محمد المّر: كاميرتي وقعت في غرام «جزيرة القرنفل»

معرضه الفوتوغرافي أول نشاط فني له بعد انتهاء رئاسته للمجلس الوطني الاتحادي الإماراتي

من المعرض
من المعرض
TT
20

محمد المّر: كاميرتي وقعت في غرام «جزيرة القرنفل»

من المعرض
من المعرض

أشجار النرجيل والمانغو، قوارب خشبية، صيادو السمك والحبّار والسردين، شواطئ صخرية، غابة البهارات، فضاءات زرقاء، أسواق شعبية، باعة خضراوات، قصر بيت العجائب، أبواب قديمة مزخرفة، عمارة القرن الثامن عشر، صنّاع السفن، والساعة القديمة، كل هذه العناصر شكلّت معرض الصور الفوتوغرافية الأول، الذي نظم أخيرًا في أروقة «ندوة الثقافة والعلوم» بدبي للأديب والفنان الإماراتي محمد المّر، المثقف المعروف بشغفه بالثقافة والفنون؛ من كتابة القصة إلى اقتناء لوحات الفن التشكيلي وروائع الخط العربي. وهذا المعرض أول نشاط له بعد تفرغه وانتهاء مدة ترؤسه للمجلس الوطني الاتحادي (البرلمان) في الإمارات.
من المعروف، أن ذاكرتنا العربية تحتفظ باسم جزيرة زنجبار منذ أن أطلق شهرتها أبو الحسن المسعودي في القرن الرابع الهجري ووثق جانبًا من رحلته في كتابه «مروج الذهب»، وكذلك أمير الرحالة «ابن بطوطة» الذي سافر من ميناء عدن اليمني إلى سواحل أفريقيا الشرقية كما في كتابه الشهير في رحلاته المعروفة. ولا ننسى أن تمازج العرب مع الأفارقة سكان السواحل أدى إلى تأثيرات ثقافية إيجابية متبادلة في مجال اللغة والأدب والموسيقى والغناء.
ويأتي هذا السفر الفوتوغرافي لكي يوثق جانبًا من هذه التأثيرات المتبادلة بيننا وبين الأفارقة، بعين الفنان التشكيلي، وقلب الشاعر، ورؤية السارد، عبر كاميرته (ليكا) التي يحتفظ بها منذ أعوام. رؤية بصرية أضاءت ما كان مجهولاً، واقتناص لحظات إنسانية في حياة بشر يعيشون في الظل من زوايا متنوعة، بألوان صاغتها ريشة فنان إذ لا تكفي التقنيات الحديثة دون براعة ومهارة ورؤية، وهذا ما يجعل عدسة الفنان تختلف عن عدسة العابر.
توجهنا بالسؤال عن سبب اختياره لزنجبار من بين جزر العالم، هل ثمة علاقة عاطفية تربط الفنان بها، فأجابنا: «سحرتني جغرافية تنزانيا بجغرافيتها المتنوعة، وجزيرة زنجبار بجمالها، إضافة إلى عراقة تاريخها وعلاقتها التاريخية مع منطقتنا في الخليج والجزيرة العربية. كنت أتمنى زيارتها منذ زمن طويل.
ولكن انشغالات الحياة والعمل حالت دون ذلك، إلى أن سنحت لي الفرصة في شهر يونيو (حزيران) الماضي وتحقق حلمي القديم». ولعل أول ما يتبادر إلى أذهننا في رؤية الصور الفوتوغرافية المعلقة في المعرض هو التساؤل: كيف جذبت زنجبار الأديب والفنان ليحوّل حياتها إلى لقطات فنية؟ يقول محمد المّر: «الأحياء القديمة والتاريخية في الجزيرة، التي يطلقون عليها (مدينة الحجر) تُذّكرنا بأزقة وحواري المدن الخليجية في أزمنة غابرة وهادئة وجميلة، هي التي جذبتني في الدرجة الأولى. كما سحرتني الخضرة الموجودة في غابات البهارات، بجمالها العذري وأشجارها، وخصوصا أشجار البهارات، بمختلف أنواعها وأشكالها، وتأتي في الدرجة الأولى، شجرة «القرنفل» التي سميّت بفضلها زنجبار بجزيرة القرنفل».
من الملاحظ أن الصور الفوتوغرافية تركز على الحياة اليومية لهذا الشعب الذي لا نعرف عنه الكثير رغم قربه منا، من التسوق وصيد الأسماك والزراعة وغيرها، لماذا هذا الشغف بحياة الزنجباريين؟ «لأن شعبها يتميز بروح حيوية ونابضة. وما أعانني في ذلك توقيت الزيارة في فصل الشتاء عندهم، وهو معاكس للوضع المناخي عندنا بفعل وقوع زنجبار في جنوبي خط الاستواء، وهذا ما منحني فرصة ذهبية لالتقاط حياتهم اليومية وهم يمارسونها بكل عفوية وصدق وانسيابية».
