حصار مضايا والزبداني والمعضمية ذروة الكارثة الإنسانية السورية

الأمم المتحدة تعلن قبول النظام إدخال مساعدات لـ بلدة مضايا.. وهيئة كبار العلماء في السعودية تدعو لإغاثتها

رضيع وشاب من مضايا في صورتين  اقتطعتا من شريط فيديو تظهران حجم الجوع الذي تعرض له أهالي البلدة نتيجة حصار دام 6 أشهر (رويترز)
رضيع وشاب من مضايا في صورتين اقتطعتا من شريط فيديو تظهران حجم الجوع الذي تعرض له أهالي البلدة نتيجة حصار دام 6 أشهر (رويترز)
TT

حصار مضايا والزبداني والمعضمية ذروة الكارثة الإنسانية السورية

رضيع وشاب من مضايا في صورتين  اقتطعتا من شريط فيديو تظهران حجم الجوع الذي تعرض له أهالي البلدة نتيجة حصار دام 6 أشهر (رويترز)
رضيع وشاب من مضايا في صورتين اقتطعتا من شريط فيديو تظهران حجم الجوع الذي تعرض له أهالي البلدة نتيجة حصار دام 6 أشهر (رويترز)

تخطت المأساة الإنسانية التي تشهدها بلدتا مضايا والزبداني كل الحدود، وبلغت حدًا غير مسبوق من الموت جوعًا بفعل حصار القتل والتجويع الذي يفرضه النظام السوري و«حزب الله» عليهما منذ ستة أشهر، لدرجة أن الناس أكلت أوراق الشجر والأعشاب ولحم القطط والكلاب، وقد بدأ هذا الواقع المأساوي يهدد مدينة معضمية الشام التي دخلت دوامة حرب التجويع أيضًا، ما حمل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، إلى مطالبة مجلس الأمن الدولي بـ«إنقاذ أرواح المدنيين، لا سيما الأطفال والنساء في مضايا والزبداني ومعضمية الشام». ودعا الأمم المتحدة إلى تصنيف الوضع في هذه المناطق بـ«الكارثة الإنسانية وإقرار تدخل إنساني عاجل».
غير أن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أعلن في بيان مقتضب أصدره أمس الخميس، عن «تلقيه موافقة من الحكومة السورية لإدخال المساعدات الإنسانية في أقرب وقت إلى ثلاث بلدات سوريا بينها مضايا المحاصرة في ريف دمشق». وقال البيان: «ترحب الأمم المتحدة بالموافقة التي تلقتها اليوم (أمس) من الحكومة السورية بشأن إيصال المساعدات الإنسانية إلى مضايا والفوعة وكفريا، وتعمل على تحضير القوافل لانطلاقها في أقرب فرصة».
من ناحيتها دعت الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، المسلمين في السعودية للمسارعة إلى إغاثة أهالي بلدة مضايا السورية المنكوبة التي يفرض عليها النظام السوري الإرهابي وميليشيا حزب الله وحلفاؤهما حصارًا خانقًا منذ 6 أشهر، وأدى إلى مجاعة رهيبة وموت الكثيرين؛ لا سيما الأطفال، واصفةً الصمت العالمي بأنه عار يلطخ جبين المجتمع الدولي بمؤسساته ومنظماته الحقوقية والإنسانية.
وأوضحت الأمانة أن هذا الحصار الظالم الذي هو حرب تجويع؛ جريمة بشعة؛ هدفها إبادة مدنيين عزل أغلبهم من النساء والأطفال، وجريمة تضاف إلى جرائم هذا النظام البائد وحلفائه، الذين يمارسون أساليب كثيرة لقمع الشعب السوري المنكوب، دون أن يتخذ بحقه رادع في ظل ازدواج المعايير التي تتصف بها السياسة الدولية.
