أسرار المطبخ المغربي

تعرف على أسسه ومكوناته والسبب الذي يجعله المطبخ الثاني عالميًا

أسرار المطبخ المغربي
TT

أسرار المطبخ المغربي

أسرار المطبخ المغربي

تكمن أهمية المطبخ المغربي بأنه خليط من المطابخ الأفريقية والإسلامية والمتوسطية والبربرية أو الأمازيغية والأندلسية، ولهذا يأتي في المرتبة الثانية عالميا وفي المرتبة الأولى أفريقيا وعربيا.
فقد أغنى اللاجئون الموريسكيون من إسبانيا بعد طرد المسلمين من البلاد وبدء محاكم التفتيش، هذا المطبخ، جالبين معهم شتى التقنيات وأنواع الأطباق الفاخرة المطعمة بالمآكل الأوروبية، على ما يقول الخبراء. وهذا الأمر ينطبق على اللاجئين العرب الذين جاؤوا إلى المغرب هربا من العباسيين في بغداد، وجلبوا معهم إلى المغرب كثيرا من الأطباق التي تجمع بين اللحم والفاكهة وخصوصا السفرجل والمشمش. وهذا كما هو معروف من مواصفات المطبخ الفارسي الممتاز والقريب من بغداد والذي يكثر من استخدام الفاكهة. وقد جلب المسلمون الفاتحون لا اللاجئون معهم أيضا كثيرا من أنواع التوابل والأرز وقصب السكر والرمان والحمضيات والباذنجان وغيره. كما لعب الرومان قديما دورا تاريخيا كبيرا في تأسيس هذا المطبخ، إذ جلبوا معهم خبرات زراعية كزراعة الكروم وفنون استخدام العنب ومشتقاته كما هو الحال مع الزيتون وعالمه. ويقال إن الطباخين الملكيين تاريخيا في كل من المدن الرئيسية مثل مكناس وفاس والرباط وتطوان ومراكش، هم الذين أسسوا لهذا المطبخ العظيم والفاخر.
وقد أسهم التنوع الطبيعي - الجغرافي والمناخي أيضا في إثراء المطبخ المغربي، إذ جمع بين المناطق الصحراوية الحارة والجافة والمناطق الباردة والساحلية والجبلية الخضراء، فتوفر السمك ولحم الغنم والبقر والدواجن والأعشاب والفاكهة والخضار بكثرة.
ولقد أقيمت لهذا المطبخ العظيم «المهرجانات، وخصصت له الجوائز» على حد تعبير لكبيرة التونسي.
ويقول التونسي إن المطبخ المغربي يتميز «في كونه ينفرد بمزج السكر والملح في بعض الوجبات، إضافة إلى استعمال بعض الفواكه كالتفاح والأناناس والإجاص، والبرقوق اليابس والتين المجفف، والزبيب في تحضير أو تزيين بعض الأطباق، وكذا استعمال بعض المكسرات، كاللوز مثلاً، كما يتميز باختلاف البهارات باختلاف كل أكلة، ولا يمكن الاستغناء عن السمن البلدي، وكذا الليمون المصبر (المصيّر) والزيتون المرقّد».
وحسب ما جاء في دراسة خاصة وممتعة وهامة في جريدة «المساء» المغربية هذا العام فإن هذه البهارات والتوابل منذ أيام الموحدين، تتميز بنوعين في المغرب، وهي صلبة ومائعة أو سائلة. وتعتبر فترة الموحدين أفضل الفترات التاريخية تحضرا وازدهارا في تاريخ المغرب بين القرنين الثاني والثالث عشر الميلادي، حيث شملت الدولة بعض أجزاء المغرب العربي وإسبانيا.
ومن هذه التوابل والبهارات الصلبة هي: «أنيسون (حبة حلاوة) - حبق قرنفلي (حبق) - زنجبيل (سكينجبير) - سذاب (فيجل) - زعفران - قطف (كطف) - سنبل - زعتر (صعتر) - قلب العصفر - فلفل (بزار) - قاقلة (قاع قلة) - رند (ورقة سيدنا موسى) - كراويا (الكروية) - كمون - مصطكى (مستكة حرة)- خولنجال (خودنجال)- قرنفل- رازيانج (بسباس)- صنوبر صحيح وصنوبر مدقوق - نيلج (نبات النيلة)- ورق الأترج (الأترج: ليمون لِيهُود)- حبوب الكزبرة (قزبور يابس)- صمغ عربي- كافور- مسك، العناب (الزفزوف)».
