صراع أوكرانيا لتحسين الاقتصاد هو ايضا صراع من أجل الشرعية

«ميدان الاستقلال» رمز الثورة بات شاهدا على معركة دامية للسيطرة على كييف

ميدان الاستقلال في العاصمة كييف تحول إلى نصب تذكاري، وقبلة للشخصيات رفيعة المستوى لوضع أكاليل الزهور على 82 شخصا لقوا حتفهم هناك (نيويورك تايمز)
ميدان الاستقلال في العاصمة كييف تحول إلى نصب تذكاري، وقبلة للشخصيات رفيعة المستوى لوضع أكاليل الزهور على 82 شخصا لقوا حتفهم هناك (نيويورك تايمز)
TT

صراع أوكرانيا لتحسين الاقتصاد هو ايضا صراع من أجل الشرعية

ميدان الاستقلال في العاصمة كييف تحول إلى نصب تذكاري، وقبلة للشخصيات رفيعة المستوى لوضع أكاليل الزهور على 82 شخصا لقوا حتفهم هناك (نيويورك تايمز)
ميدان الاستقلال في العاصمة كييف تحول إلى نصب تذكاري، وقبلة للشخصيات رفيعة المستوى لوضع أكاليل الزهور على 82 شخصا لقوا حتفهم هناك (نيويورك تايمز)