لكن الصورة التي ينقلها الناشطون في مضايا تتخطى ما يمكن أن يستوعبه العقل البشري، بعدما فقد المدنيون آخر مقومات الحياة، وتوفي 16 طفلاً وثمانية رجال وست نساء في الأسبوع الأخير. وقد عبّر عن هذا الوضع بألم وحسرة الناشط في مضايا أبو عبد الرحمن، الذي وصف الواقع بأنه «مأساة تفوق الخيال». وأكد أنه «لم يعد في مضايا أعشاب ولا أوراق شجر لأن الناس أكلتها، كما فقدت مادة الكرتون التي حولها البعض إلى وجبات غذائية لا تسمن ولا تغني من جوف». وفي صرخة وجهها عبر «الشرق الأوسط»، قال أبو عبد الرحمن: «نحن على يقين أنه لم يعد هناك جمعيات لحقوق الإنسان لنلجأ إليها، لكننا نناشد جمعيات الرفق بالحيوان أن تتدخل لتنقذ الحيوانات التي بدأت تنقرض في مضايا». وأكد أنه «لم يبق أي أثر للقطط، لأن الناس اصطادتها وأكلتها، والآن بدأت مرحلة صيد الكلاب، وإذا كانت هذه الجمعيات ما زالت ترفق بالكلاب، عليها أن تمارس نفوذها وتدخل لنا الطعام حتى تنجو الكلاب من الصيد». وشدد على أن «هذا الكلام ليس من باب إثارة العطف بل حقيقة موجودة على الأرض، وهناك العشرات ممن يحملون البنادق الآن ويصطادون الكلاب لتقديم لحومها إلى أسرهم».
وسأل أبو عبد الرحمن: «أين المعايير الدولية التي تحظر استخدام المدنيين دروعًا بشرية؟ كيف تسمح باستخدام سلاح الجوع الأكثر كفرًا والأشد فتكًا من أسلحة الدمار؟». وكشف أنه «خلال الأسبوع الأخير توفي 16 طفلاً تحت سن العاشرة، وثمانية رجال وست سيدات ضحية الجوع». وقال: «أمس حاولت امرأة مع طفليها الهرب إلى خارج مضايا، لكن حاجز لقوات الأسد شاهدهم وأطلق النار عليهم وأردى الثلاثة معًا». وأكد أبو عبد الرحمن أن «عائلات لم تذق الطعام منذ عشرة أيام، وشاهدت أفرادًا من بعض العائلات لا يستطيعون الوقوف على أقدامهم لأنهم فقدوا قواهم».
هذه المأساة الإنسانية انسحبت أيضًا على معضمية الشام في الغوطة الغربية، حيث جدد نظام الأسد تهديداته بحرب مفتوحة ضد أهالي وفصائل المدينة. وخلال اجتماع عقد مساء أول من أمس بين وفد المعارضة الممثل للمدينة، ووفد النظام الذي تحدث باسمه الإعلامي رفيق لطف الموالي للأسد، وجه النظام رسالة إلى أهالي وفصائل المدينة خيرهم فيها بين الاستسلام والخروج أو الحرب المفتوحة والحصار الشامل.
وأفاد الناشط في المعضمية داني قباني، أن «الوضع في المدينة صعب جدًا، إلا أنه لم يبلغ الحالة التي بلغتها مضايا، التي تعيش تحت الحصار منذ ستة أشهر». وأكد أنه «منذ 20 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بدأ الحصار الكلي على المعضمية، وبدأ التعب الآن يظهر على الناس».
وقال لـ«الشرق الأوسط»: «كانت حواجز النظام تسمح للداخل إلى المدينة أن يحمل حاجته اليومية من الطعام والشراب، لكن بعد 20 ديسمبر بدأ الحصار المطبق، فالأدوية لم تعد موجودة على الإطلاق منذ 70 يومًا، خصوصًا بعد اقتحام النظام للجبهتين الشرقية والجنوبية، وارتفاع عدد الإصابات والشهداء، ولأن منظمات الإغاثة لم تعد تلبي نداءنا».
ولفت قباني إلى أنه «مع دخول الشتاء والطقس البارد والحرارة (- 4)، لم تعد مادتا المازوت والغاز موجودتين للتدفئة، حتى الحطب لم يعد متوفرًا لأن القصف يطال منطقة البساتين، والناس بدأت الآن تحرق الأحذية والبلاستيك والثياب القديمة من أجل التدفئة عليها، وهو ما سبب حالات اختناق».
ولم تكن مادة التدفئة بأهمية المواد الغذائية المفقودة تمامًا، بحسب الناشط قباني، الذي أكد أن «جميع محلات السمانة (البقاليات) باتت خالية من المواد، وإذا عثر في مكان ما على بعض هذه المواد تكون الأسعار مرتفعة جدًا جدًا». وأوضح أن «الأمور ذاهبة نحو الكارثة، بعد قرار النظام وضع سكان المدينة أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الاستسلام وإما الحرب المفتوحة».