أما السوائل والتوابل المائعة فهي: «ماء الورد - خل خفيف- خل ثقيل- خل حاذق (أبيض)- ماء النعنع - مري- ماء الفيجن (الفيجل) - ماء التفاح - ماء التفاح المز (التفاح الحامض)- ماء البصل المعصور- ماء الزبيب - ماء رمانين - عصير رمان حامض - ماء الرازيانج (البسباس)- ماء السفرجل المعصور - ماء الإجاص - ماء القرع (الكرْعَة) المشوي- دهن اللوز الحلو (زيت اللوز) - دهن الجوز (زيت الكركاع) - دهن الورد (زيت الورد)».
ومن المكونات الأخرى والضرورية التي لا يستغنى عنها في لمطبخ المغربي هي: الأفاوية العطرة،، والدقيق، والسكر، والعسل، والزبد، والسمن (زيت الزيتون)، والحليب، والسميد، والملح، والزبيب، والنعناع، والثوم، والسمسم، والخميرة.
ومن الخضار التي يتكل عليها المطبخ المغربي منذ أيام الموحدين هي: الفطر، الفلفل، البصل، السبانخ، الملفوف، الكزبرة، الثوم، اللفت، اليقطين، الفول، الباذنجان، القرع، الهليون، الجزر، السلق والبقدونس وغيره. أما أنواع الفاكهة التي يمكن الاستغناء عنها فهي: التفاح، السفرجل، الرمان، الشمام، العنب، الإجاص، الخوخ، المشمش، الليمون، التين التوت، اللوز والجوز وغيره.
أما أشهر الأطباق المغربية فهي: الكسكس الذي عادة ما يقدم اللبن جانبه، والمسمنة، والتقلية، والقديد، والحريرة وهي أشهر أنواع الشوربة المغربية وهي أمازيغية المنشأ، الطنجية المراكشية، السفة بالدجاج (الكسكس المبخر)، المركاس، الفداوش (معجنات)، طاجين البرقوق وهو عبارة عن طبق من اللحم والخوخ، الرفيس أو الرفيسة التي تتألف من الخبز الجاف ولحم الطيور، والمروزية، والمسنة، ولحم رأس مفور الخاص بعيد الأضحى، والبسطيلة وهو أيضا الأمازيغية الأصل، والشباكية، والبرغير، والفول الأخضر بلحم الغنم، الإسفيريا أو الكفتة.
وتقول الكاتبة الأميركية باولا وولفرت المتخصصة في المطبخ المتوسطي، في فنونه وأطباقه وتقنياته في كاتبها «طعام المغرب» الذي فاز بجائزة «جيمس بيرد» لأفضل كتاب دولي عن الطبخ لعام 2012، إن هناك أربعة عناصر رئيسية لتشكيل أي شعب أو أمة مطبخ عظيم وهي: الغنى أي غنى الوطن أو الدولة، والتنوع الثقافي لهذا البلد، والتاريخ الحافل لهذا الشعب أو هذه الأمة من الناحية الحربية أو مغامراته الخارجية التي تمكنه من جلب كثير من الخبرات والتقنيات والمآكل من البلدان الأجنبية الأخرى، والحياة الملكية وحياة القصور التي تساهم في تطوير الأطباق والولائم وتنوعها (كان هذا يحصل في فاس ومراكش والرباط وعيرها)، وأخيرا عنصر الحضارة العظيمة لهذا الشعب، إذ إن هذا العنصر الأخير يصعب من دونه وجود مطبخ عظيم في أي مكان. وتضيف وولفرت التي تعتبر من أهم كتاب الطبخ في العالم حاليا، أن المغرب لحسن الحظ يجمع بين كل هذه العناصر.
وكانت شهادة وولفرت وكتبها عن المغرب والكسكس قد ساهمتا بشكل جدي في تعريف القارة الأميركية الشمالية بالمطبخ المغربي، وانتشار هذا المطبخ في جميع الولايات على نطاق واسع.
وقد ذكرت وولفرت في كتابها عددا من النصائح أو الخواص الأساسية للمطبخ المغربي وسبل تحضير أطباقه، وهي:
- تحضير ماء الزعفران وحفظه في مرطبان ضروري جدا إذا كان الفرد يطبخ كثيرا من الأطباق المغربية كما يفعل الطباخين في المغرب. فعادة ما يحضر هؤلاء الطباخون ماء الزعفران لأنه أرخص وتمنح البهارات الأخرى طعما ورائحة أعبق وأطيب وأفضل من استخدام بعض الخيوط الصغيرة من الزعفران. ويفضل أن توضع البهارات في ماء الزعفران قبل استخدامها في الطبق للحصول على أفضل النتائج.