احتلت مجموعة من الشباب المنتمين للتيار القومي الأوكراني المسلحين بالهراوات والأسلحة النارية والذين ارتدوا الدروع الواقية من الرصاص وأقنعة الغاز عدة طوابق في واحد من أفضل الفنادق في العاصمة، دنيبرو.
يقوم هؤلاء الشباب بمسيرات في الشوارع وميدان «مايدين»، أو ميدان الاستقلال، الذي كان شاهدا على معركة دامية للسيطرة على كييف. ويعدون في نظر الكثير من الأوكرانيين أبطالا، لكنهم في الوقت ذاته تحولوا إلى مصدر تخويف. وقد أعلن زعيمهم ديميترو ياروش ـ النائب الجديد لأمين مجلس الدفاع والأمن القومي ـ عن عزمه الترشح للرئاسة في مايو (أيار).
كما تحول ميدان الاستقلال إلى نصب تذكاري، وقبلة للشخصيات رفيعة المستوى لوضع أكاليل الزهور على 82 شخصا لقوا حتفهم هناك، في الميدان رمز الثورة، وسلطة الشعب. على الجانب الآخر لا يزال الميدان كومة من القمامة من المتاريس التي تندلع منها أعمدة الدخان، والأرصفة المحطمة والمباني المحترقة وأكوام أكياس الرمال والطوب والخيام التي تقيم بها وحدات الدفاع الذاتي.
وعقب أسابيع من طرد المتظاهرين الرئيس فيكتور يانوكوفيتش من السلطة، نعى متظاهرو ميدان الحرية القتلى وتساءلوا إلى أين قادتهم الثورة.
هذا المشهد، في قلب العاصمة، لا يكاد يفضي إلى جو من الاستقرار والثقة في الأعمال التجارية التي تقول الحكومة المؤقتة الجديدة إنها تفتقر إليهما بشدة، لكن الميدان لا يزال يمثل في الوقت ذاته الشرعية التي تريدها الحكومة.
وقال بافلو شيريمتا، وزير الاقتصاد الأوكراني الجديد، إن الحكومة الجديدة بحاجة ماسة إلى المال، حيث تقدر احتياطيات العملة الصعبة في البلاد بنحو 12 مليار دولار فقط، برغم القيود المفروضة على عملية سحب رؤوس الأموال من العاصمة، والتي يتوقع أن تواجه البلاد ديونا كبيرة.
وقال شيريمتا إن البنك المركزي يقوم بطباعة النقد في الوقت الراهن، رغم انخفاض قيمة العملة، والتوقعات بأن يتمكن فريق الخبراء الاقتصاديين التابعين لصندوق النقد الدولي من تقديم تحليل أفضل لاحتياجات البلاد الأسبوع المقبل.
وأشار إلى أن الأولوية الثانية التي تواجه الحكومة هي توفير «الأمن والسلامة في الشوارع»، في محاولة لاستعادة ثقة الشركات وجذب الاستثمارات الجديدة. وقال: «من الصعب استعادة النشاط التجاري إذا لم يتوافر بالأمن». أضف إلى ذلك ما تواجهه القرم، على وجه التحديد، من احتمالات خسارة موسمها السياحي. وأضاف: «الأحداث في شبه جزيرة القرم تثير قلقنا بشأن وحدة البلاد، لكن أكثر ما يقلقنا هو الإمكانات السياحية».
ومقارنة بعام 2009. عام حرب الغاز مع روسيا، عندما انخفض الإنتاج المحلي الكلي بنحو 15 في المائة، يعد النمو الصفري اليوم نعمة.
الصراع لتعديل مسار الاقتصاد أشبه بالصراع على السيادة كما هو الحال في شبه جزيرة القرم. وأوكرانيا الضعيفة يتوقع أن يهيمن عليها الأجانب ـ تريد موسكو أن يكون هؤلاء الأجانب هم الروس لا الأوروبيون أو الأميركيون.
ويقول روبرت شابيرو، المؤسس المشارك ورئيس شركة سونيكون، شركة خاصة تقدم الاستشارات للشركات الأميركية والأجنبية في مجلة «ذا غلوباليست» الإلكترونية: «بصراحة، أوكرانيا باتت أشبه بدولة فاشلة اقتصاديا»، فقد انخفض التصنيف الائتماني لأوكرانيا إلى وضع أسوأ من اليونان، وسوف يحين أجل تسديد جزء من ديونها قريبا، فهناك سندات سيادية بنحو 15 مليار دولار مستحقة السداد هذا العام، وسندات أخرى بقيمة 15 مليار في عام 2015. ومع بلوغ العجز الحالي نسبة 8 في المائة من الإنتاج المحلي الإجمالي لن تستطيع أوكرانيا تسديد وتمويل هذه الديون دون مساعدات ضخمة ـ نحو 35 مليار دولار على مدى عامين، بحسب الحكومة الجديدة.
المخاطر المحدقة بأوكرانيا كبيرة، ويعود السبب في بعض منها إلى 23 عاما من سوء الإدارة منذ الاستقلال عن الاتحاد السوفياتي، عندما جرى التخلي عن الإصلاحات المبكرة سريعا، وتدهور الاقتصاد بسبب الفساد، والمحسوبية والسرقات. أدى كل ذلك إلى فشل الجهود الأوكرانية في توحيد البلاد ضد الضغوط الروسية، بسبب العرقية الروسية والكثير من المتحدثين باللغة الروسية سواء في القرم أو في شرق البلاد الصناعي، الذين يرون في روسيا دولة أكثر نجاحا وجاذبية من أوكرانيا. ومنذ عام 1999 تقلص الاقتصاد الأوكراني 30 في المائة في الوقت الذي نما فيه الاقتصاد الروسي بنسبة 20 في المائة.
الروابط بين أوكرانيا وروسيا تبقي كييف في وضعية التبعية، وعرضة للضغوط الاقتصادية والتجارية الروسية.
خذ الغاز الطبيعي على سبيل المثال، الذي يصفه جورج زاكمان من شركة بروغيل، مؤسسة أبحاث اقتصادية: «إدمان أوكرانيا الباهظ التكلفة». حيث تعتمد أوكرانيا على روسيا في الحصول على 60 في المائة من إمداداتها من واردات الطاقة التي تشتريها بأسعار أعلى بكثير مما يدفعه مستهلكو الغاز الطبيعي الروسي في أوروبا الغربية.
وأشار زاكمان قبل الثورة البرتقالية في عام 2004 التي أقضت مضاجع موسكو، كانت أوكرانيا تدفع نحو 100 دولار لكل ألف متر مكعب من الغاز الروسي. وفي الأول من أبريل (نيسان) بعد انتهاء التخفيض الروسي سيصل السعر إلى نحو 400 دولار في الوقت الذي تحصل عليه جارتها ألمانيا مقابل 330 دولار.
وكانت شركة غازبروم الروسية، المملوكة للدولة، قد حذرت أوكرانيا من أنها ستقطع صادرات الغاز كما فعلت في عام 2009. في حال لم تسدد كييف ديونها التي بلغت في الوقت الراهن 1.89 مليار دولار.
بغض النظر عن هذا التهديد، يتفق الجميع على أن الحل هو زيادة أسعار الغاز الطبيعي المنزلي إلى مستويات السوق أو قريبا منها وخفض الإعانات الحكومية وتشجيع مستثمرين آخرين على الاستثمار في مجال الغاز الطبيعي، حيث بلغت إعانات الغاز بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي في عام 2012 إلى 7.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
ومن المتوقع أن يكرر الصندوق مطالبه السابقة برفع أسعار الغاز، والتي يقول شيريمتا إن الحكومة الجديدة ستضطر إلى الالتزام به. ويؤكد المسؤولون أن فواتير الغاز المرتفعة هي ثمن الحرية.
وقال مشيرا إلى القتلى بين المتظاهرين في ميدان الحرية: «كان لدينا الخيار في الاختيار لدفع أسعار منخفضة لروسيا أو اختيار الحرية. إذا دفعنا الكثير من أجل الحرية، فلن نعثر على المال لدفع ثمن المزيد من الغاز».
ويرى بعض المحللين أن أوكرانيا بحاجة إلى نحو ثلاثة إلى أربعة مليارات دولار قبل انتخابات مايو الرئاسية وما لا يقل عن 15 مليار دولار هذا العام. وتهدف العروض الأميركية والأوروبية إلى تدعيم الحكومة الجديدة حتى تنفيذ برنامج الاستقرار والقرض طويل الأجل الذي سيمحنه صندوق النقد الدولي لأوكرانيا.
* خدمة «نيويورك تايمز»



