ملامح فك حصار تعز.. والراهدة في جنوب المدينة تعيد ترتيب صفوفها

قيادات سياسية في «المؤتمر» تنقلب على صالح

مقاتل من المقاومة الشعبية جرح خلال اشتباكات مع ميليشيات الحوثيين في تعز (رويترز)
مقاتل من المقاومة الشعبية جرح خلال اشتباكات مع ميليشيات الحوثيين في تعز (رويترز)
TT

ملامح فك حصار تعز.. والراهدة في جنوب المدينة تعيد ترتيب صفوفها

مقاتل من المقاومة الشعبية جرح خلال اشتباكات مع ميليشيات الحوثيين في تعز (رويترز)
مقاتل من المقاومة الشعبية جرح خلال اشتباكات مع ميليشيات الحوثيين في تعز (رويترز)

بدت ملامح فك الحصار وتحرير محافظة تعز، ثالث كبرى المدن اليمنية من حيث عدد السكان وسط اليمن، من ميليشيات الحوثي قوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، تظهر بشكل واضح، وبأن المعركة قد حسمت عسكريًا وسياسيًا بين قوات الشرعية وقوات التحالف التي تقودها السعودية.
وأعادت المقاومة الشعبية بجبهة الراهدة، جنوب مدينة تعز، ترتيب صفوفها العسكرية في الوقت الذي تواصل فيه، أيضًا، تصديها للمحاولات المستميتة التي تقوم بها ميليشيات الحوثي وقوات المخلوع علي عبد الله صالح للسيطرة على مواقع جديدة، حيث تمكنت المقاومة من طرد الميليشيات الانقلابية من مدينة كرش، التي تقع بين محافظتي تعز ولحج الجنوبية وتتبع إداريًا محافظة لحج.
ويأتي ذلك في الوقت الذي تمكنت القوات المشتركة، وتحت غطاء جوي مركز ومباشر من قبل طيران التحالف التي استهدفت مواقع وتجمعات الميليشيات وسط مدينة تعز وأطرافها، بتحقيق تقدم كبير ونوعي على الأرض من خلال السيطرة على مواقع كانت خاضعة لسيطرة الميليشيات الانقلابية.
ومن جهتها، تواصل ميليشيات الحوثي وقوات المخلوع علي عبد الله صالح قصفها العنيف والهستيري بمختلف أنواع الأسلحة المتوسطة والثقيلة من مواقع تمركزها في الأحياء السكنية بمدينة تعز، ثالث كبرى المدن اليمنية من حيث السكان.
واشتد قصف الميليشيات بعدما تمكنت قوات الجيش الوطني والمقاومة الشعبية المسنودة من قوات التحالف التي تقودها السعودية من استعادة مواقع كانت خاضعة لسيطرة الميليشيات، والسيطرة على مواقع جديدة بما فيها منطقة المداح بجوار محطة سوق نجد قسيم، جنوب مدينة تعز، على الأحياء السكنية التي تخضع لسيطرة المقاومة الشعبية بما فيها أحياء الجحملية وثعبات والشماسي والمسبح والنسيرية والقاهرة وجبل صبر ومديرية المسراخ والضباب ومديرية حيفان والشريجية، مخلفة وراءها قتلى وجرحى من المدنيين بينهم أطفال ونساء.
وقال مصدر في المقاومة الشعبية بمحافظة تعز لـ«الشرق الأوسط» إن «ميليشيات الحوثي وقوات المخلوع صالح كثفت من محاولاتها البائسة في التسلل والتقدم إلى مواقع المقاومة الشعبية والجيش الوطني، معتقدة بذلك أنها ستحقق مكاسب على الأرض بهجومها المستميت بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة وارتكابها مجازر جديدة بحق المدنيين، لكنها تكبدت خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، ودون أن تحقق أي شيء سوى الخسارة والانسحاب وتعويض خسائرهم في تفجير منازل المواطنين».
وأضاف أن «قوات الجيش الوطني والمقاومة الشعبية أجبرت ميليشيات الحوثي وصالح على الانسحاب من المواقع القتالية خاصة في جبهات الجحملية وثعبات والحصب ووادي عيسى الدحي وعصيفرة والأربعين والبعرارة وجبهة الشقب، ولا تزال المواجهات عنيفة بين عناصر المقاومة الشعبية والجيش الوطني، من جهة، وميليشيات الحوثي وصالح، من جهة أخرى، والأبطال يستمرون في الدفاع عن المواقع بكل بسالة وصمود».
وأكد المصدر ذاته أن «القوات الشرعية وبمساندة قوات التحالف التي تقودها السعودية وضعت ثقلها في عملياتها العسكرية في محافظة تعز وسيطرت على أجزاء كبيرة في جبهات القتال الغربية والشرقية والجنوبية، مما يشير إلى أن المعركة الحاسمة بدأت بشكل فعلي من خلال تطهير عدد من التباب والمواقع، بما فيها استكمال أبطال الجيش الوطني والمقاومة الشعبية في مديرية صبر من تطهير تباب مزعل والصالحين والسقاية بجبهة الشقب من جيوب الميليشيات».
وشهدت جبهة الشقب والأربعين وجبهة الكمب والقصر الجمهوري، أمس، مواجهات عنيفة بين القوات الموالية للشرعية والميليشيات الانقلابية، تكبدت فيها هذه الأخيرة الخسائر الفادحة في الأرواح والعتاد، مما جعلها ترتكب مجزرة جديدة في حي الكوثي من خلال قصفهم بقذائف الهاون بجوار الجامعة الأردنية وراح ضحيتها طفلان وجرح خمسة آخرين وامرأة، بالإضافة إلى استخدامهم المباني السكنية لقنص الأبرياء ونهب منازل المواطنين.
