تيد كروز.. السيناتور الطموح في مواجهة التحديات

منافس دونالد ترامب الأول حاليًا.. تهدد ترشيحه للرئاسة الأميركية «روابطه» الكندية

تيد كروز.. السيناتور الطموح  في مواجهة التحديات
TT

تيد كروز.. السيناتور الطموح في مواجهة التحديات

تيد كروز.. السيناتور الطموح  في مواجهة التحديات

برز اسم السيناتور تيد كروز، وهو جمهوري يمثل ولاية تكساس في مجلس الشيوخ الأميركي، خلال الأسابيع الأخيرة في استطلاعات الرأي، وبات المنافس الأقوى للملياردير اليميني المتطرف دونالد ترامب في سباق الظفر ترشيح الحزب الجمهوري لخلافة باراك أوباما في البيت الأبيض في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. ويرى المراقبون أن كروز يتمتع بأفضليتين مهمتين عن معظم منافسيه، هما: أولاً تمثيله ولاية ضخمة هي تكساس، وثانيًا انتماؤه للأقلية الأميركية اللاتينية، أسرع الأقليات الأميركية نموًا وأوسعها حضورًا في الولايات الأميركية الكبرى الثلاث؛ كاليفورنيا، وتكساس، وفلوريدا.

تتزايد سخونة النقاشات داخل الحزب الجمهوري الأميركي قبل بداية التجمّعات التمهيدية المعدّة لبدء مسار اختيار مرشح الحزب لانتخابات رئاسة الجمهورية في الخريف المقبل. ومن المقرر أن تشهد الأسابيع المقبلة سلسلة مهمة من المناظرات بين المرشحين الجمهوريين تبدأ في ولاية ساوث كارولينا يوم 14 يناير (كانون الثاني) الحالي، تليها مناظرة في ولاية أيوا في 28 يناير قبل أيام من التجمّع الجمهوري الأول في أيوا. ثم تحل وفق الروزنامة المعدة للحملة مناظرة في ولاية نيوهامشير يوم 6 فبراير (شباط)، يليها التجمع الجمهوري الثاني في 9 فبراير، ثم تأتي مناظرة جمهورية في ساوث كارولينا في 13 فبراير، يليها تجمع جمهوري تمهيدي في 20 فبراير وفي نيفادا يوم 23 فبراير، ثم مناظرة أخرى مهمة جدًا في تكساس يوم 26 فبراير.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن المرشح اليميني دونالد ترامب لا يزال متقدما عن بقية منافسيه في سباق الجمهوريين ويتقدم بشكل كبير في ولاية نيوهامشير، في إقليم نيو إنغلاند بشمال شرقي الولايات المتحدة. إلا أنه مع بداية العام الجديد، سطع نجم مرشح منافس لديه كل المؤهلات للسير بعيدا في المعركة الرئاسة هو تيد كروز، السيناتور من تكساس، الذي بات منافسًا جديًا لترامب وأخذ يجذب أنظار المجمع الجمهوري إليه بقوة، وبنتيجة هذا البريق المستجد لترشح كروز تنبه ترامب إلى خطره على فرصه، فبدأ يشن ضده حملات انتقادية مريرة. ويرى مراقبون أن وراء القلق ما يبرره، لا سيما أن كروز حقق بالفعل تقدما واضحا في عدد من استطلاعات الرأي على الملياردير المتطرف. إذ قد أظهر استطلاع للرأي لصحيفة «هيفينغتون بوست» تقدم كروز بنسبة 30.8 في المائة، يليه ترامب بنسبة 28.4 في المائة ثم السيناتور ماركو روبيو (ولاية فلوريدا) في المرتبة الثالثة بنسبة 12.5 في المائة، بينما تراجع كل من طبيب الأعصاب المتقاعد بن كارسون والحاكم السابق لولاية فلوريدا جيب بوش.
أما بالنسبة لاستطلاعات المنافسة في ولاية نيو هامبشير فإنها ما زالت تظهر تقدمًا كبيرًا لترامب، مقابل إظهار استطلاعات الرأي الوطنية حتى الآن تقدم ترامب بنسبة 35 في المائة مقابل 18 في المائة لكروز مقابل 13 في المائة لروبيو، مع حصول بن كارسون على نسبة 9.7 في المائة، بينما يحصد بقية المرشحين على نسب لا تجاوز أصابع اليد الواحدة.
المهم، أنه حتى الآن يقول الناخبون إن تيد كروز هو الخيار الثاني في اقتراعات الحزب الجمهوري أكثر من أي مرشح آخر. غير أن هذا المرشح الذي يرى كثيرون أن فرصته بعد تقدم المعركة في فصل الربيع ستكون أكبر من فرصة ترامب، يواجه مشكلة يحرص بعض منافسيه على استغلالها وتضخيمها واللعب على وترها. فلقد أثير جدل كبير حول أهلية السيناتور التكساسي للترشح لمنصب رئيس الولايات المتحدة لكونه ولد في كندا وليس على الأراضي الأميركية، كما أنه يحمل أيضًا الجنسية الكندية.
وجدير بالذكر، أن القوانين الأميركية تنص على وجوب أن يكون المرشح لمنصب الرئيس مولودا على الأراضي الأميركية، حيث تنص المادة الثانية من مواد تشكيل السلطة التنفيذية بالدستور الأميركي أنه «لا يجوز لأي شخص سوى المواطن الأميركي المولد أو مواطني الولايات المتحدة في وقت إقرار هذا الدستور – أن يكون مؤهلا لمنصب الرئيس».
ولقد ستغل دونالد ترامب هذه النقطة ليشن هجوما ضاريا على كروز مشككًا بأهليته في دخول السباق الرئاسي. كذلك هاجم السيناتور جون ماكين - وهو مرشح جمهوري رئاسي سابق - السيناتور كروز، وانتقد ترشحه خلال مقابلة مع شبكة «سي بي إس» التلفزيونية معتبرًا أن «حمل كروز الجنسية الكندية يشكل عائقا شرعيًا شرعيا أمام ترشحه للرئاسة الأميركية».