ويمكن القيام بذلك وتحسين وتعميق أثر وطعم الزعفران، عبر تحميص خيوط الزعفران قليلا وطحنها قبل وضعها في مياه حارة (كوب من الماء لكل ملعقة شاي ونصف من الزعفران) وحفظها لاحقا في البراد. يمكن حفظ هذه الخلطة في البراد لمدة أسبوع. ويقال إن ملعقتي شاي صغيرتين من هذا الخليط تساوي رشة من الزعفران العادي أو الجاف. ويمكن حفظ الخليط وتجميده على شكل قوالب ثلج صغيرة، إذا كان الفرد يريد حفظه في البراد لأكثر من أسبوع. وفي هذه الحالة كل مكعب زعفران مجلد يساوي رشة زعفران جاف.
- تحمير وقلي البصل بسرعة قبل استخدامه في الطاجين والشوربة. وهذا عادة ما يحصل في تحضير كثير من أنواع الكاري، فتحمير البصل المفروم عبر قليه أو تبخيره أساس أي صلصة قبل إضافة بقية المقادير. وأفضل طريقة لذلك هي قلي البصل وتمليحه للتخفيف من رطوبته، ثم وضعه في قاع القدر مع بعض الماء والزيت قبل البدء بالطبخ.
- تقول وولفرت إن المغاربة يستخدمون البصل المجروش أو المبشور لتحضير صلصة الطاجين وحشو الخضار أو العجين. وعادة ما يتم برش البصل عل الشبكة ويتم غسل البصل المبشور أو تصفيته للتخفيف من قوة طعمه أو حدته والتخلص من الماء فيه بعصره. وهذه العملية تساعد على ذوبان البصل بسرعة وبشكل أفضل في الطاجين.
وفي حال التعامل مع كمية كبيرة من البصل، يمكن استخدام الخلاطة الكهربائية. ويفضل في هذه الحال فرم كل بصلة على حدة، غسل المبشور منها وتصفية الماء منه بعصره وتقسيم الكمية إلى كتلتين (كل كتلة نصف كوب من البصل المبشور)، وبعد ذلك يفضل لف البصل ووضعه في الثلاجة لوقت الحاجة.
- يفضل استخدام البندورة الكبيرة القليلة البذور والعصير للجرش أو البرش - ولا يجب أن يبقى بيد الفرد من البندورة إلا قشرتها عند الانتهاء من البرش والذي يفترض أن يتم باتجاه واحد.
- وحول كيفية حفظ البقدونس والكزبرة المفرومة في الثلاجة، تقول وولفرت إن أفضل طريقة هي الطريقة المحلية التي تستخدمها ربات البيوت في المغرب وهي طحن البقدونس أو الكزبرة بدل فرمها وتقطيعها، إذ إنه بهذه الطريقة يتم الحصول على خليط أو معجون أقوى الطعم من المفروم الناعم. وفي حال فرم البقدونس في الخلاطة الكهربائية يجب عصر المفروم منه والتخلص من مائه قبل وضعه في كتل صغيرة وتثليجه واستخدامه لاحقا في الطاجين والشوربة.
- يفضل أن لا يتم تحميص بذور الكمون لأن ذلك يقوي من طعمها ويجعلها صعبة المذاق، ولذلك يفضل طحن البذور من بعض الملح البحري الخشن في الجرن باليد حتى يصبح ناعما كالرمل.
- تنصح وولفرت الفرد باستخدام الكسكس المتوفر في المحلات التجارية هذه الأيام، ولا ترى أي مشكلة في ذلك.
- ليس هناك ضرورة لشرح عملية طبخ الكسكس عبر التبخير، لكن المغاربة لا يبخرون الكسكس فقط بل الفاكهة والخضار والباستا والحبوب للشوربة والسلطة ولتزيين أطباق الطاجين واليخنات.
وعادة ما يلجأ الطباخون إلى تبخير السفرجل والتفاح والإجاص ثم تحميرها أو تزجيجها بالزبدة مع العسل والسكر، مما يساعد على الاحتفاظ بشكلها ومذاقها الطيب قبل إضافتها إلى الطاجين أو فوق الكسكس. والأمر ذاته ينطبق على الخضراوات. وتنصح وولفرت بتناول اللحم على الفور بعد تبخيره، وإلا جف سريعا وصعب التلذذ به.
- وحول كيفية تقشير الحمص، تقول وولفرت إن أفضل طريقة مغربية هي نقع الحمص لمدة عشر ساعات، وبعد ذلك يجب التخلص من مائه قبل فرده على منشفة نظيفة ووضع منشفة أخرى فوقه واستخدام الشوبك عشر مرات على الأقل. وبعد ذلك يخسر الحمص معظم قشوره، ولكن للتخلص من القشور المتبقية يفترض إعادة الحمص إلى قدر يغلي وتركه فيه لمدة عشر دقائق أي حتى يطفو القشر المتبقي على سطح الماء ويتم التخلص منه.



