مخاطر «داعش» تخيم على مؤتمر «صناعة التطرف» في مكتبة الإسكندرية

دعا إلى وضع استراتيجية عربية لمواجهته وتفكيك بنياته على كل المستويات

لقطة من الجلسة الافتتاحية للمؤتمر
لقطة من الجلسة الافتتاحية للمؤتمر
TT

مخاطر «داعش» تخيم على مؤتمر «صناعة التطرف» في مكتبة الإسكندرية

لقطة من الجلسة الافتتاحية للمؤتمر
لقطة من الجلسة الافتتاحية للمؤتمر

سيطرت روح قلقة تستشعر خطر الإرهاب على مستقبل وسلامة الأوطان التي تتعرض له في منطقة العربية والعالم، على فعاليات مؤتمر «صناعة التطرف: قراءة في تدابير المواجهة الفكرية»، الذي انعقد في مكتبة الإسكندرية في الفترة من 3 إلى 5 يناير (كانون الثاني) الحالي، بمشاركة نحو 200 باحث من دول العالم، ومشاركات من 18 دولة عربية تضم خبراء في مجالات التطرف والإرهاب وعلم الاجتماع والعلوم السياسية والإسلامية.
افتتح المؤتمر كل من الدكتور إسماعيل سراج الدين؛ مدير مكتبة الإسكندرية، والدكتور أسامة نبيل؛ رئيس المرصد الإسلامي ممثلاً عن شيخ الأزهر الشريف، والدكتور أحمد العبادي؛ الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، والدكتورة أم العز الفارسي؛ الأكاديمية والسياسية الليبية، ونبيل يعقوب الحمر؛ مستشار ملك مملكة البحرين لشؤون الإعلام.
ولفت الدكتور سراج الدين، إلى أن المؤتمر أوصى في دورته السابقة بعقد هذا المؤتمر بصورة دورية ليجمع المثقفين العرب ويناقش ويبحث ويتابع ظاهرة التطرف التي تجتاح العالم العربي، وقال إن المكتبة استجابت لهذه التوصية وأوفت بوعدها، وها هو مؤتمرها الثاني يعقد لتناول هذه القضية. مشيرا إلى أن المكتبة نظمت خلال العام المنصرم الكثير من الأنشطة والفعاليات التي تسعى إلى توسيع الاهتمام بهذه الظاهرة المدمرة، ليس لمنطقتنا فقط بل والعالم بأسره.
وانتقد سراج الدين تراجع منسوب الحريات العامة وتفشي الشمولية وانخفاض جودة التعليم والجهل والفقر والتهميش والتدخل الخارجي في شؤون الأقطار العربية؛ مشيرا إلى أنه إذا كان للتطرف في المنطقة العربية منابع من سوء الفهم، ومغالاة وجهل بالدين الحنيف وأصول الفقه الإسلامي، فإن هذه الأسباب السالفة تضاف إليها.
وأكد سراج الدين أننا يجب أن نلتفت لمظاهر الثورة المعرفية وأبعادها حتى نستكمل رؤيتنا للساحة الثقافية في بلادنا، ولنتمكن من متابعة هذا الكم المتنامي من المعلومات والحفاظ عليه.
وأوضح الدكتور أحمد العبادي؛ الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، أن التطرف أصبح صناعة لها هندستها وروافدها وأنساقها وثمارها البغيضة. ولفت إلى أن هذه الأنساق تتحرك من عدة روافد؛ النصي والعسكري والاقتصادي والسياسي والدعائي والتواصلي الذي يستهدف الوصول للناس وخاصة الشباب.
وأكد أن صناعة التطرف لها أربعة أعمدة؛ وهي: حلم الوحدة، حلم الكرامة، حلم الصفاء، حلم الخلاص. ولفت إلى أن تحليل خطابات «داعش» يبين هذه الأفكار التي يعتنقونها؛ فهم يرون أن تدينهم يتميز بالصفاء عكس تدين الآخرين، وأنهم هم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة.
وشدد العبادي على أن المعركة الأساسية التي ينبغي التركيز عليها في محاربة أفكار التطرف هي معركة «النص»، فيجب تنسيق الجهود لوضع النص في سياقاته الصحيحة لمنع التأويل الذي لا يضع اعتبارا للمآل، مؤكدا على أهمية تحرير المصطلحات والمفاهيم حتى لا تستخدم من قبل أي جهة لأغراض معينة، وأيضًا الاعتماد على القياس، والحكم على الأمور بثمارها ونتائجها، لافتا إلى أن القياس يكون من خلال مدخل المقاصد الكبرى؛ وهي حفظ الحياة عن طريق قياس مؤشرات مدى تحقيق الحياة الكريمة، وحفظ الدين من خلال العلماء الوسطيين، وحفظ العقل.
وفي كلمتها، قالت الدكتورة أم العز الفارسي؛ الأكاديمية والسياسية الليبية، إننا يجب أن نقوم بقراءة موضوعية للواقع وما حدث في بلادنا، ففي الوقت الذي قمنا فيه بالثورات كانوا هم يؤسسون المعسكرات ويشهرون أسلحتهم في وجوهنا. وأكدت أن التيار المدني العربي لم يكن مزودًا باللازم لإدارة معركة يكون فيها بديلاً عن التطرف في أذهانهم.
وأوضحت أن هؤلاء المتطرفين هم أبناء الوطن العربي ولم يأتوا من الخارج، ومن هنا يجب أن نفهم أسباب ما آلت إليه الأمور. وأكدت أنه إذا لم يكن لدينا خطاب متوازن قادر على طرح الأسئلة الواقعية الحقيقية سيكون مصيرنا أن نحترق بأيدي أبنائنا.
وطرحت الفارسي عددا من التساؤلات التي يجب الإجابة عنها لتكوين منهج عقلي واقعي للعمل عليه في المرحلة المقبلة؛ وهي: هل يكفينا قبضة عسكرية وأمنية للقضاء على التطرف أم هناك جدلية تقول بأهمية التعليم والثقافة والأدب والفنون للخروج بعقل قادر أن يستوعب أفكار الآخرين؟ هل من الممكن أن يصبح للنخبة المدنية دور حقيقي في الشارع؟ هل نستطيع أن ننتج خطابا جديدا لمواجهة هذه الأزمة بدلاً من الدخول في صراعات واستخدام القوة المفرطة والعنف الشديد؟
من جانبه، أكد نبيل يعقوب الحمر؛ مستشار الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين لشؤون الإعلام، أن هذا المؤتمر يعد من أهم الفعاليات الفكرية التي تسعى لبلورة المواقف والاستراتيجيات لمواجهة التحديات في مجال التطرف والإرهاب، لافتًا إلى أن عنوان المؤتمر يعكس حجم التحديات التي تواجه منطقة تموج بالصراعات والحروب وانتشار الفوضى والإرهاب.
