الثقافة في فلسطين.. جوائز وفعاليات وحضور أدبي لافت.. وتحديات

المسرح الوطني ينتظر من ينقذه من وطأة الديون المتراكمة

زياد خداش  يتسلم  «جائزة فلسطين» من الرئيس الفلسطيني
زياد خداش يتسلم «جائزة فلسطين» من الرئيس الفلسطيني
TT

الثقافة في فلسطين.. جوائز وفعاليات وحضور أدبي لافت.. وتحديات

زياد خداش  يتسلم  «جائزة فلسطين» من الرئيس الفلسطيني
زياد خداش يتسلم «جائزة فلسطين» من الرئيس الفلسطيني

لعل من أبرز الأحداث الأدبية في عام 2015 بالنسبة للفلسطينيين، فوز الروائي أسامة العيسة عن روايته «مجانين بيت لحم» بـ«جائزة الشيخ زايد للكتاب» عن فرع الآداب، بعد منافسة حميمة ضمت إلى جانبه في القائمة القصيرة كلا من الشاعر الفلسطيني غسان زقطان عن مجموعته الشعرية «لا شامة تدل أمي علي»، والروائي المصري إبراهيم عبد المجيد عن روايته «هنا القاهرة».
واحتفى الوسط الأدبي خاصة والثقافي عامة، بوصول رواية عاطف أبو سيف «حياة معلقة» إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، وما رافقها من احتفاء نقدي وجماهيري جعلها من بين الأعمال المنافسة على الجائزة، علما بأنها المرة الأولى التي يصل فيها روائي فلسطيني من داخل الأراضي المحتلة عام 1967، وبالتحديد من غزة إلى القائمة القصيرة لهذه الجائزة.
على مستوى الشعر، كان الحضور الأبرز للشاعر غسان زقطان، فقد ظهر اسمه للعام الثاني على التوالي، ضمن المرشحين في القائمة القصيرة لـ«جائزة نيوستاد العالمية للأدب»، والتي تعرف بجائزة «نوبل أميركا»، وهو الفائز بجائزة «غريفين» العالمية قبل سنتين، وذلك عن عمله المترجم «كطير من القش وقصائد أخرى».
وفاز الشاعر الدكتور زياد مدوخ، رئيس قسم اللغة الفرنسية بجامعة الأقصى في غزة، ويكتب الشعر بالفرنسية، بجائزة التميز في مسابقة الشعر الدولية، التي تنظمها «مؤسسة الشعر الأوروبية»، ومقرها في العاصمة الفرنسية باريس.
وكان لفلسطين حضور متميز في الدورة الحادية والعشرين للمعرض الدولي للنشر والكتاب في الدار البيضاء، الذي حلت فيه فلسطين ضيف شرف، حيث شاركت في وفد ضم المبدعين الفلسطينيين من أدباء ومثقفين وفنانين من مختلف دول العالم، شاركوا في كثير من الندوات المتميزة، والأمسيات الأدبية والشعرية، والمعارض الفنية وعروض الأفلام، بينما كانوا يتابعون عن كثب نتائج جائزة «البوكر» التي أعلنت ضمن فعاليات المعرض، باعتبار فلسطين كانت من بين الدول المتنافسة من خلال رواية «حياة معلقة» لعاطف أبو سيف، الذي منعته حركة حماس، آنذاك، من المشاركة في الحفل والمعرض، رغم ورود اسمه في القائمة الرسمية الممثلة لفلسطين.
وشهد عام 2015، عودة جائزة الدولة التقديرية في الفنون والآداب والعلوم الإنسانية، بعد غياب استمر أربعة عشر عاما، حيث قررت لجنة الجائزة برئاسة الروائي والكاتب يحيى يخلف، بمنحها في الآداب لكل من الأديب محمد علي طه، والقاص زياد خداش، بينما ذهبت في الفنون إلى الثلاثي جبران، بينما كانت جائزة الدولة التقديرية عن مجمل الأعمال للدكتور حسام الخطيب.
ومنحت «مؤسسة محمود دوريش»، جائزة محمود درويش للثقافة والإبداع في دورتها السادسة لعام 2015، للمخرج السينمائي الفلسطيني هاني أبو أسعد، الذي ركز في مشروعه الإبداعي على قيم الحرية والعدالة لفلسطين والفلسطينيين، كما حصل على جائزة محمود درويش للإبداع العربي الكاتب والأديب العربي السوري الرائد في مجال القصة زكريا تامر، الذي يجمع بين جمالية السرد ورفعة الذوق، وبين الشجاعة والعناد في الدفاع عن حرية الإنسان وكرامته، ومواجهة الظلم والاستبداد، في حفل نظمته المؤسسة بمتحف محمود درويش في رام الله.
وعلى مستوى الفعاليات، استضاف متحف محمود درويش في مدينة رام الله عام 2015، عددا كبيرا من الأدباء العرب والفلسطينيين، من أبرزهم الروائي الجزائري واسيني الأعرج، الذي أطلق طبعة خاصة بفلسطين لسيرته الروائية «سيرة المشتهى»، الصادرة عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في العاصمة الأردنية عمان، وأهدى ريعها لصالح الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وكذلك الروائي الفلسطيني المقيم في لندن ربعي المدهون، الذي أطلق من المتحف روايته الجديدة «المصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة»، والروائي الفلسطيني أنور حامد، الذي استعرض تجربته الروائية في المتحف، خصوصا رواية «جنين 2000»، إضافة إلى الروائي عاطف أبو سيف الذي استعرض تجربته في «البوكر»، وتحدث عن روايته «حياة معلقة»، وغيرهم، بينما أطلقت عشرات الروايات ودواوين الشعر الجديدة لروائيين وشعراء مكرسين، وآخرين يطلقون أعمالهم الأولى أو الثانية، إضافة إلى عشرات المعارض الفنية، والعروض المسرحية، والأفلام السينمائية في إطار مشروع «الأربعا سينما»، الذي دخل عامه الثالث.