أطباق من أجلها يسافر الذواقة حول العالم

سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
TT

أطباق من أجلها يسافر الذواقة حول العالم

سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)

لم تعد خريطة السفر تُرسم فقط حول المعالم التاريخية والشواطئ والمتاحف. ففي السنوات الأخيرة، أصبحت المطاعم والأطباق الشهيرة وجهات سياحية بحد ذاتها، وأصبح هناك مسافرون يخططون رحلاتهم حول تجربة طبق معين في مطعم لا يوجد إلا في مدينة معينة.

البيتزا هي أشهر طبق في نابولي (أ.ف.ب)

بالنسبة إلى هؤلاء الذواقة، لا تكفي صورة الطبق أو وصفه، ولا يمكن أن تحل نسخة أخرى منه في مطعم مختلف محل التجربة الأصلية. فهناك أطباق ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بمطاعمها وطهاتها ومدنها، حتى أصبح تذوقها جزءاً من برنامج السفر، وأحياناً سبباً رئيسياً وراء الرحلة.

من نيويورك إلى مودينا وبرشلونة وطوكيو وليما، هذه عشرة أطباق وتجارب غذائية أصبحت تستحق، بالنسبة إلى عشاق الطعام، رحلة كاملة.

تونة كارباتشيو: «لو بيرناندين» نيويورك

في نيويورك، يعد «Le Bernardin» من أشهر عناوين المأكولات البحرية الفاخرة. ومن الأطباق التي ارتبطت بالمطعم «تونة كارباتشيو»، حيث تقدم شرائح التونة الرقيقة بطريقة تبرز جودة المكون الأساسي وتوازن النكهات.

بالنسبة إلى عشاق المأكولات البحرية، تمثل زيارة المطعم فرصة لتجربة فلسفة الشيف إريك ريبير التي تقوم على احترام المكونات البحرية وعدم إغراقها بالتعقيد.

حساء توم يام الشهير في بانكوك (بيكسيلز)

وهنا يتحول الطبق إلى جزء من هوية المكان، وليس مجرد عنصر في قائمة طويلة.

لازانيا: «أوستيريا فراتشيسكانا» مودينا (إيطاليا)

في مودينا الإيطالية، أعاد الشيف ماسيمو بوتورا تعريف العلاقة بين الطعام والذاكرة. ومن أشهر أفكاره طبق «الجزء المقرمش من اللازانيا»، الذي يستلهم الجزء الذي يحبه كثيرون من اللازانيا التقليدية: الأطراف المقرمشة.

قد يبدو الطبق بسيطاً، لكنه يعكس فلسفة المطعم في إعادة تفسير الأطباق الإيطالية المعروفة بأسلوب معاصر. ولذلك أصبح من التجارب التي يبحث عنها الزوار الذين يضعون المطعم على قائمة رحلاتهم إلى إيطاليا.

تجربة الطعام في «ديسفروتار» برشلونة

في برشلونة، أصبح مطعم «Disfrutar» من أهم العناوين العالمية لعشاق المطبخ المعاصر. المطعم الذي تصدر قائمة أفضل مطاعم العالم عام 2024 لا يعتمد على طبق واحد فقط، بل على تجربة تذوق متكاملة.

بعض ابتكاراته أصبحت معروفة عالمياً، وتحولت طريقة تقديم الطعام فيه إلى جزء من التجربة السياحية نفسها. الزائر لا يأتي فقط لتناول العشاء، وإنما لخوض تجربة يصعب العثور على نسخة مماثلة لها في مكان آخر.

السوشي في طوكيو

في اليابان، يمكن أن يكون السوشي نفسه سبباً كافياً للسفر. لكن التجربة تختلف جذرياً عندما يكون الهدف تناول السوشي في مطعم عالمي.

بط بيكين الشهير في الصين (غيتي)

في طوكيو، ترتبط قيمة التجربة بالدقة، وجودة الأسماك، ومهارة الشيف، وطريقة التعامل مع الأرز والصلصة ودرجة الحرارة. ولهذا يسافر عشاق السوشي إلى العاصمة اليابانية ليس فقط من أجل الطعام الياباني، وإنما من أجل تجربة طريقة تقديمه في موطنه.

بيتزا نابولي (إيطاليا)

هناك أطعمة لا تحتاج إلى تعريف، والبيتزا النابولية واحدة منها. لكن الذواقة يعرفون أن تناول البيتزا في نابولي يختلف عن تناولها في أي مكان آخر.

فزيارة المدينة الإيطالية تمنح السائح فرصة لتذوق البيتزا في بيئتها الأصلية، حيث أصبحت طريقة إعداد العجين والخبز والمكونات جزءاً من التراث الثقافي للمدينة.

ولهذا تحولت بعض مطاعم البيتزا التاريخية في نابولي إلى محطات ثابتة في برامج عشاق الطعام الذين يزورون المدينة.

«بكين داك» في بكين (الصين)

يُعد بط بكين من أشهر الأطباق الصينية التي ارتبطت بالعاصمة الصينية. ويأتي الزوار إلى مطاعم متخصصة بحثاً عن التجربة التقليدية التي تشمل تحضير البط، وطريقة تقطيعه وتقديمه مع الفطائر الرقيقة والمكونات المصاحبة.

هنا لا يتعلق الأمر بطبق فقط، وإنما بطقس كامل حول الطعام، وهو ما يجعل التجربة جزءاً من اكتشاف ثقافة المدينة.