من جهته، قال الإعلامي محمود أبو قيس عضو المكتب الإعلامي في «لواء الفتح المبين» العامل في مدينة المعضمية لشبكة «سوريا مباشر»: «إن الحصار الذي يتوعد به نظام الأسد والمفروض حاليًا بعد إغلاق المعبر الوحيد للمدينة، سوف يكون حصارًا شاملاً ولن يكون هناك أي مبادرات مقبلة تفضي إلى فتح الطريق وبالتالي الحكم على 45 ألف مدني بالهلاك جوعًا وقصفًا». وأضاف: «لليوم الثاني عشر على التوالي لا يزال المعبر مغلقًا بوجه أهالي المدينة، حيث لا يسمح لهم بالدخول والخروج من وإلى المدينة، وكذلك لا يسمح بإدخال أي مواد غذائية أو إنسانية».
وتوقع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن «تدخل قريبًا قافلة مساعدات إنسانية إلى بلدة مضايا المحاصرة، فور حصول القائمين على إدخال القافلة من المنظمات الدولية، موافقة سلطات النظام على عملية إدخالها ومحتوياتها».
وكان الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، دعا إلى «إنقاذ أرواح المدنيين لا سيما الأطفال والنساء في مضايا والزبداني ومعضمية الشام». وطالب الأمم المتحدة بتصنيف الوضع في هذه المناطق بـ«الكارثة الإنسانية وإقرار تدخل إنساني عاجل».
وقال مصدر مسؤول بالائتلاف في تصريح له: «في ضوء التقارير الطبية والميدانية التي تكشف عن وضع إنساني بالغ الخطورة في بلدة مضايا بريف دمشق في ظل منع ميليشيا (أمين عام حزب الله) حسن نصر الله وبشار الأسد لأي نوع من المساعدات من الدخول، فإن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، يدعو الأمم المتحدة لتصنيف الوضع في مضايا ومعها الزبداني ومعضمية الشام (90 ألف مدني محاصرون) كارثة إنسانية وإقرار تدخل دولي إنساني عاجل، وتقديم المساعدات عبر الجو في حال مواصلة الميليشيات منعها من الدخول برا». وطالب المصدر مجلس الأمن بـ«مناقشة الوضع الإنساني في مضايا والمدن المحاصرة، كونه يخالف قراراته السابقة، ومنها القرار 2254، وتحمل المسؤولية في إنقاذ أرواح المدنيين، وبينهم أطفال ونساء»، داعيًا الجامعة العربية إلى «بحث الوضع بصفة طارئة في الاجتماع الوزاري يوم الأحد (بعد غدٍ) واتخاذ الإجراءات اللازمة التي تساعد على إنهاء الحصار، وإدانته وتجريمه».
من جهته، اعتبر «حزب الله» في بيان صادرٍ عن إعلامه الحربيّ، أنّ الحديث عن تجويع المدنيين في مضايا بسبب الحصار الذي ينفذه هو «حملة مبرمجة بهدف تشويه صورة المقاومة»، موضحًا أنّ «الجماعات المسلحة التي تتخذ من مضايا رهينة لها، ولداعمي المسلحين من جهات خارجية هي من يتحمل مسؤولية ما يجري في البلدة».
وأكّد «حزب الله» أنّه «تم إدخال عشرات الشاحنات محملة بالمواد الغذائية والطبية في 18 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2015 إلى مضايا وسرغايا وبقين، والتي تكفي لأشهر عدة، بالتزامن مع إدخال نفس الكمية إلى كفريا والفوعة، وبحسب اتفاق الزبداني - كفريا والفوعة» من المقرر أن تدخل مساعدات غذائية في الأيام القليلة المقبلة بعدما تم تنفيذ بند إخراج الجرحى المسلحين من الزبداني، متهمًا من سماهم «الجماعات المسلحة الإرهابية باستخدام السكان الذين لا يتجاوز عددهم 23 ألف نسمة دروعا بشرية، وورقة سياسية يستغلونها الآن في حملة إعلامية»، مؤكدًا أنه «لا صحة للأخبار التي تدعي وجود حالات وفاة في البلدة».



