زيباري: إجراءات السعودية لمكافحة الإرهاب استشعار بالخطر المتربص بالدول العربية

وزير الخارجية العراقي يقول لـ («الشرق الأوسط») إنه لا بد من تنقية الأجواء قبل الذهاب إلى قمة الكويت

هوشيار زيباري
هوشيار زيباري
TT

زيباري: إجراءات السعودية لمكافحة الإرهاب استشعار بالخطر المتربص بالدول العربية

هوشيار زيباري
هوشيار زيباري

أشاد وزير الخارجية العراقي، هوشيار زيباري، بالإجراءات التي تبنتها المملكة العربية السعودية أخيرا ضد التنظيمات الإرهابية المنتمية إلى «القاعدة» وفصائلها، مثل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، و«جبهة النصرة».
وقال زيباري، في حوار مع «الشرق الأوسط»، على هامش اجتماع وزراء الخارجية العرب بمقر الجامعة العربية في القاهرة «إن القرار صائب وجاء في وقت مهم استشعرت فيه المملكة الخطر المتربص بالمنطقة».
وأفاد زيباري بأن تنظيم داعش يحاول إقامة إمارة إسلامية على حدود العراق وسوريا، وهو الأمر الذي عده خطرا على أمن واستقرار الدول العربية وخاصة الخليجية، إضافة إلى الأردن ولبنان. كما تحدث عن الوضع الأمني والسياسي في العراق، وأهمية إيجاد آلية للحوار بين القوى السياسية للاتفاق والتفاهم حول ثوابت تخدم مصلحة الشعب العراقي وتحافظ على مصالحه وتلبى حاجته إلى التنمية.
وأكد زيباري أنه لا يوجد في العراق حاليا صراع طائفي، وإنما الجميع ضد الإرهاب. وقال: «يخطئ من يظن السيطرة والإمساك بذيل الثعبان من دون أن يلدغه»، في إشارة إلى من يقف خلف التنظيمات الإرهابية. كما تحدث عما دار في اجتماعات وزراء الخارجية العرب حول الأزمة السورية تحديدا وقال إنها تحتاج إلى معالجة وحلول جديدة غير تقليدية، وعد فشل جولتين في جنيف لا يعني انتهاء فرص الحل السلمي.
وفيما يلي نص الحوار.

* العراق يعقد مؤتمرا دوليا لمكافحة الإرهاب.. هل يحقق النتائج المطلوبة ويضع حلولا لتحجيم هذه الظاهرة التي تحولت إلى كارثة إنسانية في المنطقة؟
- الإرهاب أصبح ظاهرة عابرة للحدود ويشكل خطرا على الساحة العربية والإسلامية والدولية وغير محسوب على دين أو طائفة أو لون. ومن ثم، فإن مكافحة الإرهاب لن تكون فقط من خلال الوسائل الأمنية والاستخباراتية، وإنما من خلال تجفيف منابع الفكر والتمويل والتنظيم والتسهيلات وتفكيك هذه الشبكات وتسميتها بالاسم من دون خجل أو مواربة، لأن هذه الشبكات والتنظيمات تستفيد من اضطراب الأوضاع السياسية والفوضى، وأحيانا تستهدف الأنظمة من أجل إثارة الفوضى حتى في الدول المستقرة. لذلك، بادر العراق إلى عقد مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب، ورئيس الوزراء (نوري المالكي) أكد أكثر من مرة ضرورة الاهتمام بهذا الموضوع. المؤتمر سيكون على مستوى الخبراء والمختصين في مجال مكافحة الإرهاب من دول عربية وأجنبية ومراكز أبحاث وأجهزة أمنية من كل الدول المعنية بهذا الموضوع، لأن الجميع أصبح يتحسس من خطورة هذه التنظيمات في العراق ومصر والسعودية واليمن، والإرهاب الموجود في سوريا ولبنان وليبيا، ومعظم الدول تعاني هذا الخطر، لذلك بدأت بعض الدول تتخذ إجراءات وتسمى الأشياء مسمياتها.