تتميّز صورك الفوتوغرافية بالوجوه التي تظهر ناصعة، وملامحها حادة ومعبّرة، لماذا التركيز على ملامح الوجوه؟ «تميّزت الوجوه التي قابلتها هناك بجمالها وحيويتها، وهو ما يطلق عليه الإنجليز «فوتو جينيك» أي الوجوه الصديقة للكاميرا، ومناظر زنجبار برمتها جميلة بتراثها المعماري العريق، وشواطئها الجميلة وغاباتها الفاتنة، بحيث إن أي كاميرا لا تستطيع إلا أن تقع في غرام هذه الجزيرة الساحرة وسكانها اللطفاء والكرماء».
يبدو من خلال صور المعرض أن يد التخريب الإنساني لم تصل إلى طبيعة هذه الجزيرة التي تحتفظ بألقها وبراءتها وعذريتها لحد الآن. «لكن علماء الطبيعة والمناخ يقرعون أجراس التحذير من أزمة القضاء على الغابات الاستوائية، هذه الرئة التي يتنفس منها كوكب الأرض، والتي تحمل أشجارها ليس فقط البهارات التي تحسّن مذاق طعامنا بل الكثير من النباتات التي تدخل في صناعة الأدوية التي تنقذ حياة الملايين من البشر. وتزّين شواطئ زنجبار الرملية والصخرية أشجار جوز الهند الباسقة، بجماليات الطبيعة الاستوائية، وتتنوع فيها التضاريس العجيبة، وهي تطل في مختلف جوانب الجزيرة الشرقية على المحيط الهندي، فيما تطل جوانب الجزيرة الغربية على قنال زنجبار. ويعتمد الرحالة والتجار على نظام الرياح الموسمية التي كانت تساعد السفن الشراعية على القيام بالرحلات».
ركز الأديب والفنان محمد المّر على الحياة اليومية والصناعات التقليدية والطرق القديمة التي يسلكها سكّان الجزيرة، إذ لم تمتد إليهم الحياة الحديثة بعد، كما يتميّز هؤلاء السكان بأصولهم المختلطة الأفريقية والعربية والفارسية والهندية، وهذا ما منح الصور الفوتوغرافية مسحة جمال خاصة، هل جذبتك هذه الحياة لتلخصها في معرضك؟ «جذبتني طريقة حياتهم العفوية، فهم ينخرطون بحماسة في تطوير جزيرتهم الجميلة من خلال الصناعات التقليدية، وبناء السفن الخشبية وصيد الأسماك والتجارة والنقل، نرى النجارين وانهماكهم في بناء أو إصلاح وترميم السفن الخشبية بأحجامها المختلفة، وكثافة الغابات التي يصنعون منها الأثاث والأبواب بروائع النقش والحفر التي أبدعتها أنامل الصناع الزنجباريين عبر العقود الزمنية الماضية. وأصبحت تلك الأبواب من التحف التي يتنافس مقتنو التحف والفنون على اقتنائها حتى أصبحت نادرة في أسواق التحف والأنتيك في المدينة القديمة. وفي أسواق السمك والخضراوات والفواكه تدخل في خضم الحركة اليومية لسوق المأكولات التي تزين المائدة الزنجبارية بأكلات لذيذة طبيعية تشبه الكثير من أنواعها المأكولات الخليجية. وقد جلب سكانها ورحالتها وتجارها من الهند وجزرها والملايو محاصيل من المنطقة الاستوائية مثل المطاط وجوز الهند والمانغو والقرفة وجوز الطيب والقرنفل».
هل يمكن الحديث عن العلاقات الثقافية التي تربط بين زنجبار وبلدان الخليج؟ يجيب المّر: «بالتأكيد، ترتبط الموسيقى والطرب في زنجبار ارتباطًا وثيقًا بالموسيقى العربية وأشهر المطربات الزنجباريات ستي بنت سعد (1880 – 1950) غنت الألحان العربية باللغة السواحيلية، وفاطمة بنت بركة بيكيدوردة (1910 - 2013) التي تأثرت بالموسيقى العربية والغناء العربي، وغنّت باللغتين السواحيلية والعربية، واستطاع الفن الزنجباري أن يمزج في تجربة فنية مميزة وخاصة بين الموسيقى الأفريقية والعربية والتأثيرات الأوروبية».
يبقى أن نقول إن عدسة الأديب والفنان محمد المّر ذهبت بعيدًا في تصوير جماليات زنجبار، بذاكرة بصرية دقيقة، في سبر أغوار عالمٍ زاخر بالألوان والظلال والضياء، فقدم لنا بانوراما تشكيلية أكثر مما هي فوتوغرافية، يتناظر فيها الواقعي والخيالي في إطار الصورة اللوحة، لعالم أشبه ما يكون بالأسطورة يتشكّل يوميًا لكنه لا ينتهي.



العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي
TT
20

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

إذا كانت نقاط التقاطع بين صخب الحياة العباسية المدينية، وبين بوادي الحجاز التي كانت مأهولة بالحرمان وشظف العيش في العصر الأموي، هي من الندرة بمكان، بحيث يصعب أن نعثر في العصر العباسي الأول على نسخ عذرية مماثلة لمجنون ليلى، وجميل بثينة، وكثيّر عزة. إلا أن ما تقدم لا يعني بالضرورة الغياب التام لحالات التتيم العاطفي وتجارب العشق الصادقة في ذلك العصر. ذلك أن الإشباع الجسدي لا يوقف وجيب القلوب، والحصول على المتعة لا يروي عطش الروح، ولا يوفر للشخص المعني ما يحتاج إليه من الحب والعاطفة الصادقة. وهي الفرضية التي تجد ضالتها المثلى في حالة العباس بن الأحنف، الذي لم تحل حياته المترفة ووسامته الظاهرة، وظرفه المحبب، دون وقوعه في حب «فوز»، المرأة التي شغلته عن كل ما عداها من النساء.

ومع أن الرواة قد اختلفوا حول نشأة العباس ونسبه، حيث ذكر الأصفهاني أنه نشأ في بغداد وينتمي إلى بني حنيفة العرب، وقال الأخفش إنه كان من عرب خراسان، ورأى آخرون أنه نشأ في البصرة ثم وفد إلى بغداد، فقد أجمع المبرّد والصولي والأصمعي على تقريض شعره، ورأى الجاحظ أنه كان شاعراً غزِلاً شريفاً مطبوعاً، وله مذهب حسن ولديباجة شعره رونق وعذوبة، وأنه لم يتجاوز الغزل إلى مديح أو هجاء. لكن اللافت أن الأصفهاني لم يولِ العباس وأخباره الكثير من الاهتمام، ولم يركز إلا على أشعاره الصالحة للغناء، دون أن يأتي على ذكر فوز، أو أيٍّ من معشوقاته الأخريات.