وبعد سلسلة النجاحات التي حققها مركز الشعر الدولي في مدينة مرسيليا الفرنسية، عبر برنامج «استيراد وتصدير»، في كل من دمشق وبيروت والإسكندرية والجزائر وطنجة وأمستردام، وهو المشروع الرامي إلى تحقيق نوع تواصل في الشعر المعاصر، حط رحاله هذا العام في رام الله، انطلاقا من متحف محمود درويش، الذي احتضن أمسية للشعراء المشاركين، وهم: غسان زقطان، وزهير أبو شايب، وبشير شلش من فلسطين، وجون دايف، وجون شارل دوبول من فرنسا، الذين اجتمعوا على مائدة مستديرة للخروج بقصائد مترجمة تضمها فيما بعد كتاب. وبذلك، شارك الشعراء في ترجمة قصائدهم، وهو مشروع رائد، واختيار رام الله لتكون محطته الجديدة إضافة مهمة إلى المشهد الثقافي عموما، والمشهد الشعري الفلسطيني على وجه الخصوص.
وتحت شعار «فلسطين حرية وثقافة»، انتظمت هذا العام فعاليات الملتقى الثقافي الفلسطيني السابع، ونظمته اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم، انطلاقًا من حفل مركزي تحتضنه قاعة مبنى الهلال الأحمر الفلسطيني في مدينة البيرة.
وعلى عكس الدورات السابقة التي انحازت إلى فنون الغناء والرقص الشعبي عبر مطربين وفرق فلسطينية وعربية حققت حلمها بالغناء على أرض الوطن، كان من أبرزها الفنان الراحل «أبو عرب»، وفرقة العاشقين، وغيرهم، انحازت الدورة السابعة إلى الأدب بشتى صنوفه، دون إغفال الفنون الأخرى، عبر مشاركة شعراء وروائيين وكتاب ومسرحيين وسينمائيين من إسبانيا، ضيف شرف المهرجان، وروسيا، وداغستان، وبريطانيا، والعراق، وفلسطين. ومن أبرز المشاركين من إسبانيا: المسرحي والشاعر ميغيل أنشو فران بيو، والشاعرة والناقدة أبيلار غونثالث، والشاعر والقاص والناقد لبناني الأصل سمير دلغادو، والشاعرة ماري آنخلس فرنانغوميث، والشاعرة بيبا نييتو، والشاعر باو باديل، والشاعرة ماريا فيكتوريا كارو بيرنال، والسينمائي مانو تريو، والناشرة سارة مورينو.
وشارك في الملتقى القاص الروسي فلاديمير كروبين، والشاعر غينادي إيفانوف، ورئيس اتحاد كتاب روسيا الأديب أوليغ ميترافانوفيش بافيكين، وشاعر الشعب الداغستاني محمد أحمدوف، والكاتب العراقي المقيم في إسبانيا عبد الهادي سعدون.
ومن فلسطينيي الشتات شارك في الملتقى كل من: الشاعر والمترجم نزار سرطاوي، والأديب والشاعر رسمي أبو علي، والشاعر والكاتب محمد ضمرة، والشاعر عبد الله عيسى، بينما يشارك في الداخل الفلسطيني كل من: الكاتب والأديب سلمان ناطور، والشاعرة إيمان مصاروة، والشاعر أحمد فوزي أبو بكر، والمتخصصة في أدب الأطفال أنوار أيوب سرحان، والقاصة حنان جلبيلي عابد، والأكاديمية ريما عابد زينة، والشاعرة زهيرة صباغ، والشاعر فرحات فرحات، والكاتبة عناق مواسي، والكاتب والمخرج المسرحي عفيف شليوط، والشاعر سامي مهنا رئيس الاتحاد العام للكتاب العرب الفلسطينيين في الداخل.
وفجع الوسط الفني والثقافي في فلسطين برحيل رسام الكاريكاتير الشهير بهاء البخاري، رفيق درب الرسام الشهيد ناجي العلي، مخلفا آلاف الرسومات، واللوحات، والمعارض، وكثيرين ممن أحبوه وأحبوا معه «أبو العبد»، و«أم العبد» (شخصياته الرئيسية)، واعتبروه خليفة ناجي العلي، فالبخاري بات في السنوات العشرين السابقة أو في ربع القرن الأخير، رسام الكاريكاتير الأول في فلسطين، ورسولها إلى العالم في هذا المجال، حيث كان الملهم لكثير من الفنانين الشباب في مجال الرسم الكاريكاتيري، وبات عنوانا فلسطينيا له حضوره العالمي الطاغي، وهو الذي أنهى مشواره الكاريكاتيري في جريدة «الأيام» الفلسطينية، وعمل فيها منذ عام 1996، أي بعد تأسيسها بأشهر، بمثابرة، وإتقان، وحيوية، وابتكار، جعل من رسوماته الكاريكاتيرية عنوانا يوميا ليس على الصفحة الأخيرة في الجريدة، بل في عيون قرائها ومتابعيها.
ومع نهاية العام، وبالتحديد في الشهر الأخير منه، ابتهج الشارع الثقافي والأدبي والفني في فلسطين عموما باختيار الشاعر الفلسطيني الشاب د. إيهاب بسيسو وزيرا للثقافة، حيث لم يعتد المثقفون الفلسطينيون على اختيار وزير شاب وواحدا منهم لهذا المنصب، ما دفع كثيرين إلى التفاؤل، والتعويل كثيرا عليه في تطوير الحالة الثقافية الفلسطينية، خصوصا مع العلم بأن موازنة الثقافة لا تزيد على (0.01 في المائة) من الموازنة العامة للسلطة الفلسطينية. ولكن، وبعد يوم أو اثنين فقط، صدر مرسوم رئاسي فلسطيني طال مثقفين وأطاح بهم من مجلس أمناء «مؤسسة محمود درويش»، ليحل بدلا عنهم رجال أعمال، ما أثار حفيظة كثير من المثقفين والأدباء والفنانين بل وأسرة الشاعر درويش نفسه.
ومن جانب آخر، لا يزال المسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي)، وهو أحد أهم المراكز الثقافية العاملة، على قلتها، في القدس، ينتظر من ينقذه من وطأة الديون المتراكمة، التي تهدد بإغلاقه واستيلاء سلطات الاحتلال عليه، بعد عقود كان فيها علامة فارقة للثقافة الفلسطينية في القدس، التي يسعى الاحتلال لتهوديها بكل الطرق الممكنة.