وأكد أن الإعلام منذ ظهوره قد قام بدور كبير، ليس فقط في إبراز الاتجاهات الدينية والسياسية والاقتصادية، بل في صنع هذه الاتجاهات. وأضاف أن الإعلام هو منبر تنويري يصل صوته لملايين البشر، ولذلك يجب أن يكون محورا رئيسيا في المواجهة الفكرية للتطرف لما له من تأثير. ولفت إلى أن المؤسسة الإعلامية لها دور كبير في رسم ملامح المجتمعات، وقدرة هائلة للوصول بشكل أسرع وأكثر جاذبية، وهناك من استغل هذا التأثير بشكل إيجابي وهناك من استغله بشكل سلبي للتأثير على اتجاهات الأجيال الجديدة وتخريب المجتمع.
وقال إن حركات التطرف، خاصة الديني، نبتت في مجتمعاتنا كالفطر في محاولات لفرض قواعد غريبة عن الأديان، فنحن نتواجه مع حالة فكرية احتكارية للحقيقة تستخدم الإرهاب أداة لها. وشدد على أهمية العمل على تجفيف مصادر الإرهاب ماليًا بنفس المثابرة على تجفيف مصادره الثقافية والتربوية والفكرية.
وعلى نحو خاص خيمت مخاطر تنظيم داعش وما يقوم به من أعمال إجرامية، بخاصة في سوريا، والعراق، وليبيا، وغيرها من البلدان على معظم جلسات المؤتمر، فمن جهته اعتبر السياسي المصري الدكتور مصطفى الفقي، الذي أدار الجلسة الأولي للمؤتمر أن عام 2015 يعتبر عام «داعش»، هذا التنظيم الإرهابي الذي يعيث في الأرض فسادًا وخرابًا، وأن الدين الإسلامي براء من هذه الأفعال الإجرامية، التي تتخذ من الدين غطاءً لها، وأن هذا التنظيم ما هو إلا عبارة عن غطاء ديني للمأزومين من الشباب في العالم العربي والإسلامي.
وتناول المفكر المصري الدكتور عمرو الشوبكي، موضوع «تحولات العنف والإرهاب - حدود المواجهة الفكرية الأولية»، من خلال ثلاث مراحل رئيسية: المرحلة الأولى وهي مرحلة التنظيمات الجهادية الكبرى، وهي المرحلة التي عرفتها مصر منذ السبعينات وطوال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وكذلك كل الدول العربية، التي قامت على فكرة مشروع ديني عقائدي يُبرر كل أعمال العنف التي ارتكبت، وقامت بتكفير الجميع، وكان هدفها الأول هو إسقاط نظم الحكم القائمة في تلك الفترة. وأن نتيجة المواجهات بين هذه التنظيمات والنظم هو الفشل في تحقيق أهدافها.
أما المرحلة الثانية: فهي مرحلة الخلايا الصغرى، التي قامت بالكثير من التفجيرات في مصر «الأزهر - طابا - عبد المنعم رياض»، وكانت تتكون من 5 إلى أفراد هدفهم الانتقام من الدولة. وكان يتم تجنيدهم عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي، وينتهي دورهم بتنفيذ العملية.
أما المرحلة الثالثة فبدأت بعودة عصر التنظيمات التكفيرية الكبرى، مثل «القاعدة»، و«داعش»، التي تقوم فلسفتها على أساس أنها تنظيمات وظهرت في دول تعاني من ضعف في شرعية النظام الحاكم «العراق، سوريا». لافتا إلى أن من سمات هذه التنظيمات أنها عابرة للحدود والجنسيات، ظهرت في ظل أوضاع سياسية، واقتصادية، واجتماعية مضطربة، واستغلت هذه الأوضاع من أجل اكتساب قوتها.
وتساءل الشوبكي: هل نحن أمام تطرف ديني أم تطرف يرتدي عباءة الدين؟، مؤكدا أننا أمام تطرف سياسي اجتماعي تمت صبغته بصبغة دينية من أجل الحصول على الدعم.
وخلص الشوبكي إلى أننا أمام ممارسة للإرهاب دافعها الأساسي هو الإحباط السياسي والشعور بالتهميش والظلم، وهناك دائمًا تبرير ديني من أجل تبرير الجرائم التي يتم ارتكابها. وقال إن علاج الإرهاب من جانب الولايات المتحدة الأميركية هو الذي صنع الإرهاب، ويكمن الحل الأساسي لمواجهة هذه الجماعات في الحل الفكري إلى جانب الحل الأمني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي.
وتحدث الدكتور طاهر سعود، وهو أستاذ علم الاجتماع من الجزائر، عن ما سماها «تدابير المصالحة الوطنية في الجزائر: قراءة في مشروع الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية»، وشرح من خلالها مراحل قيام المصالحة الوطنية في بلاده، التي قامت على محور أمني، ومحور قانوني، ومحور ثقافي.
وأشار طاهر إلى أن المصالحة جاءت كحل لما عرف بالأزمة الجزائية، التي بدأت كأزمة انتخابية تحولت إلى أزمة سياسية ثم إلى صراع وأزمة أمنية. وأنه من أجل حل الأزمة تم اقتراح «قانون الرحمة»، ولكنه تعامل مع أعراض المرض وليس المرض نفسه، مضيفا أن «قانون الرحمة» تطور إلى «قانون الوئام المدني»، الذي تطور إلى المصالحة الوطنية عبر ميثاق تم عرضه في على الشعب الجزائري من أجل الاستفتاء عليه، وتم في النهاية الوصول إلى الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية التي أنهت فترة من أكثر الفترات دموية في التاريخ الجزائري.
وتحدث الدكتور محمود حداد، أستاذ التاريخ العربي والإسلامي الحديث والمعاصر من لبنان، معترفا بأنه ليس لديه حل لهذه المشكلة، ولكنه كمؤرخ يستطيع أن يقوم بتوصيف الحالة، التي تتسم بأن المتغير فيها أكبر بكثير من الثابت سواءً على الصعيد العربي أو العالمي.
وأكد أن التطرف ليس فقط في الحركات الإسلامية، ولكن هناك تطرف في الكثير من التيارات الأخرى كالشيوعية وغيرها. كما أن الثابت في التطرف هو الثنائية حيث إن لكل تطرف تطرفا مضادا له، وإن التطرف في القمع ينتج عنه تطرف في العداء ضد الدولة. وشدد الحداد في ختام حديثه قائلاً إن الغرب ليس بالضرورة ضد الحركات المتطرفة ولكنه يدعمها في بعض الأحيان من أجل تحقيق مصالحه.
وناقش المؤتمر في جلساته البحثية نقد خطابات التطرف، ودور الإعلام في مواجهته، كما تطرقت البحوث لمخاطر التطرف على الأمن القومي، والتعليم والتراث الحضاري للدول، وأيضا الإرهاب الداخلي في أوروبا. ودعا المؤتمر في ختام أعماله إلى وضع إستراتيجية عربية متكاملة الأرجاء تشمل تعاونا بين عدد من المراكز والمؤسسات الثقافية لمواجهة ظاهرة التطرف والحد منها.



