المشهد الثقافي المصري: غياب رموز أدبية.. وعودة «بينالي القاهرة».. وصحوة لمكتبة الإسكندرية

شهد رحيل الخراط والأبنودي والغيطاني وفاتن حمامة وعمر الشريف

عبد الرحمن الأبنودي، إدوار الخراط، جمال الغيطاني
عبد الرحمن الأبنودي، إدوار الخراط، جمال الغيطاني
TT

المشهد الثقافي المصري: غياب رموز أدبية.. وعودة «بينالي القاهرة».. وصحوة لمكتبة الإسكندرية

عبد الرحمن الأبنودي، إدوار الخراط، جمال الغيطاني
عبد الرحمن الأبنودي، إدوار الخراط، جمال الغيطاني

فقد ورحيل كتاب وشعراء وفنانين، ومؤسسة ثقافية مضطربة، تفتقر إلى استراتيجية حقيقية تشد هموم المثقفين والمبدعين إلى فضاء أوسع للثقافة والإبداع.. هكذا يبدو المشهد الثقافي المصري على عتبات العام الجديد، مثقلا بتركة من المشكلات والقضايا المزمنة، والحزن على رحيل كوكبة من رموزه، أثروا حياته بعطاء خصب ومتنوع، في الرواية والشعر والسينما والنقد والترجمة، وفي قضايا الفكر والثقافة بشكل عام.
شملت عباءة الفقد الكاتب الروائي إدوار الخراط، أحد أهم مؤسسي الحداثة الأدبية في مصر، والشاعر عبد الرحمن الأبنودي، الذي أدخل الشعر وجدان العامة والبسطاء، فأصبح بمثابة خبز يومي على موائدهم، والكاتب الروائي جمال الغيطاني الذي ضخ في فضاء الكتابة السردية دماء جديدة امتزجت فيها أقنعة الماضي بالحاضر، والكاتب المترجم خليل كلفت صاحب كثير من الترجمات المهمة في مجال الفكر والأدب وعلوم السياسة والاجتماع، والكاتبة إبتهال سالم صاحبة «نوافذ زرقاء».
كما منيت السينما بخسارة فادحة برحيل فاتن حمامة، سيدة الشاشة العربية، والفنان العالمي عمر الشريف، بطل فيلم «دكتور زيفاجو»، والفنان نور الشريف، بطل «سواق الأوتوبيس»، أحد القلائل من الفنانين الذين تمتعوا بوعي ثقافي واسع، والمخرج رأفت الميهي، الذي أشاع الفانتازيا واللامعقول في المشهد السينمائي، كما غيّب الموت الفنانين محمد وفيق، الذي برع في تجسيد الأدوار التاريخية، وسامي العدل، المعروف بدعمه للفنانين الشبان.
ألقت هذه العباءة الحزينة بظلالها على الحراك الثقافي، وأثارت كثيرًا من الأسئلة الحائرة حول دور الدولة والمؤسسات الثقافية الرسمية في رعاية الكتاب صحيًا، وتأمين نفقات علاجهم، من خلال منظومة تأمين صحي واقعية وعادلة، بدلا من تسول العلاج بطرق مهينة، ومن مؤسسات لا علاقة لها بالثقافة، خصوصًا أن أغلبية المثقفين والكتاب فقراء، لا يملكون من حطام الدنيا سوى إبداعهم، بل إن بعضهم ينفق على نشر أعماله للقراء، ناهيك بأن «اتحاد الكتاب»، وهو المؤسسة الأولى المعنية مهنيًا بذلك الأمر، يفتقر حتى الآن إلى مظلة تأمين صحي لعلاج أعضائه، وأيضًا برنامج أدبي طموح، يناقش من خلاله بشكل عملي صحيح قضايا الواقع وما يفرزه على مستوى النشر والإبداع، والحراك النقدي المواكب له.
أي إبداع إذن يمكن أن ينبت وبنمو بقوة وحرية وأمان في واقع ثقافي وصفه الناقد الدكتور محمود الضبع، نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، قائلا في مداخلة له في ندوة عن الحراك الثقافي المصري عقدت أخيرا في بيت السناري بالقاهرة إن «الحالة الأدبية والكتابة الثقافية في مصر والمشهد الثقافي الأدبي منذ السبعينات تعاني حالة من الإهلاك الشديد، وإن القضايا والمشكلات التي نتحدث عنها الآن في مصر هي القضايا نفسها التي تحدث عنها طه حسين في كتاباته».