بوتين يوقف مؤقتاً الهجمات على أوكرانيا

بوتين والمتحدّث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عقب مؤتمر صحافي 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
بوتين والمتحدّث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عقب مؤتمر صحافي 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
TT

بوتين يوقف مؤقتاً الهجمات على أوكرانيا

بوتين والمتحدّث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عقب مؤتمر صحافي 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
بوتين والمتحدّث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عقب مؤتمر صحافي 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

مع موجة برد قاسية ضربت أوكرانيا وانقطاعات متكررة في الكهرباء والتدفئة، طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب شخصياً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «عدم إطلاق النار على كييف ومدن أخرى لمدة أسبوع». الكرملين أكد الطلب، وأن بوتين وافق على وقف ضربات كييف حتى أوائل فبراير (شباط)، مع تبرير روسي يتمحور حول «تهيئة ظروف مواتية» للمحادثات.

من جهتها، تعاملت كييف مع الإعلان باعتباره خطوة ممكنة لتقليل الخسائر خلال موجة الصقيع، لكن مع حذر واضح مبني على تجربة طويلة مع «هدن مؤقتة» لم تصمد.

وتعد «هدنة الأسبوع» المقترحة بمثابة «اتفاق» غير مكتوب، ونجاحها من عدمه سيحدد مسارات الاجتماعات المقبلة التي سيتوقف نجاحها على مدى قدرة واشنطن على إقناع كييف بالتخلي عن «الأرض مقابل الأمن»، وإقناع موسكو بقبول «السيادة الأوكرانية مقابل الحياد».لكن تبقى الأرض هي العقدة، حيث إن خلافاً جوهرياً ما زال قائماً حول مطالبة روسيا بأن «تتخلى أوكرانيا عن كامل دونباس - دونيتسك»، بما في ذلك أجزاء لا تزال تحت سيطرة كييف.


بوتين يستجيب لطلب ترمب بعدم شن هجمات على أوكرانيا حتى مطلع فبراير

بوتين والمتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (أ.ف.ب)
بوتين والمتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (أ.ف.ب)
TT

بوتين يستجيب لطلب ترمب بعدم شن هجمات على أوكرانيا حتى مطلع فبراير

بوتين والمتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (أ.ف.ب)
بوتين والمتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (أ.ف.ب)

بينما تتعامل أوكرانيا مع موجة برد قاسية وانقطاعات متكررة في الكهرباء والتدفئة، عاد ملف «التهدئة الجزئية» إلى واجهة المسار التفاوضي بعد إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أنه طلب شخصياً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «عدم إطلاق النار على كييف ومدن أخرى لمدة أسبوع»، وأن بوتين وافق.