الفن المعاصر من الجمالية إلى صناعة القيمة

المؤرخة أود دو كيروس
المؤرخة أود دو كيروس
TT

الفن المعاصر من الجمالية إلى صناعة القيمة

المؤرخة أود دو كيروس
المؤرخة أود دو كيروس

لعل من أهم سمات الكتابات النقدية المواكبة لتحولات الفن المعاصر عبر العالم، تلك التي تقرنه دوماً بمسعى الانزياح الجذري بدلالات كلمة «فن»، على نحو يجعله معاكساً في كثير من الأحيان لتقاليد التشكيل البصري الخاضع للقواعد، في الرسم والصباغة والنحت، ومناهضاً لثقافة التحفة المرتكزة على مفاهيم فلسفية، متصلة بأذواق نخب محدودة ذات تكوين فني متين. لتنتقل إلى كونها شاملة لـ«أغراض» تجارية متباينة، موجهة لطبقة جديدة من الأثرياء، منفصلة عن المعايير الجمالية والأكاديمية المستقرة، وخاضعة لنوازع استهلاك المنتج الفاخر، وما يتصل به من رغائب إبراز الرفاه. وهو الفهم الذي يبرز للنظر انتقال الفن من وضع «التعبير الثقافي» إلى كونه تمثيلاً «لانتماء طبقي».