اللافت في هذا المشهد أن قضايا الثقافة ومشكلاتها تحولت إلى تركة ثقيلة، يتوارثها بركامها كل فترة مسؤول عن آخر، من دون تقديم حلول جذرية لها، لا على المستوى القريب أو البعيد. فعلى مدى أربع سنوات فقط تناوب على حقيبة وزارة الثقافة سبعة وزراء، لم يفلحوا في حل هذه المشكلات، بعيدًا عن إجراءات التجميل والترقيع الشكلية، حيث يتفنن كل وزير بحسب قدراته، لنيل رضاء ثلة من الكتاب والمثقفين. وهو ما انعكس على مجمل الأنشطة الثقافية التي تقيمها المؤسسة الثقافية الرسمية، فاتسمت بالنمطية المعتادة، وحس دعائي كرنفالي، لا يؤسس لشيء حقيقي، ولا يعتد بتنوع الحوار، ودعمه بين شتى التيارات الأدبية والفنية.
تحت هذه المظلة تندرج معظم الندوات والمهرجانات التي يقيمها المجلس الأعلى للثقافة، وهو المؤسسة المنوط بها وضع استراتيجية للثقافة المصرية، وتفعيل أنشطتها بشكل بناء في شتى مناحي الإبداع. كما يندرج مؤتمر أدباء مصر والذي تقيمه الهيئة العامة لقصور الثقافة، وعقد دورته الثلاثين في مستهل ديسمبر الماضي بمدينة أسوان في جنوب مصر. المؤتمر يحتاج إلى إعادة هيكلة، تشمل طبيعته وأهدافه والقضايا التي يناقشها، وتنقيته من أجواء الشللية، بما يجعله فضاء مفتوحا بحيوية على شتى دروب الإبداع والعمل الثقافي المثمر.
ووسط هذا المناخ استعادت مكتبة الإسكندرية قدرا كبيرا من حيويتها بمجموعة من الأنشطة الثقافية المتنوعة والورش العملية المتخصصة، من أجل رسم مسار واضح ومكون للثقافة المصرية، سواء في واقعها المحلي، وتقاطعاتها مع الآفاق العالمية والعربية، كان من أبرزها مؤتمر حول «دعم التنوع الثقافي والابتكار في مصر»، وهو ختام لمشروع مشترك بين مكتبة الإسكندرية والاتحاد الأوروبي تم تطويره بهدف تنمية الجانب الثقافي في مصر، وكذلك مؤتمر «مستقبل الثقافة العربية»، والذي شارك فيه نخبة من الكتاب والباحثين والمفكرين العرب، وناقش قضاياها وواقعها في ضوء موجة الإرهاب التي تضرب كثيرا من الدول العربية، ولا تزال تعاني منها مصر.
أضف إلى كل هذا، أن المؤسسات الثقافية في مصر لا تزال تفتقر إلى أرشيف دقيق ومتطور يعتد به للكتاب والشعراء والنقاد والفنانين، يفعّل عملية التواصل الثقافي بأبعادها الإنسانية والاجتماعية، بينهم وبين هذه المؤسسات، ويساهم ضمنيا في خلق حالة من التفاعل الثقافي والشفافية مجتمعيا، خصوصًا مع تعاظم دور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة.
الكاتب خالد الخميسي، قدم في ندوة بيت السناري، طرحا مهما عن المشكلات التي تواجه الحركة الثقافية في مصر، مشيرا إلى أن كبرى هذه المشكلات هي عدم وجود تسجيلات أو إحصاءات للإنتاج الثقافي المصري، وعدد مقدميه، وأماكن وجوده، والفئات التي تقبل عليه، كذلك عدم وجود دورة مالية ثقافية في مصر. وأن الحل يكمن في ثلاث نقاط: إدراك الناحية الرقمية للواقع الثقافي المصري، وإعادة الدورة المالية الثقافية، وأن هذا لن يأتي إلا من خلال تمويلات الأفراد وليس المؤسسات، وأخيرًا كسر هيمنة الدولة والمؤسسات الرسمية والأمنية على الإنتاج الثقافي في مصر.
