فيما يعكس أنها مثل مشرق يحتذى به في الوطن العربي، أعلنت دبي عن موازنة «متوازنة» للعام المالي الجديد، على الرغم من التوقعات بتحقيق عجز مالي نتيجة التأثر بتراجع أسعار النفط عالميًا، بل أكدت الميزانية الجديدة على تعزيز الإنفاق، وبخاصة على التنمية المجتمعية بما يعكس مواصلة الدولة في تحقيق الرفاهية الاجتماعية لمواطنيها. والتزامًا بخطة التنمية المستدامة، كثفت الإمارات من الاستثمار في البنى التحتية وتطوير أداء وخدمات الهيئات والمؤسسات الحكومية للمحافظة على الزخم الاقتصادي للدولة.
فقد أمضت دبي العقدين الماضيين في تنويع اقتصادها بعيدًا عن الاعتماد على النفط. وكانت هذه المبادرة المستنيرة من جانب حكام الإمارة، التي جاءت في المقام الأول للخطط الاستراتيجية بعيدة المدى، سببًا رئيسيًا في تسريع وتيرة نمو الاقتصاد وتضاعف الناتج المحلي الإجمالي من نحو 599 مليار درهم (163 مليار دولار) في عام 2006، ليصل إلى 1.54 تريليون درهم (419 مليار دولار) بنهاية عام 2014، بنمو قدره 168 في المائة.
وتضمنت موازنة دبي لعام 2015 فائضًا تشغيليًا قدره 3.6 مليار درهم (979 مليون دولار)، كما أتاحت 2530 فرصة عمل جديدة للمواطنين مقارنة مع 1650 وظيفة خلال 2014. واستطاعت دبي زيادة الإيرادات العامة للعام المالي الماضي بنحو 11 في المائة مقارنة بالإيرادات العامة للعام المالي 2014، إذ زادت إيرادات رسوم الخدمات الحكومية، التي تمثل 74 في المائة من الإيرادات الإجمالية الحكومية 22 في المائة مقارنة مع 2014.
واستطاعت حكومة دبي تحقيق نمو في ميزانية البلاد خلال العشر سنوات الماضية بنحو 150 في المائة لترتفع من 18.5 مليار درهم (5 مليار دولار) إلى 46.1 مليار درهم (12.5 مليار دولار) بين العامين 2006 و2016. والتزامًا باستراتيجية التنوع الاقتصادي، تحصل دبي على 74 في المائة من إيراداتها من الرسوم الحكومية والغرامات التي تحصلها من قطاعات مثل الخدمات اللوجيستية والعقارات والضيافة والخدمات الاجتماعية، والتجارة والصناعة التحويلية والبناء وغيرها، و19 في المائة من الرسوم الجمركية والضرائب على البنوك الأجنبية.
وعدم الاعتماد الكبير على النفط في تمويل الميزانية كان العامل الأهم في توازن الموازنة، حيث تشير التقديرات إلى أن إيرادات بيع النفط تمثل ما نسبته 6 في المائة فقط من الإيرادات الحكومية للإمارة، علمًا بأن صافي إيرادات النفط حقق انخفاضًا ملحوظًا، نظرًا إلى انخفاض أسعار النفط عالميًا، وانخفاض الكميات المنتجة، الأمر الذي يظهر مدى تنوع اقتصاد دبي الذي ساعدها على تجاوز أزمة النفط خلال العام الماضي.
وجاءت ميزانية عام 2016 متوافقة ومن دون عجز بين المصروفات والإيرادات، حيث قدرت مصروفات الميزانية العامة عن السنة المالية 2016 بمبلغ 46.1 مليار درهم، فيما قدرت إيرادات الميزانية بنفس المبلغ، لتصبح بلا عجز للعام التالي على التوالي.
ونجحت إمارة دبي في وضع موازنة بلا عجز للعام الثاني على التوالي، رغم الانهيار الكبير في أسعار النفط عالميًا وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي. وموازنة العام الحالي تعكس استراتيجية دُبي التي تنتهجها منذ سنوات في تنويع الاقتصاد والتركيز على المشروعات التنموية الكبرى، جنبًا إلى جنب مع تعزيز الإنفاق الاجتماعي، لتقديم أفضل الخدمات في التعليم والرعاية الصحية والاجتماعية، والاستمرار في تعزيز البنية التحتية لتكون الأفضل على مستوى العالم، ما يحافظ على احتلال الإمارة أعلى المراتب في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الإقليمية والدولية، الأمر الذي أسهم في حصول الإمارات العربية المتحدة على المركز الأول في مؤشر السعادة على الصعيد الإقليمي.