* أعلنت السعودية عددا من التنظيمات والشبكات التي ترتكب أعمالا إرهابية جماعات محظورة، مثل «داعش» وحزب الله وجماعة الإخوان المسلمين و«جبهة النصرة»، وكلها تقريبا خرجت من عباءة تنظيم القاعدة، كيف ترون هذا القرار؟
- هذا هو الموقف الصائب الذي يؤكد أن المملكة العربية السعودية قد انتبهت لمخاطر الإرهاب ومن يقف خلفه. كذلك يؤكد هذا الموقف خطورة دعوات التجنيد والجهاد من بعض المؤسسات، ولهذا اتخذت السعودية مجموعة مهمة من الخطوات، أولا بخصوص مواطنيها بمحاسبتهم ومعاقبتهم، وثانيا، بتسمية منظمات إرهابية نحن نقاتلها أيضا، ومنها (داعش)، وهي حاليا في صراع معنا في الأنبار ومناطق أخرى، و«جبهة النصرة» موجودة في سوريا أيضا وتنظيمات منتشرة في أكثر من مكان تتبنى عمليات إرهابية، لذلك مطلوب من كل الدول العربية أن تنتبه لخطورة الظاهرة لأنه لن يفوز أحد في هذه المعركة، فالتنظيمات الإرهابية مثل الثعابين ويخطئ من يظن أنه يمسك بذيل الثعبان ويسيطر عليه من دون أن يلدغه. إنها ظاهرة ومقامرة خطرة جدا، وأي دولة تسعى لاستقطاب هذه التنظيمات لأغراض سياسية وأمنية ستفشل.
* ما الأسباب وراء تصاعد نشاط «القاعدة» في العراق أخيرا، خاصة في ظل التفجيرات التي يشهدها يوميا؟
- «القاعدة» كثفت نشاطها أخيرا بالعراق في ظل الأوضاع الكارثية في سوريا، ومعروف أن «داعش» العراق تنسق مع المجموعات الموجودة في سوريا، إضافة إلى وجود أسباب داخلية وخارجية. بالتأكيد، إن محاربة الإرهاب والعنف لا تكون فقط بالوسائل العسكرية والأمنية، بل لا بد من حلول وإجراءات سياسية وتنموية في الوقت نفسه، ونحن في العراق تأخرنا حقيقة. فبعد القضاء على نشاط «القاعدة» في عامي 2010 و2011 وتفكيك شبكاتها وخروج القوات الأميركية وسيطرة قوات الأمن العراقية، أهملت مجموعة من الإجراءات التي كان من المفروض أن تتبع، مثل «الصحوات» وتعزيز المشاركة السياسية ومبدأ المصالحة والتوافق ومراعاة المناطق المهمشة وتقديم الخدمات ومشاريع التنمية وإيجاد وظائف للشباب وغير ذلك، لكن تداعيات الأزمة السورية وتداعياتها المباشرة علينا حالا دون ذلك، وهذا ما طرحناه في الجامعة العربية وقلت لهم: أنتم تتحدثون عن سوريا وهو بلد بعيد عن حدودكم، لكن العراق يعيش هذه الحرب والأزمة يوميا. إن تأثيرات الأزمة السورية، خاصة على محافظة الأنبار، كانت قاتلة ووصلت بهم الجرأة إلى حد السيطرة على المحافظة ككل، ولكن بجهود الحكومة والقوات الأمنية والتعاون مع العشائر في محافظة الأنبار والقيادات المحلية والقوات الأمنية ومجلس المحافظة المنتخب من أهالي الأنبار - جرت استعادة السيطرة على مدينة الرمادي والقسم الغربي من الأنبار. لكن، لا تزال هناك مشكلة في الفلوجة، حيث تتحصن الجماعات الإرهابية. وهناك حركة نزوح حدثت في الأنبار، والحكومة تبنت مجموعة من القرارات، مثل عدم دخول القوات العراقية إلى المدن حتى لا يؤدي الاقتحام إلى خسائر في الأرواح البشرية كبيرة، وكذلك حرصا من الحكومة على ألا يتحول النزاع مع المسلحين إلى صراع طائفي (سني – شيعي). فالحكومة تريثت في كثير من الإجراءات الأمنية.
* لكن إياد علاوي اتهم ـالحكومة الحالية بأنها طائفية.