ورغم أن العباس يعرض في ديوانه للكثير من النساء، مثل ظلوم وذلفاء ونرجس ونسرين وسحر وضياء، ومعظمهن من الجواري، فإن فوز هي التي احتلت النصيب الأوفر من شعره الغزلي. ومع ذلك، فقد ظلت هويتها الحقيقية في دائرة الغموض واللبس. وحيث ذهب البعض إلى أنها والجارية ظلوم تسميتان لامرأة واحدة، إلا أن قصائد الشاعر تؤكد أن فوز لم تكن جارية، بل امرأة من الأشراف ذات نسب عريق. وفي مواضع عدة يشير العباس إلى أنه أخفى اسم حبيبته الحقيقي خشية على نفسه وعليها، كما في قوله:

كتمتُ اسمها كتمان من صار عرضةً وحاذر أن يفشو قبيح التسمُّعِ

فسمّيتها فوزاً ولو بحتُ باسمها

لسُمِّيتُ باسمٍ هائل الذكْر أشنعِ

وفي بحثها النقدي الاستقصائي عن العباس بن الأحنف، ترى الكاتبة العراقية عاتكة الخزرجي أن حبيبة الشاعر لم تكن «كائناً متخيلاً، بل امرأة من لحم ودم، وأن ديوانه الشعري كان سيرته وقصة قلبه». إلا أن الخزرجي تذهب إلى أبعد من ذلك، فترجح أن تكون فوز هي الاسم المعدل لعليّة بنت المهدي، أخت هارون الرشيد، وأن العباس أخفى هويتها الحقيقية خوفاً من بطش الخليفة، الذي كان الشاعر أحد جلسائه.

وقد كان يمكن لاجتهاد الخزرجي حول هوية فوز، أن يكون أكثر مطابقة للحقيقة، لو لم يشر الشاعر في غير موضع إلى أن حبيبته قد انتقلت للعيش في الحجاز، في حين أن عليّة، ظلت ملازمة لبغداد ولقصر أخيها الرشيد بالذات. وأياً تكن هوية حبيبة العباس الحقيقية، فقد بدت المسافة الشاسعة التي تفصله عنها، بمثابة النقمة والنعمة في آن واحد. فهي إذ تسببت له بالكثير من الجروح العاطفية والروحية، إلا أنها منحته الفرصة الملائمة لإحالتها إلى خانة الشعر، ولتحويلها نداءً شجياً في صحراء الغربة الموحشة، كقوله فيها:

أزيْنَ نساءِ العالمين أجيبي

دعاء مشوُقٍ بالعراق غريبِ

أيا فوز لو أبصرتِني ما عرفْتني

لطول نحولي دونكم وشحوبي

أقول وداري بالعراق، ودارها

حجازيةٌ في َحرّةٍ وسهوبِ

أزوّار بيت الله مُرّوا بيثربٍ

لحاجة متبولِ الفؤاد كئيبِ

ولو تركنا هذه الأبيات غفلاً من الاسم، لذهب الظن إلى أن ناظمها الفعلي هو جميل بثينة أو مجنون ليلى. وليس من قبيل الصدفة أن ينسب الرواة إلى العباس، ما نُسب قبله إلى المجنون، ومن بينها مقطوعة «أسرْب القطا هل من يعير جناحه؟» المثبتة في ديوانَي الشاعرين. وإذا كان لذلك من دلالة، فهي أن هاجس العباس الأهم، كان يتمثل في إعادة الاعتبار للشعر العذري بوصفه الحلقة المفقودة في الحب العباسي، إضافة إلى أنه أراد في ظل القامات الشاهقة لأبي نواس وأبي تمام وغيرهما، أن يحقق عبر الحب العذري، ما يمنحه هويته الخاصة ويمهد له الطريق إلى الخلود. وهو ما يظهر في قوله إن التجربة التي اختبرها سوف تكون «سنناً للناس»، أو قوله: «وصرنا حديثاً لمن بعدنا، تحدّث عنا القرونُ القرونا».

وإذ يقارب المستشرق الفرنسي جان كلود فاديه في كتابه «الغزل عند العرب»، تجربة العباس من زاوية كونها خروجاً على التجارب الحسية البحتة لمعاصريه، يتوقف ملياً عند حبه لفوز، متسائلاً عما إذا كانت الأخيرة قد وُجدت حقاً، أم أن الشاعر قد ألفها من عنديات توقه للمرأة الكاملة. وإذا كان فاديه قد رأى في فوز المعادل الشرقي لبياتريس، حبيبة دانتي في «الكوميديا الإلهية»، فإن النموذج الغزلي الذي راح العباس ينسج على منواله، هو نموذج عربي بامتياز. وحيث كانت البيئة الحاضنة لشعره خالية من البوادي المقفرة والفقر المدقع، فقد استعاض الشاعر عن الصحراء المحسوسة، بصحراء الحب المستحيل الذي يلمع كالسراب في أقاصي العالم، موفراً له ما يلزمه من بروق المخيلة ومناجم الإلهام.