ومن أهم الإيجابيات في العام الفائت، عودة الروح إلى «بينالي القاهرة الدولي»، وهو بمثابة أقدم معرض شامل، تتلاقح في فضائه أنواع شتى من الفن (نحت - تصوير - فوتوغرافيا - غرافيك - فيديو - أعمال مركبة - المجسمات)، ويقام كل عامين وينظمه قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة، ومنذ نحو عشر سنوات وفي نهاية عام 2006 عقد «البينالي» دورته العاشرة من 13 ديسمبر، واستمرت حتى 15 فبراير من عام، ثم توقف، نظرًا للظروف السياسية التي مرت بها البلاد، ولعدم توافر الميزانية المالية اللازمة لانعقاده.
وقبل أيام، وافق الكاتب الصحافي حلمي النمنم، وزير الثقافة، على عودة «بينالي القاهرة للفنون» لعام 2016، مؤكدا ضرورة إعداد الخطوات والترتيبات اللازمة لعودة «البينالي» بقوة بما يليق باسم مصر على الساحة الفنية الدولية.
وبروح جديدة انطلقت الدورة الثامنة لملتقى الأقصر الدولي للتصوير بجنوب مصر، في 14 ديسمبر (كانون أول) تحت قيادة الفنان القدير الدكتور مصطفى الذي يتولى «قوميسير الملتقى» للمرة الأولى، معلنًا عن رؤية مغايرة وتصورات عملية على المستويين النظري والتطبيقي، تدعم الملتقى وتفعل نشاطه، وتجعله فعلا فنيا جماعيا، تمتزج فيها متعة الرسم الشخصية للفنانين المشاركين، بمتعة المشاهدة واكتساب الخبرات من قبل الطلاب الذين يدرسون الفن في المعاهد والجامعات المصرية، وتحدوهم الأحلام في أن يصبحوا فنانين متميزين في المستقبل القريب.
كما كلفت اللجنة العليا للملتقى الدكتور أمل نصر، باعتبارها ناقدة متميزة، لتكون الناقد الفني المصاحب لهذه الدورة، وسوف تقوم بعمل كتاب موثق شامل لهذا الحدث الفني التراثي.
ينظم الملتقى «قطاع صندوق التنمية الثقافية»، ويشارك فيه 24 فنانا، منهم خمسة فنانين عرب من «المغرب، وسلطنة عمان، وتونس، والعراق، والسعودية»، إضافة إلى تسعة فنانين أجانب من «الأرجنتين، وألمانيا، ورومانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، ومقدونيا، واليونان، وإثيوبيا، وماليزيا»، ومشاركة عشرة فنانين مصريين.
كما كرم الملتقى في هذه الدورة ثلاثة من الفنانين الذين أثروا الحياة التشكيلية في مصر والعالم وهم: الفنان جعفر إصلاح (الكويت)، والفنان أحمد عبد الوهاب (مصر)، والفنان دونغ غى يينغ (الصين).
ويبقى من الأشياء الجميلة في هذا المشهد المضطرب فوز الكاتبة المصرية سعاد سليمان بـ«جائزة الملك خوان كارلوس» الإسبانية الدولية لعام 2015، للقصة القصيرة جدًا، التي لا تتعدى المائة كلمة. وتسلمت الكاتبة، التي تشارك للمرة الأولى في المسابقة، جائزتها في حفل حضره ملك إسبانيا.
تقام هذه المسابقة برعاية مؤسسة «متحف الكلمة»، في إسبانيا لأصحاب الأعمال الأدبية للناطقين بخمس لغات، هي الإسبانية والعربية والإنجليزية والفرنسية والعبرية، ويشارك فيها أكثر من 119 دولة حول العالم سنويا.
كما فازت رواية «أداجيو» للكاتب إبراهيم عبد المجيد، ضمن روايات عربية بجائزة «كتارا» القطرية للرواية العربية.



تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟


«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج
TT

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

يكشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة تتمثل في حالة البؤس والشقاء التي انتابت المؤلف وسعى للتخلص منها عبر تأليف عدد من المؤلفات منها هذا الكتاب، إلا أنه فشل في تحقيق غرضه رغم الطابع المبهج الذي يشير إليه العمل، وزاد يأسه حتى أنه حاول التخلص من أعماله بحرقها في أواخر حياته ونجا الكتاب من تلك المحاولة بأعجوبة.

نشأ التوحيدي يتيماً في بغداد حيث عاش في الفترة من 922 حتى 1023 ميلادية، وفق أغلب المصادر التاريخية، وهو فيلسوف وأديب موسوعي، يُعد من أبرز أعلام القرن الرابع الهجري، عمل في الوراقة، واشتهر بـ«فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة»، كما امتاز بأسلوب أدبي رفيع وعمق فكري ومسحة صوفية، لكنه عاش حياة شقية مليئة بالصراعات التي انتهت بوفاته وحيداً بعد أن أحرق كتبه.

كما يذكر محققا الكتاب، الذي صدرت منه طبعة جديدة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ظل طيلة حياته يجاهد ويكافح في التأليف واحتراف الوراقة والنسخ وجوب الأقطار حيث يقصد الأمراء والوزراء لعلهم يكافئون علمه وأدبه، فلم يحظ من وراء ذلك بطائل وعاش كما يقول في بعض كتبه على نحو أربعين درهماً، مع أنه، كما يقول، رأى كل من حوله من العلماء والشعراء يحظون من الأمراء بالمال الكثير والحظ الوافر وليس أكثرهم يدانيه علماً أو يجاريه أدباً.

قصد التوحيدي العديد من أصحاب الجاه والسلطان في عصره مثل ابن العميد وابن عباد وابن شاهاويه وابن سعدان وأبي الوفا المهندس وغيرهم، ومدح وأطرى وبكى واشتكى وهدد وأوعد فما نفعه مدحه ولا ذمه ولا إطراؤه ولا هجاؤه في التخفيف مما عاناه رغم عطائه الأدبي الكبير. ولعل أقوم كتبه وأنفعها وأمتعها كتابه «الإمتاع والمؤانسة» الذي يقع في ثلاثة أجزاء.

يذكر المحققان أن أبا الوفاء المهندس كان صديقاً لأبي حيان وللوزير أبي عبد الله العارض فقرب أبو الوفاء أبا حيان من الوزير ووصله به ومدحه عنده حتى جعل الوزير أبا حيان من سماره فسامره سبعاً وثلاثين ليلة، كان يحادثه فيها ويطرح الوزير عليه أسئلة في مسائل مختلفة فيجيب عنها أبو حيان، ثم طلب أبو الوفاء من أبي حيان أن يقص عليه كل ما دار بينه وبين الوزير من حديث وذكره بفضله عليه في وصلة بالوزير مع أنه، أي أبا حيان، ليس أهلاً لمصاحبة الوزراء لقبح هيئته وسوء عادته وقلة مرونته وتواضع ملبسه، لدرجة أنه هدده إن هو لم يفعل سيغض عنه ويستوحش منه ويوقع به عقوبته وينزل الأذى به.

أجابه أبو حيان ونزل على حكمه وفضل أن يدون ذلك في كتاب يشتمل على كل ما دار بينه وبين الوزير من دقيق وجليل وحلو ومر فوافق أبو الوفاء على ذلك ونصحه بأن يتوخى الحق في تضاعيفه وأثنائه، والصدق في إيرداه، وأن يطنب فيما يستوجب الإطناب، ويصرح في موضع التصريح، فكان من ذلك كتاب «الإمتاع والمؤانسة».

قسم أبو حيان كتابه إلى ليالٍ، فكان يدون في كل ليلة ما دار فيها بينه وبين الوزير على طريقة «قال لي وسألني» و«قلت له وأجبته» وكان الذي يقترح الموضوع دائماً هو الوزير وأبو حيان يجيب عما يُقترح، فإذا أجاب أبو حيان على نحو أثار فكراً ومسائل عند الوزير فيستطرد إليها ويسأله عنها.

وأحياناً يتخذ الكلام شكل حوار، فأبو حيان مثلاً يروي عن الفيلسوف اليوناني ديوجانيس أنه سُئل متى تطيب الدنيا، فقال: «إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها»، فلم يرض الوزير عن هذا، وقال إن الفلسفة لا تصح لمن رفض الدنيا وفرغ نفسه للدار الآخرة فكيف يكون الملك رافضاً للدنيا وهو محتاج إلى سياسة أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها، وأطال في ذلك.

موضوعات الكتاب متنوعة تنوعاً ظريفاً؛ لا تخضع لترتيب ولا تبويب إنما تخضع لخطرات العقل وطيران الخيال وشجون الحديث، حتى لنجد في الكتاب مسائل من كل علم وفن وأدب وفلسفة وحيوان وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث وغناء ولغة وسياسة وتحليل شخصيات فلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه وتصوير للعادات وأحاديث المجالس وغير ذلك مما يطول شرحه.

وقد خاف أبو حيان من بعض ما ورد في الكتاب، حيث إنه في حديثه مع الوزير عاب أشخاصاً من رجالات الدولة الذين يستطيعون إيذاءه ، فرجا أبا الوفاء أن يحفظ هذا الكتاب سراً فقال: «وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد كما سألتك على طريق الاقتراح أن تكون هذه الرسالة مصونة من عيون الحاسدين العيابين بعيدة عن تناول أيدي المفسدين المنافسين فليس كل قائل يسلم ولا كل سامع ينصف»، وقد أنجز أبو حيان وعده وأرسل إليه الجزء الثاني على يد غلامه «فائق» أيضاً، ثم أرسل إليه الجزء الثالث وهو الأخير وقال في أوله:«أرسلت إليك الجزأين الأول والثاني وهذا الجزء وهو الثالث قد ألقيت فيه كل ما في النفس من جد وهزل وغث وسمين وشاحب ونضير وفكاهة وأدب واحتجاج واعتذار، ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري».