الوالي: «لقاءات الرياض» لحظة حاسمة في تاريخ القضية الجنوبية اليمنية

TT

الوالي: «لقاءات الرياض» لحظة حاسمة في تاريخ القضية الجنوبية اليمنية

الوالي: «لقاءات الرياض» لحظة حاسمة في تاريخ القضية الجنوبية اليمنية

وصفَ عبد الناصر الوالي، الوزير اليمني السابق والسياسي الجنوبي المخضرم، لحظة لقاء القيادات الجنوبية اليمنية في الرياض للتشاور والحوار من أجل قضيتهم بأنها «حاسمة» في تاريخها، داعياً لتحويل الفرصة التي أتاحتها السعودية إلى مسارٍ سياسي ينتهي بسلام دائم.

وقال الوالي خلال لقاء عبر بودكاست «الشرق الأوسط» مع الزميل بدر القحطاني محرر الشؤون الخليجية في الصحيفة، إن الرياض ليست محطة دبلوماسية فحسب، ووجودهم فيها اقتراب من قلب العالم العربي والإسلامي، وفرصة لتصحيح التقصير السابق في إيصال صوت الجنوب.

وأكد السياسي اليمني المخضرم أن الجنوبيين أمام «فرصة كبيرة جداً» برعاية السعودية التي بادرت بالدعوة لمناقشة القضية «وتركت الأمر في أيدينا»، مشيراً إلى دورها في جمعهم والتقريب بينهم دون فرض الوصاية عليهم، ودعمها ما يرونه صالحاً ويتفقون عليه دون تدخل. ونوَّه بأن تطميناتها كانت صريحة: «الرأي رأيكم... والقرار قراركم... نحن رعاة ولن نفرض عليكم شيئاً... ارفعوا سقفكم إلى السماء».

وتحدث الوالي عن رسالة الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، قائلاً إن «الرسالة كانت مباشرة: القضية الجنوبية عادلة، لها أبعادها التاريخية والاجتماعية، والمملكة لن تخذل شعب الجنوب وستقف مع إرادته»، مضيفاً: «يكفي أن يصل صوت الجنوب إلى السعودية، وتتفهم عدالة الألم الذي تراكم منذ الوحدة».

وحول تحضيرات «مؤتمر الرياض» للحوار الجنوبي اليمني، أفاد السياسي المخضرم بأنه سيُناقش شكل الدولة ونظامها «بسقف مفتوح» ويقرره الجميع بتوافقٍ دون إقصاء، مبيناً أن تركيزهم ينصب على استعادة الدولة كطريقٍ نحو الكرامة والأمن والاستقرار والتنمية ورفاهية الناس، واستطرد: «الجنوب يتسع للجميع، ولا نوايا للتهميش أو عدم الاستيعاب، وأي مشروعات أخرى لا تُقصى، بل تُحاور».

ووجَّه الوالي رسالة لشعب الجنوب: «ثقوا بنا، ونحن نمثّل في الرياض مَن فوَّضنا»، في إشارة إلى عدم تفريطهم بالقضية أو اتخاذهم قراراً لا يوافق إرادة شعبهم. وواصل في رسالة أخرى: «السعوديون لن يجدوا من الجنوبيين إلا ما يرضي الله ويرضيهم، مع الحفاظ على أواصر الجوار والدم والنسب والمصالح».

وبالعودة إلى أصل القضية، قال السياسي المخضرم إن الوحدة لم تكن «غزواً» ولا إكراهاً، بل هي ذهاب طوعي إلى صنعاء «وقلوبنا مفتوحة»، على أمل دولة أكبر واقتصادٍ أوسع وتنمية أعمق، لكن «الواقع» فاجأ الجميع حتى الشمال - وفق قوله - لم يخرج رابحاً من التجربة، لأن المعاناة عمّت، وإن اختلفت تفاصيلها.

وأضاف الوالي أنه إذا كان ثمن الاستقرار والهدوء والتنمية أن يعود اليمن إلى دولتين، فالأجدى - حسب رأيه - دولتان متجاورتان متحابتان، بعلاقاتٍ اقتصادية واجتماعية «مرنة وسلسة» وروابط أخوية قوية، بدلاً من تنافرٍ «عطّل الشعبين».