ومع أن العباس كان يسير عبر قصائده الغزلية والعاطفية، في اتجاه معاكس لنظرائه ومجايليه من الشعراء، فإن من يقرأ ديوانه لا بد أن ينتابه شعور ما، بأنه ليس إزاء شاعر واحد متجانس التجربة والمعجم والأسلوب، بل إزاء نسختين أو أكثر من الشخص إياه. فهناك القصائد الطويلة المترعة بالحسرة والوجد، التي تحتل فوز مكان الصدارة فيها، وهناك بالمقابل النصوص القصيرة ذات المعاني والمفردات المستهلكة، التي يدور معظمها حول مغامرات الشاعر العابرة مع القيان والجواري. إلا أن ما يدعو إلى الاستغراب هو أن يكون بين المنظومات المهداة إلى فوز ما هو متكلف ومستعاد وسطحي، كمثل قوله:

أيا سيدة الناسِ

لقد قطّعت أنفاسي

يلوموني على الحبّ

وما في الحب من باسِ

ألا قد قدُمتْ فوزٌ

فقرَّت عينُ عباسِ

رغم أن العباس يعرض في ديوانه للكثير من النساء، ومعظمهن من الجواري فإن فوز هي التي احتلت النصيب الأوفر من شعره الغزلي

ولعل الأمر يجد تفسيره في كون العباس لم يحصر اسم فوز في المرأة التي محضها قلبه، بل استعاره لغير واحدة من نسائه العابرات. إضافة إلى أن رغبته بأن تصدح بهذا الاسم حناجر المغنين والمغنيات، جعلته يتنازل عن سقف شعريته العالي، لمصلحة النصوص السهلة والصالحة للغناء، خصوصاً أن احتفاء عصره بهذا الفن، لم يكن موازياً لاحتفاء الأمويين به فحسب، بل كان متجاوزاً له بفعل التطور والرخاء واختلاط الشعوب والثقافات.

وعلينا ألا نغفل أيضاً أن النزوع النرجسي للعباس، قد دفعه إلى أن يصيب بقصائده ومقطوعاته أكثر من هدف. فرغبته في أن يحاكي التجربة الفريدة لعمر بن أبي ربيعة، والتي جعلته يكرس بعضاً من النصوص لسرد فتوحاته ومغامراته العاطفية التي يواجه فيها المخاطر ليظفر بامرأته المعشوقة، لم تحل دون رغبته الموازية في التماهي مع تجارب العذريين الكبار، وما يستتبعها من بوح صادق وشفافية مفرطة.

إلا أن المقارنة بين النموذجين الحسي والمتعفف في تجربة الشاعر، لا بد أن تصبح في مصلحة هذا الأخير، حيث يذهب العباس بعيداً في الشغف وحرقة النفس، وفي الأسئلة المتصلة بالحب واللغة والفراق والموت. وهو إذ يحول العناصر والمرئيات مرايا لروحه الظامئة إلى الحب، تتراءى له فوز في كل ما يلوح له من الأشياء وظواهر الطبيعة، حتى إذا أبصر السيل منحدراً من أعالي الهضاب، تذكر أن ثمة في مكان قريب، حبيبة له «مسيلة» للحنين والدموع وآلام الفراق، أنشد قائلاً:

جرى السيلُ فاستبكانيَ السيلُ إذ

جرى وفاضت له من مقلتيّ سروبُ

وما ذاك إلا حيث أيقنتُ أنه

يمرُّ بوادٍ أنتِ منه قريبُ

يكون أجاجاً دونكمْ فإذا انتهى

إليكمْ تلقَّى طيبكمْ فيطيبُ

أيا ساكني شرقيّ دجلةَ كلُّكمْ

إلى النفس من أجل الحبيب حبيبُ