لم يقتصر الأمر على التصريح الأميركي، إذ اتخذت موسكو موقفاً متدرجاً بين الصمت والتباس الرد، قبل أن يعلن الكرملين تأكيداً محدوداً للهدنة، ما حوَّل «هدنة الأسبوع» سريعاً من بشرى إنسانية إلى اختبار صعب للثقة وميزان لجدية المحادثات الثلاثية في أبوظبي بين الروس والأوكرانيين والأميركيين، والتي من المقرر أن تعقد جولتها الثانية يوم الأحد.

فما الذي يناقش فعليا سواء بالنسبة إلى الأمن والدبلوماسية والطلبات السياسية للطرفين؟

رجال إنقاذ يحملون جثة شخص عُثر عليها تحت أنقاض مبنى سكني استهدفته غارة روسية (رويترز)

وقف قصف كييف

رجال إنقاذ في موقع غارة روسية على منطقة سكنية في أوديسا (رويترز)

الإشارة الأهم جاءت من مصدر روسي رسمي عبر تأكيد الكرملين، بحسب «رويترز»، أن بوتين وافق على وقف ضربات كييف حتى أوائل فبراير (شباط) 2026 استجابةً لطلب ترمب، مع تبرير روسي يتمحور حول «تهيئة ظروف مواتية» للمحادثات، من دون تبنٍ واضح لرواية «البرد القارس» بوصفه سبباً رئيسياً. لكن المشكلة ليست في مبدأ «الإيقاف» فقط، بل في تعريفه. هل هو وقف للقصف على العاصمة كييف تحديداً؟ أم وقف للهجمات على «كييف الكبرى» أو نطاق أوسع؟ «رويترز» أشارت صراحة إلى أن دقة المقصود بعبارة «كييف» بقيت غير محسومة.

من جهتها، تعاملت كييف مع الإعلان بوصفه خطوةً ممكنةً لتقليل الخسائر خلال موجة الصقيع، لكن مع حذر واضح مبني على تجربة طويلة مع «هدن مؤقتة» لم تصمد. وكالة «أسوشييتد برس» لخَّصت جوهر الإشكال بالقول إنه لا توجد حتى الآن آلية موثقة وملزمة، ولا تفاصيل علنية حول ما إذا كان الوقف يشمل كل الضربات أم جزءاً منها (مثل منشآت الطاقة)، وسط استمرار هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ على مسارات مختلفة. ولا يعد تحديد مدة «الأسبوع» مجرد تفصيل تقني، بل يمثل معياراً سياسياً لاختبار جدية الأطراف في الالتزام، إذ إن فشل الهدنة سيعيد بسرعة الاتهامات المتبادَلة حول المسؤولية عن الخرق الأول، مما يُهدِّد بإجهاض أي تقدم تفاوضي.

جنود أوكرانيون يذخرون راجمة صواريخ من عيار «122 ملم» في دونيتسك (رويترز)

حرب الطاقة أداة تفاوض

منذ أسابيع، تتصدَّر البنية التحتية للطاقة عنوان الضغط الروسي: ضربات متكررة على الشبكات والمحطات تجعل الشتاء عاملاً مضاعفاً للألم، سياسياً واجتماعياً. وهذه الخلفية تفسِّر لماذا تَركَّز النقاش على «تجميد» استهداف الطاقة أو المدن الكبرى بدل وقف شامل لإطلاق النار. «رويترز» وصفت السياق بوضوح: كييف تواجه نقصاً حاداً في الطاقة، وإصلاحات طارئة تتزامن مع توقعات بمزيد من انخفاض الحرارة.

لكن «حرب الطاقة» ليست ورقة روسية فقط، فقد لوَّحت أوكرانيا، وفق «أسوشييتد برس» بمنطق «المعاملة بالمثل». إذا أوقفت روسيا ضرب منشآت الطاقة، فيمكن أن تُبدي كييف ضبطاً مماثلاً.