سيفيتشي في ليما (البيرو)

في ليما، أصبح السيفيتشي رمزاً للمطبخ البيروفي الحديث. السمك الطازج المتبل بالحمضيات والفلفل والمكونات المحلية يقدم تجربة مرتبطة مباشرة بالمحيط الهادئ وثقافة الطعام في بيرو.

ولهذا أصبحت المطاعم البيروفية الراقية وجهة مهمة للزوار الذين يريدون فهم المطبخ المحلي من خلال أطباقه الأساسية، وليس فقط تناول وجبة عابرة.

«نوما» في كوبنهاغن

في كوبنهاغن، قدم مطعم «Noma» مفهوماً مختلفا للسياحة الغذائية، حيث أصبحت المكونات المحلية والموسمية جزءاً من قصة الرحلة.

لم يكن الهدف دائماً تقديم طبق يعرفه الزائر مسبقاً، وإنما اكتشاف النكهات والمكونات التي تعبر عن البيئة الاسكندنافية. وهكذا أصبحت زيارة المطعم بالنسبة إلى كثير من الذواقة تجربة ثقافية بقدر ما هي تجربة غذائية.

حساء «توم يام» في بانكوك

في بانكوك، تمثل أطباق المطبخ التايلاندي عامل جذب للسياح من جميع أنحاء العالم، ومن بينها حساء «Tom Yum» الشهير، الذي يجمع بين الحموضة والحرارة والأعشاب العطرية.

وتزداد قيمة التجربة عندما يتناول الزائر الطبق في مطعم محلي معروف، حيث ترتبط النكهات بالمكونات والتقاليد الغذائية التي يصعب فصلها عن البيئة التايلاندية نفسها.

«تاكوس» في مكسيكو سيتي

أما في مكسيكو سيتي، فأصبح التاكو أحد رموز ثقافة الطعام في المدينة. وبين المطاعم الراقية وأكشاك الشوارع، يبحث المسافرون عن أماكن بعينها لتجربة أنواع محددة من التاكو. واللافت أن السياحة الغذائية هنا لا ترتبط بالمطاعم الفاخرة فقط. فقد يكون كشك صغير في شارع مزدحم مقصداً لآلاف الزوار لأنه يقدم طعاماً ارتبط بالمدينة وتناقل الناس شهرته عبر الأجيال ووسائل التواصل الاجتماعي.

القاسم المشترك بين هذه التجارب هو أن الطعام لم يعد مجرد خدمة تقدم للسائح بعد وصوله إلى وجهته. بل أصبح في بعض الحالات دافعاً للوصول إلى الوجهة نفسها. ويؤدي تصنيف المطاعم والجوائز العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في هذا التحول. فصورة طبق مميز أو مراجعة من مسافر معروف يمكن أن تجعل مطعماً صغيرا على خريطة مدينة ما مقصداً لزوار من قارات مختلفة.


مطاعم ترتقي بمفهوم «صفر نفايات» إلى مستويات جديدة

حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)
حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)
TT

مطاعم ترتقي بمفهوم «صفر نفايات» إلى مستويات جديدة

حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)
حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)

من ابتكار حلوى «كانيليه» بالكافيار، مروراً بتحويل عظام السمك إلى شمعدانات للطاولة، وصولاً إلى إعادة استغلال العظام في صناعة مستحضرات التجميل، يتجسد هنا المعنى الحقيقي للاقتصاد الدائري.

في الوقت الراهن، يتجه الطهاة إلى استخدام الموارد بشكل أكثر ذكاءً وكفاءة، بهدف تحسين تجربة الضيوف، بدلاً من الانتقاص منها. وتستعرض «رابطة المطاعم المستدامة»، خمسة مطاعم مميزة جعلت من مفهوم الدائرية مكوناً أساسياً في قوائمها.

سانت بيتر - سيدني

من خلال افتتاح «متجر تقطيع الأسماك» عام 2018 ليعمل جنباً إلى جنب مع مطعمه في سيدني، أعاد الطاهي ورجل الأعمال جوش نيلاند تعريف التعامل مع الأسماك، باعتبارها كائناً يُقطّع بالكامل، لا مجرد شرائح. ويجري نقل كل سمكة إلى هذا المكان المبتكر لتقسيمها إلى ما بين 20 و40 جزءاً مختلفاً، من الأعناق إلى الأضلاع والكبد والبيض والمعدة والدهون وحتى العظام، ولكل منها استخدام محدد.

ويُظهر هذا النهج كيف يمكن للتقطيع الواعي أن يحوّل ما كان يُعد سابقاً مجرد نفايات، إلى أطباق لذيذة ومبتكرة، مع تعزيز الإبداع عبر الاستخدام المدروس للموارد.

