثالث أهم مزود كهرباء للاتحاد الأوروبي.
* لكن هذه المعطيات لا تدل على تبعية اقتصادية أوروبية بحتة، حيث إن الاتحاد الأوروبي ليس فقط أكبر شريك اقتصادي لروسيا، بل يمثل كذلك سوقا استهلاكية لـ88 في المائة من الصادرات الروسية للبترول ولـ70 في المائة من صادراتها الغازية ولـ50 في المائة من صادرات الفحم.
* فضلا عن ذلك فإن صادرات الطاقة للاتحاد الأوروبي تشكل ما يجاوز 40 في المائة من ميزانية روسيا.
* نظرا للترابط الاقتصادي القوي بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، فمن الأرجح أن يعاني كلا الطرفين من خسائر اقتصادية جسيمة في حال ما تهورت روسيا وكثفت من وجودها العسكري في أوكرانيا، أو أسوأ من ذلك، إن قررت اجتياحها.
* لكن روسيا، عكس نظيراتها من الدول الأوروبية والولايات المتحدة، ستعاني، بالإضافة إلى التداعيات الاقتصادية، من عزلة في المجتمع الدولي، بدأت علاماتها تظهر من خلال تعليق تحضيرات قمة مجموعة الثماني التي كان من المرتقب أن تنعقد بسوتشي في حزيران (يونيو) المقبل.
* وجدير بالذكر أن بورصة موسكو هبطت بما يعادل 10 في المائة خلال أول يوم مداولات بعد تحركاتها العسكرية التي حدثت في الحدود مع أوكرانيا الأسبوع الماضي.
* ستُعد أي محاولة لاجتياح الأراضي الأوكرانية بمثابة اعتداء إمبريالي بحت سيؤدي إلى عزل روسيا من طرف المجتمع الدولي.
* عواقب اجتياح أوكرانيا قد تنعكس سوءا على المصالح الروسية بالداخل كذلك؛ حيث إن انتهاكها لسيادة أوكرانيا الجغرافية قد يشجع أقلياتها العرقية في مناطق مثل سيبيريا الشرقية، الغنية بمواردها المعدنية وأراضيها الزراعية الخصبة، على المطالبة باستقلالها.



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.