في هذا السياق، يتموضع كتاب «الفن المعاصر، التلاعب والجغرافيا السياسية» (منشورات إيرول، باريس، 2025) - Art contemporain, manipulation et géopolitique- وهو الإصدار الأخير للناقدة ومؤرخة الفن الفرنسية أود دو كيروس Aude de Kirros، التي اكتسبت شهرتها عبر العقود الثلاثة الأخيرة بوصفها من أكبر الباحثات المرتابات في واقع الفن اليوم، ومن أشد المعترضين على اختراقات الفن المعاصر لقواعد التشكيل البصري، ومن أكثر النقاد تشدداً في تحليل معايير تصنيف الأعمال ومنحها معادلات مالية. هي القادمة إلى عوالم الأروقة والمتاحف ومزادات الأعمال الفنية من مسار تعليمي توزع بين معهد الدراسات السياسية، وكلية الحقوق، ومحترفات الحفر (الغرافيك) في باريس، لتنتج أعمالاً بنكهة فلسفية لا تخفي تولعها بالسياسة والاقتصاد والسوسيولوجيا، من قبيل: «الفن الخفي، المنشقّون عن الفن المعاصر»، و«السنوات السوداء للرسم: 1983 – 2013»، و«قداسة الفن المعاصر، الأساقفة والمفتشون والمفوّضون»، و«خديعة الفن المعاصر، طوباوية مالية». إصدارات جعلت إسهاماتها المكثّفة في الحياة الفنية تتجلى عبر إدراك ناضج لعمق التحوّلات التي شهدها الفن عبر أصقاع الكون.

يتناول الكتاب موضوع الفن المعاصر في صلاته بما يمكن وسمه بـ«صناعة القيمة»، عبر تحليل نقدي لسوق الفن المعاصر، يضع تحت مجهر الاختبار السياقات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، متجاوزاً التحليل المستند إلى قراءة وتأويل مرتكزات الخطاب الجمالي البحت؛ إذ تناقش أود دو كيروس تلك المرتكزات بوصفها عتبات لما بعدها، انطلاقاً من افتراض نقدي يرى أن الفن المعاصر، خاصة الأعمال التي تباع بأسعار خيالية، لا تعكس في وضعها ذاك «ذوقاً» أو «تعبيراً فنياً» فقط، عبر صور لا تخلو من تطرف، بل إنها غدت، على نحو ظاهر، تتخطى منطلقات الأسلوب «المفاهيمي»، الزاهد في أشكال اللوحة والمنحوتة المأثورتين، لتتحول إلى أداة نافذة شديدة التأثير في أيدي النخب والمؤسسات المالية والجهات الحكومية، توظفها بحرص ووفق شروط معقدة لخدمة مصالحها الخاصة. وبتعبير الباحثة في إحدى فقرات الكتاب: «لقد توقّف الفن المعاصر عن أن يكون مجرد مفهوم صرف، محصور تداوله في دائرة صغيرة من (السعداء المعدودين) الذين يتغذّون على غموضه. وأصبح فنّاً (جامعاً لكل شيء)، يضمّ كل المفاهيم: الفن، والموضة، والتصميم، وما سوى ذلك» (ص 16).

يمتد الكتاب على 4 فصول، ومقدمة، وخلاصات، وفهارس، في أزيد من 350 صفحة، تتخذ العناوين الفرعية التالية: «فنون في زمن الحرب» وهو الفصل الأول المشتمل على مبحثين، تدرس في الأول «البدايات الطوباوية للفن العالمي ما بين 1917 - 1991»، وتعالج في الثاني «التحوّل ذو الطابع الهيمني للفن ما بين 1990 - 2000 »، وتخصص الفصل الثاني: لـ«الحقبة العالمية في عقدي 2000- 2020» وتتناول فيه عبر مبحثين قضايا: «أوج النموذج الهيمني»، ثم «بزوغ العصر متعدد الأقطاب»، وتتناول في فصل ثالث: «خرائطية الفن المعاصر: من الهيمنة إلى التنافس»، وفي الفصل الرابع والأخير الموسوم بـ«قوى جديدة وتقنيات جديدة: ثورة الفن عالمياً»، تخوض في تحولات العقود الفنية الأخيرة عبر مبحثين، أولهما عن: «آخر حروب الفن، سنوات 2010–2020»، والثاني عن «التحولات النسقية للفن المعاصر ما بين 2020–2024».