هذا يقود إلى استنتاج أن الهدنة الجزئية تُستخدَم أداة تفاوض أكثر من كونها خطوة إنسانية صِرفة. فهي تخلق «فترة اختبار» قصيرة يمكن للطرفين خلالها الادعاء بأنهما «بنّاءان» أمام واشنطن، وفي الوقت نفسه الحفاظ على القدرة العسكرية في الجبهات.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستقبل المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر خلال اجتماعهم في الكرملين بموسكو يوم 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ما عُقد المفاوضات؟

حتى في أكثر الروايات تفاؤلاً، تبقى الأرض هي العقدة، حيث إن خلافاً جوهرياً ما زال قائماً حول مطالبة روسيا بأن «تتخلى أوكرانيا عن كامل دونباس - دونيتسك»، بما في ذلك أجزاء لا تزال تحت سيطرة كييف. وهذا ليس مجرد «تفصيل ترسيم حدود»، بل مسألة ترتبط بمعنى الحرب عند الطرفين: موسكو تريد تثبيت مكاسبها وتوسيعها، وكييف ترى في أي تنازل دون ضمانات صلبة دعوةً لحرب لاحقة.

تقول كييف: «لا تنازلات جوهرية من دون ضمانات». لكن روسيا تُظهر رفضاً أو تشكيكاً عميقاً في أي صيغة تُبقي لأوكرانيا «مظلة غربية» تُشبه من وجهة نظر موسكو، الاقتراب من الناتو أو شرعنة «أوكرانيا بوصفها منصة تهديد». هذا الموقف عبَّر عنه صراحة وزير الخارجية سيرغي لافروف الذي شكَّك في جدوى الضمانات المدعومة أميركياً. وهنا تكمن المعضلة: ضمانات قوية بما يكفي لطمأنة كييف غالباً ما تكون مستفزةً بما يكفي لرفض موسكو.

وفود المحادثات الثلاثية في أبوظبي الأسبوع الماضي (رويترز)

كما أنه حتى ولو توفَّرت تسوية على الورق، يبقى على الطرفين تسويقها داخلياً. زيلينسكي يحتاج إلى شيء يمكن تقديمه للأوكرانيين على أنه «يمنع تكرار حرب 2014 وحرب 2022» ويضمن أن روسيا لن تعود لحرب جديدة بعد التقاط الأنفاس. في حين أن بوتين يحتاج على ما يبدو إلى «انتصار استراتيجي»، إما إلى أراضٍ، أو تحييد أوكرانيا، أو كسر مسار الضمانات الغربية.

فالمحادثات الثلاثية التي جرت، الأسبوع الماضي، في الإمارات مع جولة ثانية متوقعة الأحد مهمة، على الرغم من أنها انتهت دون اتفاق، لكنها أبقت الباب مفتوحاً لمزيد من الحوار. وعُدّت نمطاً يوحي بأن واشنطن تحاول إدارة التفاوض بوصفه مساراً متدرجاً يبدأ بإجراءات «خفض تصعيد» قابلة للقياس (مثل هدنة الطاقة - المدن)، قبل الانتقال إلى «الصفقة الكبرى». لكن تبقى مشكلة بنيوية، فكثير من القرارات الكبرى، كالحدود، والضمانات، ووضع المناطق المتنازع عليها، تحتاج عملياً إلى قرار سياسي من القمة، بينما اللقاءات الفنية - الأمنية قد تُحسِّن المناخ دون القدرة على الحسم.

سيناريوهات أمام ترمب

صحيفة «وول ستريت جورنال»، طرحت سيناريوهات عدة لجهود الرئيس الأميركي دونالد ترمب. «هدنة الثقة» في كييف تتوسَّع تدريجياً إلى وقف نار أوسع، ما يضمن صمودها نسبياً وتُترجم إلى خطوات إضافية، لتشمل أهدافاً أخرى، وربما إنشاء آلية مراقبة - إخطار لتقليل «الحوادث» وسوء الفهم. نجاح خطوة قصيرة مثل هذه قد يعطي ترمب دليلاً سياسياً على «قابلية بوتين للتجاوب»، ويمنح زيلينسكي متنفساً إنسانياً في أصعب أسابيع الشتاء. ومع تأكيد الكرملين وقف الضربات حتى أوائل فبراير تتوفّر نظرياً بذرة هذا المسار. غير أن نقطة الضعف الرئيسية هي أن أي خرق كبير سيعيد كل شيء إلى نقطة الصفر، خصوصاً مع غياب وثيقة واضحة وآلية إلزام.