سمر نور: أُجرِّب وألعب وأكتشف ذاتي والعالم من حولي


سمر نور وغلاف روايتها «آشا»
سمر نور وغلاف روايتها «آشا»
TT

سمر نور: أُجرِّب وألعب وأكتشف ذاتي والعالم من حولي


سمر نور وغلاف روايتها «آشا»
سمر نور وغلاف روايتها «آشا»

تتعامل الكاتبة والروائية المصرية سمر نور مع الكتابة بوصفها أفقاً للتجريب واكتشاف الذات والعالم، متنقلةً بين القصة القصيرة والرواية، وبين الواقعية والفانتازيا، وعبر أزمنة وبيئات اجتماعية متباينة، دون أن تتخلى عن هواجس تتصل بالذاكرة والهوية، والعلاقة الملتبسة بين الحقيقة وما يصنعه الخيال الفردي والجمعي من تصورات عنها.

ومن «محلك سر» إلى «تماثيل الجان» و«الست»، تتعدد عوالمها السردية وأساليب بنائها، بينما تظل أسئلة السلطة والقيود الاجتماعية، خصوصاً في علاقتها بالمرأة، حاضرةً في تجاربها، إلى جانب انشغالها بقدرة الذاكرة على إعادة تشكيل الماضي، وبالحدود المتحركة بين الواقع والوهم.

في روايتها «آشا»، التي فازت بجائزة كتارا، تعود إلى جذورها النوبية، مستلهمةً حكاية عائلية قديمة لبناء عالم تتداخل فيه الأسطورة والتاريخ والموروث الشعبي، بعيداً عن اختزال النوبة في ثيمات الحنين والفقد والتهجير. وعبر جزأي الرواية الآخرين، «الجعران والقمر» و«يوم وصول الرجل الأحمر»، تخوض تجربة سردية تقوم على بناء الحكاية ثم مراجعتها من زوايا رؤية مختلفة.