والحق أن التحليل النقدي في هذا الكتاب، الذي لا يخلو من نبرة سجالية ملحوظة، يذهب في مجمله إلى تبني نظرة تاريخية محكومة ببنية الصراع السياسي - الاقتصادي، حيث يوَظَّف الفن المعاصر، من جهة، من حيث هو نتاج لقضايا العنصرية والعولمة وتغير المناخ والتحول الجنسي... ومن جهة ثانية، بوصفه حصيلة للتحكم المؤسساتي، وهو ما يبرر الانتشار السريع لتيارات الفن المعاصر المتفاقمة عبر العالم، وسعيها لإخضاع ما سواها. ولا غرابة بعد ذلك أن لا تالو الباحثة جهداً في إبراز أن عالماً يفيض بالصور والعروض والاحتفالات الفنية، التي روّجت لها إقامات فنية وأروقة ومتاحف شهيرة عبر العالم من نيويورك إلى سيدني، ومن لندن إلى باريس ومن داكار إلى دبي،... أصبح معها الفن المعاصر المدعوم مؤسساتياً والمسنود مالياً، عبر سياسات حكومية شتى، الأكثر حضوراً، على نحو يغمر المشهد بشكل شبه كلي، حيث بات يشكل واجهة براقة تحجب خلفها ما تبقى من تجارب فنية أخرى.

وغير عصي عن البيان أن هذا الوهج المتصل لا يكشف حقيقة الفن، بل يخلق واجهة مكتفية بذاتها، بحيث يبدو كل ما يقع خارج دائرة الضوء كأنه غير موجود أصلاً. وشيئاً فشيئاً تنزلق أعمال استثنائية كثيرة من داخل هذا المشهد المزدحم إلى منطقة العتمة، لا لأنها تعجز عن التأثير، بل لكونها تفتقد لمجال يسمح لها بالتجلي. ومع مرور الوقت، لا تتوارى هذا التجارب إلى الخلفية فحسب، بل تُدفَع إلى حالة من الانمحاء تجعل وجودها نفسه موضوعاً للشك، ويحتاج من يشتغل عليها إلى إثبات أنها ما تزال حية.

ولا ينفصل الدور التحكمي للمؤسسات الفنية الكبرى من إقامات وأروقة ومتاحف، التي تسلط أود دو كيروس عليها الضوء، عن وظائف المُموِّلين الخواص، وبعض الحكومات في تشكيل الذوق العام، والتلاعب بقيمة الأعمال الفنية، ما يُرسخ هيمنة المركز الغربي على المشهد الفني العالمي من جهة، ولا يترك لمفاهيم من قبيل «الجمهور الفني» و«جامعي الأعمال الفنية» و«تلقي المعارض»، دلالات واضحة، خارج ما تكسبها إياه تلك المؤسسات والسياسيات المتصلة بها، بحيث يتجلى الأمر كما تبرزه الباحثة في أكثر من موضع في الكتاب، من حيث هو «صناعة» لاعبين كبار، لهم قدم في الواجهة البراقة لأعمال «التركيب الفني» و«الهوت كوتير» و«تصاميم المجوهرات» و«أعمال الديكور»... وقدم في الخلفية المعتمة للمال ورهاناته ومضارباته ومآزقه.

ولا جرم بعد ذلك أن تكون «صناعة القيمة» تعريفاً مهذباً لما يمكن أن يكون عليه «التلاعب بسوق التحف»، وسرعان ما تكشف الباحثة الفرنسة، التي تعلن عن نفسها كأحد أصوات مقاومة هذا الدور التحكمي، عن آليات التلاعب التي تُمارس في هذا القطاع، من خلال وسطاء يجعلون القيمة تبدو غير طبيعية، بل «مُؤمَّنة» من خلال شبكة مغلقة، يتم فيها تحديد الأسعار وتضخيمها، عبر تكتلات من جامعي التحف والمستشارين وصالات المزادات الكبرى، ما يخلق نوعاً من التداول من الداخل (délit d’initiés)؛ إنها شبكة الوسطاء نفسها التي تنتهي إلى قولبة «العمل الفني» وأصحابه، باعتبارهم «منتجات» يتم الترويج لهم، وفقاً لمنطق السوق، بدلاً من الجدارة الفنية. ما دامت أعمال الفن المعاصر لم تعد تقيَّم، بناء على معايير جمالية أو فنية، بل أصبحت تدار باعتبارها منتجاً مالياً مشتقاً، داخل سوق يمكن وسمها حسب الباحثة بـ«يوتوبيا مالية» (Utopie financière) تُنتج قيمة لأشياء قد لا تمتلكها في الأصل.

