يعد هذا المنتجع عند طرف كيب كود من الوجهات المعروفة في الولايات المتحدة، ويفضل المروجون لها أن يقولوا، إن الناس قد جاءوا إلى هنا قبل استقرارهم في بليموث. وتعتبر بروفينستاون في فصل الصيف من أكثر مقاصد الإجازة ازدحاما في نيو إنغلاند. فهي مستعمرة الفنون التاريخية، حيث تجذب أكثر من 65 ألف سائح إلى صالات العرض في الشارع التجاري الذي لا ينام، وإلى الكثبان الرملية التي تعصف بها الرياح على الشواطئ الوطنية في كيب كود. ولكن مع مجيء الخريف، فإن الشواطئ والمطاعم تكاد تخلو من الرواد. وليس فقط السياح هم من يعتزلون المكان، بل إن غالبية ملاك المنازل الموسمية هناك يحزمون أمتعتهم ويرحلون كذلك. وعلى نحو متزايد، يرحل أيضا السكان الذين كانت بروفينستاون هي مأواهم وموطنهم طوال العام. وفي هذه الأيام، لا يبقى في البلدة إلا ما يقرب من 2800 شخص ممن يتحملون الوقت هنا خلال فصل الشتاء القارس.
ويقول ستيفن بوركوسكي (61 عاما)، المؤرخ الفني الحر ومن السكان المقيمين في البلدة طوال العام: «إنها تبدو مثل قرية بوتيمكين»، وأضاف أنه خرج متمشيا إلى منتصف الشارع التجاري الخالي من المارة، حيث تجد أغلب المتاجر وقد أوصدت أبوابها خلال الموسم، وتابع يقول «هناك واجهات المتاجر ونحو خمسة أشخاص فقط».
تدور بروفينستاون، شأنها شأن الكثير من المقاصد الموسمية، في حلقة مفرغة من التغيرات السكانية والاقتصادية، مع اتساع الفجوة ما بين من يملكون ومن لا يملكون تلك التي تتهدد مستقبل البلدة. فالغزوة العارمة منذ فترة طويلة لأصحاب المنازل الموسمية ومن المستثمرين، والذين يملكون في الوقت الراهن نحو 71 في المائة من المنازل هنا، تسببت في ارتفاع كبير لأسعار العقارات في البلدة. فالمنزل الذي تبلغ مساحته 418 قدما، ولكنه يحتوي على واجهة مائية فاتنة بطول 30 قدما، يصل سعره الآن إلى 1.6 مليون دولار.
نتيجة لذلك، ومع الندرة التي تلحق بالمنازل المتوافرة وبفرص العمل على مدار العام، فإن الخواء صار يضرب بروفينستاون بكل تأكيد. فلقد هبط تعداد السكان بنسبة 14 في المائة في الفترة بين عامي 2000 و2010. ولقد عزفت العائلات عن السكنى هنا أو أنها غادرت إلى غير رجعة بالمقام الأول. ولقد أغلقت المدرسة الثانوية الوحيدة في البلدة أبوابها قبل سنوات قليلة، مع استمرار تضاؤل تعداد السكان. ومتوسط العمر هنا يبلغ 54.3 عاما، وهو أعلى بكثير من المتوسط الوطني للعمر البالغ 37.4 عاما. مع أن بروفينستاون ليست حتى هي أقدم بلدة في تلك المنطقة، فإن تلك الميزة تتمتع بها بلدة ويلفيت، حيث يبلغ متوسط العمر هناك 62.2 عاما.
ويقول مايكل غودمان، المدير التنفيذي لمركز السياسات العامة لدى جامعة ماساتشوستس فرع دارتماوث: «تجري في كيب كود تجربة اجتماعية حيث يمكنك الحياة في مجتمع من دون أطفال. وفي حين أن الحكم لم يصدر بعد، إلا أنني متشكك للغاية. إن استدامة تلك المجتمعات الصغيرة وقدرتها على البقاء باتت محل تحد كبير».