هنا حوار معها:

> في «آشا» تبدو النوبة عالماً متكاملاً من الحكايات والأساطير والطقوس، وليس مجرد خلفية جغرافية للأحداث. ما الذي دفعكِ إلى استعادة هذا العالم، وكيف اشتغلتِ على تفاصيله التاريخية والتراثية، خاصة أنكِ عدتِ إلى فترة بعيدة نسبياً من تاريخ النوبة؟

- أنا نوبية الأصل، تنتمي جذوري لقرية الشباك النوبية، لكنى ولدت في القاهرة حيث استقرت عائلتي منذ ثلاثينات القرن الماضي، لكنى لم أجد الدافع للكتابة عن النوبة قبل «آشا»، وكنت أرى نفسى ابنة القاهرة بكل تفاصيلها، لكن العالم الذي وُلد من استعادة حكاية عائلية من طفولتي عن أصول عائلتي، هذا العالم اكتشفت بعد سنوات من البحث بين الكتب والتسجيل مع كبار من العائلة أنه لم يغادرنى أبداً، بل كنت أستعيد أشياءً من ذاكرة طفولتي عن سيدات من القرية كن يأتين لزيارة جدتي، فوجدتني مسكونة بهذا العالم، حتى وإن لم أعِ ذلك إلا بفعل الكتابة، أما عن الاشتغال على التفاصيل التاريخية والتراثية، فقد كان أمراً ضرورياً ليس فقط لاستعادة وعيي بالنوبة الكامن بداخلي، بل أيضاً لفهم الشخصيات ودوافعها وزاوية رؤيتها للحياة، فربما تكون الحكاية واحدة في كل مكان وزمان، فالكل يولد ويموت، يفرح ويحزن، لكن المعرفة بتفاصيل العالم هي التي تخلق الاختلاف وفهم طبيعة الصراع.

> كثيراً ما ارتبط حضور النوبة في الأدب المصري بثيمات الحنين والفقد والتهجير، بينما تقدمين في «آشا» مجتمعاً حياً بتناقضاته وصراعاته. هل كنتِ معنية بتجاوز هذه الصورة التقليدية؟ وكيف تنظرين إلى موقع الأدب النوبي في المشهد الروائي المصري والعربي؟

- يسبقني منجز كبير وضعه النقاد تحت إطار مصطلح الأدب النوبي بدءاً من رواية «الشمندورة» لمحمد خليل قاسم ثم أعمال ليحيى مختار وإدريس علي وحجاج أدول وحسن نور، ارتبطت بالنوبة وثيمات الحنين والفقد والتهجير، ربما تجاوز إدريس علي ذلك إلى نقد المجتمع أحياناً، أو تنوعات أعمال حجاج أدول في أمكنة أخرى غير النوبة مثل الإسكندرية مقر ميلاده، لكن في النهاية تم تأطير أعماله في هذه الثيمات من قبل النقاد، ولم يُنظر للجانب الفني في تجربتهم بما تستحقه تلك التجارب، بل تم التركيز دائماً على الثيمات المذكورة، وحين بدأت الكتابة كان هناك اعتقاد أنى سأكمل تلك المسيرة لكنى لم أكن أشعر بقدرتي على ذلك، وتمسكت بكوني ابنة المدينة وهواجسها ومخاوفها في كل الأعمال السابقة لـ«آشا»، وأعتقد أنى لم أكن لأكتب عن النوبة لو لم يتملكني عالم يحمل رؤيتي الجمالية الخاصة.

> تتداخل الأسطورة والتاريخ في عالم «آشا»، وتبدو الحكايات الشعبية أحياناً وسيلة لفهم العالم، وأحياناً أخرى سلطة تتحكم في مصائر الشخصيات. إلى أي مدى يشغلكِ هذا التداخل بين الحقيقة وما يصنعه الخيال الجمعي من حقائق بديلة؟

- إلى حد كبير، وربما كان امتداداً لانشغالي بألاعيب الذاكرة وقدرتها على خلق واقع مشوه وتاريخ مشوه، وما يمكن أن نعتقد أنه حقيقة لمجرد أنه ما تعودنا على حضوره باعتباره حقيقة دون مراجعة فعلية، ويتجلى ذلك في أعمال سابقة لى مثل رواية «محلك سر» ومراجعة الذاكرة الشخصية، أو رواية «تماثيل الجان»، حيث يبدو الذهان والخرافة ثنائياً حاكماً للذاكرة الشخصية والجماعية، أما في «آشا» بجزأيها فأمارس لعبة نسج حكاية بيقين الراوي الشعبي في جزء «الجعران والقمر» ثم هدمها وبناء حكاية جديدة على لسان شخصيات مختلفة في رؤيتهم للعالم في «يوم وصول الرجل الأحمر».