* من هو تيد كروز؟
من جانبها، تقول شبكات الإعلام الأميركية إن كروز تخلّى عن جنسيته الكندية في وقت مبكر من العام الماضي قبل بدئه بداية حملته الانتخابية. ولكن الثابت أن السيناتور عن ولاية تكساس - واسمه الكامل رسميًا هو إدوارد رافائيل كروز (46 سنة) المعروف باسم تيد كروز - من مواليد مدينة كالغاري في ولاية ألبرتا بغرب كندا، يوم 22 ديسمبر (كانون الأول) 1970، ولكن لأبوين أميركيين. وإن أمه هي الأميركية إليانور دل من مدينة ويلمنغتون بولاية ديلاوير قرب مدينة فيلادلفيا، وأما أبوه فهو رافائيل كروز المواطن الأميركي الكوبي الأصل.
تلقى تيد كروز تعليمه في جامعتين من أرقى جامعات أميركا والعالم، إذ تخرج بدرجة البكالوريوس من جامعة برينستون عام ثم في كلية الحقوق بجامعة هارفارد عام 1995. وبعد تخرجه منصب مدير مكتب تخطيط السياسات في لجنة التجارة الاتحادية بين عامي 1999 و2003 وعمل نائبا مساعدا للنائب العام في وزارة العدل الأميركية ومستشارا للسياسة الداخلية للرئيس جورج بوش في جملته الانتخابية الرئاسية في عام 2000. كذلك عمل كروز أستاذا للقانون من عام 2004 إلى عام 2009 في مدرسة القانون في جامعة تكساس بمدينة أوستن. وهو الأميركي من أصل كوبي صاحب المدة الأطول للخدمة في منصب النائب العام في ولاية تكساس، كما أنه اليوم واحد من ثلاثة أعضاء بمجلس الشيوخ من أصل كوبي.
في مضمار السياسة، في يوليو (تموز) 2012 رشح كروز نفسه لمقعد مجلس الشيوخ وألحق الهزيمة بمنافسه الديمقراطي بول سادار في الانتخابات العامة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012. وهو يرأس اليوم اللجنة القضائية لرقابة داخل مجلس الشيوخ كما يرأس اللجنة الفرعية للتجارة والفضاء والقدرة التنافسية وفي نوفمبر 2012 تم تعيينه نائبا لرئيس اللجنة الوطنية الجمهورية بمجلس الشيوخ. وخلال عمله بمجلس الشيوخ بالكونغرس رعى كروز 25 مشروع قانون منها مشروع قانون للرعاية الصحية بأسعار معتدلة، ومشروع قانون لحظر استخدام طائرات من دون طيار لقتل مواطني الولايات المتحدة داخل الولايات المتحدة ومشروع قانون لمحاكمة المجرمين والخارجين عن القانون الذين يشترون أسلحة نارية بشكل غير قانوني. ومن أبرز مشاريع القوانين التي دعمها كروز داخل مجلس الشيوخ هي مشروع قانون للسماح للولايات إثبات محل المواطنة للتسجيل في التصويت في الانتخابات الاتحادية ومشروع قانون آخر لزيادة إنتاج الفحم والغاز الطبيعي، ووافق على مشروع خط أنابيب كي ستون الذي عارضه الرئيس أوباما.