ويعلق المحققان بأنه أياً ما كان، فالكتاب ممتع مؤنس كاسمه يلقي الضوء كثيراً على العراق في النصف الثاني من القرن الرابع، فهو يتعرض لكثير من الشؤون الاجتماعية في ثنايا حديثه فيصف الأمراء والوزراء ومجالسهم كابن عباد وابن العميد وابن سعدان ومحاسنهم ومساوئهم، ويصف العلماء ويحلل شخصياتهم وما كان يدور في مجالسهم من حديث وجدال وخصومة وشراب، ويصف النزاع بين المناطقة والنحويين كالمناظرة الممتعة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس القنائي في المفاضلة بين المنطق اليوناني والنحو العربي، ورأي العلماء في الشعوبية والمفاضلة بين الأمم.

يكشف الكتاب عن أسلوب أبي حيان الأدبي الراقي كما عهدناه في كل كتاباته، يحب الازدواج ويطيل في البيان ويحتذي حذو الجاحظ في الإطناب والإطالة في تصوير الفكرة وتوليد المعاني منها حتى لا يدع لقائل بعده قولاً، ولكن عاب أسلوبه في هذا الكتاب تعرضه كثيراً لمسائل فلسفية عميقة قد عزّت على البيان ودقت عن الإيضاح، لكنه حين يخرج عن هذه الموضوعات الدقيقة إلى موضوعات أدبية كوصف فقره وبؤسه أو وصف للكرم وفوائده أو وصف للسان والبيان، جرى قلمه وسال سيله وأجاد وأبدع.


سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد
TT

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني»، كما جاء في كلمة الناشر. يقع الكتاب في 356 صفحة، وفيه نقرأ عن أبرز المحطات في حياته منذ طفولته في الريف الجنوبي، ثم مجيئه إلى بيروت لدراسة المسرح في الجامعة اللبنانية وانطلاقه في عالم المسرح.

جاء في كلمة الناشر: «يُعدّ رفيق علي أحمد واحداً من أبرز أعمدة المسرح اللبناني المعاصر، وفناناً استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني. على امتداد مسيرته الفنية، كرّس حضوره كممثل استثنائي يتميّز بقدرته الفريدة على مزج الأداء التمثيلي بالتجربة الحياتية، مقدّماً أعمالاً مسرحية تنبض بالذاكرة الجماعية وتعكس تحولات المجتمع اللبناني وتعقيداته.

تميّز بأسلوب مسرحي خاص يجمع بين الحسّ الحكواتي والاحتراف الأدائي، فنجح في تقديم عروض مسرحية منفردة تركت أثراً عميقاً لدى الجمهور والنقّاد على حدّ سواء، حيث استطاع أن ينقل تفاصيل الإنسان اللبناني وهمومه اليومية بلغة فنية صادقة وقريبة من المتلقي. ولم يقتصر تأثيره على الساحة اللبنانية، بل امتد حضوره إلى المسارح العربية، حيث شكّل نموذجاً للمسرح الملتزم الذي يجمع بين البعدين الفني والإنساني. في سيرته المسرحية هذه، يفتح رفيق علي أحمد نافذة على تجربته الإبداعية والشخصية، مستعرضاً رحلته في تحويل التجربة الفردية خطاباً فنياً جامعاً ومسيرته مع المسرح بوصفها فعل مقاومة ثقافية وذاكرة حيّة، كاشفاً عن كواليس عمله المسرحي الشخصي، ومانحاً القارئ المهتم بالمسرح اللبناني والعربي شهادةً عن عصرٍ كامل برموزه من زملاء المهنة، والمدارس المسرحية التي انتموا إليها؛ ليكون الكتاب بذلك مرجعاً مهماً لكلّ مهتم بالمسرح، بالإضافة إلى كونه شهادة فنية وإنسانية توثّق مسيرة أحد أبرز الأصوات المسرحية التي أسهمت في صياغة هوية المسرح اللبناني والعربي المعاصر».

وتميّز رفيق علي أحمد بأعماله المونودرامية وبمشاركاته في مسرح «الحكواتي»، واشتهر في لبنان والعالم العربي حيث عرضت مسرحياته في مهرجانات عدة، عربية، وكذلك في بعض المدن الأوروبية والأميركية، وحاز الكثير من الجوائز عن أعماله المسرحية والدرامية، من ضمنها جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج الدولي للمسرح.