وفي تصوراته للدولة المقبلة، قدّم السياسي اليمني المخضرم ملامح «دولة جنوب فيدرالية»، تمنح المحافظات مساحة للمساهمة في التنمية والاستثمار والثروة، مع مساواة في الحقوق والواجبات، وعدالة في توزيع الثروة بحيث تصل إلى كل مستحق بما يكفيه.

وجدَّد تثبيت مركزية الدور السعودي، ولفت إلى أن ثقل المملكة «وازن جداً» إقليمياً وعالمياً، ودخولها على الخط فرصة تاريخية للخروج بسلام «دون أن تتبعه حرب، ولن تسمح بالعودة إلى دوامة السلاح، ولأن اليمنيين شبعوا حروباً ومعاناة، وستكون المملكة نافذتنا إقليمياً وعالمياً».

وبسؤاله كيف وجدت الرياض؟ أجاب الوالي: «كما عهدتها... بلاد أمن واستقرار... هدوء وسكينة... محبة وسلام... تأتي إليها وتستقر نفسك وتشعر بالطمأنينة»، مختتماً بالقول: «وعودهم صادقة ولا تُخلف».


«التحالف» يكثِّف لقاءاته مع الفاعلين في المجتمع العدني

المعسكرات ستتحول إلى منتجعات ومتنفسات لسكان عدن (إعلام محلي)
المعسكرات ستتحول إلى منتجعات ومتنفسات لسكان عدن (إعلام محلي)
TT

«التحالف» يكثِّف لقاءاته مع الفاعلين في المجتمع العدني

المعسكرات ستتحول إلى منتجعات ومتنفسات لسكان عدن (إعلام محلي)
المعسكرات ستتحول إلى منتجعات ومتنفسات لسكان عدن (إعلام محلي)

على وقع تحركات ميدانية متسارعة تقودها قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية في اليمن»، تتواصل الجهود الرامية إلى استكمال تطبيع الحياة في مدينة عدن، العاصمة المؤقتة للبلاد، ضمن رؤية شاملة تستهدف إعادة الاعتبار لطابعها المدني، وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها الخدمية والأمنية.

وفي هذا السياق، يواصل اللواء الركن فلاح الشهراني، مستشار قوات «تحالف دعم الشرعية في اليمن»، عقد لقاءات مكثفة مع ممثلي القطاعات المدنية والنشطاء والإعلاميين، بهدف بناء شراكة واسعة مع المجتمع العدني، وتوسيع دائرة المشاركة في صياغة وتنفيذ خطة استعادة الهوية المدنية للمدينة التي أنهكتها سنوات الصراع.

وإلى جانب المتابعة اليومية لخطة إخلاء عدن من المعسكرات، وإعادة هيكلة ودمج الوحدات الأمنية، يولي مستشار القوات المشتركة اهتماماً خاصاً بملف الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، بوصفها المدخل العملي لاستعادة ثقة الشارع، وتحسين مستوى المعيشة.

كما يعقد الشهراني لقاءات دورية مع صحافيين وناشطين وشخصيات اجتماعية، يستمع خلالها إلى آرائهم وملاحظاتهم بشأن التحديات التي تواجه المدينة، وتطلعات سكانها في هذه المرحلة الجديدة التي يأملون أن تعيد لعدن مكانتها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، كواحدة من أقدم المدن التي جسدت قيم التعايش والانفتاح.

«تحالف دعم الشرعية» يشرف على تطبيع الحياة وتحسين الخدمات في عدن (إعلام حكومي)

وأكد مشاركون في تلك اللقاءات أهمية منح أبناء عدن دوراً أكبر وحضوراً حقيقياً في عملية صنع القرار، مشيرين إلى أنهم عانوا من التهميش خلال فترات سابقة، وأن أي خطة ناجحة لاستعادة الطابع المدني يجب أن تنطلق من إشراكهم، بوصفهم أصحاب مصلحة مباشرين.

كما شددوا على ضرورة إعطاء أولوية قصوى لقطاع التعليم، بوصفه الركيزة الأساسية للبناء والتنمية المستدامة، والدعامة الأولى لإعادة إنتاج الوعي المدني، وترسيخ ثقافة القانون.