سيناريو آخر تحدَّث عن هدن موضعية وتقدم بطيء بلا اختراق، بحيث تستمر الحرب على الجبهات، بينما تُستخدم الهدن الجزئية إدارةً للأزمة وليست حلاً. وحتى لو أدت الاجتماعات إلى تسجيل «أجواء إيجابية» أحياناً، فإن العقدة الحقيقية (الأرض والضمانات) تبقى معلّقة. هذا السيناريو يتسق مع صورة المفاوضات التي انتهت من دون اتفاق ثم وُعد باستكمالها. وهو ما يسمح لكل طرف بأن يراهن على تحسين موقعه ميدانياً أو سياسياً قبل تقديم تنازل، مع الحفاظ على قناة تواصل تمنع انفلاتاً أكبر.

ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل ديميترييف وأوشاكوف يلتقون قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو (رويترز)

لكن إذا انهارت «هدنة كييف»، فقد يؤدي ذلك إلى تصعيد الضغوط الأميركية أكثر، إذا تبين أنها لم تكن سوى «إيماءة» أو إذا تصاعدت ضربات الطاقة مجدداً. في هذا السيناريو فقد ينقلب المزاج سريعاً. كييف ستقول إن موسكو تستخدم الدبلوماسية غطاءً، وموسكو ستتهم أوكرانيا بالاستفزاز أو عدم الجدية، بينما واشنطن قد تلوّح بأدوات ضغط (اقتصادية وسياسية) لدفع الطرف الذي تعدّه معطِّلاً.

وكالة «أسوشييتد برس» شدَّدت على أن الغموض والتباين في الروايات، مع استمرار العنف، أمور تجعل «الوقف» هشاً ومعرّضاً للانهيار سريعاً. ويصبح هدف ترمب ليس «صفقة سلام» قريبة، بل إدارة التصعيد ومنع الانفجار الأوسع، مع تحميل المسؤوليات علناً.

في المحصلة، تعد «هدنة الأسبوع» المقترحة بمثابة «اتفاق» غير مكتوب، ونجاحها من عدمه سيحدد مسارات الاجتماعات المقبلة. موافقة بوتين على طلب ترمب ستعطي زخماً للدبلوماسية الأميركية، لكنها تظل رهينة بمدى قدرة واشنطن على إقناع كييف بالتخلي عن «الأرض مقابل الأمن»، وإقناع موسكو بقبول «السيادة الأوكرانية مقابل الحياد».


الشرطة الإسبانية تقبض على صيني متهم بتمويل «حماس»  

عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)
TT

الشرطة الإسبانية تقبض على صيني متهم بتمويل «حماس»  

عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)

أعلنت الشرطة الإسبانية، الجمعة، اعتقال مواطن صيني يبلغ من العمر (38 عاماً) كان يدير صالوناً للحلاقة بالقرب من برشلونة؛ للاشتباه في تمويله حركة «حماس» بنحو 600 ألف يورو عبر تحويلات بعملات مشفرة.

وأوضح المحققون أنهم تتبعوا 31 عملية تداول على الأقل من محافظ رقمية يسيطر عليها المشتبه به إلى عناوين يُشتبه في ارتباطها بكيان تستخدمه الحركة الفلسطينية.

وتصنف دول الاتحاد الأوروبي الـ27، ودولاً غربية أخرى، «حماس» منظمة إرهابية.

وامتنعت الشرطة، وفقاً لوكالة «رويترز»، عن التعليق على الدوافع المحتملة للمشتبه به، أو ما إذا كان قد تواصل مع «حماس» عن علم أو كان مجرد وسيط، وذلك نظراً لحساسية التحقيق.

وأضافت الشرطة أنه خلال تفتيش صالون الشعر ومنزل المشتبه به، صادرت عناصر أمنية أصولاً مشفرة ونقوداً وجواهر وأجهزة كمبيوتر وهواتف محمولة.

كما جمدت عدة حسابات بنكية، ليتجاوز مجموع الأصول المصادرة والمجمدة 370 ألف يورو.

وذكرت الشرطة أن التحقيق بدأ في يونيو (حزيران) الماضي في أثناء عملية منفصلة تتعلق بالاحتيال وغسل الأموال.

وحذرت السلطات في السنوات الأخيرة من استخدام الجماعات المسلحة للعملات المشفرة لتحويل الأموال عبر الحدود؛ ما يعقد جهود تتبع وعرقلة تمويل الإرهاب.