> تمتد تجربتكِ في الكتابة من القصة القصيرة إلى الرواية، وعبر سنوات تنقلتِ بين عوالم وأساليب سردية مختلفة. كيف ترين تطور مشروعكِ الأدبي منذ بداياته؟ وهل هناك أسئلة أو هواجس ظلت ترافقكِ رغم اختلاف الأشكال والموضوعات؟

- لا أعرف، أنا أجرب وألعب وأكتشف ذاتي والعالم من حولي، ولا أرى نفسي سوى تلك الطفلة التي كانت تهوى تفكيك لعبتها الجديدة حتى تكتشف كيف صنعت، لذلك أبني الآن ألعاباً كتابية جديدة عوضاً عن كل الألعاب التي فككتها وفشلت في تركيبها من جديد. اللعب بالخيال هو كل ما أجيده في الحياة، والتطور لا يأتي بشكل مقصود لكنه يأتي خلال محاولات فهم الذات والعالم، وربما الفشل في ذلك هو الذي يدفعنا إلى الاستمرار في اللعب.

> تبدو شخصياتكِ النسائية، من بطلة «الست» إلى «آشا»، في مواجهة مستمرة مع القيود الاجتماعية والسلطات المختلفة. هل تنطلقين من انشغال واعٍ بأسئلة المرأة وحريتها، أم أن هذه الشخصيات تفرض تمردها الخاص أثناء الكتابة؟

- أنشغل بأسئلة المرأة وحريتها لكنى أيضاً أعي طبيعة الفن الذي أقدمه، ولا أحب أن تحركني آيديولوجية من أي نوع أثناء الكتابة، ولكنى أعي أيضاً أن تكويني وهواجسي وأفكاري تفرض نفسها في مراحل سابقة وتؤثر على اختيار الفكرة وبناء العالم وزاوية الرؤية، غير أن الشخصيات تفرض تمردها أثناء الكتابة وتفاجئني أحياناً بمسارات لم تكن في حسباني.

> حققت «آشا» بجزأيها حضوراً لافتاً بين القراء، وتُوِّج الجزء الأول بجائزة كتارا. وكنتِ قد أشرتِ إلى أنكِ لم تحسمي فكرة تحويل العمل إلى ثلاثية. هل يمكن لهذا النجاح أن يدفعكِ إلى إعادة التفكير في كتابة جزء ثالث؟ وإلى أي مدى يمكن أن يتحول نجاح العمل نفسه إلى عامل يؤثر في اختيارات الكاتب، وربما يدفعه إلى استثمار عالم روائي لم يكن ينوي العودة إليه؟

- لا أحب أن يحركني أمر ما في كتابتي سوى الكتابة ذاتها، ولا أجد أن استثمار النجاح أمر يمكنه أن يشغل كاتباً يدعي أن لديه مشروعاً كتابياً، النجاح أمر جيد ودافع لمواصلة الكتابة، لكن لدي الكثير لأقدمه بعد «آشا»، بالتأكيد سأعود لعالم النوبة، وربما أعود لآشا نفسها إذا شغلني عالمها من جديد، وسيطرت علي شخوصه، ووجدت جديداً لأقدمه من خلاله.

> تتنقلين بين أزمنة وبيئات وعوالم شديدة الاختلاف، من المجتمع المعاصر إلى النوبة التاريخية، ومن الواقعية إلى الفانتازيا. ما التحديات التي يفرضها عليكِ الانتقال بين هذه العوالم؟ وهل يتطلب كل عالم منها أدوات سردية مختلفة؟

- جزء كبير من متعة الكتابة في مواجهة التحديات والانتقال بين عوالم مختلفة، وإيجاد حلول للصعوبات التي تواجهك، ولغة مناسبة لعالمك لكنها لغة تحمل بصمتك الخاصة في الوقت نفسه، وبناء يتوافق مع طبيعة نصك، فكل عالم تجربة مغايرة وتحدٍّ جديد يواجه الكاتب.

> بعد فوز «آشا» بجائزة «كتارا»، وما يتيحه ذلك من وصول الرواية إلى قراء جدد وترجمتها إلى الإنجليزية، كيف تنظرين إلى المرحلة المقبلة من مشروعكِ الأدبي؟

- يبدو أن لـ«آشا» حظاً أفضل من أعمالي السابقة ويمكنها استكمال طريقها وأتمنى أن تحظى بالتوفيق وتلقي الضوء على مشروعي الأدبي، أتمنى أن أحظى بفرصة لإعادة نشر رواياتي ومجموعاتي القصصية السابقة، وأتمنى أيضاً ألا أقف على عتبة «آشا» وأعبر نحو عالم جديد وكتابة جديدة.