- المعركة ليست شيعة ضد السنة، وإنما هي معركة سنة وشيعة وأكراد وآخرين ضد الإرهاب. لا نخفي أن لدينا مشاكل كان من المؤمل تجاوزها والسيطرة على الأوضاع قبل إجراء الانتخابات (نهاية الشهر المقبل)، لكن التوجه العام هو استمرار الضغط على هذه المجموعات الإرهابية وتشجيع العشائر وأهالي الفلوجة والأنبار على القيام بالعمل بأنفسهم من خلال دعم الحكومة.
* الدور الأميركي في دعمكم لمكافحة الإرهاب، هل توقف أم ماذا؟
- الجانب الأميركي قدم مساعدات قيمة في مجال مكافحة الإرهاب - أسلحة ومعلومات استخباراتية ورصد جوي وطائرات من دون طيار وذخيرة وصواريخ - وهناك حتى برنامج لتدريب قوات مكافحة الإرهاب، والكل يستشعر حقيقة أن نجاح هؤلاء – (داعش) أو «القاعدة» والتنظيمات الإرهابية - في إنشاء قاعدة بشرق سوريا وفي غرب العراق وتأسيس إمارة إسلامية سيجعل من هذه القاعدة منطلقا لعمليات ضد الدول الأخرى في المنطقة وضد دول الخليج والأردن ولبنان، وهذا لم يتحقق لهم حتى الآن بسبب إجراءات المكافحة والمواجهة، لكنه يبقى خطرا وجوديا بالنسبة للعراق الذي يعاني يوميا هذه المجموعات.
* هل تتوقع نجاح هذه التنظيمات في مسعاها؟
- بالنسبة للعراق، هو في مرحلة الإعداد لإجراء الانتخابات، والكل لا يريد أن يرتكب أي أخطاء، لكن القضاء عليها أو طردها مهمة أي حكومة، وخاصة الحكومة الحالية، لإبعاد شرها عن المواطنين.
* كيف ترى الوضع السياسي في العراق وخروج مقتدى الصدر من الحياة السياسية؟
- الوضع السياسي متأزم حاليا نظرا لغياب الحوار الجاد السياسي والبناء لمعالجة المشاكل بسبب غياب آليات الحوار التي كانت متبعة سابقا. إذ كانت هناك اجتماعات للقيادات السياسية تحت رعاية الرئيس جلال طالباني وكان يجمع أطراف الحوار، وقيادات أخرى أبرمت اتفاق أربيل لتشكيل الحكومة، لكن، حاليا، هذا الوسيط الجاد بين القيادات السياسية غائب، ولم تعقد منذ فترة أي لقاءات مهمة وسياسية بين القيادات والقوى السياسية في العراق للبحث عن حلول أو خطة للتحرك، ونأمل أن يحدث ذلك خلال الفترة المقبلة، وأن ترتفع القيادات العراقية إلى مستوى المسؤولية وتؤكد الوحدة والتعاون والتضامن المشترك، وأن تكون لأجندة اللقاء ثوابت يتفق عليها، فمثلا الموقف من الإرهاب يجب ألا تكون هناك أي مراوغة فيه، ودعم القوات العراقية في مكافحة الإرهاب أمر ضروري، والمطالبة بالإصلاحات ومعالجة احتياجات المواطنين وأهل الأنبار في بعض الأمور الخدمية والتنموية، وأرجو ألا يكون هناك جدل في هذا الموضوع، والاتفاق على الانتخابات وأن تجري في التوقيت المتفق عليه.