وطالب المشاركون بتوجيه الدعم نحو مشاريع مستدامة، وفي مقدمها إعادة تأهيل المباني المتضررة بسبب الغزو الحوثي للمدينة في عام 2015، لما لذلك من آثار مباشرة على حياة السكان، سواء من حيث السكن أو الخدمات أو النشاط الاقتصادي.

وأشاروا إلى أن النقاشات مع اللواء الشهراني اتسمت بالجدية والوضوح، وأظهرت حرص قيادة «تحالف دعم الشرعية» على الاستماع لهموم الشارع بشكل مباشر، بعيداً عن القوالب الرسمية الجامدة، مؤكدين أنهم لمسوا توجُّها حقيقياً ورؤية صادقة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب في عدن وبقية المحافظات المحررة، بالتوازي مع العمل على تثبيت الأمن والاستقرار.

الخدمات... بوابة التعافي

وبينما تتواصل عملية إخراج المعسكرات من المدينة، بالتزامن مع تركيز واضح على تحسين فعلي وسريع في خدمات المياه والكهرباء والصحة، أكدت شخصيات عدنية على ضرورة أن يكون المجتمع شريكاً حقيقياً وفاعلاً على الأرض، لمساندة خطة الإصلاحات في مختلف المجالات.

ودعا وجهاء المدينة إلى تكاتف الجهود الرسمية والمجتمعية لإعمار عدن، وتنفيذ المشاريع التنموية والخدمية التي من شأنها تسريع وتيرة تعافي المدينة، واستعادة نشاطها، ونفض غبار الحرب والإهمال عنها.

وحمَّل هؤلاء الفساد المستشري مسؤولية تدهور الأوضاع خلال السنوات الماضية، منبهين إلى أهمية تعزيز الرقابة الفاعلة على تنفيذ المشاريع، وتحسين مستوى الخدمات، وانتظام صرف المرتبات، وتفعيل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، بما يضمن استدامة الاستقرار وعدم الارتداد إلى مربع الفوضى.

ارتياح واسع في الشارع العدني لخروج المعسكرات من المدينة (إعلام حكومي)

ومع تأكيدهم على المكانة السياسية والاقتصادية المحورية لمدينة عدن، شددوا على أن استقرارها ونجاح إدارتها يمثلان ركيزة أساسية لنجاح أي رؤية أو مشروع استراتيجي شامل لتحقيق الاستقرار في اليمن.

وطالب المشاركون بإعطاء أبناء المدينة فرصة حقيقية للمشاركة الفاعلة في إدارة شؤونها، وتمثيل سكانها تمثيلاً صادقاً ومسؤولاً، معتبرين أن اختيار الشخصيات التي ستمثل عدن في مؤتمر الحوار الجنوبي المزمع عقده في السعودية، يشكل خطوة مفصلية لنجاح خطة إعادة الطابع المدني، شريطة أن يتم بعيداً عن الاختزال في أفراد أو جماعات بعينها.

جهود أمنية وإدارية

ومع بدء تنفيذ المرحلة الأولى من خطة إعادة الانتشار العسكري، واصلت شرطة عدن حملاتها لمنع الدراجات النارية، وضبط السلاح غير المرخص، والمركبات المخالفة، ومروجي المخدرات.

وشهد عدد من مديريات المدينة انتشاراً أمنياً منظماً لفرض هيبة الدولة، وتأمين حركة السكان، والتصدي لأي ممارسات تهدد الأمن والاستقرار. ووفق إدارة الشرطة، تُنفَّذ الخطة الأمنية ضمن برنامج مرحلي مدروس، شمل إعادة تموضع الوحدات الأمنية، وسحب الأسلحة الثقيلة من الأحياء السكنية، على أن تشهد المرحلة المقبلة حزماً أكبر تجاه أي تجاوزات.

محافظ عدن يعقد اجتماعاً مع المسؤولين في مطار المدينة الدولي (إعلام حكومي)

وفي سياق متصل بجهود تطبيع الحياة وتعزيز البنية الخدمية في العاصمة المؤقتة عدن، اطَّلع وزير الدولة محافظ محافظة عدن، عبد الرحمن شيخ، ومعه رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد الكابتن صالح بن نهيد، على سير العمل في مطار عدن الدولي والمرافق التابعة له، بما في ذلك معهد أمن الطيران، وذلك ضمن مساعٍ رسمية للارتقاء بأداء هذا المرفق الحيوي، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمسافرين.