> ما الموضوع الذي يشغلكِ الآن وتستعدين للكتابة عنه؟

- يشغلني عالم مختلف على صعيد المكان والزمان، رواية معاصرة لكنها متصلة بتاريخ طويل من السحر والاختفاء، أعود إلى القاهرة التي أعرفها بكل تحولاتها وتغيراتها المفاجئة في السنين الماضية.

أنشغل بأسئلة المرأة وحريتها لكني أيضاً أعي طبيعة الفن الذي أقدمه ولا أحب أن تحركني آيديولوجية من أي نوع أثناء الكتابة


رحلة أومبرتو إيكو المذهلة عبر التاريخ والفكر

رحلة أومبرتو إيكو المذهلة عبر التاريخ والفكر
TT

رحلة أومبرتو إيكو المذهلة عبر التاريخ والفكر

رحلة أومبرتو إيكو المذهلة عبر التاريخ والفكر

وصفتها «واشنطن بوست» بأنها «مغامرة فكرية آسرة مليئة بالأسرار والدهشة»، أما مجلة «تايم» فرأت فيها «مزيجاً عبقرياً من ألف فكرة وألف قصة ليصوغ لنا المؤلف بمهارة سبيكة من الجنون والحكمة ليجد القارئ ملاذه الخاص».

تلك هى رواية «بندول فوكو» للروائي الإيطالي البارز أومبرتو إيكو التي باعت أكثر من 3 ملايين نسخة وتُرجمت إلى أكثر من 40 لغة، كما صدرت طبعة جديدة منها عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة الراحلة أماني فوزي حبشي.

تدور الأحداث في قلب ميلانو وبين جدران دار نشر صغيرة، حيث يقرر ثلاثة محررين مواجهة ملل المخطوطات الغامضة بابتكار لعبة على الحاسوب سرعان ما تتحول إلى مؤامرة متشابكة مستوحاة من حكاية كولونيل غريب الأطوار عن خطة سرية حيكت عبر العصور الوسطى للسيطرة على العالم.

وحين تبدأ اللعبة بالتحكم في الواقع ويُقتل الكولونيل، وآخرون بعده، يجد المحررون أنفسهم في سباق محموم مع الزمن لكشف الحقيقة قبل أن تبتلعهم المؤامرة، عبر نص بالغ التشويق والإثارة يتضمن رحلة مذهلة عبر التاريخ والفكر والثقافة، ينتقل فيها المتلقي من المخطوطات السرية إلى أجهزة الحاسوب ومن ديكارت إلى النازيين.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لابد أن أكون في سلام الآن فقد فهمت، ألم يقل أحدهم إن الخلاص يأتي عندما يصل المرء إلى كمال المعرفة؟ من قال إن السلام ينبع من التأمل في النظام المفهوم الممتع المتحقق بلا رواسب، في الفرح والانتصار، في انتهاء السعي؟

كل شيء واضح جلي والعين ترى الجزء والكل وترى كيف أن الجزء تواطأ مع الكل وتدرك المركز الذي تدفقت منه الدماء الأنفاس وجذر الدوافع.

لابد أن أكون في سلام تام. من نافذة مكتب العم كارلو، أنظر إلى الهضبة وذلك الجزء الصغير من القمر الذي يوشك على الظهور المنحنى المتسع والنتوءات الأكثر بروزاً للتلال خلفه والتي تحكي قصة التقلبات البطيئة والناعسة للأرض الأم والتي من خلال تمددها وتثاؤبها تخلق وتمحو أسطحاً زرقاء.

في الوميض المفزع لمئات البراكين تتحرك الأرض في أثناء نومها وتبدل سطحاً بآخر. وحل الألماس حيث ترعى الأصداف والكروم حيث يكبر الألماس، إنه منطق الركام وانهيار الصخور وانهيار الكتل الثلجية.

إذا نزعت حصى من مكانه بالمصادفة، فإنه يبدأ في الحركة يتدحرج إلى أسفل ويترك فراغاً في أثناء الهبوط ويقع آخر فوقه ثم يليه آخر، أسطح فوق أسطح. إنها حكمة الأرض.

أين قرأت أنه في اللحظة النهائية عندما تصبح الحياة سطحاً وراء سطح، محشوة بالخبرات، يعرف المرء كل شيء: السر القدرة والمجد، لماذا ولد ولماذا يموت وكيف يمكن لكل شيء أن يسير بطريقة مختلفة ؟ يصبح حكيماً ولكن الحكمة الكبرى في تلك اللحظة هي معرفة أنه عرف كل هذا متأخراً جداً. يفهم المرء كل شيء عندما لا يعود هناك شيء آخر يحتاج إلى الفهم».