وخلال الأسبوع الماضي، اتخذ أعضاء المجلس المحلي هنا خطوة مثيرة للجدل في اتجاه ما يأملون أنه سوف يوقف التدهور المشهود. فلقد صوتوا بالإجماع على إعفاء ضريبي من شأنه تخفيض الضرائب العقارية على سكان العام بأكمله، وبعض منهم يعيش على دخول ثابتة، في حين يرفعون تلك الضرائب على ملاك المنازل الموسمية الذين يعيشون في البلدة لبعض الوقت. ووفق المنصوص عليه في قانون الولاية، فمن شأن الإعفاء الضريبي المذكور أن يحول الأعباء الضريبية «بعيدا عن بعض العقارات السكنية ذات القيمة العقارية القليلة، ويدفع بها ناحية الممتلكات العقارية ذات القيم الباهظة، ومعظمها من مباني الشقق السكنية والمنازل الموسمية».
والغرض من الإعفاء الضريبي أن يجعل أسعار الإسكان معقولة إلى حد ما وتشجيع الإقامة في البلدة طوال العام. وقال مجلس المثمنين في البلدة أنه بالنسبة للمقيم طوال العام بالبلدة والذي يمتلك شقة سكنية بقيمة 369.900 دولار، فإن فاتورة الضرائب العقارية السنوية البالغة 2700 دولار سوف تنخفض قيمتها إلى 685 دولارا فقط، أما بالنسبة للمقيم جزءا من الوقت في نفس الشقة، كما يقول المجلس، سوف ترتفع قيمة الفاتورة بمقدار 144 دولارا. ويقدر المسؤولون في البلدة أن تنخفض الفاتورة الضريبية لنحو 1300 وحدة من العقارات السكنية، بينما تزداد قيمة الضرائب على 2700 وحدة أخرى.
وتزداد شعبية هذه الإعفاءات عبر جميع أنحاء البلاد، وخصوصا في أسواق العقارات الساخنة، إذ إن التحسين يتوقف على تسعير المقيمين طويلا بناء على أسعار منازلهم. وأقرت ولاية فلوريدا الإعفاء السكني منذ سنوات. ولقد مررت 13 مدينة وبلدة أخرى في ولاية ماساتشوستس، ومن بينها بوسطن، وكمبردج، ونانتوكيت، تشريعات مماثلة.
ولكن ديفيد باناغور، مدير البلدة هنا، يقول إن بروفينستاون كانت «بمثابة طائر الكناري في منجم الفحم»، وذلك بسبب أن مشكلاتها أكثر حدة وتطرفا، وأن مساحتها لا تتجاوز 3 أميال مربعة وهي محاطة بالساحل الوطني، وليس هناك من مجال للتوسع العمراني فيها.
ويؤيد عدد قليل من ملاك المنازل الموسمية المؤقتة هنا الإعفاءات الضريبية الجديدة. حيث يقول توني كوشنير، الكاتب المسرحي الحائز على جائزة بوليتزر الأدبية، والذي يمتلك منزلا فسيحا بمساحة 1830 قدما هنا، عبر مكالمة هاتفية من نيويورك إن دفع الضرائب الجديدة لن يمثل مشقة تذكر بالنسبة له. وقال إنه يشعر بمسؤولية نحو مساعدة الذين يحاولون المحافظة على أداء البلدة خلال فصل الشتاء.
وأضاف يقول: «تناضل بلدة بروفينستاون في الحقيقة للمحافظة على ذلك النوع من التماسك الاجتماعي، نظرا لأن تكلفة المعيشة باهظة للغاية هناك. وإذا لم يتمكن الناس من العيش فيها، فسوف يكون ذلك حملا ثقيلا على عاتق المدينة».
ولكن الإعفاء الضريبي قد ألهب المشاعر وأثار استياء وغضب الكثير من أصحاب المنازل الموسمية والمستثمرين، الذين يسددون 80 في المائة من إجمالي الضرائب في البلدة. حيث يقولون إنهم يمنحون البلدة الكثير بالفعل ويستفيدون من خدماتها لبعض الوقت خلال العام. كما يعتقدون أن الإعفاءات الضريبية سوف تصب في صالح السكان الذين لا يحتاجون إليها.
ويقول ستيف فوسيلا (58 عاما)، وهو مدير مشروع تكنولوجيا المعلومات الذي يعيش في ضاحية كوينسي بمدينة بوسطن، ويمتلك منزلا آخر في بلدة بروفينستاون، وهو رئيس رابطة دافعي الضرائب للمقيمين المؤقتين بالبلدة التي تضم 300 عضو: «بالنسبة للكثير من السكان الموسميين، فإن بروفينستاون هي موطنهم العاطفي».