* فرصه الانتخابية
الخبراء يرون أنه في حالة نجاح تيد كروز بالفوز بدعم الحزب الجمهوري والفوز بمنصب الرئاسة فإنه سيكون أول رئيس للولايات المتحدة تحمل شهادة ميلاده اسم دولة أخرى في محل الميلاد، بسبب مولده في كندا. ويتندر بعض المعارضين لكروز حاليًا في هذه المسألة متسائلين: «ماذا لو كان كروز مولودًا في كوريا الشمالية.. هل سيمكن قبوله في منصب رئيس الولايات المتحدة؟».
يجزم الخبراء بأن هذا الأمر يشكل قلقًا كبيرًا داخل الحزب الجمهوري، ويثير مشكلة كبيرة في حال فوز كروز بترشيح الحزب الجمهوري. غير أن قادة حملة كروز، يدعمهم بعض الخبراء القانونيين، ولا سيما من الليبراليين، يصرون على أن القانون الأميركي يعطي الطفل المولود بالخارج لأبوين أميركيين، الجنسية الأميركية عند الولادة، لكن ما زال الجدل مستمرا حول أهلية كروز في حال فوزه بمنصب الرئيس لأنه يمكن لأي شخص أن يذهب إلى المحكمة الدستورية ويطعن في مؤهلات كروز. ثم إن الجمهوريين أثاروا عاصفة إعلامية بعد فوز باراك أوباما بالرئاسة طارحين عدة علامات استفهام حول أصله.. وما إذا مولودًا حقًا في الولايات المتحدة. إذ واجه أوباما بعد انتخابه رئيسا للولايات المتحدة حملة تشكيك واسعة قادها ترامب بالذات وشكك فيها بأن يكون قد ولد داخل الولايات المتحدة، وبعد عدة أشهر من حملات التشكيك المحمومة اضطر البيت الأبيض إلى نشر شهادة ميلاد أوباما الرسمية التي تؤكد ولادته داخل الأراضي الأميركية.
في أي حال، يبدو أن الجدل سيستمر، بل ويتزايد خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة، حين ترتفع حرارة المناظرات والتجمعات التمهيدية الجمهورية مع محاولات ترامب حماية نفسه بتوجيه النقد وحملات التشكيك ضد منافسيه الجمهوريين والديمقراطيين على السواء. وكذلك داخل صفوف تيار اليمين الجمهوري المحافظ الذي كان وراء التشكيك بـ«أميركية» أوباما، ما يمكن أن يهدد بانقسام بين المحافظين الجمهوريين الذين ينتمي إليهم كروز وترامب وروبيو، الذين يحتلون الآن المواقع الأقوى في المعركة الانتخابية.
من ناحية أخرى، هناك بوادر أن خلفية كروز تثير حفيظة مرشحين آخرين من المحافظين الذين يتشددون كثيرًا في مسائل الهجرة والمهاجرين غير الشرعيين. ومن هؤلاء السيناتور اليميني السابق من ولاية بنسلفانيا ريك سانتورم، الذي يصف مواقف السيناتور كروز من قضايا الهجرة بـ«الضعيفة». ومن ناحية ثانية، لمح مرشح جمهوري يميني آخر هو مايك هاكابي (حاكم ولاية أركنسو السابق) إلى «افتقار كروز للخبرة التنفيذية». ولكن، بغض النظر عن تلك القضية الجدلية التي سيتابع الإعلام الأميركية أجواءها بسكاكين حادة فإن مساندي حملة السيناتور كروز يرون فيه مرشحا صاحب شخصية جذابة للغاية، ويستطيع التأثير على الناخبين وكسب ثقتهم. بل ويقر حتى خصوم كروز في تيار اليمين الجمهوري بأنه يتمتع بمستوى عالٍ من الذكاء وقوة الإرادة، وأنه سيتمكن من التغلب على منافسيه والفوز بدعم الحزب الجمهوري.
وحاليًا يجد تيد كروز دعما قويا من الأصوات الدينية المحافظة داخل الحزب الجمهوري لمساندته للقضايا الاجتماعية والمواقف المعارضة لزواج المثليين وقضايا الإجهاض والموقف المتشددة من قضية الهجرة غير الشرعية. وكانت كلمات كروز الأولى في استراتيجيته خلال إطلاق حملته الانتخابية أنه يريد الحصول على الأصوات الدينية المحافظة. ولقد سبق أن ساند التيار الإنجيلي المتشدد ودعمت المجموعات المحافظة في الحزب الجمهوري في السابق كلا من الرئيس الأميركي السابق جورج بوش والحاكم السابق هاكابي والسيناتور السابق سانتورم في الانتخابات التمهيدية الرئاسية الثلاث السابق للحزب الجمهوري. غير أن المرشح بن كارسون يعتبر اعتماد كروز على المتشددين المتدينين هو «بمثابة اللعب بالدين»، وذهب كارسون أبعد من ذلك للتشكيك في مدى عمق الإيمان الإنجيلي المسيحي لدى كروز.
وبجانب معارضو كروز الإجهاض وزواج المثليين والزواج المدني، وإيمانه بأن الزواج بين رجل واحد وامرأة واحدة مع قبوله بترك الزواج من نفس الجنس لكل ولاية لتتخذ قرارها في مدى شرعية هذا الإجراء، يعارض كروز مشروع الرئيس أوباما كير للرعاية الصحية. وبالفعل اعتمد موقفا متشددا في قضايا الهجرة كما يعارض تقنين الماريغوانا.
وعلى صعيد السياسة الخارجية، انتقد كروز مرارا السياسات الخارجية للإدارة الأميركية، وشن هجوما ضاريا على الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة أوباما مع إيران. واتهم كروز أوباما بأن إدارته ستصبح الممول الرئيسي للإرهاب الإسلامي المتطرف. ومن ثم، اعتبره الجمهوريين الخصم العنيد لـ«خطة العمل المشتركة الشاملة».. أي الاتفاق النووي مع إيران.
وعلى الرغم من كون كروز من أصل كوبي، فإنه عارض - مثل كثيرين من أبناء الكوبيين الأميركيين اليمينيين - عارض بشدة التقارب بين الولايات المتحدة مع الحكم اليساري في كوبا. ووصف كروز «ذوبان الجليد» في العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا بأنه «مظهر من مظاهر فشل السياسة الخارجية لأوباما وهيلاري كلينتون وجون كيري». وقال إن «التاريخ سيذكر ذلك بوصفه خطأ مأساويًا».
وبالنسبة للأزمة السورية، يعارض كروز استقبال اللاجئين السوريين في الولايات المتحدة والسماح بحذر للاجئين بالدخول إلى الولايات المتحدة ويطالب بإعادة توطين اللاجئين السوريين في الدول العربية والإسلامية. ولا يدعم كروز تدخلا عسكريا أميركيا في سوريا، مع أنه يدعو لإقامة منطقة حظر طيران في شمال سوريا وتسليح الأكراد لمكافحة تنظيم داعش.