يتبنى الكتاب في مجمله نظرة تاريخية محكومة ببنية الصراع السياسي ــ الاقتصادي

وتدريجياً تخلص أود دو كيروس، عبر مباحث الكتاب وفصوله، إلى محصلة، تتولى فيها تلك المؤسسات المتحكمة في القيم الفنية وما يوازيها من أنصبة مالية، تشريع سوق لا يعكس حقيقة المنجز، بل حقيقة افتراضية متواضع عليها من قبل سلسلة الوسطاء، الأمر الذي سيسهل معه أن تتحول الأعمال الفنية التي باتت لها تلك القدرة التجريدية الكبرى للقيم المنقولة، إلى جعل سوق الفن ملاذاً مالياً، يعتبر مرتادوه من رجال أعمال، ومنتهزي فرص، ومغامرين، الأعمال الفنية بمنزلة أصول آمنة مربحة، خاصة بعد الأزمات الاقتصادية الكبرى، مثل أزمة 2008، التي لاحظت الكاتبة بصددها أن سوق الفن (على عكس الأسواق الأخرى) استمر في تسجيل مبيعات قياسية، ما دلّ على انفصاله عن الاقتصاد الحقيقي وتحوله إلى مكان آمن لاستثمار الأرصدة الجامدة، بالقدر نفسه الذي مثّل فيه فضاءً تبادلياً استثنائياً لغسيل الأموال، والتهرب الضريبي. وبتعبير الباحثة، فـ«جيل جامعي التحف الفنية الذي كان يحدّد الذوق في نهاية القرن العشرين لم يعد موجوداً. كان هذا الجيل أنغلوساكسونياً وأوروبياً، غنياً ومثقفاً أو راغباً في أن يكون كذلك. أما الموجة الجديدة فهي تتجاوزه في الثراء، ولم تعد لكلمة (فن) في عرفها المعنى نفسه... لهذا من الطبيعي أن تتكيّف دور المزادات لتقدم لهذا الجيل الجديد مزيجاً بارعاً، وغير متجانس، مما قد يرغب في استهلاكه؛ من العمل الفني إلى حقيبة اليد، ومن غرض التصميم إلى الموضة» (ص 15- 16).

ولعل تحول دلالة «الفن»، واختلال توازن القيمة الإبداعية والمالية، وخضوع أثمان التحف لتحكم مؤسسات كبرى، مع اتساع سوق الفن ليشمل صناعات فاخرة شتى تغري بالاستثمار، كلها عوامل أسهمت بحسب كتاب «الفن المعاصر: التلاعب والجغرافيا السياسية» في الرهان على القوة الناعمة للفن، ليس داخل الاقتصاد فقط، بل ضمن سياقات جيوسياسية متعددة، حيث أضحى سوق الفن ساحة معركة غير مباشرة بين القوى التقليدية (أوروبا والولايات المتحدة) والقوى الصاعدة (الصين ودول الخليج)، هذه الأخيرة التي دخلت مضمار المنافسة بخطط مستقبلية لتَبْيِئَةِ منتجات الفن المعاصر ضمن محيطها، ليس بهدف اكتساب شرعية ثقافية مضافة فقط، بل بقصد تحدي الهيمنة الغربية القديمة. إنه التنافس ذاته الذي ضاعف من أسعار الأعمال الفنية، وحوّلها إلى «سلاح» في أيدي النخب المالية والسياسة المتصارعة. وبتعبير موجز، فقد مثّلت الجغرافيا السياسية للفن، بحسب أود دي كيروس، السبيل إلى الكشف عن «تحوّل العمل الفني من كونه قيمة جمالية إلى رمز للقوة»، ونقطة ارتكاز في شبكات النفوذ العالمية التي تربط بين الإبداع والمال، والسلطة، والعلاقات الدولية في عالمنا المعاصر.


«فلسفة الضحك» عبر التاريخ كما يرويها العقاد

عباس محمود العقاد
عباس محمود العقاد
TT

«فلسفة الضحك» عبر التاريخ كما يرويها العقاد

عباس محمود العقاد
عباس محمود العقاد

رغم أن الطبعة الجديدة التي صدرت عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة من كتاب «جحا الضاحك المضحك»، توحي بعمل مخصص لأشهر شخصية ساخرة في التراث العربي، فإن عباس محمود العقاد (1889 – 1964) اختار كمفكر من طراز خاص أن يكرس المساحة الكبرى من كتابه لمناقشة «فلسفة الضحك» عبر حقب زمنية مختلفة.

البداية كانت من عند أفلاطون؛ إذ ذكر المضحكين والمضحكات وهو يبحث عن مكانهم في «مدينته الفاضلة» أو جمهوريته المثالية التي أراد أن يقصرها على الأفاضل والمأمونين، وأن يجنبها عوارض النقص والرذيلة، فبدا له أن الشعر موكل بالجانب الضعيف من الإنسان، بغير تفرقة بين شعر المأساة وشعر الملهاة.

ويرى الفيلسوف اليوناني الأشهر أن الإنسان الكريم يأبى أن يستسلم للبكاء إذا أصيب في عزيز عليه بشكل شخصي، لكنه لا يبالي أن يبكي أو يحزن إذا رأى هذا المنظر معروضاً عليه في مسرحية مفجعة؛ لأن البكاء يخدعه في هذه الحالة ويوقع في روعه أنه يبكي لغير مصابه فيتغلب على نفسه في سبيل غيره. والإنسان الكريم يأبى أن يتفوه بالعبارات الكوميدية أو التراجيديات المضحكة، ولكنه يستسلم للضحك إذا سمعها محكية في رواية هزلية يمثلها المسرحيون أمامه.