أما الأجزاء المتبقية فيجري تحويلها إلى برغر السمك ولازانيا وفطائر تُباع في المتجر. وحال عدم استخدامها لصنع مرق غني بالنكهة في أطباق مثل حساء المرجان الصافي، تُجفف العظام وتُرسل إلى خزّاف محلي، لاستخدامها في صنع طلاء لأطباق يدوية الصنع. كما تُحفظ الدهون بعناية لتُستخدم، في وقت لاحق، في صناعة شموع من دهن السمك تُباع عبر المطعم.

وتتضمن القائمة أطباقاً مبتكرة، مثل لحوم الأسماك المعالجة، ونقانق التونة الحارة، ولحم بطن سمك أبو سيف المدخن. وحتى الحلويات لا تخرج عن هذا النهج؛ إذ يمكن للضيوف إنهاء وجبتهم بحلوى مصنوعة من نخاع عظام التونة، أو «كانيليه» بالكافيار، أو كعكة محشوة بكريمة مستخلصة من السمك مع مربى التين والشوكولاته البيضاء.

أتولييه كرين - سان فرانسيسكو

في حي «كاو هولو» بمدينة سان فرانسيسكو، صُممت قائمة التذوق متعددة الأطباق لدى الشيف دومينيك كرين لتجسيد مفهوم التدوير، حيث تتحول المنتجات الثانوية من كل طبق إلى مكونات جديدة في طبق آخر. كما تُستخدم قشور الروبيان وسرطان البحر لصنع المرق، ويُضاف سائل المحار لتعزيز النكهة، ويُعاد توظيف الخبز القديم في إعداد الحساء أو المثلجات، بينما تُستخدم قشور الجبن لإضفاء نكهة على أطباق الحساء.

وقد مكّن برنامج التخمير الذكي في المطبخ من إطالة عمر المكونات الموسمية، وضمان الاستفادة القصوى منها، مع إضافة نكهات قوية في الوقت نفسه. ومن خلال تحويل الفائض من المنتجات وبقايا الخضراوات إلى خلّات وخضراوات مخمرة وصلصات، يحافظ المطبخ على مرونته وإبداعه. أما ما يتبقى من نفايات غذائية، فيجري تحويله إلى سماد في مزرعة محلية تُزرع فيها منتجات المطعم.

كما يتعاون المطعم مع مشروع بيئي لإعادة تدوير أصداف المحار، وإعادتها إلى خليج سان فرانسيسكو، ما يحد من النفايات ويُسهم في تحسين جودة المياه والتنوع الحيوي، فضلاً عن دعم استعادة قاع البحر والشعاب.

بان تيبا - بانكوكفي مطعم «بان تيبا»، تُعاد تدوير جميع النفايات العضوية أو تُحوّل إلى سماد، بدلاً من إرسالها إلى مكبّات النفايات.

يُقدّم مطعم «بان تيبا»، في بانكوك، مثالاً رائعاً على كيفية تصميم أنظمة خالية من النفايات، حتى في أرقى المطابخ. فقد أُعيد تصميم سير العمل في المطبخ بوعي تامّ للتعامل مع المنتجات الثانوية باعتبارها مكونات أساسية، لا باعتبارها نفايات.

من خلال دمج مبدأ الاقتصاد الدائري في صميم العمليات اليومية، نجح المطعم في التخلص نهائياً من النفايات العضوية، التي تُرسل إلى مكبّات النفايات. أما المواد التي لا يُمكن إعادة تدويرها، فيجري تحويلها إلى سماد وتُعاد إلى تربة حديقة المطعم، مُغلقةً بذلك حلقة التغذية.

وتضمن تصميم هذا النظام الغذائي، استحداث وظيفتين داخليتين مُتخصصتين لتمكين الاستخدام الأمثل لكل مُكوّن: يتولى أحد أعضاء الفريق عملية التخمير، بينما يُجري آخر أبحاثاً وتطويراً لإيجاد طرق جديدة لاستخدام فائض الطعام. واليوم، تُخمّر بقايا الفاكهة لتُصنع منها أنواع من الخل والكومبوتشا. كما تُعالج سيقان الأعشاب لتُصنع منها زيوت وصلصات ومساحيق؛ وتُستخدم بقايا الثوم والبصل في صناعة التوابل. وحتى زيت الطهي المُستعمل يُمكن تحويله إلى وقود حيوي.