«القافلة» في عددها الجديد... البحث عن إنسان بزمن التحولات

«القافلة» في عددها الجديد... البحث عن إنسان بزمن التحولات
TT

«القافلة» في عددها الجديد... البحث عن إنسان بزمن التحولات

«القافلة» في عددها الجديد... البحث عن إنسان بزمن التحولات

تضع مجلة «القافلة»، التي تصدرها «أرامكو السعودية»، قارئها في عددها الجديد أمام أسئلة تتجاوز حدود الثقافة والأدب، إلى مستقبل الإنسان وعلاقته بالمعرفة والتكنولوجيا والطبيعة. ومن خلال موضوعات تتوزع بين الفكر، والفنون، والعلوم، والبيئة، ينشغل العدد بسؤال يتردد بصيغ مختلفة: ماذا يبقى من خصوصية الإنسان في ظل تسارع التحولات التقنية وتغير أنماط المعرفة والتجربة الإنسانية؟

العلوم الإنسانية... أزمة المكانة وغياب النقد

تحتل قضية «العلوم الإنسانية.. حقائق منسية» موقعاً محورياً في العدد؛ إذ تناقش تراجع مكانة العلوم الإنسانية أمام صعود التخصصات التقنية والتطبيقية، وما يرافق ذلك من تشكيك في جدوى تدريس الفلسفة وعلم الاجتماع والآداب، وعلاقة هذه التخصصات بسوق العمل ومتطلبات التنمية.

ويشارك في القضية، الدكاترة: عبد السلام الوايل، وسماهر الضامن، وعبد السلام بنعبد العالي، من خلال 3 مقاربات تتناول القيمة الاجتماعية للعلوم الإنسانية، وأزمة تدريسها في الجامعات العربية، ومدى احتفاظها بوظيفتها النقدية.

يرفض الدكتور عبد السلام الوايل اختزال قيمة العلوم الإنسانية في فرص التوظيف والعائد الاقتصادي، ويرى أنها تسهم في بناء الهوية والقيم والثقة والتماسك الاجتماعي، وأنها عناصر يقوم عليها الاقتصاد نفسه. ويؤكد أن انتشار الذكاء الاصطناعي سيزيد الحاجة إلى التفكير النقدي والحكم الأخلاقي وفهم السياقات الإنسانية، «وهي قدرات يصعب اختزالها في الأتمتة».

«العلوم الإنسانية»

وتتناول الدكتورة سماهر الضامن أزمة تدريس العلوم الإنسانية في الجامعات، مشيرة إلى النظرة التي تضع التخصصات العلمية في مرتبة أعلى من التخصصات الأدبية. وتلفت إلى أن «بعض الطلاب يلتحقون بالعلوم الإنسانية اضطراراً، بوصف ذلك محطة للانتقال إلى تخصصات أخرى». وترى أن «تحديث المناهج وحده لا يكفي ما لم يتغير النظام التعليمي وأساليب التدريس، ويستعد الأستاذُ الجامعي دورَه في إثارة الفضول والتفكير».

أما الدكتور عبد السلام بنعبد العالي، فيقدم مقاربة نقدية لأزمة العلوم الإنسانية العربية، عادّاً أنها استوردت النظريات والمناهج الغربية دون الشروط التاريخية والاجتماعية التي أنتجتها... «ونتيجة لذلك؛ تحولت في حالات كثيرة إلى مقررات جامعية تعيد إنتاج المفاهيم، بدلاً من أن تصبح أدوات لفهم المجتمع ونقده».

ويربط بنعبد العالي هذه الأزمة بـ«غياب الروح الفلسفية، وضعف المجال العام، وانفصال الجامعة عن المجتمع، وهي عوامل حدّت من قدرة العلوم الإنسانية على التأثير وإنتاج فكر نقدي».

وتخلص القضية إلى أن أزمة العلوم الإنسانية ليست أزمة جدوى أو توظيف فقط؛ «بل تتصل ببنية التعليم والمؤسسات والمناهج وعلاقة الجامعة بالمجتمع». وأن استعادة مكانتها تتطلب «الانتقال من استهلاك النظريات إلى إنتاج المعرفة، ومن الدفاع عن قيمتها إلى إثبات دورها في فهم التحولات الاجتماعية والثقافية».

حمد الجاسر... المعلم والباحث

في باب «أدب وفنون»، يستعرض عبد العزيز بن سلمة المسيرة العلمية والثقافية للعلامة السعودي حمد الجاسر، وإسهاماته في تطوير التعليم والصحافة والبحث التاريخي والجغرافي في المملكة.

ويتوقف عند رحلته مع المخطوطات والمكتبات العربية والعالمية، ودوره في تطوير التعليم بالمنطقة الشرقية ونجد، وتشجيع النشاط الأدبي بين الطلاب، فضلاً عن ريادته الصحافية من خلال إصدار مجلة «اليمامة» عام 1953، وإسهاماته في حركة النشر بالرياض.