* ماذا عن نتائج اجتماعات وزراء الخارجية العرب، هل من جديد؟
- الاجتماع كان هدفه التحضير والتمهيد وإقرار التوصيات من مؤسسات الجامعة ولجانها تمهيدا لعقد القمة العربية في الكويت، وسيعقد اجتماع تحضيري آخر خلال الأيام المقبلة، وقد اتسمت الاجتماعات بالموضوعية، ومن البنود التي أخذت وقتا في النقاش البند الخاص بشغل مقعد سوريا، وهو معروض للبحث منذ عامين، وكانت هناك آراء واضحة في هذا الموضوع بأن المقعد يجب أن يكون شاغرا حتى تشكل حكومة سورية ذات سيادة مقبولة من قبل كل أطراف الشعب، وآنذاك لا توجد مشكلة. القرار الذي اتخذ بشأن سوريا كان واضحا وهو تعليق مشاركة الوفود السورية وليس تعليق العضوية، وهناك فرق كبير، والعراق أوضح أنه من الناحية القانونية فإن هذا الأمر سيخلق سابقة خطيرة للجامعة العربية، ويمكن لأي معارضة في الدول العربية أن تحشد تأييدا وتطالب بمقعد الدولة، ومن ثم لا بد من إغلاق هذا الباب. والاتفاق الذي حصل هو أن هذا الموضوع غير محسوم، واتفق على أنه ليس هناك ما يمنع من إلقاء كلمة للمعارضة السورية في اجتماعات الجامعة على المستوى الوزاري والقمة لشرح الأوضاع والتطورات. الموضوع الثاني يخص عملية السلام في سوريا لأنه كان هناك توجه لاتخاذ مواقف وإلقاء اللوم على طرف في فشل مفاوضات جنيف، وفي الوقت نفسه مطالبة المبعوث العربي والأممي الأخضر الإبراهيمي والأمين العام للأمم المتحدة والجامعة العربية بمواصلة جهودهم، وقلنا لهم: هناك تناقض بين هذا وذاك، وحدثت حوارات جادة وصريحة في هذا الموضوع، وذكرت أنه لا أحد يتوقع التوصل إلى حل سياسي في سوريا خلال جولة أو اثنتين بعد هذا الصراع الدموي والتخوين ورفض الجلوس على مائدة واحدة، ولا يمكن القول إنه بعد جولة أو اثنتين وفشل التفاوض يكون التسليح ثم المواجهة العسكرية - هل هذا هو الحل؟ مزيد من سفك الدم السوري. إننا نقر ونعترف بأنها أزمة وكارثة في غاية التعقيد، والقرار خرج من الجامعة والدول العربية، والموضوع السوري يحسم بين أميركا وروسيا، وهما لديهما اهتمامات في أزمة أوكرانيا التي تحظى بالأولوية في نظرهما.
* هل يمكن للأطراف العربية الضغط لعقد «جنيف3» للتوصل إلى إجراءات جديدة؟
- المفروض أن يجري ذلك وأن نتابع التسوية السياسية، وأن تمارس الضغوط على جميع الأطراف في هذا الاتجاه. المسألة ليست سهلة، لكن لا يزال هناك أمل في إحراز بعض التقدم في هذا المجال.
* القمة العربية المقبلة في الكويت، هل تعالج حالة الاحتقان بين بعض العواصم العربية؟
- لا بد من حل الخلافات وتنقية الأجواء حتى قبل الذهاب إلى القمة. وأعتقد أن سمو أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد، من خلال تجربته ودرايته بهذه الأمور، يمكن أن يساعد في تهيئة الأجواء وعقد قمة ناجحة في الكويت، وهذا ما ندعمه ونقف معه في هذا الموضوع، والعراق سيشارك بقوة وعلى أعلى مستوى في هذه القمة، وأتصور أن هناك جهودا ومحاولات لرأب الصدع وتهيئة الأجواء المناسبة لمشاركة جميع الدول العربية وعلى أعلى مستوى في القمة.
* ما المأمول من هذه القمة وماذا تضيف للمواطن العربي؟
- كل القمم مهمة وتأتي في فترات مفصلية صعبة، لكن هذه القمة في تقديري تحتاج إلى حوار صريح للقادة العرب حول المستقبل وصيانة أمن المنطقة ومصالحها بعيدا عن وسائل الإعلام أو إلقاء الخطب والكلمات، وأن يستمع كل القادة بعضهم إلى بعض، وأن يعرف الجميع إلى أين نحن ذاهبون. هناك إرهاب، واستقطاب طائفي، ومشاكل تنموية، ودول عربية بحاجة إلى مساعدات، وتكامل عربي غائب في قضايا الاقتصاد والتجارة، وكثير من الأمور، وقضية فلسطين.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.