لم يكن يتخيل مؤدي أغاني المهرجانات المصري المعروف حمو بيكا، أنه حينما ظهر من قبل وهو يمزح أمام البيت الأبيض، أن يأتي الوقت ويرتبط اسمه بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، بل ويتم تركيب صورة ترمب على صوت بيكا في فيديوهات ساخرة مولدة بالذكاء الاصطناعي حققت تفاعلاً وانتشاراً كبيرين.
وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، انتشر مقطع فيديو يجمع بيكا وزميله عمر كمال، يقود كل منهما «سكوتر» كهربائياً أمام البيت الأبيض، ويمزحان مع المارة هناك، وكان حضورهما في ذلك الوقت لإحياء عدة حفلات بمدن أميركية.
وخلال الأيام الماضية، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر عدة مقاطع فيديو مولدة بالذكاء الاصطناعي يظهر فيها ترمب، وقد تم تركيب صوت بيكا عليه مأخوذاً من مقاطع فيديو حقيقية شهيرة انتشرت سابقاً لبيكا خلال تلقينه كلمات الأغنيات التي يؤديها في الاستوديو وقت التسجيل.
أحد مقاطع الفيديو ظهر فيه ترمب مؤدياً لدور بيكا، بينما ظهر الملياردير الأميركي إيلون ماسك يلقنه، في إشارة إلى الانتقادات الموجهة في الولايات المتحدة لتغول ماسك ورجال الأعمال على إدارة ترمب.
وفي فيديو آخر يظهر ترمب مؤدياً لدور بيكا، بينما يحاول تلقين رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو كلمات أغنية فيما يتلعثم الأخير، في إشارة إلى الانتقادات الموجهة لرعاية الولايات المتحدة لإسرائيل تحت أي ظرف.
الفيديوهات حصدت تفاعلاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تم تداولها مع تعليقات ساخرة، وأخرى مشيدة بدعابة المصريين، وقدرتهم على توصيل رسائلهم بطريقة مبتكرة، واستخدام الوسائل الحديثة في ذلك.
يقول خبير الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي محمد فتحي لـ«الشرق الأوسط»، إن «السخرية جزء أصيل من الشخصية المصرية، وهي وسيلة قديمة للتعبير عن الهموم، وتجاوز الواقع، وحتى نقده. لكن دخول الذكاء الاصطناعي على الخط ضاعف من تأثير هذه السخرية، وجعلها أكثر سرعة وانتشاراً وذكاءً».
وأوضح: «الذكاء الاصطناعي أسهم في تعزيز روح السخرية المصرية بطريقتين واضحتين؛ أولاهما أنه ضاعف من قدرة المصري على إنتاج المحتوى الساخر بسرعة وجودة أدوات مثل ChatGPT وDALL·E، أتاحت للمصريين أن يصيغ نكتة، أو يصمم (ميم)، أو يكتب سيناريو ساخراً في دقائق، وبأسلوب عصري يجذب الجمهور؛ وهذا مكّن روح السخرية الفطرية من الوصول إلى أبعاد جديدة».
وأكد فتحي أن «الطريقة الثانية تتمثل في أن هذه الأدوات فتحت الباب للسخرية المصرية لتتجاوز المحيط المحلي، وتدخل الساحة العالمية؛ فالمصري اليوم لم يعُد يسخر من أحوال بلده فقط، بل صار يعالج قضايا دولية؛ مثل الرسوم الجمركية، أو الحرب التجارية بين أميركا والصين، بأسلوب ساخر يحمل نكهة محلية، لكنه يُفهم ويُتداول عالمياً، بالاعتماد على أدوات مثل Midjourney في خلق مشاهد تمثيلية بجودة عالية».
تجدر الإشارة إلى أن مقاطع الفيديو المولدة بالذكاء الاصطناعي حققت رواجاً كبيراً في مصر أيضاً، أحدها يظهر فيه رئيس الصين يؤدي شخصية عبد الملك زرزور، وهي شخصية سينمائية شهيرة في مصر، أداها الفنان الراحل محمد عبد العزيز في فيلم «إبراهيم الأبيض»، حيث يعبر زرزور عن القوة والحكمة، بينما ظهر ترمب في شخصية إبراهيم الأبيض التي أداها الفنان أحمد السقا، والتي تعبر عن الاندفاع والتهور اللذين أديا لموته في نهاية الفيلم على يد زرزور، في إشارة إلى أن الصين هي الأقوى في الحرب التجارية التي يشنها ترمب عليها.
كذلك، فإن فيديو آخر يظهر فيه ترمب يؤدي شخصية الممثل المصري الراحل عادل أدهم في فيلم «الفرن»، حيث كان يمارس الظلم والتوبيخ والسخرية ضد الممثل الراحل يونس شلبي، الذي أدى دوره في الفيديو المولد بالذكاء الاصطناعي رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي، في إشارة إلى اللقاء الشهير بين ترمب وزيلينسكي، الذي شهد طرد الأخير من البيت الأبيض أمام الإعلام.
أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ميريلاند بالولايات المتحدة، الدكتور فرنك مسمار، قال لـ«الشرق الأوسط»، إنه «مما لا شك فيه أن الدعابات السياسية طريقة ناجحة حتى في الانتخابات والسجالات السياسية، حيث استعملها الرئيس ترمب نفسه في حملاته الانتخابية لمخاطبة أنصاره، ونجح في ترجمة خلفيته الترفيهية من خلال مشاركته في برامج الواقع والمصارعة إلى أسلوب خاص في السياسة يعتمد على إثارة الضحكات التي تميز تجمعاته الانتخابية».
وأكد: «ما يفعله المصريون يدخل في نطاق النكتة السياسية التي يتميزون بها منذ أيام الفراعنة، وهي طريقة ناجحة وفعالة لإرسال الرسائل، أو التندر عليها من دون إحراج أو ضيق نفس، ولا شك أن الجهات الأميركية وسفارات الولايات المتحدة في البلدان العربية ترصد ما يحدث وتقدم تقارير به للإدارة الأميركية، لكن ليس محتملاً أن تسبب أي مشاكل بين الدول، لأنها تصرفات عفوية وشعبية».
ونشرت صفحة (غير رسمية) باسم ترمب على موقع «إكس»، أحد الفيديوهات التي تم تركيب صورته فيها على صوت المطرب المصري المعروف عبد الباسط حمودة، وهو يؤدي أغنية «أنا مش عارفني»، وكتبت الصفحة تعليقاً ساخراً: «أيها المصريون ستندمون على هذا المقطع!».