وتابع يقول «إنهم أعضاء في لجان البلدة، ويتطوعون في مطبخ الحساء العام، ويوفرون المنح الدراسية، ويمنحون أموالا سخية للجمعيات غير الهادفة للربح. إننا نشعر أننا جزء لا يتجزأ من المجتمع هنا، ومع فرض تلك الضرائب الجديدة - فإنها تعني أننا لسنا من أهل هذه البلدة. إنه إجراء عقابي من دون شك».
ومن المظالم المحددة لأصحاب المنازل الموسمية في البلدة هي أنهم يدفعون الضرائب، ولكن ليس لهم رأي في الطريقة التي يتم بها إنفاق الأموال بسبب أنهم لا يحق لهم التصويت في بلدة بروفينستاون - وهو الموقف المعروف بأنه: ضرائب من دون تمثيل.
ويشير السيد فوسيلا إلى أن رابطته سوف تضم إليها الكثير من الجمعيات الأخرى الخاصة بأصحاب المنازل الموسمية في ولاية ماساتشوستس سعيا للسماح لأصحاب العقارات من غير المقيمين الدائمين بالتصويت في المسائل المتعلقة بالميزانية. وتثير مثل تلك الجهود التساؤلات الشائكة حول ما إذا كان يحق لشخص بعينه التصويت في أكثر من مكان واحد. ولكن بعد الحركة التي تعود إلى عقدين من الزمن، تسمح الكثير من الولايات الآن لأصحاب العقارات من غير المقيمين بالتصويت وفق ظروف معينة.
وللموافقة على الإعفاءات الضريبية الجديدة، أعرب أعضاء المجلس المحلي عن أسفهم حيال الانقسام في الآراء، ولكنهم قالوا إن أزمة الإسكان كانت حادة للغاية وأن السكان الدائمين في البلدة صاروا مثل الأنواع المهددة بالانقراض التي تستحق محاولات الحماية.
وأقر توم دونيغان، رئيس المجلس المحلي، أن الأمر لم يكن مثاليا. وقال «إن القرار لا يضع في الحسبان الارتفاع الكبير في قيمة المساكن. وربما أنه يُفيد بعض الذين لا يحتاجونه. ولكنه أفضل ما تمكنا الوصول إليه». وأضاف أنه بصفة عامة، أن أولئك الذين يحتاجون للقرار الجديد سوف يستفيدون منه أكثر من غيرهم.
ومع ذلك، ليس من الواضح مقدار الفارق الذي سوف يحققه على المدى الطويل. فإن السكان الدائمين، مثل ريك البيرغ (45 عاما)، وهو كاتب مستأجر، يقول إنه يشك أن ذلك القرار سوف يتعامل مع الشتاء بمنتهى العبثية حيث تبقى نسبة 70 في المائة من المنازل خاوية — أو، كما أضاف يقول: «كل تلك المنازل الخاوية ولا مكان للسكنى والعيش».
وقال السيد غودمان، من جامعة ماساتشوستس فرع دارتماوث، إنه من شأن الإعفاء أن يسبب نوعا من الارتياح المتواضع، ولكنه تساءل كذلك ما إذا كان الإعفاء سوف يساعد على حل المشكلات الأساسية مثل أزمة الإسكان، ونقصان الوظائف ذات الرواتب المجزية، وقلة عدد السكان في البلدة.
وأثناء التباحث حول تلك التحديات طويلة الأجل، يواجه مسؤولو البلدة تحديات أخرى أكثر إلحاحا، مثل توسيع شبكات المياه والصرف الصحي لأكثر من 3 آلاف مواطن في الشتاء لاستيعاب ذروة السكان التي تبلغ 65 ألف مواطن في الصيف.
ويقول السيد باناغور، رئيس البلدة، إن الإعفاء الضريبي أجبر الجميع على التصارع مع الأسئلة الوجودية الملحة بشأن البلدة.
وتابع قوله: «ليس فقط من ينبغي عليه تحمل الأعباء خلال موسم الذروة، ولكن إذا توقفنا بلا حراك، أليست تلك البلدة هي التي نطفئ أنوارها في أكتوبر (تشرين الأول) ونعيد إنارتها مرة أخرى في مايو (أيار)؟ إلى متى يمكننا الاستمرار هنا إذا عجز الناس عن الاستمرار والحياة؟».
*خدمة «نيويورك تايمز»