ويُثني صندوق النقد الدولي على مواصلة الإمارات خططها لتوليد العوائد من أوجه الملاذات الاستثمارية الآمنة، وتنمية الاحتياطات المالية الكبيرة، التي ساعدت على امتصاص التداعيات السلبية لانخفاض أسعار النفط، والنمو العالمي البطيء، والتقلب الكبير في اقتصادات الأسواق الناشئة.
وفي التحديث الأخير عن اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة، لاحظ الصندوق أن النمو غير النفطي في البلاد لا يزال قويًا عند 4.8 في المائة في عام 2014، مدفوعًا بالاستثمار في البناء، ولا سيما بسبب الإنفاق الرأسمالي في أبوظبي، والخدمات المدعومة في قطاعات النقل والضيافة في دبي.
واللافت للنظر في موازنة العام الحالي، حرص إمارة دبي على مواصلة دعم مشروعات البنية التحتية، من خلال تخصيص ما نسبته 14 في المائة من الإنفاق الحكومي لتطوير مشروعات البنية التحتية. وتخطط إمارة دبي للحفاظ على هذا المستوى من حجم استثماراتها في البنية التحتية خلال الأعوام الخمسة المقبلة، الأمر الذي يضمن استمرار النمو المستدام للاقتصاد الكلي في الإمارة، ويعزز التوقعات العالمية تجاه دبي لاستضافة معرض «إكسبو 2020»، وفقًا لتصريحات الإدارة المالية بالإمارة.
وقال وزير الاقتصاد، سلطان بن سعيد المنصوري، إن «ميزانية الدولة ومشروعات البنى التحتية لم تشهد أي تأثر بانخفاض أسعار النفط، لأنها استطاعت أن تتعامل مع هذه الانخفاضات بطريقة أكثر فعالية مما يحدث في الدول الأخرى، وذلك بفضل سياسة التنوع الاقتصادي، التي يدعمها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي».
وبتحليل بنود الإنفاق للعام الحالي، ستركز ميزانية دبي على التعليم والصحة والإسكان وقطاعات التنمية المجتمعية، وهو ما سيعادل 16.9 مليار درهم (4.6 مليار دولار)؛ أي 37 في المائة من الميزانية. وسيتم إنفاق 16.6 مليار درهم (4.5 مليار دولار) من الموازنة على البنية التحتية والنقل والتنمية الاقتصادية، في حين سيتم إنفاق 9.6 مليار درهم (2.6 مليار دولار) أو 21 في المائة، على الأمن والعدالة وقطاع السلامة.
وقال المنصوري، في تصريحات صحافية، على هامش جلسة المجلس الوطني الاتحادي الثلاثاء الماضي، إن «الميزانية الجديدة تؤكد معطيات صندوق النقد الدولي أن الإمارات تعتبر من أقل الدول تأثرًا بتراجع أسعار النفط، لأن القطاعات غير النفطية تسهم بنحو 69 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي فإن الانخفاض الراهن في أسعار النفط كان تأثيره محدودًا في مسيرة التنمية الشاملة للدولة، وهو ما يؤكد نجاح الإمارات في تنفيذ السياسات المرنة والناجحة التي ستمكنها من الاستمرار في تنويع مصادر دخلها، وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية».
ودبي ليست نموذجًا اقتصاديًا ناجحًا فحسب، بل أسهم التفكير الذكي لحكومة المدينة في دخولها موسوعة غينيس بثمانية إنجازات حضارية، منها برج خليفة البالغ طوله 828 مترًا، ومول دبي العام باعتباره أكبر مركز تجاري في العالم بمساحة 548.127 متر مربع، وأطول فندق في العالم «جيه دبليوماريوت» بطول 354.7 متر. وتخطط دبي لإقامة أضخم مشروع عقاري يحطم ما سبق من أرقام قياسية عالمية وهو مشروع «ميدان واحد» الذي وصفته مجلة «فورتشين» بالمشروع الأقرب إلى المستحيل.
* الوحدة الاقتصادية بـ«الشرق الأوسط»