بدوره، أكد الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي أن «تعز ستظل حاملة للمشروع الوطني والوعي السياسي، ومن أجل هذا تصب الميليشيا الانقلابية جام حقدها الدفين والخبيث على المدينة لوأد صوت التنوير ومشعل الحلم والأمل الذي تحمله وتعبر عنه تعز بمدنيتها وسماحة ووعي أبنائها».
وثمن الرئيس هادي خلال استقباله، أمس، في مدينة عدن مجموعة من شباب «تجمع» تعز الذين وصلوا لمحافظة عدن في كسر للحصار الذي تفرضه ميليشيا الحوثي وصالح الانقلابية على المدينة، التضحيات الجسيمة لأبناء المحافظة في مواجهة المشروع الظلامي الحاقد على الوطن والحالم بعودة اليمن إلى ما قبل ثورتي سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) المجيدتين.
وقال، بحسب وكالة «سبأ» للأنباء، إن «مشروع ولاية الفقيه الذي اتفق عليه سلفًا الحوثي وصالح في احتكار السلطة تكشفت أوراقة ورفضه جميع أبناء الوطن الذي لا يقبل بهذه التجربة الدخيلة ذات النزعة المذهبية الخطيرة المهددة للحياة السياسية والنسيج الاجتماعي لليمن».
وأشاد الرئيس هادي بالانتصارات والصمود البطولي لقوات الجيش والمقاومة الشعبية الباسلة المسنودة بقوات التحالف العربي في مواجهة ميليشيا الحوثي وصالح الانقلابية، مؤكدا أن «النصر آت وما على الجميع سوى رباطة الجأش والثبات والصبر وشد الهمم وستجر الميليشيا الهمجية أذيال الهزيمة والخزي، وستدفع ثمن ما اقترفته من جرائم يندى لها الجبين».
ومن جهتهم، تطرق شباب «تجمع تعز» خلال لقائهم بالرئيس هادي إلى ما تعانيه محافظة تعز من حرب شعواء وقصف همجي طال جميع أحياء المدينة واستهدف المستشفيات والمراكز الصحية والمدارس وكل المرافق العامة والخاصة دون استثناء، وقالوا إن «الرئيس الذي استطاع أن يكسر الحصار والإقامة الجبرية التي فرضتها عليه القوى الانقلابية داخل العاصمة صنعاء قادر اليوم، وهو مسنود بالإجماع الإقليمي والدولي، على أن يفك الحصار عن تعز ويضع حدًا لمعاناة أبناء المحافظة الذين يعيشون أوضاعًا إنسانية يصعب تخيلها».
في المقابل، أعلنت قيادات وأفراد حزب المخلوع علي عبد الله صالح، حزب المؤتمر الشعبي العام، انقلابها على المخلوع صالح من خلال الدعوة للاصطفاف الوطني الشامل في تعز وكل المحافظات لمقاومة قوى الانقلاب والتمرد بهدف استعادة الدولة وإعادة بنائها.
وقالت قيادة دوائر المؤتمر الشعبي العام في محافظة تعز في بيان لها، حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إنه «إزاء الأفعال الهمجية والحصار الظالم التي تفرضه الميليشيات على محافظة تعز، وقفت قيادات المؤتمر الشعبي العام في محافظة تعز أمام دعوة فروع أحزاب اللقاء المشترك في محافظة تعز للمؤتمر الشعبي العام للوقوف صفًا واحدًا في مواجهة قوى الانقلاب».
وأضافت: «يا أبناء وبنات تعز الشرفاء البطولات التي تسجلوها اليوم تشكل نموذجًا لكل أبناء الشعب اليمني للوقوف صفًا واحدًا ضد الانقلاب على الشرعية والدولة والشعب. وفي هذه اللحظة الفارقة ومع احتدام الصراع بين قوى الخير وقوى الشر يقف المؤتمر الشعبي العام بين طريقين لا ثالث لهما، إما الانحياز التام إلى جانب الوطن والشعب والثوابت الوطنية للمؤتمر الشعبي العام والمتمثلة في الجمهورية والوحدة والتداول السلمي للسلطة، أو البقاء في إطار تحالف علي عبد الله صالح مع الحوثي الذي دمر كل ما بناه المؤتمر الشعبي العام خلال مرحلة بقائه في السلطة».
وأكدت قيادة فروع دوائر المؤتمر الشعبي العام في محافظة تعز أن «قياداتها وقواعدها ملتحمة منذ وقت مبكّر مع الجيش الوطني والمقاومة الشعبية في تعز وعدد من المحافظات، وأن المؤتمر الشعبي العام كان ولا يزال وسيظل وفيًا لمبادئ الثورة والجمهورية والوحدة فهي التي ناضل من أجلها منذ تأسيسه».
ودعت قيادات دوائر المؤتمر الشعبي العام في محافظة تعز «جميع قواعد المؤتمر إلى التجاوب معه وإلى المزيد من التعاون والتلاحم مع كل القوى السياسية والمقاومة الشعبية في مدينة تعز وجميع من هم في القوات المسلحة والأمن إلى الوقوف مع الشرعية والانضمام إلى الوحدات التي قاومت الانقلاب، فهم حماة لكل أبناء الوطن ولا يشرفهم أن يروا مدينتهم تعز تحاصرها الميليشيات، من الدواء والغذاء والمياه».



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.