* مواقف الليبراليين تجاهه
وحسب المراقبين، فإن شعبية كروز لدى اليمين المسيحي المحافظ لا تضمن له أصوات كل أجنحة الجمهوريين، خاصة الجمهوريين الليبراليين الذين يطالبون بإصلاح شامل لقضايا الهجرة، بينما يعارضه كروز وتيار من المحافظين المتشددين. بل إن بعض المحللين يشيرون إلى أن السيناتور التكساسي ليس قادرا على جذب الناخبين المستقلين، علاوة على أن أصوات تيار المحافظين والدينين الإنجيليين باتت أكثر تعقيدًا بكثير مما كان عليه قبل عدة سنوات.
ويتعقد الأمر مع مواقف كروز وخلافاته مع عدد من أبرز القادة الجمهوريين، فكثيرا ما اصطدم كروز مع السياسيين الجمهوريين الآخرين، بل إن الخبراء يشيرون إلى علاقاته المتوترة مع مختلف أعضاء الحزب الجمهوري داخل الكونغرس التي تعد مظهرا سلبيا ومؤشرا لما يمكن أن تكون عليه الخلافات في حال توليه لمنصب رئيس الولايات المتحدة. ولقد وصف كروز بعض الجمهوريين الذين يتشككون في مقوماته لمنصب الرئاسة بأنهم «تجمع الاستسلام». وراهنًا، يرصد الخبراء توترا كبيرا في علاقة كروز وبالسيناتور جون ماكين من جانب وتوترا آخر بينه وبين وزعيم الجمهوريين بمجلس الشيوخ السيناتور ميتش ماكونيل. وفي خضم هذه التشابكات، ينتقد معارضو كروز تاريخه ويرشقه بعضهم بتهمة الانتهازية، وأنه يغير مبادئه ومواقفه وفقا للموقف ووفقا لجمهور المستمعين. ويدلل المعارضين بموقف كروز من قضايا الهجرة حين دافع في السابق عن زيادة برنامج منح التأشيرات للمهاجرين، لكنه بعد حادث إطلاق النار في مدينة سان برناردينو بكاليفورنيا غير موقفه وأصبح معارضا لبرامج الهجرة وأكثر تشددا في منح تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.