وليس بالشيء الجيد، وفقاً له، أن يكون في «الجمهورية الفاضلة» إنسان يغلب على وقاره الضحك أو البكاء على نحو يحطّ من منزلة البشر في صورتهم المثالية. إن نزلاء جمهوريته «يجب أن يتساموا على مشاهد الهزل التي لا تليق إلا بالعبيد والأجراء». ومن هنا أثنى على المصريين؛ لأنهم يعلمون الأبناء الموسيقى والرقص قياماً بالشعائر والطقوس في المعابد، ولكنهم لا يسمحون للشعراء بخلط الألحان بالأغاني المبتذلة، أو تركيب القصائد الموزونة على رقص الخلاعة والمجون.

وكانت خلاصة رأيه في كتاب «الجمهورية» وكتاب «القوانين» أن الشعراء يحسنون صناعة القصائد ويستحقون من أجل ذلك أكاليل الغار «ولكن ليلبسوها ويخرجون من المدينة الفاضلة إلى حيث يشاءون».

ولم يذكر أفلاطون سبب الضحك إلا في كلمات قليلة خلال هذه المباحث الأخلاقية، وهو يرى في تلك الكلمات أن الضحك مرتبط بالجهل الذي لا يبلغ مبلغ الإيذاء، وأن الشعراء يضحكوننا حتى يحاكوا أولئك الجهلاء، ولكنهم «إذا طرقوا موضوع الملحمة أو المأساة عظموا الطغيان وجعلوا رواياتهم حكاية لأعمالهم، فلا أمان لهم في محاكاة الجهل ولا في محاكاة الطغيان».

وكان أرسطو أدق من أستاذه في تعبيراته وتصنيفاته لأقسام الشعر؛ لأنه وضع فيها مبحثاً خاصاً بـ«المسرحيات المضحكة» التي تتبع تطورها منذ أن كانت نوعاً من الهجاء والأغاني الشهوانية إلى أن أصبحت موضوعاً للإضحاك والتسلية. وهو يرى أن الضحك نوع من أنواع الدمامة أو التشوّه، لكن بدرجة لا تبلغ حد الإيلام. وفي نبذة منسوبة إليه من رسالة مقطوعته، طُبعت في برلين سنة 1899، يؤكد على الدور التطهري للضحك قائلاً:

«إن الملهاة تطهر النفس كما تطهرها المأساة؛ لأن النفس المطبوعة على الرحمة أو على حسن الذوق تجد في المأساة والملهاة منصرفاً لما تنطوي عليه من العطف والشوق إلى الكمال واجتنابه التشويه».

ويرى العقاد أن كلا الفيلسوفين قد أخطأ في فهم المأساة والملهاة على أنها نوع من التقليد والمحاكاة؛ لأن «الشعر المسرحي يعرض الفواجع بتمثيل أناس يحاكون المصابين بها في حركاتهم وأقوالهم، وكذلك يفعل بالمضحكات والملهيات. ويندر بين فلاسفة القرون الوسطى من نظر إلى الضحك نظرة جدية ورآه يتضمن حكمة تجعله جديراً بالبحث عنه وعن أسبابه، لانصرافهم إلى البحث في الأصول الدينية وأسرار ما وراء الطبيعة. ولعل فلاسفة اليونان الأقدمين كانوا على هذا الرأي، ولم يبحثوا ولو بعض البحث في الضحك وأسبابه إلا في طريق بحثهم عن التراجيديا والكوميديا مع رجوع هذه في أساسها إلى سير الأرباب وطقوس المعابد».

ويرى العقاد أنه «إذا كنا نعيب على الثقافة القديمة قلة البحث في الضحك وأسبابه، فإن الثقافة الحديثة كانت على النقيض، حيث اهتمت به على نحو يكاد يكون مبالغاً فيه باعتباره مؤشراً على مزاج هذه الأمة أو تلك، ويكشف عن طبيعتها باعتباره مكوناً أصيلاً من مكونات الثقافة العامة، ولا يقل أهمية في ذلك عن الأدب والتراث الشعبي. ومن أبرز الأمثلة لذلك كتاب (الضحك) الذي صدر للفيلسوف الفرنسي هنري برغسون عام 1911، والذي تجاوز عدد مراجعه الأربعين مرجعاً».

ويعود هذا الإفراط في الكتابة عن الضحك، كما يرى العقاد، إلى سبب مهم يتمثل في نشأة علم الذوق أو علم الجمال الذي ينظر في الفروق بين الجميل والجليل والمضحك كما تعرضها الفنون الجميلة، لا سيما الأدب المسرحي؛ إذ أصبح البحث عن المضحك والمبكي والحسن والقبيح مقروناً بالبحث فلسفياً عن المقدس والقداسة في شعور الإنسان وممارساته.

ويرى برغسون، كما يضيف العقاد، أننا «لا نضحك إذا رأينا إنساناً يتصرف تصرف الآلة ويقيس الأمور قياساً آلياً لا محل فيه للتميز المنطقي، ولكننا نضحك في الجماعة عامة ولا نضحك منفردين؛ لأن الضحك تنبيه اجتماعي أو عقوبة اجتماعية لمن يغفل عن العرف المتبع في المجلس أو في المحفل أو في الهيئة الاجتماعية بأسرها. والضحك عنده إنساني بمعاني الكلمة، فلا يُشاهَد في غير الإنسان، ولا يستثيرنا في غير عمل إنساني أو عمل نربطه بالإنسان».

كما أننا لا نضحك من منظر طبيعي أو من جماد كائناً ما كان، إلا إذا ربطناه بصورة إنسانية وجعلناه شبيهاً بإنسان نعرفه أو منسوباً إلى عمل من أعمال الناس، وقد نضحك من قبعة نراها، فلا يكون الضحك منها نفسها، بل من الإنسان الذي يلبسها ونتصور هيئته فيها، كما يقول.

ومن شروط الأمر المضحك عند الفيلسوف برغسون أن يحصل في جماعة أو يرتبط بالتصرف الجماعي، فقلما يضحك الإنسان على انفراد إلا إذا استحضر العلاقة الاجتماعية في ذهنه. وقلما ننظر إلى أحد يضحك على انفراد إلا خامرنا الشك في عقله، ما لم يكن له عذر نعلمه!


تاريخ العرب في الأندلس من منظور إنساني

تاريخ العرب في الأندلس من منظور إنساني
TT

تاريخ العرب في الأندلس من منظور إنساني

تاريخ العرب في الأندلس من منظور إنساني

في روايته الجديدة «ولا غالب» الصادرة أخيراً عن دار «الشروق» بالقاهرة، يقدم الكاتب الكويتي عبد الوهاب الحمادي معالجة فنية ودرامية جديدة لتاريخ العرب في الأندلس من منظور إنساني يعلي من قيمة التسامح وقبول الآخر ويستنكر منطق الإقصاء بين الشرق والغرب.

على تلال غرناطة تلتقي أربع شخصيات معاصرة تطاردها أزماتها الشخصية في زماننا الحالي وقد دلفت عبر «بوابة الزمن» لتستيقظ في عام 1492 عشية سقوط المدينة حيث وجدوا أنفسهم أمام مهمة إنقاذ غرناطة من مصيرها المحتوم كآخر قلاع العرب في بلاد الأندلس. تمنح الرواية الشخصيات أحد خيارين: تغيير مجرى التاريخ أو أن يصبحوا ضحاياه الجدد، لكن كيف لأربعة غرباء يحمل كل منهم ندوب صدمته الخاصة أن يغيروا مصير الأمة الأندلسية؟

وسبق أن صدر للمؤلف عدة أعمال منها «سنة القطط السمان» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية العربية، كما صدر له كتاب «دروب أندلسية» في أدب الرحلات.

من أجواء الرواية نقرأ:

على تل أخضر أمامي، استوى قصر الحمراء مثل شيخ شاحب ممدد على سرير مستشفى، لم يقتص المرض من وسامة تالدة. لطخت الشمس الآفلة غيوماً، تلتحف سماء غرناطة بلون النارنج. نظرت إلى الساعة في معصمي، قاربت السابعة أعدت لف الشال المغمور بعطرها حول رقبتي أحميها من صقيع نهايات ديسمبر فغمرتني رائحة الليمون. أغمدت كفي في جيبي، ضحكة شبان ورائي ونغمات عازف غيتار يصدح بغناء إسباني مكلوم. جميع الأعين وفرقعات آلات التصوير تحاول أن تقتنص جمال الشيخ على سريره الأخضر، لولا الحمراء لما أمسى لهذا المكان معنى لهم ولولاك ياصاحبة العطر، لما كان للحمراء معنى لي.

فهمت الآن لماذا كنت ياغادة تحبين هذه المدينة الواقعة خارج خريطة السياحة العربية غرناطة، ولماذا كنت تقرئين قبل النوم كتباً مصورة عن الأندلس أو تنصتين لبرامج إذاعية تاريخية وتتنهدين في أواخر أبيات الشعر، أو ترهفين لوديع الصافي وفيروز يتناجيان موشحاً، غصة في قلبي لن تزول لفتوري عن تحقيق رغبتك في زيارة هذا المعلم.

تغافلت أن القدر قد يسلب منا من نحب وقد يسلبنا أنفسنا. كنت أؤجل وكنت ترضين بأعذار انشغالي: عيادة مكتظة، سعال مرضي، حالات طارئة تنزف، خفارات ليلية مرهقة، نحيب أطفال، إعداد أوراق مؤتمرات طبية، بل وتجدين أعذاراً تقنعك أو هكذا كنت تتظاهرين لأنك تدركين أن التاريخ لا محل له في تلافيف دماغي.أحب تنفس عطر الليمون عندما تدنين مني وتلقبيني هامسة بصانع المعجزات، صانع المعجزات الذي رحلت يا غادة بين يديه، أغمضت عينيك إلى الأبد دون أن يقدر على فعل أي شيء».