بالنظر إلى بطء تحللها، انطوت أصداف المأكولات البحرية على تحد خاص، لكن الفريق رأى في ذلك فرصةً لابتكار شيء فريد. وبالتعاون مع فنانين محليين، حوّلوا هذه المواد إلى شمعدانات رائعة تُستخدم الآن باعتبارها قطعاً مركزية على المائدة، تعكس بجمال ما يُقدّم في الطبق وتُذكّرنا بأصول طعامنا الثمينة.دون خوليو - بوينس آيرس

يُقدّم مطعم «دون خوليو»، الذي تُديره عائلة، أطباقاً تحتفي بالمطبخ الأرجنتيني، حيث يُقدّم لحم بقر مُربّى بطرق مستدامة، مقترناً بنبيذ محلي ومنتجات من مزرعة المطعم خارج بوينس آيرس. حصل «دون خوليو»، إلى جانب مطعمه الشقيق «إل بريفيريدو»، على شهادة الختم الأخضر عام 2021، ليصبح المطعم الوحيد في المدينة الذي يحصل عليها. وجرى تصميم شهادة «الختم الأخضر» لتدريب ودعم وتنظيم وتكريم من يُحققون ممارسات متميزة في إدارة النفايات. وعلى هذا الصعيد، حصل «دون خوليو» على أعلى تصنيف ممكن.

مع إحضار كل حيوان كاملاً ليجري ذبحه بالكامل داخل المطعم، يحرص فريق العمل على عدم إهدار أي جزء منه. تُصنع من بقايا اللحم «إمباناداس»، أو نقانق طازجة ومُعتّقة في أغلفة طبيعية، ويُستخدم أي دهن مُزال في صنع خبز غني بالنكهة. يُعاد استخدام الخبز غير المُستعمل كفتات خبز لتغطية الميلانيساس في مطعم إل بريفيريدو، أو في حلويات الموظفين مثل بودنغ الخبز.

ميرازور - مينتون

منذ افتتاح مطعم «ميرازور» عام 2006، دافع الشيف ماورو كولاجريكو عن نهج دائري في فن الطهي. ويعدُّ البحث والتطوير ركيزة أساسية في فلسفته، مع تكريس فريقه جهوده لتحسين نهج المطعم واستخدام الموارد بأساليب أكثر كفاءة.

يزرع مطعم «ميرازور» معظم منتجاته بنفسه، ويتبع ممارسات زراعية تتناغم مع النظم البيئية الطبيعية. كما يعكف حالياً على تطوير مشروع زراعي بيئي واسع النطاق، يمتد على مساحة 42 فداناً، مخصصاً ليصبح مزرعة دائرية تُعنى بتجديد التربة والإنتاج والبحث والتدريب.


سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
TT

سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)

يتعلّق المرء أحياناً برائحة أو ملمس أو طعمٍ ما، فيجد نفسه يستعيد ذكرياتٍ دفينة تنبشها الذاكرة من طفولةٍ مضت، ويحتلّ الطعام صدارة ما يوقظ هذه الذكريات، سواء عبر نكهته أو رائحته أو شكله. تصبح كل قضمة، أو «كدشة» كما يسمّيها اللبنانيون، بمثابة رحلة خاطفة إلى زمنٍ يحنّ إليه المرء، ويتمنّى لو يعود به إلى الوراء.

ورغم أنّ بعض الأشخاص يربطون أكلةً أو سندويشاً معيّناً بمرحلة حربٍ أو جوع، فإنها تبقى بالنسبة إليهم حاملةً للحظة البهجة التي عاشوها وهم يتناولونها، فتنتصر الذكرى الجميلة على قسوة الظروف.

الجبن الأبيض مع البطيخ (إنستغرام)

ويرى علماء النفس أن علاقة وثيقة تربط بين حاستَي الشمّ والتذوّق والذاكرة، إذ تُعدّ الروائح والنكهات من أكثر المحفّزات على استعادة تفاصيل ظنّ الإنسان أنّها اندثرت. فما إن يتذوّق المرء لقمة اعتادها في طفولته أو يشمّ رائحة خبز خرج للتوّ من الفرن، حتى يجد نفسه يعود إلى بيت العائلة، أو إلى ساحة المدرسة، أو إلى جلسة جمعت أفراد الأسرة حول مائدة بسيطة. وكأنّ الطعام يتحوّل إلى أرشيف حيّ يحتفظ بالمشاعر أكثر مما يحتفظ بالمذاقات.

ولا ترتبط هذه الذكريات دائماً بالأطباق الفاخرة أو الوصفات المعقّدة، بل غالباً ما تكون لأطعمة شديدة البساطة. فسندويش أعدّته الأم على عجل، أو قطعة خبز غُمست بزيت الزيتون والزعتر، أو رغيف خرج ساخناً من فرن القرية، قد يترك في الذاكرة أثراً لا تمحوه السنوات. فالقيمة هنا لا تكمن في المكوّنات، بل في الأشخاص الذين شاركونا تلك اللحظات، وفي الشعور بالأمان والدفء الذي رافقها.

سندويشات تحاكي الطفولة (إنستغرام)

ولكلّ فئة من اللبنانيين محطّاتها الخاصة مع هذه الذكريات. فالمغترب قد تثير فيه رائحة الزعتر شوقاً جارفاً إلى الوطن، بينما يحتفظ أبناء جيل السبعينات، الذين عايشوا سنوات الحرب، بنكهات أكلات بسيطة، كان معظمها عبارة عن سندويشات متواضعة المكوّنات، لكنها تركت أثراً عميقاً في الذاكرة. أما الذين أمضوا طفولتهم في القرى، فيكفي أن تفوح رائحة خبز الصاج حتى يعودوا إلى أيام لا تزال تسكن وجدانهم.