وتقدم المادةُ الجاسرَ بوصفه «نموذجاً للمثقف الذي لم يكتف بإنتاج المعرفة، بل أسهم في بناء المؤسسات التعليمية والثقافية التي تحفظها وتنشرها، وترك إرثاً من المؤلفات والتحقيقات التي تناولت تاريخ الجزيرة العربية وجغرافيتها وسكانها».

وفي الباب نفسه، يتناول أحمد عبد اللطيف ظاهرةَ «رواية الضواحي» في الأدب الإسباني، بينما تقرأ لمياء شمت التجربةَ الروائية للسوداني عبد العزيز بركة ساكن، وعلاقتَها بالموروث الشعبي. ويناقش زياد الدريس شهرة ابن خلدون، متسائلاً عما إذا كانت تعكس قراءةً فعلية لأعماله أم حضوراً رمزياً لاسمه.

كما يعرّف الباب بتجربة الكاتب الصيني نينغ كن، ويناقش جدوى كتب تعليم الكتابة الروائية، ويقارن بين فيلمَي السيرة «الست» و«مايكل» واختلاف معالجتهما السينمائية. ويضم أيضاً قصيدة للشاعر السعودي علي الحازمي، وقراءة في تجربة الفنان التشكيلي عبد الله العثمان.

حمد الجاسر

من يصنع عقل المستقبل؟

في باب «آفاق»، يناقش موضوع «القلم أم التابلت.. أيهما يبني عقل الطالب؟» أثرَ الأدوات الرقمية في التعلم والذاكرة والكتابة، مستعرضة تجارب تعليمية اندفعت نحو استخدام الشاشات قبل أن تعيد النظر في بعض نتائجها.

ويتصل بذلك موضوع «هكذا تعيد وسائل التواصل الاجتماعي تعريف الشهرة»، الذي يفحص انتقال الشهرة من الاعتراف بالإنجاز إلى الانتشار الذي تصنعه المنصات وخوارزمياتها.

ويطرح الموضوعان أسئلة عن أثر التكنولوجيا في تشكيل الوعي والسلوك، وليس في تسهيل الحياة وحدها.

وفي قسم «علوم»، يناقش خالد كرم دور البحوث العلمية والطب الرياضي في تطوير أداء الرياضيين وتحطيم الأرقام القياسية. في حين يتناول سعد القحطاني فرضية اختفاء النحل من العالم وتداعياتها على الإنتاج الغذائي والتنوع الحيوي. وتنسجم صورة الغلاف، التي التقطها محمد آل ابن الشيخ لنحلة على زهرة الخزامى، مع موضوع «ماذا لو اختفى النحل؟»، الذي يوضح أن اختفاء هذه الحشرات لن يؤدي إلى اختفاء الغذاء كله، لكنه سيؤثر في تلقيح محاصيل ونباتات كثيرة، ويهدد التوازن البيئي.

وفي زاوية «العلم خيال»، يتساءل حسن الخاطر عن إمكانية استغناء الإنسان عن الطعام واستمداد طاقته من ضوء الشمس، والصعوبات التي تحول دون تحقيق ذلك. كما يستكشف القسم نزعتنا إلى إضفاء الصفات البشرية على الذكاء الاصطناعي، ويتناول شبكات التواصل في الغابات؛ من نداءات الطيور، إلى الإشارات الكيميائية للنباتات.

وتكشف هذه الموضوعات عن اهتمام المجلة بالعلاقة بين التقدم العلمي وحياة الإنسان، وبالأسئلة التي تثيرها التكنولوجيا بشأن مستقبل التعليم والغذاء والبيئة.

الكرسي... تاريخ السلطة والحياة اليومية

يخصص العدد ملفَّه لموضوع «الكرسي»، في معالجة تتجاوز تاريخ الأثاث إلى دلالاته الاجتماعية والسياسية والفنية، وتستعرض تحولاته من رمز للسلطة والهيمنة إلى أداة يومية للراحة والعمل.

ويتتبع الملف تطور تصاميم الكراسي عبر الحضارات، وتأثيرها في صحة الإنسان وعلاقاته الاجتماعية، مستكشفاً دلالاتها في الثقافة العربية والأساطير القديمة والنص القرآني، وحضورها في الأدب والمسرح والسينما والفن التشكيلي.

وفي إحدى مواد الملف، تتناول مهى قمر الدين تاريخ الكرسي؛ من العروش القديمة إلى المقاعد البلاستيكية، وتكشف عن كيف تحول عبر العصور علامةً على السلطة والمكانة والذاكرة، وعن كيف يمكن قراءة جوانب من تاريخ المجتمعات من خلال الأشياء التي صنعتها واستخدمتها.