واستمع محافظ عدن ورئيس هيئة الطيران، بحضور وكيل المحافظة عدنان الكاف، من مدير عام مطار عدن الدولي هيثم جابر، إلى شرح مفصل حول حركة النشاط الملاحي والرحلات الجوية، ومستوى التسهيلات والخدمات المقدمة، إضافة إلى آلية التنسيق القائم بين إدارات المطار والأجهزة الأمنية المختصة، بما يسهم في تعزيز الانسيابية والحفاظ على أمن البلاد وسلامة المسافرين.

وشدد المحافظ على ضرورة الحفاظ على الصورة الحضارية لمطار عدن الدولي، بوصفه الواجهة الرئيسية للعاصمة المؤقتة ومنفذها إلى العالم الخارجي، مؤكداً أهمية الالتزام بالمعايير المهنية والتنظيمية، والعمل بروح الفريق الواحد للارتقاء بمستوى الخدمات.

وثمَّن شيخ الدعم المقدم من السعودية لتطوير المطار وتحسين بنيته التحتية ومرافقه، بما ينعكس إيجاباً على أدائه ودوره الحيوي، مشيداً بجهود قيادة وموظفي المطار، ومؤكداً حرص السلطة المحلية على تقديم الدعم اللازم لتحسين الأداء، وتقديم أفضل الخدمات للمواطنين والمسافرين.


الهلع من إسرائيل يغيّب قادة الحوثيين عن فعاليات «التعبئة»

مقتل أهم قادة الجناح العسكري للحوثيين أثار الذعر في صفوف الجماعة (إعلام محلي)
مقتل أهم قادة الجناح العسكري للحوثيين أثار الذعر في صفوف الجماعة (إعلام محلي)
TT

الهلع من إسرائيل يغيّب قادة الحوثيين عن فعاليات «التعبئة»

مقتل أهم قادة الجناح العسكري للحوثيين أثار الذعر في صفوف الجماعة (إعلام محلي)
مقتل أهم قادة الجناح العسكري للحوثيين أثار الذعر في صفوف الجماعة (إعلام محلي)

كشفت الفعاليات التي تنظمها الجماعة الحوثية في العاصمة المختطفة صنعاء وبقية مدن سيطرتها عن غياب لافت وغير مسبوق لكبار قادة الصف الأول، في مؤشر عدّه مراقبون انعكاساً مباشراً لحالة القلق الأمني والاستنفار الشديد التي تعيشها الجماعة منذ فترة، في أعقاب الضربات الإسرائيلية التي استهدفت سابقاً قيادات بارزة في الجماعة المتحالفة مع إيران.

وعلى الرغم من محاولات الجماعة إظهار تلك الفعاليات كأنها تسير بشكل اعتيادي، سواء عبر التغطية الإعلامية أو الخطاب التعبوي المعتاد، فإن الواقع الميداني عكس صورة مغايرة؛ حيث اختفى قادة الصف الأول تماماً عن المشهد، وجرى الاكتفاء بمشرفين صغار وخطباء محليين، في خطوة فسّرها متابعون بأنها إجراء وقائي لتقليل المخاطر، في ظل تصاعد المخاوف من استهدافات دقيقة قد تطول شخصيات قيادية بارزة.

وأوضحت مصادر مقربة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن الحضور في معظم الفعاليات الأخيرة اقتصر على قيادات من الصفين الثاني والثالث، إلى جانب مشرفين محليين وشخصيات اجتماعية ودينية موالية، في حين غاب قادة اعتادوا الظهور العلني في مثل هذه المناسبات التي تستخدمها الجماعة تقليدياً لتعبئة الأتباع وترسيخ خطابها السياسي والعقائدي.