وإذا سألت أحد أبناء جيل السبعينات عن الأكلة التي تختصر مرحلة الحرب اللبنانية، فسيردّ على الأرجح بأنها «عروس الجبنة المبسترة (بيكون) مع البندورة». ففي ظل انقطاع لبنان عن الخارج، وغياب التيار الكهربائي، وتنقّل اللبنانيين من منطقة إلى أخرى بحثاً عن الأمان، تحوّل هذا السندويش إلى رفيق دائم في رحلة النزوح.

ويأتي سندويش البطاطا والبيض المسلوق في طليعة النكهات التي لا تزال تستحضرها الذاكرة اللبنانية. وتقول منى بريدي: «هذا السندويش الذي كانت والدتي تحضّره لي على الغداء أو العشاء لا أزال أتلذّذ به حتى اليوم، وأعدّه جزءاً لا يتجزأ من طفولتي». بينما ترى صديقتها نايلة حلو أنّ أكثر ما تفتقده من حلويات الماضي هو «عروس الطحينة بالسكر». وتوضح لـ«الشرق الأوسط»: «كان هذا السندويش بديلاً عن الحلاوة التي لم تكن متوفرة دائماً، فكنا نلتهمه أنا وإخوتي بشهية، ولا أزال حتى اليوم أعود إليه بين حين وآخر».

أما المغتربون اللبنانيون، فيجمعهم حنين واحد يتمثّل برائحة المناقيش، ولا سيما منقوشة الزعتر. فكثير منهم، ما إن تطأ أقدامهم أرض الوطن، حتى يتوجّهون مباشرة إلى أقرب مخبز لتناول منقوشة ساخنة. بينما يفضّل آخرون أن تحضّر لهم والدتهم «عروس الزعتر وزيت الزيتون» كما كانت تفعل في طفولتهم، فيكون طعمها مزيجاً من الحنين والدفء العائلي.

ومن السندويشات التي ارتبطت بذكريات الطفولة «عروس الجبن الرومي مع المربّى» و«عروس البندورة والنعناع» و«عروس الجبنة البلغارية مع البطيخ» وكلمة عروس في لبنان تُطلق على السندويش. وقد أعاد مطعم «أم شريف ديلي» إحياء هذه الوصفات البسيطة، فخصّص لها حيّزاً في لائحة طعامه، ووصل سعر بعضها إلى نحو 15 دولاراً، رغم مكوّناتها المتواضعة. وبينما انتقد كثيرون هذا الارتفاع في الأسعار، رأى آخرون أنّ استعادة نكهة تختزن ذكريات الطفولة تستحق أن تُدفع في سبيلها كلفة أكبر.

وتطول لائحة «سندويشات الذكريات» لتشمل أصنافاً ارتبطت بمناطق لبنانية معيّنة، حتى باتت جزءاً من هويتها الشعبية. فأبناء مدينة طرابلس يستحضرون بحنين «سندويش المغربية»، الذي شكّل لسنوات وجبةً لا تغيب عن طفولتهم. بينما يحتفظ كثيرون بذكرى «عروس اللبنة والنعناع اليابس»، التي كانت محطةً شبه إلزامية للعائلات في طريقها إلى شتورا، قبل أن تتابع رحلتها نحو البقاع أو زحلة.

وللبحر أيضاً سندويشاته الخاصة. فكثير من اللبنانيين لا يزالون يربطون رحلات الصيف العائلية إلى الشاطئ بـ«سندويش البطاطا المقلية مع الكاتشاب»، الذي كان يُحضَّر في المنزل ويوزَّع على الأولاد بعد ساعات من السباحة واللعب. كما يحضر في الذاكرة «عروس المرتديلا»، أو سندويش «الكشك» في مواسمه، وسندويش الجبنة البيضاء مع البندورة، وهي وجبات لم تكن تحتاج إلى مكوّنات كثيرة بقدر ما كانت تحتاج إلى لمّة العائلة ونزهة بسيطة لتصبح ذكرى لا تُنسى.

ولعلّ ما يجمع هذه السندويشات جميعها أنّها لم تكن مجرّد وجبات تسدّ الجوع، بل تحوّلت مع مرور الزمن إلى جزء من الذاكرة الجماعية للبنانيين. فهي تختزن رائحة البيت، ودفءَ الأم، وضحكات الإخوة، ورحلات المدرسة، والنزهات العائلية. ومع مرور السنين، لم يعد مذاقها مجرّد نكهة، بل صار يستحضر زمناً جميلاً يحنّ إليه كثيرون، ويصفونه بـ«زمن البركة»، حين كانت البساطة كافية لصناعة أجمل الذكريات.