الحوثيون أقروا بمقتل رئيس أركانهم محمد الغماري ويتكتمون على مصير قادة آخرين (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن التوجيهات الصادرة من الأجهزة الأمنية التابعة للجماعة شددت على تقليص الظهور العلني للقيادات البارزة، وعدم إظهار أي مؤشرات قد تكشف عن أماكن تجمعهم أو تحركاتهم، الأمر الذي انعكس على طبيعة الفعاليات التي بدت أقل تنظيماً وحضوراً مقارنة بالسنوات الماضية.

مخاوف غير مسبوقة

وذكرت المصادر أن الإجراءات الأمنية المشددة، وحالة التخفي التي فُرضت على كبار القادة الحوثيين، جاءت نتيجة مخاوف حقيقية من تعرضهم لاستهدافات محتملة، خصوصاً مع اتساع نطاق الضربات التي طالت في فترات سابقة مواقع وقيادات مرتبطة بإيران في عدد من دول المنطقة.

ويؤكد سكان في صنعاء أن الفعاليات التي أُقيمت هذا العام بدت باهتة ومفككة، سواء من حيث الحشد الجماهيري أو مستوى الخطاب، مشيرين إلى تراجع واضح في أعداد المشاركين، رغم استمرار استخدام وسائل الترهيب والإجبار الوظيفي، وتشديد نقاط التفتيش، وانتشار مسلحين بزي مدني حول مواقع الفعاليات.

ويقول «أبو عبد الله»، أحد سكان حي الحصبة بشمال صنعاء، إن فعالية أُقيمت مؤخراً في منطقته خلت من أي قيادي حوثي معروف. وأضاف: «في السنوات الماضية كنا نشاهد قيادات كبيرة على المنصة، أما هذه المرة فلم يظهر أحد، حتى مشرف الحي كان متخفياً، وكان الارتباك واضحاً، وعدد المسلحين يفوق عدد الحاضرين».

قيادات حوثية بارزة خلال فعالية سابقة في صنعاء (الشرق الأوسط)

أما «خالد»، وهو موظف حكومي في ريف صنعاء أُجبر على الحضور، فأشار إلى صدور تعليمات صارمة تمنع تصوير الفعاليات أو تداول أي مقاطع فيديو أو صور قد تكشف عن الموقع أو هوية المشاركين. وقال: «مُنعنا من التصوير، ومن ذكر أسماء القيادات الحاضرة، رغم أنها ليست من الصف الأول، وهذا يعكس حالة هلع غير مسبوقة».

غياب الصف الأول ودلالاته

ومقارنة مع الأعوام السابقة، رصدت المصادر غياباً لافتاً لعدد من أبرز قادة الصف الأول في الجماعة ممن اعتادوا الظهور العلني أو الإشراف المباشر على الفعاليات ذات الطابع الطائفي.

ومن بين الغائبين مهدي المشاط، رئيس مجلس حكم الجماعة الانقلابي، ومحمد علي الحوثي، إضافة إلى أحمد حامد، من أكثر الشخصيات نفوذاً داخل الدائرة الأمنية للجماعة، وكذا كبار القادة العسكريين والأمنيين؛ حيث لم يُسجل لهم أي حضور ميداني أو ظهور إعلامي متزامن مع هذه الفعاليات.

ابن عم زعيم الحوثيين لدى حضوره فعالية تعبوية سابقة في صنعاء (إكس)

ووفقاً للمصادر، لم يقتصر الغياب على عدم الحضور الميداني فحسب، بل شمل أيضاً توقفاً شبه كامل عن الظهور الإعلامي المباشر، والاكتفاء ببيانات مكتوبة أو خطابات مسجلة، وهو ما عدّه مراقبون مؤشراً واضحاً على تصاعد القلق داخل أروقة الجماعة.

ويرى محللون سياسيون في صنعاء أن هذا الغياب يحمل دلالات تتجاوز البُعد الأمني، ويعكس حالة ارتباك داخل بنية الجماعة التي اعتادت استعراض قياداتها في المناسبات الكبرى لإظهار التماسك والسيطرة.

ويشير هؤلاء إلى أن استمرار اختفاء القيادات عن الواجهة قد يُضعف قدرة الحوثيين على استخدام المناسبات الطائفية بوصفها أداة للتعبئة والتحشيد، في وقت يواجهون فيه ضغوطاً داخلية وخارجية متزايدة، وتحديات أمنية غير مسبوقة تُهدد صورتهم أمام أنصارهم.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended